http://www.dabh.ch/images/dabh_book.gif




مقدمة الكتاب .. الطبعة الأولى


الحمـد للَّـه الذي جمل أهل العلم بالوقار والـهيبة ، وزينهم بزينة الإيمان شباناً وشيبا ، وصلى اللَّه وسلم على نبيه ؛ مابقيت غصون علومهم غضة ، دانية ظلالـها قريبة. أمـا بعـد :

فاعلم ؛ أخي طالب العلم أيقظ اللَّه للعلم همتك ، وأخذ إليه ناصيتك ، وأدام فيه رغبتك ، وأنار به بصيرتك ؛ أن العلم ما حازه من حازه ؛ بمحض إرادته ، وقوة عضلته ، وتوقد قريحته ؛ وإنما بإرادة اللَّه ، وسابق فضله ومنته ، حيث قيض اللَّه له فـي صغره ـ وهو لا يفرق بين التمرة والجمرة ـ من أخذ بيده إليه ، وحثه عليه ، فألزمه طلابه ، وفتح له أبوابه ، وسلك به أسبابه ؛ فتدرج فـي سلم التعلم ، مُذْ بدأ النطق ، والتكلم(1).

لا
يسـتوي صغـر التعلـيم مـع كـبر
فاللـين في الغصـن لـيس اللـين في الحطـب


حتى صار إلى ما صار إليه من الإمامة ، وبعد المكانة ، قد أدرج اللَّه النبوة بين جنبيه ؛ بيد أنه لا يوحى إليه(!).

فضربت إليه من الإبل الآباط ، وحملت علمه الركبان إلى الآفاق ، وازدحم عليه الطلاب حتى التفت عنده الساق بالساق.

قال جعفر بن درستويه : (( كنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني وقت العصر ، اليوم لمجلس غد ، فنقعد طول الليل ، مخافة ألا نلحق من الغد موضعاً نسمع فيه ، فرأيت شيخاً في المجلس يبول في طيلسانه(!) ويدرج الطيلسان ، مخافة أن يؤخذ مكانه إن قام للبول ))(2).

من وجد ذلك فليحمد اللّه ، ومن لم يجد فليشمر عن ساق الجد ليجد ، فما نيل المطالب بالتمني ، ولا التأني ؛ (( فما بالبطء تدرك ما طلبتا )).

إنه العلم ؛ وما أدراك ما العلم(؟!) إنه أصعب شيء أنت نائله(!) فجرع النفس مضض تحصيله ، ومُرَّ تأصيله ؛ فإنه لا يتأتى براحة الجسم.

قال المطهر بن طاهر المقدسي : (( . . . ويأبى العلم أن يضع كنفه أو يخفض جناحه أو يسفر عن وجه إلا لمتجرد له بكليته ، ومتوفر عليه بأينيته ، معان بالقريحة الثاقبة ، والروية الصافية ، مقترناً به التأييد والتسديد ، قد شمر ذيله ، وأسهر ليله ، حليف النصب ، ضجيع التعب ، يأخذ مأخذه متدرجاً ، ويتلقاه متطرقاً ، لا يظلم العلم بالتعسف والاقتحام ولا يخبط فيه خبط العشواء في الظلام.

ومع هجران عادة الشر ، والنزوع عن نزاع الطبع ، ومجـانبة الإلف ، ونبذ المحاكـلة واللجاجة ، وإجـالة الراعي عن غموض الحـق ، والتأتي بلطيف المأتى ، وتوفيقـه النظر حقه من التمييز بين المشتبه والمتضح ، والتفريق بين التمويه والتحقيق ، والوقوف عند مبلـغ العقول ؛ فعند ذلك إصابة المـراد ، ومصادفـة المرتاد ، وباللَّـه التوفيق والرشاد ))(3).اهـ

واعلم ؛ حاطك الله أنه : (( كلـما بعد همـك ، كلـما زاد عـذابك )) ، وربا اضطرابك ، حتى ينتفخ منك السَّحْـرُ ، ويزيغ البصر ، وتظن بالعلم الظنون :

فــ : لا تسـئ بالعلـم ظـناً يا فـتى
إن سـوء الظـن بالعلـم عطـب



(( فالنبالة ونباهة الذكر )) ، (( وانبساط الجاه )) ، يحتاج منك مزيد جهد فوق الذي عندك ؛ فإن لم يكن لك من الإيمان ، والرغبة في اللَّه ما يبعث فـي رُوْعِكَ هذا المزيد ؛ فلا تنتظر من أحد أن يَمُنَّ عليك بجهده تسعى به ، أوكعبه تعلو به .. هيهات .. أنى ذلك ، و (( الناس كإبل مائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة ))(4).


وسينالك لعمر إلـهك في طريق المعالي من الألم الكثير ، فذو الطموحات العريضة البعيدة يجد من المضض في سبيل ذلك أضعاف ما يظن ، ويحتسب.


