بقلم :عبد الرحيم الشمري/ عن موقع : العصر

قيل من قبل "ليس المخبر كالمعاين" و"أهل مكة أدرى بشعابها".. وعلى مدى فترة طويلة، أنكرتُ بإلحاح أن تكون القاعدة في العراق خاصة، وكذلك القاعدة الأم قد تورطت في قتل أبرياء .. أو سقطت في شبهات، فضلا عن أن توصف بأوصاف الغلو والتكفير... وحتما، فإن إنكارنا لواقعنا الذي انتهينا إليه بعد ضياع دولة الخلافة منا، وما آل إليه أمرنا من تشرذم وتمزق، وبغضنا لمن أرهبونا وحرمونا إنسانيتنا، وحاربوا ديننا، وأشعلوا الحرب الصليبية، التي تولت كبرها "قوى عظمى"، احتلت بلادنا ونهبت أموالنا وملأت سجونها بصغارنا وكبارنا، وانتهكت أعراضنا، هو ما دفعنا للتعاطف مع القاعدة، كونها ساهمت إلى حد ما في إحياء سنة الجهاد مع غيرها من تنظيمات وعلماء ربانيين وشباب مخلصين.


وقبل أن أمضي في موضوعي، لابد أن أذكر ببعض المبادئ التي لا نختلف عليها، فنحن لم ولن ندعي للقاعدة العصمة، وهذه ليست عقيدتنا ولا فكرنا, فنحن نميل مع الحق حيث يميل، ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان "أكثر دعائه يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقيل له في ذلك فقال ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ" حسنه الألباني, ولذلك نصحنا نبي الرحمة وحذرنا أن نغتر بحسن الظن فنندم، فقال: "لا تعجبوا بعمل أحد حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زمانا من دهره أو برهة من دهره بعمل صالح، لو مات (عليه) دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملا سيئا، وإن العبد ليعمل زمانا من دهره بعمل سيء لو مات (عليه) دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قبل موته فوفقه لعمل صالح (ثم يقبضه)"، صححه الألباني ..


وقد تغيرت القاعدة التي جاهدت في أفغانستان حتى استحالت فكرا آخر لا يشبه ما كانت عليه, بل إن بعض قادتها ومفكريها أصبحوا اليوم خصوما لها... ولو أن الفقيد عبد الله عزام رحمه الله تعالى كان اليوم حيا، لتبرؤوا منه، أو أكثر من ذلك، كما فعلوا مع من تجرأ من مفكريهم ومنظريهم، فخالفهم وتراجع عن بعض مبادئهم، كما حدث مع أبي محمد عاصم المقدسي .. وأجزم أن أسامة بن لادن ذاته لو أراد أن يتراجع عن عمل أو معتقد تبين له بطلانه، فلن يرحمه أقرب الناس إليه وأبعدهم على حد سواء، من مناصري القاعدة.


وعلى هذا الأساس، فقادة التنظيم وكل رجاله يندرجون تحت ما سبق من نصوص شرعية، حيث تمنع مطلق التزكية لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن العُجب بأحد كائنا من كان، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما" صححه الألباني, فلا غرابة أن يصبح الحبيب بغيضا .. وقد أصبح ..


وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع من الصغير والكبير، ولا يستنكف عن أخذ رأي أزواجه، كما فعل مع أم سلمة، وأخذ برأي سعد بن معاذ ووقف عنده ورأي الحباب بن المنذر في بدر، مع أنهما خالفاه فنزل على رأيهما، ولكن للأسف هناك دوما من سيستميت في منع أي كلمة تقال في حق القاعدة، من أن تدخل أُذنيه، وسيصمهما بكل أصابعه، مبالغة منه في عدم الرغبة في السماع, بل سيفعل كل ما يمكنه، لئلا يسمعها أحد غيره أيضا حتى يلاقي ربه، وهو في هذا لا يستحق الهداية بعد ضلال ولا التوبة بعد إثم، كما قال تعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء:17), فكم من إمام في الدين كان بالأمس كافرا أو ضالا مبتدعا، فلا زال يسمع الحكمة ممن يقولها حتى اهتدى، وكما قال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة في الشيطان: "صدقك وهو كذوب"رواه البخاري, ولا يصم أُذنيه إلا صاحب الهوى الذي يستكبر عن سماع الحق, وقد ناظر ترجمان القرآن ابن عباس رضوان الله تعالى عليه الخوارج، فلم يرجع إلا بعضهم، ولم يجد الآخرون في كلامه ما يدفع لتوبة، فأنى لنا أن نصل إلى قلوب من لم يهدهم عبد الله ابن عباس؟؟ وأنى لهم أن يهتدوا وهم لا يسمعون؟؟ (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (الأنعام:36).


