سلسلة: درك البصيرة للنجاة من الفتن الخطيرة (7)


كهانة داعية


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى .

أما بعد :

فقد كثر في الآونة الأخيرة ظاهرة تحميل الألفاظ معاني مغلوطة بصناعة الاحتمالات وتتبع المتشابهات، وتوليد المقالات من الاجمالات ، على شاكلة خطيئة نسبة الولد إلى غير أبيه .

فما تكاد بنت الشفة تخرج من شخص إلا وتوضع على منصة المحاكمات، وبلا شهود ولا بينات، فيقال لها : إنك أم وعندك بنات، كما أن الليالي حبلى بالعجائب والبليات .

فيتكهن أحدهم بأن سترون . . .

وسوف يظهر لكم . . .

وهناك مؤامرات . . .

وهذه التنبؤات المستقبلية من جنس (قراءة الفنجان)، و(قراءة الكف)، و(معرفة الطالع).

وذلك لأنها لا تقوم على الأدلة الواضحة والبراهين، وإنما تقف على عكاز الظن والتخمين .

وتنشأ هذه (التنبؤات) من إطباق عداوة العبد على شخص أو أشخاص، فتثور في نفسه كمائن الأحقاد – حسداً وبغياً – فتدخله في (مرحلة الانتصار الوهمي) .

وهي عبارة عن تطلبه (لأمنية انتصار) يسكن بها ألم قلبه المتولد من مشاهدة واقع المحسود . فلا يزال قلبه يؤلمه بسبب تنعم خصمه . وهي حقيقة الحسد، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – بقوله : " كَرَاهَةٌ لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا فَهَذَا هُوَ الْحَسَدُ الْمَذْمُومُ وَإِذَا أَبْغَضَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَأَلَّمُ وَيَتَأَذَّى بِوُجُودِ مَا يُبْغِضُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَرَضًا فِي قَلْبِهِ وَيَلْتَذُّ بِزَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ نَفْعٌ بِزَوَالِهَا ؛ لَكِنَّ نَفْعَهُ زَوَالُ الْأَلَمِ الَّذِي كَانَ فِي نَفْسِهِ ".

وهذه ( التألم ) حال انزعاج قلبي لا يقوى العبد على دوامه، فهو بين حالين:

 إما أن ينصرف عن (ظلمه وبغيه) بتوبة يوفق لها .

 وإما أن تمنيه النفس أو الشيطان بما يسكن ألمه من تصور زوال النعمة عن (المحسود).

ولا يزال باعث التمني ينفث في قلبه حتى ترسخ فيه هذه التصورات المسكنة لألمه .

وفتنة العبد – في هذا الموضع - ناشئة من تطلعه لمقتضى حسده وبغيه، فإذا رسخت فيه هذه التصورات تولدت عنها (المقالة الظالمة)، و(الكهانة الباغية) وهي بداية طلائع جند الأماني النفسية والشيطانية تؤمله بالانتصارات الوهمية .

ومما يجب معرفته أن التطلع لمعرفة مآل بعض العباد ليس من باب الحكم بالأمارة؛ لأن هذا حكم على الحال بالقرينة، وذاك تكهن بالمآل قائم على خيال .

وصنيع النفس والشيطان – هنا – كهانة، والله يقول : {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}.

والأصل في ذلك أن العبرة في الحكم على العبد ظاهره – من واضح قوله وعمله - ، وأما المستقبل فلا سبيل للنفوذ إليه، والاطلاع عليه إلا بالوحي .

ومنه ما جرى بين موسى والخضر – عليهما السلام – من قصة قتل الغلام ، كما قال – تعالى - :{ فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا } إلى أن قال: { وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} الآيتين .

فموسى – عليه السلام – حكم بالظاهر؛ لأنه هو الواجب المتعين في حق من لم يكشف له عما غاب عنه من حال المعين .

وفعل الخضر – عليه السلام – خرج عن القاعدة العامة؛ للتعليم الخاص (الوحي) الموجب لآثاره
من خرق السفينة وقتل الغلام ، كما قال :{وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}.

قال السعدي – رحمه الله – في سياق تعداد فوائد هذه الآيات - :" ومنها: أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية، في الأموال، والدماء وغيرها، فإن موسى عليه السلام، أنكر على الخضر خرقه السفينة، وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها، أنها من المنكر، وموسى عليه السلام لا يسعه السكوت عنها، في غير هذه الحال، التي صحب عليها الخضر، فاستعجل عليه السلام، وبادر إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض، الذي يوجب عليه الصبر، وعدم المبادرة إلى الإنكار " أهـ .

فيستفاد من ذلك أن التشوف لمعرفة مآل شخص معين، والحكم عليه دون أدلة وبراهين لا يعدوا تخمين كاهن أو تعليم نبي . والنبوة هي أصل العلوم، والكهانة جهل وظنون .

فمن لم يبن حكمه على الأصول الشرعية، والحقائق النبوية . فهو مشابه لحدس كاهن أو تنجيم عراف ، بعيداً عن العلم، والإنصاف .

فشجرة الكهانة: ثمارها: ( الكذب، والافتراء، والبهتان، والظلم، والجهل، والغيبة، والنميمة، والتآلي على الله )، وبذورها: ( الحسد، والبغي )، ومادة بقائها: ( الهوى، والشيطان ).

فحسبي وحسبك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
بقلم الشيخ
أبي زيد العتيبي