العجب المستغرب ممن قصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على السُّلْطَةِ.



عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ).وقال أَبو بَكْرٍ الصِّدِّيق ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، : يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ (( يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ )) سورة المائدة آية 105 . إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ " .

ـ نعم مباحث التموين والشرطة ومكافحة المخدرات والرقابة والنيابة الإدارية وغير ذلك من أجهزة الدولة تقوم مقام الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...
ولكن: هل تعمل هذه الأجهزة كما ينبغي ...
وهل المواطن الفرد لا يكون من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر حينما يبلغ عن موقعة نهب أو غش أو سرقة أو اعتداء ....
وهل نصرة المظلوم ليست نهيا عن المنكر...
وهل الأخذ على يد الظالم ليس نهيا عن المنكر...
وهل نصرة الأخ لأخيه ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما)) ليس أمرا بمعروف ونهيا عن منكر...
وأين النصيحة للمخطيء الذي يغش البضائع أو يعتدي على الآخرين في الطرقات أو يؤذي المارة أو يعاكس فتاة في الطريق أو لا يصلي ويجلس في المقهى أثناء الصلاة أو يجلس في الأماكن المحرمة أو المرأة المتبرجة المارة في الطريق أو الذي يسبّ الدين في الطريق علنا أو الأذى الموضوع في الطريق ....
هل كل هذا من شأن الدولة ولا شأن للفرد فيه من نصيب...؟



إن الذي يساعد في نشر هذه الشعيرة ((شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))المتعلقة ابتداءا بالحسنى والموعظة الحسنة والنصح والرفق الذي هو من شأن الفرد المسلم إنما يحصّل الثواب العظيم ...فبنص الحديث ((وأمر بمعروف صدقة ،ونهي عن منكر صدقة)).

إن مساعدة رجال الحسبة والهيئات الموجودة في الدولة من مباحث ونيابات وشرطة غيرها ... بنصح الناس وتوعيتهم وتقوية الوازع الديني لديهم وتفهيمهم الخطأ ليتركوه والصواب ليقبلوا عليه ويتبعوه... هو أمر بمعروف ونهي عن منكر...
((فالفرد يكمل الدولة ، والدولة تحتاج إلى الفرد)).

أتساءل لماذا يتجاهل المشائخ والدعاة والعلماء والوعاظ وأهل العلم عمدا بالوقوع في فخ توجيهات القنوات الفضائية المعروفة بالتحامل على المتدينين والذهاب إليهم ومشاركتهم في الحوارات ... والتحامل على إخوانهم في تخطئتهم علنا في مسائل وليدة ((كنشر شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) ..
فبدلا من أن ننميها وندفع الشبهات عنها في القنوات الإسلامية والمنتديات العلمية والدعوية ...نظهر في هذه القنوات المتحاملة على المتدينين ونقول: هذا الأخ الذي يتكلم عن شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرد ولا مجال لنشر فكرته . فنجعل الشعيرة مجرد فكرة تقبل الطعن والقبول والرد ... بدلا من أن نساعده ونصحح ما أخطأ فيه..

وهل قوله تعالى على لسان لقمان الحكيم: (( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ )) مراد به السلطات الحاكمة؟
وهل قوله تعالى: ((وَالْمُؤْمِنُو نَ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ))مراد به السلطات الحاكمة؟
وهل قوله تعالى: ((التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)) مراد به السلطات الحاكمة فقط؟
وهل قوله تعالى: ((لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)) مراد به السلطات الحاكمة؟
وهل قوله صلى الله عليه وسلم: ((وأمر بمعروف صدقة ،ونهي عن منكر صدقة))مراد به السلطات الحاكمة؟
وهل قوله صلى الله عليه وسلم: ((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ, فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ))مرا د به السلطات الحاكمة؟
وهل قوله صلى الله عليه وسلم في بداية الإسلام عند البيعة (( تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن تقولوا لله لا تخافوا في الله لومة لائم ، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم ، وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة)).مراد به السلطات الحاكمة؟
وهل قوله صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ )).مراد به السلطات الحاكمة؟
وهل قوله صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ))، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ )) مراد به السلطات الحاكمة؟

إن شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبتديء المعروف فيها بإلقاء السلام ...ويبتديء المنكر فيها بالنهي عن المحرم أيا كان بالكلمة والموعظة الحسنة.... ويزداد....