والآن بعد أن ذكرت بما سبق!! أعود إلى القاعدة اليوم في واقع ما نعيش في العراق لا ما تسمعون خارجه!! فالمجاهدون في العراق ظنوا كما ظننتم بهم خيرا ـ أي بعناصر القاعدة ـ، وكانوا لوهلة عند حسن الظن أو بعضه على الأقل، فقارعوا العدو وأوقعوا فيه نكاية عظيمة، ولم يخل جهادهم حتى في بدايته من مخالفات شرعية وشذوذ عن باقي الفصائل، وتميز في شدة واستهانة في دماء وتفريط في حقوق الناس ... وكانت لهم قراراتهم الخاصة بهم دائما، برغم أثرها الشامل على عامة الناس وباقي فصائل الجهاد، فلم يتعاملوا قط على أنهم جزء من كل بل تعاملوا دوما على أنهم يملكون ما لم يعطهم أحد من أهل الحل والعقد وأصحاب الشأن .. ولا زالوا يميزون أنفسهم ولا يقيمون اعتبارا لغيرهم حتى نأوا وشذوا كثيرا .. ولا يَصٌدُقُ من يدعي متابعة أخبار الجهاد في العراق دون أن يميز ذلك منهم قط! وسأتناول في موضوعي هذا فقط النقاط التي أعتبرها ظاهرة بينة لمن هم خارج العراق.


أولا: إعلان تنظيم القاعدة عن دولته:


فبعد إعلان تنظيم القاعدة دولة له في العراق، سقطت أعذار ذوي الأعذار في قبول تمييزه نفسه كما حصل في مجلس شورى المجاهدين وإعلان الحرب على الشيعة وضرب أهداف خارج العراق, ففي خطوة إعلان دولة بغير إذن وموافقة باقي الفصائل تميز من ينتصر للجهاد في بلاد الرافدين عمن أعمته الحزبية للقاعدة أو غلوه في الدين، كما يدعون، تسفيه لرأي باقي الفصائل وتهميشها.


وقد جاء في كلام أهم منظريهم اليوم ـ وقد خلت ساحتهم من العلماء ـ "والجواب على هذا، أننا علمنا من إخواننا أن الأكثرين معهم، مع قواعد المجاهدين، ومن رجال العشائر، ومن عامة الشعب من أهل السنة في الأنبار وما جاورها من معاقل أهل السنة وعقر دارهم، بالإضافة إلى كونهم هم (أعني إخواننا في مجلس شورى المجاهدين ومَن دخل معهم) أكبر وأقوى الجماعات والفصائل"، وهو عذر إضافة لخطئه وبطلانه أقبح من الذنب الذي يدفع عنه ... فتنظيم القاعدة بكل مسمياته لا يعدل أحد الفصيلين الكبيرين في العراق (الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين،) بل لا يغلب فصيلين آخرين مجتمعين كأنصار السنة وجيش المجاهدين, وليس ثمة منطق شرعي أو عقلي يعطي الأكثرين في محافظة الأنبار وما حولها الحق في إعلان دولة، تشمل بغداد والموصل وكركوك وديالى وصلاح الدين وأجزاء أخرى من العراق، فضلا عن أن أهل الأنبار أكثر من يبغض هذا التنظيم، ومن المعلوم أنهم جيشوا جيوشا لقتاله، إلا أنها لا زالت تصطدم بباقي الفصائل التي لم تنفصل مناطق عملها عن التنظيم, ولو تمايزت مناطق جهاد باقي الفصائل لما بقي لتنظيم القاعدة وجود في الأنبار بالذات .. وليتنا نعلم اسم شيخ عشيرة واحد من "الأكثرين"، يؤيد أو يقبل أو يسكت مختارا عن تنظيم القاعدة في العراق!!


وبرغم فساد الاستدلالات سالفة الذكر، فإن مبدأها لا يجاوز "أننا علمنا من إخواننا"!! وما كذب عطية هنا ـ نسبة إلى أحد منظريهم، المدهو لويس عظية الله ـ، أي سمعوا فصدقوا .. وأقول لكل من دافع عن دولة القاعدة ومنطقها.. إن كل الحجة تدور حول: نقلت القاعدة.. وقالت.. وزعمت لا أكثر!!.. إن كل الحجة تدور حول: نقلت القاعدة.. وقالت.. وزعمت لا أكثر!! وليتني هنا أحظى بنقد المحدثين الجارحين بمن يتهم القاعدة بمستوى هذه النقولات وقوتها على الارتقاء إلى مستوى الأدلة !! بل إن من كلف نفسه طلب الحقيقة من داخل أرض الجهاد في العراق ممن عرفنا خبره من بعض الحريصين أرسل تلميذا إلى القاعدة ليعرف منها مجريات الأمور فأنى له معرفتها والمصدر واحد !! فماذا لو أن أهل الأنبار هم أكثر من يدعوا على تنظيم القاعدة ليل نهار؟؟ وكيف لو سارت الركبان بأخبار قاعدة العراق غدا، ماذا تقولون أيها المنافحون عن القاعدة !! ستقولون حتما "أننا علمنا من إخواننا"؟؟


