الخطاب الدعوي بين الميوعة والجفاء
بقلم د.أحمد زكريا
إن المتابع للمنابر الإعلامية المتعددة يجد أن هناك خللا خطيرا في الخطاب الدعوي،يتراوح بين الميوعة الزائدة التي تصل إلى ضياع الحدود الفاصلة بين ثوابت الإسلام والأديان الأخرى،حتى يصبح الإسلام على ألسنة هؤلاء مائعا بلا طعم ولا لون لا رائحة.
وطرح آخر مليء بالغلظة والجفاء،حتى يتصور البعيد عن الإسلام بأن هذا الدين دين قسوة وغلظة وفجاجة.
والإسلام وخطابه الدعوي ليس هذا ولا ذاك.
ونبدأ بمحاولة التعرف على خصائص الخطاب الدعوي الإسلامي آملين في وضع طرح متوازن للخطاب الدعوي.
تعريف الخطاب الدعوي:
هو مجموعة قوالب العرض للمضامين الدعوية الإسلامية التي تقدم بمنهجية أصيلة بما يلائم المتغيرات المختلفة وصولاً إلى الإيضاح والإقناع.
وقد حدد العلماء أسسا وقواعد لهذا الخطاب الدعوي مستلهمين تلك الأسس من الفهم الصحيح الوسطي للكتاب والسنة،وكلما انتبه الدعاة والمتحدثون باسم الدعوة لهذه الأسس تفادوا الكثير من الشراك التي تنصب لهم من المتربصين بالمشروع الإسلامي،لذا نضع بين يدي القارىء الحبيب مجموعة من تلك القواعد عساها تنير الطريق نحو خطاب دعوي متوازن.
أسس الخطاب الدعوي المعاصر.
التيسير الشرعي المرغب .
الواقعية الاستيعابية الواعية .
اللغة الإيجابية الراقية .
الخبرة التجريبية المتراكمة .
المعرفة الثقافية المتخصصة.
الأصالة المنهجية الشرعية .
الشمول التكاملي المؤثر .
التوازن النسبي الملائم .
الإقناع العقلي المتمكن .
الحوار المبدئي الهادف.
ولعل تلك الأسس تحتاج إلى عدة مقالات لشرحها،ولكني أرى لزاما علينا في تلك الفترة أن نركز على أساسين هامين،وهما : اللغة الإيجابية الراقية، الحوار المبدئي الهادف.
فلو توفر هذان الركنان في خطابنا الدعوي والإعلامي لزالت الكثير من العقبات في سبيل الدعوة والتواصل بين فئات المجتمع المختلفة.
فديننا دين الكلمة العفيفة،والجملة الراقية المهذبة التي لا تخدش حياء،ولا تثير حنقا،ولا تحدث خللا.
بل القول اللين حجتنا،والرفق طريقنا،والرحمة سبيلنا،فلا مكان للبذاءة والفحش والقبيح من الأقوال والأفعال.
ونصوص الكتاب والسنة مليئة بذلك:" فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي نَ ﴿١٥٩﴾،ومن حديث عائشة عند مسلم قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:( إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف).
وهذا الخطاب المتوازن الذي يصدع بالحق مع ملاطفة الخلق،ويدافع عن الشريعة وثوابتها بإسلوب راق،وتعبيرات مهذبة،بلا ابتذال ولا فحش ولا غلظة،ولا ميوعة.
ورحم الله شيخنا الغزالي حين شخص الداء العضال،بعبارة وجيزة قائلا: (إن الإسلام قضية رابحة، بيد أنها موضوعة فى يد محامٍ فاشل).
وتعلمنا من شيوخنا حفظهم الله تعالى:( إن الحق الذى تدعون إليه مر فلا تزيدوه مرارة بسوء أخلاقكم).
وكان شيخنا الدكتور ناجح إبراهيم يركز على هذه المعاني كثيرا،وهو يوجهنا ويعلمنا أساليب الدعوة إلى الله ،والطريقة المطلوبة في الخطاب الدعوي.
فالسلاسة والهدوء تفيد كثيرا من التشنج والتعصب،وهذا لاعلاقة له البتة بالثبات على الحق من عدمه.
وكذلك لو تحولت الحوارات إلى حوارات هادفة بدلا من الضجيج الصاخب ،والمراء الكاذب،ومحاولة الانتصار ولو بالكذب والزور والباطل،وكان المقصد هو الوصول للحق،وتحقيق مصلحة البلاد والعباد،لتحققت نتائج باهرة من هذه الساعات الطويلة التي صدعت رؤسنا طيلة الليل والنهار ،ولكنه طحن بلا حب،وخض في الماء لاينتج إلا إحنا وعصبية ،وبدلا من أن يبحث عن حلول جادة لمشاكلنا وأزماتنا وماأكثرها،إذا به يزيد النار اشتعالا،ويحرق الأخضر واليابس.
وهذا يشمل الخطابين الدعوي والإعلامي ،ولابد من تصحيح المسار ،والعودة إلى الوسطية،وتغليب مصالح البلاد العليا على الأجندات الخاصة،وأولى الناس بذلك هم أهل الدين والدعاة.
وكما يقول الدكتور سلمان العودة:ويكون ذلك بترتيبٌ لسلّم الأوليات وتنظيم للأهم والمقاصد الكبرى للعلم والدعوة والإصلاح واتفاق على ذلك وتسهيل تطبيق ذلك وتوجيهه في أرض الواقع، وإبراز لجانب القيم والأخلاق الإسلامية الإنسانية العامة التي يحتاج إليها الناس كلهم دون استثناء، وتطبيع قيم العدل التي يأمرنا بها الإسلام تجاه الخلق كلهم ومعاملة الناس كلهم بالحسنى، قال تعالى:
"وقولوا للناس حسنى" قال ابن عباس: (اليهودي والنصراني)
والتجديد يعني العناية بالنظريات العامة في الإسلام مثل النظريات السياسية والاجتماعية والفقهية الفرعية والأصولية، ودعم المشاريع العلمية التي تصل تراث الأمة بهذا العصر وتضيف إليها تراكماً علمياً ومعرفياً.
والاهتمام بالمبادرات في الخطاب الشرعي والدعوي فالأمر قبل النهي، والأمر بالمعروف مقدم على النهي عن المنكر، والإصلاح ينفي الإفساد بالضرورة والعملة الجيدة تطرد العملة الرديئة -كما يقول الاقتصاديون-، فهذا الجهد يقوي عنصر "المزاحمة" في الفكر الإسلامي والخطاب الديني.
فهيا بنا جميعا نستظل بسعة الشريعة وشموليتها في خطابنا الدعوي والإعلامي،ففي ذلك مصالح الدين والأوطان.