تقديم لكتاب "الكذِّاب اللئيم زكريا بطرس"للأستاذ /محمد جلال القصاص.

بقلم فضيلة الشيخ/ رفاعي سرور

الطبعة الأولي 1428 هـ-1429هـ .
طبعة دار هادف للطباعة والنشر
.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
مع التغيير الضخم في ظروف السياسة العالمية التي سيطرت فيها أمريكا على العالم لتعلن مع سيطرتها عن حرب صليبية جديدة.. كان لذلك التغيير تأثير خطير على العلاقة بين المسلمين والنصارى في كل أنحاء العالم، وخصوصا في مصر التي دخلت في خطة التفتيت المسماة في السياسة الأمريكية: "بالفوضى الخلاقة "..ومن هنا كان تجهيز مصر لصراع إسلامي مسيحي من خلال الموجات العدائية للإسلام.
وكنتيجة للمساندة الغربية نشأ عند النصارى غرور وإيحاء بإمكانية سيطرتهم على البلاد التي يعيشون فيها، وفي سياق هذا الغرور مارست هذه الأقلية أساليب متعددة في اتجاه محاولة الوصول لهدف السيطرة، وكان أخطرها أسلوب تعاملها وتربيتها لأجيالها الجديدة على الكراهية.. استعدادا لمواجهة طويلة الأمد مع المسلمين "العرب الغزاة" !
ولكن الكراهية ليس لها حدود..
مما جعل زمام الشباب ينفلت لينطلق إلى مرحلة الحرب العاجلة، وكان لابد لمن يحاول الإمساك بالزمام أن يزايد على حالة الكراهية، حتى أصبح هو نفسه في نفس حالة الشباب الصغير.
وكانت هذه الموجات العدائية كافية لأن ينظر المسلمون إلى كل من يتكلم من النصارى عن الإسلام نظرة المعادي المحارب.
ولكن التجرد العلمي الذي تعلمه المسلمون من الإسلام أوجب تجاوز تأثير الظروف المذكورة والدخول في مواجهة علمية حكيمة لهذه المشكلة.
وكانت أول حقائق هذه المواجهة هي تحديد الحد الفاصل بين الرأي والحرب ..
وتفسير الفرق بين القول الذي يبتغي به صاحبه المعرفة.. والقول الذي يبتغي به صاحبه الحرب.
والإسلام يتعامل مع أصحاب كل موقف بما يناسبه..
وهذا إمامنا ابن تيمية رحمه الله تعالي يجيب على سؤال وُجِّه اليه من أحد علماء النصارى في أربعة مجلدات بعنوان: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح..
- والحد بين الرأي والحرب له عدة شواهد:
أولها شخص القائل؛ فقد يكون القول واحدا من طرفين ولكنه يعتبر من أحدهما حقا ومن الآخر باطلا.
مثلما كان طلب موسي وبنو إسرائيل قولا واحدا وهو طلب رؤية الله عز وجل، ولكن عندما طلب موسى -عليه السلام- رؤية الله بيَّن الله له بالتجربة أنه لا يستطيع تحمل ذلك: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف:143].
وعندما طلب بني إسرائيل نفس الطلب، عاقبهم الله بالموت: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾[البقرة: 55، 56].
ومن هنا يكون من السهل تقييم صاحب أي رأي من خلال الاتجاه الذي يطرح منه الرأي، كأن يكون علمانيا أو استشراقيا أو إلحاديا لا يتكلم إلا في اتجاه واحد بمسائل معروفة مكررة؛ محسومة مردود عليها قديما وحديثا ..
وهذا هو الشاهد الأول على الحرب ..
ومن هؤلاء.. القسيس الكذاب.. موضوع الكتاب
وهو محارب بشخصه قبل قوله.. بينه وبين المسلمين عداء شخصي منذ أن قُتِل شقيقه في نزاع عادي ليس له علاقة بالدين، كما يحدث بين أصحاب الطائفة الواحدة، فأصابته عقدة نفسية كان أخطر أعراضها: الكذب ليل نهار على الإسلام ثأرا لشقيقه ..!
وكانت دلائل تلك الحالة النفسية هي زعمه أنه محل اهتمام الناس !
ومثل ادعائه أنه ما يذكر كتابا إلا ويُصادَر، ودعوته إلى الثورة على أقواله، ومطالبته بخروج أي عالم من علماء الإسلام لمناظرته..
