حض الإسلام على استثمار الأرض وزرعها ( إذا لا تعارض عند التأمل )


قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:

فيه أحاديث كثيرة اذكر ما تيسر منها:

7- عن أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)(1 ).


8_ عن جابر مرفوعا :
( ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة و ما سرق منه له صدقة و ما أكل السبع منه فهو له صدقة و ما أكلت الطير فهو له صدقة و لا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة ( إلى يوم القيامة ) ) (2 ).
( أي ينقصه و يأخذ منه )


9_ عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( إن قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها) ( 3) .
( الفسيلة ) هي النخلة الصغيرة و هي ( الودية ) . و لا أدل على الحض على الاستثمار من هذه الأحاديث الكريمة لاسيما الحديث الأخير منها فإن فيه ترغيبا عظيما على اغتنام آخر فرصة من الحياة في سبيل زرع ما ينتفع به الناس بعد موته فيجري له أجره و تكتب له صدقته إلى يوم القيامة .
و قد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله " باب اصطناع المال " ثم روى عن الحارث بن لقيط قال : كان الرجل منا تنتج فرسه فينحرها فيقول : أنا أعيش حتى أركب هذه ؟ فجاءنا كتاب عمر : أن أصلحوا ما رزقكم الله ، فإن في الأمر تنفسا .و سنده صحيح .

و روى أيضا بسند صحيح عن داود قال : قال لي عبد الله بن سلام : إن سمعت بالدجال قد خرج و أنت على ودية تغرسها فلا تعجل أن تصلحه ، فإن للناس بعد ذلك عيشا . و داود هذا هو ابن أبي داود الأنصاري قال الحافظ فيه :" مقبول" .
و روى ابن جرير عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي : ما يمنعك أن تغرس أرضك ؟ فقال له أبي : أنا شيخ كبير أموت غدا ، فقال له عمر : أعزم عليك لتغرسنها ؟ فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي . كذا في " الجامع الكبير " للسيوطي ( 3 / 337 / 2 ) .

و لذلك اعتبر بعض الصحابة الرجل يعمل في إصلاح أرضه عاملا من عمال الله عز وجل فروى البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 448 ) عن نافع بن عاصم أنه سمع عبد الله بن عمرو قال لابن أخ له خرج من ( الوهط ) : أيعمل عمالك ؟ قال : لا أدري ، قال : أما لو كنت ثقفيا لعلمت ما يعمل عمالك ، ثم التفت إلينا فقال :إن الرجل إذا عمل مع عماله في داره ( و قال الراوي مرة : في ماله ) كان عاملا من عمال الله عز و جل . و سنده حسن إن شاء الله تعالى .و( الوهط ) في اللغة هو البستان و هي أرض عظيمة كانت لعمرو بن العاص بالطائف على ثلاثة أميال من ( وج ) يبدو أنه خلفها لأولاده ، و قد روى ابن عساكر في " تاريخه " ( 13 / 264 / 2 ) بسند صحيح عن عمرو بن دينار قال : دخل عمرو بن العاص في حائط له بالطائف يقال له : ( الوهط ) ( فيه ) ألف ألف خشبة اشترى كل خشبة بدرهم ! يعني يقيم بها الأعناب .

هذه بعض ما أثمرته تلك الأحاديث في جملتها من السلف الصالح رضي الله عنهم .و قد ترجم البخاري في " صحيحه " للحديثين الأولين بقوله : " باب فضل الزرع إذا أكل منه " .
قال ابن المنير :" أشار البخاري إلى إباحة الزرع ، و أن من نهى عنه كما ورد عن عمر فمحله ما إذا شغل الحرث عن الحرب و نحوه من الأمور المطلوبة ، و على ذلك يحمل حديث أبي أمامة المذكور في الباب الذي بعده " .
قلت : سيأتي الكلام على الحديث المشار إليه في المقال الآتي إن شاء الله تعالى.