لكـل ذي همـة في دهـره أمـل
وكـل ذي أمـل في الدهـر ذو ألـم



أم حسبت أن (( يكسوك العلم ثوبه )) ، ويوردك حوضه ؛ من غير أن يَمُضَّكَ مَضّاً ، ويصليك في طلبه لظى(!).


لا يمـتطي المجـد مـن لا يركـب الخطـرا
ولا ينـال العـلا مـن قـدم الحـذرا

ومـن أراد العـلا عفـواً بلا تعـب
قضـى ولم يقـض مـن إدراكـها وطـرا



(( فلن تنال العلم حتى تحلب الدهر أشطره ؛ بهمة ، لا وان ، ولا وصب )).
فكن كبير النفس ، عالي الـهمة.

والجـأ إلى اللَّـه في أمـر تحـاولـه
وابرأ إلى اللّـَه مـن حـول ومـن حـيل



هذا وقد رقمت لك أخي طالب العلم هذا السِّفْر المبارك ـ إن شاء اللَّه ـ حال سفر وتَرْحَال ، وغربة وتَجْوَال ؛ أذاب نعلي ، وأدمى أَظَلِّي ، وقد كنت آن ذاك ، كساع بلا قدم ، أو كاتب بلا قلم(!!) وإن هذا السفر أيها اللبيب الأريب نسيج وحده ، إذ لم ينسج من قبل على منواله ، ولم يتفيأ بمثل ظلاله ، غض طري ، وعذب روي ، كالماء الزلال ، أوكوصل المحبوب بعد صرم الحبال(!) قد نُسجت لُحْمَتُهُ ، وَوُشِيَتْ بُرْدَتُهُ ، ممن علمت فصاحته وطارت في الآفاق شهرته ، فلا غرو إذن يا صاح ، وإن تعجب فعجب واللَّه عجبك.
فعليك بالعذب النمير ، وامتح من الفيض الكبير . . وقد عنونت له بــ :

(( ضَبْحُ الْعَادِيَاتْ فِي الْحَثِّ عَلَى طَلَبِ الَعِلْمِ إِلَى الْمَمَاتْ ))

وهو عبارة عن مجموعة من القصائد فـي الحث على طلب العلم سميتها بالتحف.
فإن بدا لك خلل فَسُدَّ ، أو نقص فعنه الطرف غُضَّ ، وعذيرك مني ما قد كان وكان.


وكتب
أبو عبيد العمروني
يوم الأضحى المبارك 10 ذو الحجة 1418


ـــــــــــــــ ــــــــــ
(1) قال ابن الجوزي رحمه اللَّه تعالى في (( لفتة الكبد في نصيحة الولد )) : (( وانظر يا بني إلى نفسك عند الحدود،فتلمح كيف حفظك لـها(؟) فإنه من راعى روعي ، ومن أهمل ترك ؛ وإني لأذكر لك بعض أحوالي لعلك تنظر إلى اجتهادي وتسأل الموفق لي.
إن أكثر الإنعام علي لم يكن بكسبي ، وإنما هو من تدبير اللطيف بي ، فإني أذكر نفسي ولي همة عالية ، وأنا في المكتب ، ولي نحو من ست سنين وأنا قرين الصبيان الكبار ، قد رزقت عقلاً وافراً في الصغر يزيد على عقل الشيوخ ، فما أذكر أني لعبت في طريق مع صبي قط ، ولا ضحكت ضحكاً جارحاً ، حتى إني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع ، ولا أتخير حلقة مشعبذ ، بل أطلب المحدث ، فيتحدث بالسند الطويل ، فأحفظ جميع ما أسمع ، وأرجع إلى البيت ، فأكتبه.
ولقـد وفـق لي شيخـنا أبو الفضـل بن ناصر رحمه اللَّه فكان يحملـني إلى الأشـياخ ، وأسمعـني المسـند ، وغيره من الكـتب الكـبار ، وأنا لا أعلـم ما يراد مني ، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت ، فناولني ثبتها ، ولازمته إلى أن توفي رحمه اللَّه فأدركت به معرفة الحديث والنقل )).اهـ
(2) عبد الفتاح أبو غدة ( صفحات من صبر العلماء )(126، 127).
(3) المطهر بن طاهر المقدسي ( كتاب البدء والتأريخ )(1/4،5).
(4) رواه مسلم ( كتاب فضائل الصحابة )( باب قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : الناس كإبل مائة ، حديث رقم 2547 ) ، والترمذي ( أبواب الأمثال عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم )( باب ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله حديث رقم 2872 ، ورقم 2873 ) وقال : ( هذا حديث حسن صحيح )، وابن ماجه (كتاب الفتن )( باب من ترجى له السلامة من الفتن برقم 3990
).