كيف وقد سبق أن بينت أكبر فصائل الجهاد موقفها من إعلان دولة إسلامية أو دولة في جزء من العراق، كما قال الناطق الرسمي للجيش الإسلامي د. إبراهيم الشمري، قبل إعلان هذه الدولة أنها (أضغاث أحلام)، وقال بعد إعلانها "إن أمر إعلان الدولة من قبل إخوتنا في مجلس الشورى وحلف المطيبين، هو اجتهاد خاص منهم".. فرأي الجيش الإسلامي، الذي يعدل أكثر من ضعف حجم القاعدة في العدد والعدة، وله ثاني ثقل جماهيري بعد كتائب ثورة العشرين، أن هذه الدولة.. أضغاث أحلام, وكذلك رأيه بعدها، بأنها اجتهاد من التنظيم فيه تلميح لرفضها لمن يفقه!! فهو حتما ليس تأييدا إلا أن الصامّين آذانهم، يعدون هذا التصريح لحساب لتنظيم لا عليه !! فكيف يفسر مؤيدو التنظيم قبولهم لدولته، دون أن يقدحوا بكل الفصائل؟؟


ثانيا: بيانات الفصائل ضد تنظيم القاعدة..


ومن الأدلة التي ليس من حق أحد تجاهلها (وهي ليست مجرد ظن عابر، بل دليل صريح منشور بين يدي من يدعي استقصاء الحقيقة والحكم من خلالها)، ما أصدرته بعض الجماعات المجاهدة من بيانات رسمية، نشرت في مواقعها وفي المواقع المعتمدة لها (كموقع الحسبة)، ومنها بيان كتائب صلاح الدين الأيوبي الجناح العسكري للجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية (جامع)، أحد الفصائل التي لها منزلة بين الفصائل، وتأتي في الدرجة الثانية قوة وحجما بعد الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين وتنظيم القاعدة وجماعة أنصار السنة وجيش المجاهدين، ولا يمكن تجاوزها لما لها من صولات وجولات ضد قوات الاحتلال والحكومة العميلة والميليشيات الصفوية, فقد أصدرت كتائب صلاح الدين بيانا في 10/1/2007م بعنوان (بيان سياسي مهم وخطير بخصوص ما نشر في العامرية حول كتائبنا) (1).


تناول البيان موقف تنظيم القاعدة من الكتائب عبر بيان تم توزيعه وإلصاقه على جدران مباني حي العامرية غرب بغداد، يحكم على كتائب صلاح الدين بالكفر والردة، ويأمرها بالتوبة والندم "وتسليم السلاح والسيارات إلى دولة العراق الإسلامية"، حيث جاء في بيان جامع: "نُشِر يوم أمس بيان باسم (دولة العراق الإسلامية — وزارة الإعلام) وعنوانه (البراءة من كتائب صلاح الدين)، وما زال معلقاً إلى الآن على أماكن في منطقة العامرية غرب بغداد، وفيه تدعو دولة العراق الإسلامية كتائب صلاح الدين الأيوبي إلى ما أسمته "التوبة" وتسليم ما بحوزتها من سلاح وسيارات إلى دولة العراق الإسلامية، بدعوى علاقة الكتائب بالحزب الإسلامي العراقي (المشارك في العملية السياسية)، ولخطورة هذا الأمر على الساحة الجهادية، ولأنه تكرر أكثر من مرة في أكثر من مكان وضد أكثر من فصيل".