التكالب على الدنيا يورث الذل :

ذكرت في المقال السابق بعض الأحاديث الواردة في الحض على استثمار الأرض مما لا يدع مجالا للشك في أن الإسلام شرع ذلك للمسلمين و رغبهم فيه أيما ترغيب .و اليوم نورد بعض الأحاديث التي قد يتبادر لبعض الأذهان الضعيفة أو القلوب المريضة أنها معارضة للأحاديث المتقدمة و هي في الحقيقة غير منافية له ، إذا ما أحسن فهمها و خلت النفس من اتباع هواها !

10_ عن أبي أمامة الباهلي قال - و رأى سكة و شيئا من آلة الحرث فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
(لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل )( 4) .

و قد وفق العلماء بين هذا الحديث والأحاديث المتقدمة في المقال المشار إليه بوجهين اثنين:
أ - أن المراد بالذل ما يلزمهم من حقوق الأرض التي تطالبهم بها الولاة من خراج أو عشر فمن أدخل نفسه في ذلك فقد عرضها للذل .

قال المناوي في " الفيض " : " و ليس هذا ذما للزراعة فإنها محمودة مثاب عليها لكثرة أكل العوافي منها ، إذ لا تلازم بين ذل الدنيا و حرمان ثواب البعض " . و لهذا قال ابن التين : " هذا من أخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات ، لأن المشاهد الآن أن أكثر الظلم إنما هو على أهل الحرث " .

ب - أنه محمول على من شغله الحرث و الزرع عن القيام بالواجبات كالحرب و نحوه ، و إلى هذا ذهب البخاري حيث ترجم للحديث بقوله : " باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع ، أو مجاوزة الحد الذي أمر به " .فإن من المعلوم أن الغلو في السعي وراء الكسب يلهي صاحبه عن الواجب و يحمله على التكالب على الدنيا و الإخلاد إلى الأرض و الإعراض عن الجهاد ، كما هو مشاهد من الكثيرين من الأغنياء .
و يؤيد هذا الوجه قوله صلى الله عليه وسلم :
11_ (إذا تبايعتم بالعينة و أخذتم أذناب البقر و رضيتم بالزرع و تركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) ( 5).

12_ قوله صلى الله عليه وسلم :
(لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا) ( 6).

و اعلم أن هذا التكثر المفضي إلى الانصراف عن القيام بالواجبات التي منها الجهاد في سبيل الله هو المراد بالتهلكة المذكورة في قوله تعالى ( و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) و في ذلك نزلت الآية خلافا لما يظن كثير من الناس !
فقد قال أسلم أبو عمران :
13_ (غزونا من المدينة نريد القسطنطينية ( و على أهل مصر عقبة بن عامر ) و على الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، و الروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة فحمل رجل ( منا ) على العدو ، فقال الناس : مه مه ! لا إله إلا الله ! يلقي بيديه إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب الأنصاري : ( إنما تأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة ، أو يبلي من نفسه ! ) إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار ، لما نصر الله نبيه و أظهر الإسلام قلنا ( بيننا خفيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : هلم نقيم في أموالنا و نصلحها ، فأنزل الله تعالى ( و أنفقوا في سبيل الله و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة : أن نقيم في أموالنا و نصلحها و ندع الجهاد قال أبو عمران : " فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية ) ( 7) .


انظر السلسلة الصحيحة المجلد الأول القسم الأول: ( ص37_ ص47) الأحاديث رقم:(7_8_9_10_11_12_13_)
[/size]