حتى بلغ بحالته النفسية هو وأمثاله -مما يعانون من خيالهم المريض- الشعور بإمكانية التأثير في هذا الدين ..!
وهم لا يفهمون أن هذا الدين قدر إلهي باق إلى قيام الساعة، والتاريخ شاهد على ذلك..
إذ لو كان مقدرا لهذا الدين أن ينتهي لكان ذلك في غار حراء، أو غزوة بدر، أو غزوة الأحزاب، أو هجمة التتار والمغول الذين أسلموا ودخلوا في الدين الذي جاءوا للقضاء عليه ..!
والشاهد الثاني من شواهد الحرب هو: قاعدة إمكانية العلم، وذلك من خلال القاعدة الأساسية التي ذكرها الكاتب وهي إمكانية علم صاحب القول بما يخالف قوله.
فقال الكاتب: "ومحاسبة القائل على إمكانية علمه بالأمور والمسائل.. قاعدة ثابتة عند كل العقلاء.. وهي ما يقال عنها عند الأصوليين قاعدة إمكانية العلم"، حيث تثبت إمكانية العلم لهذا الكذاب بكل المسائل التي يثيرها في حربه على الإسلام.
ـ مثل قوله : أن الحج مؤتمر جنسي يحدث فيه الزنا.. رغم اشتهار العلم بأن المـُحرِم لا يجوز له حتى أن يمس زوجته في وقت الإحرام.
ـ وقوله : أن كلمة حج أصلها حك (كتعبير جنسي)..!!! مما يدل على أنه يعلم أن هناك أصولاً للكلام، يرجع إليها في القاموس..
ومن قرأ كتب اللغة وبحث في مادة حج وجد ما يلي:
(حجج) الحَجُّ القصدُ حَجَّ إِلينا فلانٌ أَي قَدِمَ وحَجَّه يَحُجُّه حَجًّا قصده، ثم تُعُورِفَ استعماله في القصد إِلى مكة للنُّسُكِ والحجِّ إِلى البيت خاصة تقول حَجَّ يَحُجُّ حَجًّا والحجُّ قَصْدُ التَّوَجُّه إِلى البيت بالأَعمال المشروعة فرضًا وسنَّة ([1]).
ـ وقوله : أن أصل اسم مشعر (مِنَى) الذي يساق إليه الهدي .. هو ماء الرجل (!)، رغم إجماع علماء اللغة أن لفظ مِنَى جاء من معنى الموت، فلابد أن يكون قد قرأ كتب اللغة في تفسير معنى الاسم وفيها:
(والمَنِيَّةُ الموت لأَنه قُدِّر علينا، وبه سُمِّيَت المَنِيَّةُ وهي الموت وجمعها المَنايا لأَنها مُقدَّرة بوقت مخصوص، وبه سميت مِنًى، ومِنًى بمكة يصرف ولا يصرف، سميت بذلك لما يُمْنَى فيها من الدماء أَي يُراق، وقال ثعلب هو مِن قولهم مَنَى الله عليه الموت أَي قدَّره لأَن الهَدْيَ يُنحر هنالك.
قال ابن شميل: سُمِّي مِنًى لأَن الكبش مُنِيَ به أَي ذُبح. وقال ابن عيينة: أُخذ من المَنايا).
ـ وقوله : أن المسلمات يمسحن الحجر الأسود بدم الحيض، رغم اشتهار العلم بأن الحائض لا يجوز لها الطواف بالبيت أصلاً كما ورد في صحيح مسلم: باب الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت.
عَنْ عَائشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةٍ لا نَرَى إِلا الْحَجَّ حتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا ، حِضْتُ ، فَدَخَلَ على رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ : مَالَكِ أَنَفِسْتِ ، قُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ).
وفي رواية قَالَتْ : (قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) هَذَا حَدِيثٌ مُتَفَّقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
فهل يمكن اعتبار هذه الأقوال من جنس الرأي الذي يتطلب الرد على القائل بالحكمة..؟ أم حرب تقتضي ما يناسبها..؟
والشاهد الثالث للحرب هو المصادر والمراجع والأشخاص التي يعتمد عليها صاحب الرأي، وهي عند هذا القسيس كلها مصادر معادية للإسلام، وعلى رأسها دائرة المعارف الإسلامية التي كتبها مستشرقون متعصبون جهلة، كما سيأتي تفصيله في الكتاب.