وفي فقرة أخرى: "6 ـ نحن نظن أن مثل هذا البيان مدسوس على الإخوة في دولة العراق الإسلامية، لذلك ندعوهم إلى التبرؤ من هذا الكلام، وإصدار بيان واضح وصريح بخصوصه، وإن كان غير ذلك، فسنعتبر أن هذا البيان المنشور هو موقف رسمي منهم تجاه المجاهدين في جامع"، وهنا سيقفز من زعموا أنهم طلاب حق، ممن لم يروا البيان لأول مرة، ولم يخطر ببالهم تقليب صفحات الإنترنت أو الاتصال بذوي الشأن لاستقصائها، فقد وجدوا في هذه الفقرة (بظنهم) كفايتهم من أن جامع ترجح أن البيان منسوب .. فلابد إذن أن نسوق لهم الفقرة السابعة منه، وهي .."7 ـ إن كتائب صلاح الدين الأيوبي لها تاريخ جهادي مشرف والذي يرجع إلى موقعنا سينشرح صدره بمشاهدة أكثر من (150) مائة وخمسين عملية جهادية مصورة، وسيقرأ ويطلع على تفاصيل أكثر من (1500) ألف وخمسمائة عملية عسكرية جهادية وسيجدها موزعةً على ثمانين بياناً عسكرياً ... ونحن نورد هذا للتذكير فقط ، وليعلم الجميع أن (جامع) رقم صعبٌ ومهمٌ إلى جانب الفصائل المجاهدة في الساحة، وكتائبنا بعد هذا تحذر من محاولة التحرش بها، ويقسم جنودها بالذي رفع السماء بلا عمد، أنهم سيردون الصاع صاعين لكل من تسول له نفسه استهداف أي فردٍ من الكتائب، سعياً وراء إفراغ الساحة الجهادية العراقية من المجاهدين الصادقين خدمةً للمشروع الصفوي".


ولم يرد ذكر المشروع الصفوي في خضم تهديدها للقاعدة هنا فحسب، بل أفردت له الفقرة الثالثة من البيان: "3 ـ إننا نُرجع كثيراً من محاولات تمزيق الصف الجهادي إلى الدور الإيراني الخبيث، والذي يحاول من خلال دعايته المضللة عبر البعض - بعلمهم أو بغير علمهم — بعثرة ثمار العمل الجهادي، لذلك ندعو إلى بث الوعي وفضح هذا المخطط"، وهذا جرح صريح واتهام لتنظيم القاعدة بارتباطه بإيران، ودعوة لفضحه، وهذا ليس مجرد اتهام عابر، بل له أسبابه الكثيرة على الأرض، أهمها ما تناوله البيان، وهو العمل لمصلحة إيران.


فهذا البيان دليل على اتهام تنظيم القاعدة بتكفير باقي الفصائل، خاصة وقد أكد أن هذا الفعل "تكرر أكثر من مرة في أكثر من مكان وضد أكثر من فصيل"، وأقوى منه في الاستدلال، التزام تنظيم القاعدة الصمت وعدم الرد على هذا البيان بأي نوع من أنواع التكذيب المباشر أو غير المباشر .. بل إن كل الذين جروا أقلامهم بأحبارها، ليخطوا كلمات في نصرة تنظيم القاعدة أو الذب عنه، لم يطالبوا التنظيم بالرد على هذا الاتهام الصريح .. والسبب طبعا "أننا علمنا من إخواننا"!!


وقد تم حذف هذا البيان من موقع الحسبة، وكذلك فعلت جماعة أنصار السنة في رسالتها إلى أمير تنظيم القاعدة أبي حمزة المصري (2)، وقد نشرت البيان في موقع الحسبة في 7-2-2007م عن (ديوان الشرع والقضاء لجماعة أنصار السنة) حول قتل مجموعة جديدة من جنود أنصار السنة في الموصل على يد تنظيم القاعدة وتكفير الناس واستباحة دماءهم, جاء فيها: "لقد تم تنبيهكم من قبل إلى تصرفات بعض أفرادكم الذين بلغ بهم سوء الظن مبلغاً عجيباً، من تكفير المسلم المخالف لكم واستحلال دمه، بمعنى أن المخالف لكم مباح الدم ومن لا يدخل في إمرة إمامكم وجماعتكم هو كذلك.ولقد قلنا لكم وأبلغناكم وجلسنا مع بعض قياداتكم عدة مرات حول كيفية قبولكم لمثل هذه الأفعال الصادرة عن أفراد جماعتكم"، و"تهديد بعض قياداتكم في المدينة بأنهم أخذوا التوجيهات (بزعمهم!!!) بتصفية قيادات الجماعة واعتقال الأفراد والزج بهم في سجون خاصة، هُيئت لهذا الأمر، حيث اعتبروا من يخالفهم مباح الدم" ..


وهذا دليل آخر يرتقي لمستوى الدليل القطعي لمن هو داخل العراق، أو متابع متصل به، يعلم واقع الأمور وكيف تجري, وهي ليست أقل من قرينة ذات قيمة عالية لا يمكن إهمالها، خاصة وأنها نشرت في الحسبة، وأنها تقول أيضا: "علما أن هنالك أطرافا أخرى في الساحة، يشتكون من نفس التصرفات المؤلمة"، وهي تشبه تماما ما جاء في بيان صلاح الدين عن تكفير باقي الفصائل: "تكرر أكثر من مرة في أكثر من مكان وضد أكثر من فصيل"!