إذن ... فلا يجوز للمعارض أن يتكلم ويعترض على الحاكم ... إنما المعترض هم أصحاب السلطة فقط ...ينكرون على السلطة أنفسها فقط ((هل هذا كلام سديد قويم؟))



وهل قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ((إن أحسنت فأعينوني ، وإن أخطأت فقوموني))..خطاب إلى أعوانه ووزرائه وأصحاب المناصب في السلطة فقط ..أم إلى عامة الشعب ؟
وهل قول عمر رضي الله عنه :((أصابت امرأة وأخطأ عمر)) لم تكن المرأة فردا من أفراد الشعب ،وإنما هي من أصحاب السلطة فاستمع إليها عمر رضي الله عنه؟
وهل لا نمتدح خروج المتظاهرين يوم( 25/1/2011 )فنجعله قوة وعزيمة وإرادة وتحذيرا للسلطة فتعمل بإخلاص وصدق وأمانة ..فإذا ما انحرفت اعترض عليها وانكر عليها الأفراد فتبعهم الناس ...أم أن الانكار على الحاكم من خصوصيات أصحاب المناصب في السلطة فقط ...
إن تحرك الأفراد والتصدر سببه عدم تفعيل دور العلماء في المجتمع فإذا تصدروا وشغلوا هذا التصدر تأخر الجميع وساروا وراءهم أصلح الله أحوالنا وأحوالهم ...

كل هذا التضييق على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببه:



1 ـ عدم الفهم الشامل لهذه الشعيرة..
2 ـ التخويف منها وتشويهها المتعمد.
3 ـ الفتور والتقصير في حملها والجد في ذلك..
4 ـ عدم التفهيم والتوضيح الكافي من المشائخ والعلماء والدعاة وأهل العلم للناس أن ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبتديء بأن يقوم كل إنسان بالأمر والنهي بما يقدر عليه وبما يصلح المجتمع في كل نواحي الحياة الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ...بحكمة وموعظة حسنة ...
وعندما لا يقدر على تغيير شيء يصعّد الأمر إلى هيئات الدولة من شرطة ونيابات وهيئات ومباحث..لتغيير ذلك..

لا تكفي إصدار القوانين والفتاوى من الدولة:



فلا تنفرد الدولة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...
بل لا بد من الفرد المسلم المتدين بالقيام بما يقدر عليه من توعية ودعوة ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة وإليكم بعض النماذج:
ـ الفتوى المشهورة من دار الإفتاء المصرية السابقة بتحريم التدخين والتبرج والسفور ...
فلا يكفي من إصدارها بل لا بد من نشرها وترويجها ولصقها وتوعية الناس وتفهيمهم والبيان لهم والاختلاط بهم ..وهذا ما يفعله الفرد ويبرع فيه ..أكثر مما تفعله الدولة..
ـ وكذلك البيان المنشور من وزارة الصحة بشأن منع التدخين في المصالح العامة والأماكن العامة والمواصلات ... والتحذير من ذلك..
فما فائدة نشر هذا البيان في المستشفيات والمصالح الحكومية والشرطة ، والقيادات والرموز يخالفون ذلك ـ إلا ممن رحم الله ـ فلا بد من الأفراد المتدينين المخلصين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مستندين إلى هذه البيانات والفتاوى الرسمية الحكومية ... فينطلقون بأجر من الله فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بحكمة وموعظة حسنة ...

فمن سيطبق القانون إذا لم ينتشر بين الناس ثقافة الانضباط والتدين والخوف من عقاب الله تعالى ...؟


د/ أبو مسلم خالد مصطفى الوكيل.