وهذا القسيس الكذاب ليس بشيء..
فكل ما يردده سبقه إليه الكثير من المستشرقين، ولكن ما أحدثه هذا الكذاب .. هو نقل الحرب من مجلدات الكتب الإستشراقية إلى ساحة القنوات الفضائية.
وقد أشار الكاتب الفاضل إلى استدلال القسيس المحارب بمشكل النصوص وغريب الآراء وشاذ الآثار، رغم ما هو معروف ومشهور من قواعد الاستدلال في الإسلام وشرعية الحجة فيه، وأن الحجة الملزمة في الإسلام هي الكتاب والسنة بفهم الصحابة وسلف الأمة، وأن أي إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
مما يجعله نموذجا مناسبا للدراسة من الناحية الفكرية.. بعد الناحية النفسية !
فهي فرصة تكشف وبصورة عملية وعلنية مدى ما بلغه هؤلاء المحاربون من بغض وكره للإسلام وأهله.
وهي فرصة لتحديد المنهج الصحيح في مواجهة هذه الظاهرة، وهذا -بصفة أساسية- هو سبب الكتابة عنه والرد عليه، وذلك لاستمراره في المهمة وتحوله إلى نموذج جامع لكل الأساليب المعاصرة في التهجم على الإسلام، حتى اجتمعت في أقواله كل عناصر الشبهة: وهي محاولة إحداث خلل في فهم وتناول النصوص، من خلال التأثير على النص الأصلي لاختلاق تناقض في المعنى بأساليب متعددة.. منها:
- انتزاع النص وبتره من سياقه الأصلي..
- الزيادة أو النقصان في ألفاظ النص ([2])..
- إفقاد النص مقوماته الأساسية، وتحويره واستباقه بمقدمات مصطنعة لدفع الفهم باتجاه مُعيَّن..
- تضييع إحداثيات النص وإخراجه من إطار الإحكام المنهجي الإسلامي..
- حشد وتجميع النصوص المدسوسة وتقديمها على أنها نصوص قطعية..
- إلزام النص بما ليس من لوازمه..
وقد اجتمعت كل هذه العناصر في أقوال هذا القسيس المحارب، وكان منها: عدم معقولية الكلام..مثل زعمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جامع زوجة عمه أبو طالب بعد أن ماتت في قبرها !
وبصرف النظر عن مقام النبوة، فإن أخلاق العرب تمنع ذلك، وهي زوجة عمه، وأمُّ علي ابن أبي طالب، وهي التي ربته بعد وفاة أمة آمنة، وموقف الموت والقبر والناس، كل ذلك لم يمنع هذا القسيس الكذاب من هذا القول الفاحش، مما يدل على التحليل الصحيح لحالته النفسية المريضة المعقدة.
تقول الرواية: عن ابن عباس قال : لما ماتت أم علي بن أبي طالب -فاطمة بنت أسد بن هاشم- وكانت ممن كفل النبي صلى الله عليه وسلم وربته بعد موت عبد المطلب، كفنها النبي صلى الله عليه وسلم في قميصه، وصلى عليها واستغفر لها وجزاها الخير بما وليته منه، واضطجع معها في قبرها حين وضعت فقيل له: صنعت يا رسول الله بها صنعًا لم تصنع بأحد ! قال : إنما كفنتها في قميصي ليدخلها الله الرحمة ويغفر لها ، واضطجعت في قبرها ليخفف الله عنها بذلك. كنز العمال - (ج 13 / ص 635).
ثم قال : رَحِمَكِ الله يا أمي ! كنت أمي بعد أمي ، تجوعين وتشبعينني وتعرين وتكسيني ، وتمنعين نفسك طيبا وتطيبيني تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة، الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت، ونزل في قبرها فجعل يومي في نواحي القبر كأنه يوسعه ويسوي عليها، وخرج من قبرها وعيناه تذرفان، وحثا في قبرها، فلما ذهب قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله ! رأيتك فعلت في هذه المرأة شيئا لم تفعله على أحد ! فقال : يا عمر ! هذه المرأة كانت أمي بعد أمي التي ولدتني، إن أبا طالب كان يصنع الصنيع وتكون له المأدبة وكان يجمعنا على طعامه، فكانت هذه المرأة تفضل منه كله نصيبا فأعود فيه ، وإن جبريل أخبرني عن ربي أنها من أهل الجنة ، وأخبرني جبريل أن الله تعالى أمر سبعين ألفا من الملائكة يصلون عليها . (المستدرك للحاكم : 3 / 108).