بل إن رسالة أنصار السنة تضمنت أيضا تهديدا واضحا لمقاتلي التنظيم في فقرتها الثانية "2 ـ تحذير للمجاهدين بتطبيق الإحكام الشرعية عليهم في حال صدور أي شيء مخالف للشريعة"..إذن الرسالة تظهر صراحة، أن هناك قتلا تكرر مرارا لمقاتلين من أنصار السنة في الموصل على يد تنظيم القاعدة، وأن محاولات الاتصال وإصلاح الحال، أضحت صعبة وشاقة، ولابد من معاملة المعتدين بالمثل لكثرة تسويف قيادتهم، كما في الرسالة: "ولا يصح التسويف مثل كل مرة لأن الأمر جلل ونريد أن نحقن الدماء وننشر الخير" ... فليت شعري أين المدافعون عن تنظيم القاعدة من كل هذا!! وأين من يشترطون العدالة وشروط الصحة في كل صغيرة وكبيرة ضد القاعدة، وهذا كلام أعدل الناس فيهم؟؟


ومن الملاحظ في الرسالة أنها صدرت من ديوان الشرع والقضاء لجماعة أنصار السنة، لأنها تتحدث عن إحالة الباغين إليه حال تكرار الأمر.. والأهم أنها موجهة إلى أمير تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، ولا ذكر فيها قط لدولة أو حتى مجلس شورى، بل إنها ذهبت أبعد من ذلك إلى رفض أي رد من غير شخص أمير تنظيم القاعدة، بقولها: "على أن يصلنا الرد من قبل الشيخ أبو حمزة المهاجر شخصياً وعلى نفس هذا المنتدى"، وهو ما يوافق آراء المتابعين لشأن القاعدة في العراق، بأن المهاجر لا زال الحاكم الحقيقي وليس أمير المؤمنين المزعوم ... وهذه قرينة أخرى واضحة جلية لما سبق الحديث عنه، من انصراف المؤيدين لتنظيم القاعدة عن باقي الفصائل عن الأدلة والقرائن إلى الاستنتاج ومنطق العقل وغلبة حسن ظن.


وقد حُذفت هذه الرسالة أيضا لاجتهاد من بعض المراقبين في منتدى الحسبة، حيث دار بينهم حديث، نقله أحد المشرفين على منتدى الحسبة كتعليق في مجلة العصر، وهذا التصرف من القائمين على منتديات تنشر البيانات الجهادية بشكل رسمي معتمد، يدل بوضوح على عدم رضاهم عن منع نشر إساءات تنظيم القاعدة، وهو جرس إنذار لبعض الشيوخ وعامة المسلمين، بأن لا يقفوا في وجه فضح أخلاقيات تنظيم القاعدة .. ولا يكونون (ملكيين أكثر من الملك) أو داعمين للجهاد أكثر من العاملين فيه!


ولن ألزم المنافحين عن القاعدة بالبيانات التي تصدر بشأن بعض الفصائل، كونها لم تنشر في المواقع الرسمية لها، خاصة مما ينشر في ميادين القتال، كبيان تكفير كتائب ثورة العشرين، وبيانات المعارك التي تدور في قضاء أبو غريب بين الكتائب وتنظيم القاعدة، وعقد الصلح الذي تم بين الطرفين ثم نقض ولا زال في حكم المنتقض حتى الآن وجاء فيه: (3)


"1- وقف إطلاق نار كامل من كلا الطرفين. 2- إزالة المظاهر المسلحة (السيطرة — الأسلحة الموضوعة (الظاهرة) على سطوح المنازل)، ابتداءً من فجر يوم الخميس 19 محرم 1428هـ الموافق 8/2/2007م. 3- وقف كل ما يثير العواطف من تجمعات وتقولات وإشاعات واستعراضات عسكرية في منطقة زوبع (الزيدان — العناز — الشكر — المحمودي — الفلوجيين — الطريق السريع) لمدة خمسة أيام" .... فهناك حرب على أرض الواقع وقتلى وجرحى، وهناك تعطيل للجهاد ضد المحتل .. ومع ذلك يكفيني أن يحكم المعاندون بما نشر رسميا لو كانوا صادقين !!


ثالثا: علاقة تنظيم القاعدة بإيران ..