_________________
(1 ) رواه البخاري ( 2 / 67 طبع أوربا ) و مسلم ( 5 / 28 ) و أحمد ( 3 / 147 ) .
( 2) رواه مسلم عنه . ثم رواه هو و أحمد ( 3 / 391 ) من طرق أخرى عنه بشيء من الاختصار ، و له شاهد من حديث أم مبشر عند مسلم و أحمد ( 6 / 362 و 240 ) ،و له شواهد أخرى ذكرها المنذري في " الترغيب " ( 3 / 224 و 245 ) .
(3 ) رواه الإمام أحمد ( 3 / 183 ، 184 ، 191 ) و كذا الطيالسي ( رقم 2068 )و البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 479 ) و ابن الأعرابي في " معجمه "( ق 21 / 1 ) عن هشام بن زيد عنه .و هذا سند صحيح على شرط مسلم ، و تابعه يحيى بن سعيد عن أنس . أخرجه ابن عدي في " الكامل " ( 316 / 1 ) . و أورده الهيثمي في " المجمع " ( 63 / 4 ) مختصرا و قال :" رواه البزار و رجاله أثبات ثقات " . و فاته أنه في " مسند أحمد " بأتم منه كما ذكرناه .
(4 ) أخرجه البخاري في " صحيحه " ( 5 / 4 بشرح " الفتح " ) ، و رواه الطبراني في" الكبير " من طريق أخرى عن أبي أمامة مرفوعا بلفظ :" ما من أهل بيت يغدو عليهم فدان إلا ذلوا " . ذكره في " المجمع " ( 4 / 120 ) .
( 5) و هو حديث صحيح لمجموع طرقه ، و قد وقفت على ثلاث منها كلها عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا :
الأولى : عن إسحاق أبي عبد الرحمن أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال : فذكره .
أخرجه أبو داود ( رقم 3462 ) و الدولابي في " الكنى " ( 2 / 65 ) و ابن عدي في" الكامل " ( 256 / 2 ) و البيهقي في " السنن الكبرى " ( 5 / 316 ) .و تابعه فضالة بن حصين عن أيوب عن نافع به .رواه ابن شاهين في جزء من " الأفراد " ( 1 / 1 ) و قال " تفرد به فضالة "و قال البيهقي : " روي ذلك من وجهين عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر " .يشير بذلك إلى تقوية الحديث ، و قد وقفت على أحد الوجهين المشار إليهما و هو الطريق :
الثانية : عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر .
أخرجه أحمد ( رقم 4825 ) و في " الزهد " ( 20 / 84 / 1 - 2 ) ، و الطبراني في " الكبير " ( 3 / 207 / 1 ) و أبو أمية الطرسوسي في " مسند ابن عمر "( 202 / 1 ) .
و الوجه الثاني أخرجه الطبراني في " الكبير " ( 3 / 107 / 1 ) عن ليث عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء .
و أخرجه ابن أبي الدنيا في " العقوبات " ( 79 / 1 ) . و الروياني في " مسنده "( 247 / 2 ) من وجه آخر عن ليث عن عطاء ، أسقط من بينهما ابن أبي سليمان ، و كذا رواه أبو نعيم في " الحلية " ( 1 / 313 - 314 ) .
الثالثة : عن شهر بن حوشب عن ابن عمر رواه أحمد ( رقم 5007 )
ثم وجدت له شاهدا من رواية بشير بن زياد الخراساني : حدثنا ابن جريج عن عطاء عن جابر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
أخرجه ابن عدي في ترجمة بشير هذا من " الكامل " و قال : " و هو غير معروف ، في حديثه بعض النكرة " و قال الذهبي : " و لم يترك " . فتأمل كيف بين هذا الحديث ما أجمل في حديث أبي أمامة المتقدمة قبله فذكر أن تسليط الذل ليس هو لمجرد الزرع و الحرث بل لما اقترن به من الإخلاد إليه و الانشغال به عن الجهاد في سبيل الله ، فهذا هو المراد بالحديث ، و أما الزرع الذي لم يقترن به شيء من ذلك فهو المراد بالأحاديث المرغبة في الحرث فلا تعارض بينها و لا إشكال .