والأمر من أساسه هو أن المسلمين كانوا يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم شيئا من ثيابه ليضعوه معهم في قبورهم، لعله يكون أمارة لهم في قبرهم طمعا في نجاتهم بها من عذاب القبر، مثلما طلب عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيه قميصه ليكفن به أبيه، وهنا في وفاة زوجة عم رسول الله، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل من نفسه الكريمة أمارة لها وليس قميصه فقط..
أراد أن يجعل من نفسه أمارة لأنها هي التي حفظته بتربيتها له.. واضجع في قبرها ليخفف عنها ضمة القبر وضيقه بعد أن خففت عنه ضيق اليتم..
وأراد أن يوسع عليها في قبرها بعد أن وسعت عليه في حياته وهو في بيتها، حيث كانت تؤثره على أبنائها..
كان آية في الوفاء.. بأبي هو وأمي.. صلى الله عليه وسلم.
ثم يأتي القسيس ليفسر المضاجعة بالفاحشة ([3])، لأن عقله مريض يتصور المستحيلات، ونفسه خبيثة لا تعرف معنى الطهارة والوفاء.
ومن أمثلة الشبهات غير المعقولة الزعم بوجود أخطاء نحوية في القرآن، وذلك لأن علم النحو الذي يحاكمون القرآن إليه إنما وضعه علماء المسلمين استنباطًا وبناءً على كلام العرب وأشعارهم في الحواضر والبوادي، ومحمد صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن على هؤلاء، والذين تلقوا القرآن لأول مرة هم أيضًا من هؤلاء، فيصير من غير المعقول -ابتداءً- أن توضع القواعد استنادا على كلام أهل البادية ومحمد صلى الله عليه وسلم منهم.. ثم يتهم هو بالخطأ في النحو !
ومن غير المعقول - انتهاءً- أن يتلقى هؤلاء جميعًا خطأ ما في الكلام دون أن ينتبهوا إليه، وهم الحجة الطبيعية لعلماء النحو واللغة..!
ولكن ما الذي جرّأ هذا القسيس الكذاب على الوصول إلى هذه المرحلة من الكذب ؟!
الحقيقة أن الإجابة تكمن في المقارنة بين التصور الإسلامي وبين غيره من التصورات فيما يتعلق بمقام النبوة..
فعندما تجرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بافتراء الفاحشة من رسول الله فإنما كان ذلك لأن أكثر ما ذكره الكتاب المقدس عن الأنبياء هو زنى المحارم.. !
ولكن النبوة في الإسلام مقام آخر وشأن آخر ..
حتى أن علي بن أبي طالب جعل يقول: لو سمعت رجلا يقول على داود ما قالت اليهود لأقمت عليه الحد.
وعندما تجرأ وقال قولا من عنده زاعما أنه من القرآن ، فانما كان ذلك لأن الكتاب عندهم قابل للزيادة والنقصان حتى تُحكَى فيه المراسلات الشخصية ([4]).
أما رد الفعل الإسلامي أمام هذه الهجمة فيمكن تفسيره بالصدمة..
الصدمة التي أصابت المسلمين فجعلتهم يقوموا ليدافعوا عن دينهم أمام هذا الغادر، فكثرت الردود على مثل هذا الكذاب لا ليدل ذلك على أهميته، بل ليدل على عاطفة المسلمين نحو دينهم، ورغبة كل مسلم في أن ينال شرف الدفاع عن الإسلام..
وبفضل الله عز وجل فقد أعطت هذه الظاهرة السوداء في الواقع بيانات خطيرة للغاية كان أهمها:
ـ انتباه المسلمين لطبيعة وحجم الإحساسات التي يحملها هذا القسيس ومن على شاكلته تجاه الإسلام وأهله، إلى الدرجة التي لم يكن ليصدقها أحد لولا أن رأى المسلمون بأعينهم وسمعوا بآذانهم، وصدق الله: ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: 118].