هنا تحضرني عبارة نشرت قريبا جدا لأحد الناقدين الإسلاميين من أهل العلم، حين قال: "إن القول بعلاقاتٍ للقاعدة مع كل كفار الأرض أهون على نفسي من القول بعلاقتهم بصفوية إيران"!!، وهذا بعيد عن واقع تنظيم القاعدة في العراق، ويشهد التأريخ الحديث بعض التناقضات في تعاون دول تعتبر من ألد أعداء الإسلام والإسلاميين مع أعدائها, فقد كان نظام البعث العراقي مأوى لآلاف من قيادات وأفراد الإخوان المسلمين في سوريا بعد أحداث حماة ولا زال بعضهم موجودا حتى الآن.


وكان للجماعات المصرية والجزائرية الإسلامية المسلحة، وجود رفيع المستوى في اليمن, وكانت قيادات القاعدة في اليمن، متمثلة بأبي الحسن المحضار وأبي علي الحارثي تحظى بقوة رسمية، لا يبلغها بعض السياسيين، حتى تغيرت سياسة النظام اليمني بناء على قرارات أميركية صرفة، فانقلب الأمر إلى عداوة ظاهرة، بينما نشرت الصحف اليمنية مرارا استعمال القاعدة اليمنية ورقة التعرض لبعض المعسكرات الحكومية بقوة السلاح فعليا أو التهديد بها، من أجل إطلاق سراح بعض المعتقلين في السجون اليمنية, بل إن حسان الخامري، أحد منفذي العملية الانتحارية ضد المدمرة الأميركية كول، كان سجينا على ذمة محاكمة حينما أطلق سراحه قبيل تنفيذه العملية بأيام، وكذلك كان فواز الربيعي وبعض أمراء القاعدة من اليمنيين السعوديين اليوم في العراق سجناء أُطلق سراحهم وهم على ذمة محاكمات رسمية!!


بل إن الجماعة الإسلامية المصرية قامت بعمليات اعتقال لجواسيس مصريين والتحقيق معهم وإطلاق سراحهم داخل اليمن بكل حرية، كما حدث في قضية الجاسوس أبو إبراهيم المصري، أحد القياديين إبان الحرب الأفغانية بدرجة عضو مجلس شورى!! ولمدة عشرين عاما!!


وليس مستغربا ذلك التعاون بين الجماعات الإسلامية المتشددة وأعدائها، كما فاجأنا السادات في إعلانه قرارا دعم نظامه للمجاهدين الأفغان، عندما قال في 1/4/1980م: "إننا على استعداد بأسرع ما يمكن لكي نساعد في أفغانستان، وأن نتدخل لنصرة إخواننا المجاهدين هناك سواء طلبوا منا المساعدة أو لم يطلبوها"، ومعلوم أن الجماعات المصرية كان لها حضور هناك .. وبقوة ...


ولا يخفى أيضا أن النظام اليمني كلف العقيد عبد السلام الحيلة (المعتقل حاليا لدى السلطات الأميركية وهو أحد المجاهدين في أفغانستان) بالاتفاق مع مجموعة دول غربية، تتقدمها فرنسا، بإيصال أكبر عدد ممن يطلق عليهم الأفغان العرب إلى أوربا، وخاصة بريطانيا وألمانيا بواسطة جوازات سفر مزورة، تغض مطارات تلك الدول الطرف عنها، ثم تعطيهم اللجوء في أراضيها، وجاء في بيان للمرصد الإعلامي الإسلامي اللندني، الذي يديره ياسر السري المصري وهو أحد الشخصيات الإسلامية البارزة إبان الحرب الأفغانية وبعدها، ما نصه: "أن (الحيلة) ساهم في ترحيل أكثر من 15 ألف من عناصر الأفغان العرب الذين كانوا يقيمون في اليمن خلال السنوات الماضيةـ حسب مصادرـ وكان من بينهم عناصر مصرية وعربية وحتى أوروبية، وقد اشتهر عن (الحيلة) نفوذه الواسع في أوساط الأفغان العرب المرتبطين بتنظيم "القاعدة"، وهو يعمل بتجارة الأدوية ويستورد من مصر وغيرها أدوية يبيعها في اليمن، ويقوم بعقد عقود مقاولات" !!