ثم رأيت شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قد صرح بتقوية الحديث فقال في "مجموع فتاويه" (29/30): وقد روى أحمد وابو داود بإسنادين جيدين عن ابن عمر:( فذكره)".
قلت: وقد تنطع بعض المعاصرين ممن لم يتقن هذا العلم وقواعده فانتقد تصحيحي لهذا الحديث بمجموع طرقه ببيانه لعلل مفرداتها!فكأنه لا يؤمن بقاعدة تقوية الحديث بالطرق! ولذلك تعقب أيضا الامام الشوكاني الذي كان ممن سبقني إلى تقوية الحديث فقال المومى إليه:
" ولنا (!) بعض التحفظات على قول الشوكاني رحمه الله :" وهذه الطرق يشد بعضها بعضا" فنحن لا نوافقه على هذا القول لما بيناه"!
كذا قال _هداه الله_ وهو لم يصنع شيئا سوى بيان ضعف المفردات _كما ذكرت_ مما لا يعجز عنه كل مبتدىء في هذا العلم !ولم يتعرض للجواب عن القاعدة المذكورة البتة فوقع لجهله بهذا العلم في مخالفة من ذكرنا من العلماء وغيرهم كابن القطان الفاسي فإنه صحح الطريق الثانية في كتابه " الوهم والغيهام"(2/151/2), ومثله ابن كثير في"تفسيره" فإنه قوى الطريق الأولى بالثالثة واعتبرها شاهدا للأولى وصححه ابن القيم في " الداء والدواء" فإلى الله المشتكى من تسلط الجهلة على هذا العلم ومخالفتهم للعلماء تضعيفا وتصحيحا وتحريفا انظر ما فعله الشيخ الصابوني في صحابي الحديث الآتي برقم(21) فصيره بجهله من مسند أنس وهو عن معاذ بن انس!
(تنبيه) : من البواعث على كتابة هذا المقال : أن مستشرقا ألمانيا زعم لأحد الطلاب المسلمين السوريين هناك أن الإسلام يحذّر أهله من تعاطي أسباب استثمار الأرض! واحتج بهذا الحديث وقال: إنه في البخاري متعاميا عن المعنى الذي ذكره البخاري نفسه في ترجمته للحديث كما سبق.
( 6) رواه الترمذي ( 4 / 264 ) و أبو الشيخ في " الطبقات " ( 298 ) و أبو يعلى في " مسنده " ( 251 / 1 ) و الحاكم ( 4 / 222 ) و أحمد ( رقم 2589 ، 4047 ) و الخطيب ( 1 / 18 ) عن شمر بن عطية عن مغيرة بن سعد بن الأخرم عن أبيه عن ابن مسعود مرفوعا . و حسنه الترمذي ، و قال الحاكم " صحيح الإسناد " ، و وافقه الذهبي . ثم رواه أحمد ( رقم 4181 ، 4174 ) من طريق أبي التياح عن ابن الأخرم رجل من طيء عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ : " نهى عن التبقر في الأهل و المال " . و تابعه أبو حمزة قال : سمعت رجلا من طيىء يحدث عن أبيه عن عبد الله مرفوعا به . رواه البغوي في " حديث علي بن الجعد " ( ج 6 / 20 / 2 ) فزاد في السند عن أبيه و هو الصواب لرواية شمر كذلك . و له شاهد من رواية ليث عن نافع عن ابن عمر مرفوعا باللفظ الأول .
أخرجه المحاملي في " الأمالي " ( 69 / 2 ) ، و سنده حسن في الشواهد . و أورده الحافظ باللفظ الأول مجزوما به في شرح حديث أنس المتقدم في المقال السابق ثم قال : " قال القرطبي : يجمع بينه و بين حديث الباب بحمله على الاستكثار و الاشتغال به عن أمر الدين ، و حمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها و تحصيل توابعها " .
قلت : و مما يؤيد هذا الجمع اللفظ الثاني من حديث ابن مسعود ، فإن ( التبقر )
التكثر و التوسع . و الله أعلم .
(7 ) رواه أبو داود ( 1 / 393 ) و ابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 1 / 10 / 2 ) و الحاكم ( 2 / 275 ) و قال : " صحيح على شرط الشيخين " و وافقه الذهبي و قد وهما ، فإن الشيخين لم يخرجا لأسلم هذا ، فالحديث صحيح فقط .[/QUOTE]