ـ وكذلك انتباه المسلمين إلى ضرورة الدراسة الجادة للدين والسيرة، مما أوجد حركة علمية وفكرية نشطة، حتى أصبحت الردود هي الشغل الشاغل لعلماء المسلمين وعامتهم، مما أوجد التفافا حول كل محاولة للدفاع عن الإسلام، وهو بحد ذاته مكسب عملي تاريخي، خصوصا إذا علمنا أن رد أي شبهة يكشف جانبا من عظمة التصور الإسلامي الصحيح، فتذهب الشبهة ويبقى التصور وهو مكسب علمي تاريخي أيضاً !
مثلما كان الرد على أكل النبي صلى الله عليه وسلم من الشاة المسمومة، حيث قالوا لمَ لمْ يخبره الوحي ؟
ليكشف الرد ارتباط أجل رسول الله وعمره بتمام الرسالة، حيث لم يمت رسول الله رغم أكله من الشاة المسمومة إلا بعد تمام الرسالة، ولولا أكله من الشاة لما ظهرت هذه الحقيقة الرائعة ..!
كما يكشف رد الشبهة في المقابل جانبا مفزعاً من جوانب التحريف لدين المسيح المنزل عليه من عند الله ..
مثل أن تثار مسألة (بول الإبل) لينكشف من خلال الرد على الشبهة أمر الله إلى حزقيال–حسب زعمهم- أن يصنع فطيرة من (خرء) (براز) الإنسان ويأكلها، وأمر الله إلى بني إسرائيل أن يبول بعضهم في فم بعض كما ورد في الكتاب "المقدس"([5]) ..!!
ولو لو يكن هذا القسيس محاربا لكان أولى به أن يشرح كيف يصنع فطير الخرء ليأكله الإنسان بأمر الرب ..!
ولعل هذا الكتاب ثمرة فكرية وعلمية من ثمار المواجهة الإسلامية لهذه الظاهرة.
وفي النهاية نقول للنصارى المشاركين في هذه الظاهرة السوداء:
أنتم تعملون ضد مصلحتكم ..
خسرتم التعايش الحسن مع المسلمين وقت أن كانوا لا يعلمون ما تُكنُّه صدوركم ناحيتهم..
ولن تنفعكم شياطين السياسة الغربية والأمريكية ..
ولن يمس المسلمين منكم أي ضرر، ولكنه الأذى العارض الذي لا يلبث أن يذهب بإذن الله..
ليبقى بعد ذلك الدرس المستفاد، وهو واجب البر والقسط لمن لم يحاربنا في ديننا، وواجب الترصد والتربص ودفع كل من يريد السوء بالإسلام وأهله.
ونقول للنصارى غير المشاركين في الظاهرة السوداء:
أين أنتم من دينكم الذي يقامر به هؤلاء ويرتكبون باسمه كل جرائمهم ..؟!
الهوامش :-
(1) لسان العرب - (ج 15 / ص 292)
(2) حتى إنه في إطار تغيير النصوص بالزيادة أو النقصان بلغ به الأمر أن ينطق بكلام من عنده زاعما أنه من القرآن ..! مثل قوله في الحلقة الثالثة من أسئلته عن الإيمان د/ 16 أن القران يقول: ( لا تكذبوا على الله وروحي ) !!!
(3) في نفس الوقت نجد كتابهم يقول: "متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك، أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك وأثبت مملكته" صموئيل الثاني 12/7، وتأمل كذلك سفر الملوك الأول: 3، فلم لا يفسرها هنا كما فسرها هناك؟
(4) مثل رسائل بولس التي يقول في إحداها -رسالة تيموثاوس الثانية4-9: (بادر أن تجيء إليّ سريعا * لأن ديماس قد تركني إذ أحب العالم الحاضر وذهب إلى تسالونيكي وكريسكيس إلى غلاطية وتيطس إلى دلماطية * لوقا وحده معي خذ مرقس وأحضره معك لأنه نافع لي للخدمة * أما تيخيكس فقد أرسلته إلى أفسس * الرداء الذي تركته في ترواس عند كاربس أحضره متى جئت والكتب أيضا ولا سيما الرقوق *) !!!
(5) وتأكل كعكا من الشعير على الخرء الذي يخرج من الانسان تخبزه أمام عيونهم * 13 وقال الرب هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم * 14 فقلت آه يا سيد الرب ها نفسي لم تتنجس و من صباي إلى الآن لم آكل ميتة أو فريسة و لا دخل فمي لحم نجس * 15 فقال لي انظر قد جعلت لك خثي البقر بدل خرء الانسان فتصنع خبزك عليه * 16" سفر حزقيال 4/1-8.