ثم وجود أعضاء من القاعدة في إيران، بإعلانها اعتقالهم ثم السكوت المطبق الذي تبع ذلك، فلا أثر ولا ذكر لهم, لا محاكمات ولا تصريحات مقابله من تنظيم القاعدة حول الأمر .. وقد صرح الصحفي الباكستاني المعروف، حامد مير، نشره موقع العربية نت، قائلا: "أخبرني أبو حمزة أن المقاتلين يسافرون إلى العراق عبر إيران ويساهمون هناك بالقتال ويعودون إلى أفغانستان، وأنهم سعداء جدا لأن أمريكا في ورطة كبيرة في العراق، وأبو حمزة كان في العراق عام 2003م، وعاد من خلال إيران، وهو جزائري ومن المقربين جدا إلى أسامة بن لادن"، (4). وقد سبق لهذا الصحفي مقابلة أسامة ما يعني أن له قبولا لدى القاعدة .. ومن المؤكد أيضا أن مقاتلين من القاعدة شاركوا في معارك 2003م ضد القوات الأميركية إبان حكم صدام حسين، وبعضهم مستمر وجوده حتى الآن.


وقد طالب الدكتور هاني السباعي، الإسلامي المعروف، بالحجر على قيادات تأريخية للجماعات الإسلامية المصرية، و"كشف الكثير عن شخصية محمد خليل الحكايمة، الذي أعلن الظواهري انضمامه للقاعدة مع مجموعة أخرى من قيادات الجماعة الإسلامية في الخارج"، مستغربا إعلان أيمن الظواهري انضمام هذه القيادات إلى تنظيم القاعدة ومنهم الحكايمة, جاء ذلك في حوار أجرته معه العربية نت، ولا زال منشورا في موقع المقريزي الذي يديره السباعي نفسه, وجاء فيه أيضا: "لا يستطيع أحد أن ينفي وجود ذلك الرجل، فالحكايمة الذي كان يلقب بأبي جهاد، وهو أول شخص من الجماعات الإسلامية المصرية يفتح قناة مع إيران، حيث عمل هناك فترة كبيرة في إذاعة صوت فلسطين، وكان يستضيف أية شخصية تأتي إلى إيران من الجماعة، فقد استضاف مصطفى حمزة وبعده محمد شوقي الاسلامبولي وغيرهما كثيرون، ويتقن الفارسية وأنشأ علاقات مع جماعات فلسطينية" (5).


وأضاف السباعي حول الحكايمة أيضا "أنه عند خروجه من مصر إلى بيشاور أثناء الحرب ضد الاحتلال السوفيتي في أفغانستان، شارك في تأسيس مجلة (المرابطون) التي كان لها صدى كبير في تلك الفترة، وكان يجري تصوير نسخ منها في مصر وتوزيعها في الجامعات، وأشرف عليها (أبو طلال) وهو طلعت فؤاد قاسم، الذي قبض عليه فيما بعد في كرواتيا، أما الحكايمة فقد أشرف عليها إخراجا وإعلانا وكتابة وغير ذلك من الأمور التحريرية.


وعندما ذهبت قيادات الجماعة الإسلامية إلى السودان، كان يطبع لهم الشرائط المسجلة في إيران، ويمدهم بها"، وهذا الرجل أصبح رسميا في القاعدة قبل نحو خمسة أشهر فقط، ولديه مؤسسات داخل إيران وارتباطات كبيرة على كل المستويات .. وهذه قرينة هامة جدا حول العلاقة بين تنظيم القاعدة وإيران فلا أدري كيف سيتصرف بها الناقدون. لذلك فمن لا يفقه ما يجري في الساحة الجهادية، ليس من حقه أن يضع رأيا له فيها!


ولن يفوتنا موقف الظواهري في الحرب اللبنانية الأخيرة، فهو الوحيد من التيار الجهادي الذي انتصر في كلمته بعنوان (الحرب الصليبية على لبنان وفلسطين) للحرب اللبنانية التي أعلنها وقادها حزب الله .. ومثل هذا الموقف ليس بعيدا عن إعلان انضمام شخصيات إسلامية مصرية عريقة في إيران لتنظيم القاعدة كما سبق .. أضف إلى ذلك العبارة التي وردت رسميا في بيان كتائب صلاح الدين الأيوبي ضد تنظيم القاعدة "إننا نرجع كثيراً من محاولات تمزيق الصف الجهادي إلى الدور الإيراني الخبيث والذي يحاول من خلال دعايته المضللة عبر البعض - بعلمهم او بغير علمهم بعثرة ثمار العمل الجهادي ، لذلك ندعو إلى بث الوعي وفضح هذا المخطط".


وكيف يفوت طلاب الحق في الخصومة مع القاعدة التصريحات الصريحة لهيئة علماء المسلمين، ممثلة في أمينها العام الشيخ حارث الضاري في العدد (233) من مجلة البيان، الصادر قبل شهر تقريبا، حيث قال عن إيران "إن تصريحات بعض مسئوليهم تدل على أنهم لا يريدون رحيل الاحتلال، ولكن يريدون تصعيد الأزمة في العراق، ويبقى العراق هكذا مغموساً في وحل المشاكل والجرائم والفوضى وما إلى ذلك، لكي يدخلوا، ولكي يتمكنوا أكثر فأكثر في العراق؛ إذ صرح أحد مسئوليهم بقوله: "إننا ندعم بعض الجهات التي تقاوم الاحتلال، حتى تلك الفصائل المتطرفة التي تقتل الشيعة"، فلما قيل له: لماذا تدعمونهم وهم يقتلون الشيعة وقتلوا محمد باقر الحكيم؟ قال: "هذا الموضوع غير مؤكد؛ فمصلحة إيران الإستراتيجية والوطنية تقتضي أن ندعم هؤلاء ليبقى الوضع في العراق على ما هو عليه".


وقال الشيخ محمد بشار الفيضي الناطق الرسمي باسم الهيئة في حوار آخر معه في نفس العدد من المجلة: "إيران لاعب ذكي جداً، هي الآن تمد أحياناً بعض فصائل المقاومة، وهذه حقائق ولم تعد خافية... هذا بشهادات الإيرانيين أنفسهم؛ حيث إن (قاسم سليماني) ذكر في جامعة الحسين في ندوة مغلقة في كلية الدراسات الإستراتيجية والدفاعية، أن إيران تقدم تسهيلات لبعض فصائل المقاومة" . وما تعمدت هيئة علماء المسلمين فضحه، يفترض أن يكون له وزنه لدى المنافحين، الذين نجزم أن أغلب الصادين عن القاعدة لم يطلعوا عليه وأن بعضهم اطلع عليه وهو يعتبر الضاري وعلماء الهيئة كفار مرتدون كما هو الحال مع تنظيم القاعدة في العراق .. فحديثنا ليس لهذا الصنف من الناس بل للناقدين الذين يريدون وجه الله تعالى وينصرون الجهاد في العراق .. ويعلمون أن الهيئة لن تخوض في هذا الأمر، إلا ببينات تليق بهيئة علماء مسلمين.


وهنا أصلُ إلى ما أردت في محاورة المنكرين لعورات تنظيم القاعدة التي أفسدت الحرث والنسل في بلاد الرافدين أرض الرباط والجهاد.. واخترت ما نشر رسميا كحجة على من ينافح عن تنظيم القاعدة وتركت بعضه، كالبيانات الأخيرة من تنظيم القاعدة بإعلان كفر وردة الهاشمي وأعضاء الحزب الإسلامي، وقتل كل من وقع بين يديهم من الدبلوماسيين العرب والتركيز على السفارتين الأردنية والمصرية خاصة, ولم أذكر من واقع الأرض إلا القليل ولو فصلت فيه لاحتجت إلى تأليف كتاب مليء بالدماء ومظالم الناس وحقوقهم والاستهتار بأعراضهم وجهادهم وما تشيب لهوله الولدان.


وأختم باقتراح بسيط لكل الكتاب والمحللين والباحثين عن الحقيقة، بمناسبة إعلان تنظيم القاعدة حملة للترويج لما سطره أمير المؤمنين من أكاذيب حول توفير مساكن للاجئين الفلسطينيين في العراق تحت عنوان (نصرة للفلسطينيين المضطهدين في بلاد الرافدين)، بالاتصال على أي أسرة فلسطينية في بغداد، وسؤالها عن رأيها في واقع الإعلان حول قرى، تشقها الأنهار فيها بيوت مجهزة لهم على أن يلتحقوا بدولة العراق الإسلامية!!


وأظن أن انتشار الفلسطينيين في العالم، سيوفر لكل من يريد ذلك العثور على من له أقرباء أو معارف في العراق من الفلسطينيين.. وهذا التكليف إن شاء الله ضمن وسع عامة الناس ... فلا تبخسوا الحق جهدا يسيرا وبضع دراهم..تحريا لما يجب أن تخطه أقلامكم، قبل أن تقفون بين يدي ربكم فتُسألون! والله من وراء القصد.


كتبه ... عبد الرحيم الشمري/ العراق


shammar_abd60@yahoo.com


الهوامش:


(1) http://up.9q9q.net/up/index.php?f="nqlgGFIHF


(2) http://up.9q9q.net/up/index.php?f=KNIfFETQO


(3) http://up.9q9q.net/up/index.php?f=16z0Yw03x


(4) http://www.alarabiya.net/Articles/2006/05/01/23361.htm


(5) http://www.almaqreze.com/hewarat/hewar010.html





المصدر :
http://www.alasr.ws/index.cfm?method...contentid=8732