كيف تقرأ مباحث شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية؟ - محمد بن فائد السعيدي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: كيف تقرأ مباحث شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية؟ - محمد بن فائد السعيدي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,659

    Question كيف تقرأ مباحث شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية؟ - محمد بن فائد السعيدي

    هذا مبحثٌ استللته من درر معالي الشيخ صالح آل الشيخ وقد قرره ضمن مبحث تحدث فيه عن كيفية قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا المبحث كان في مجلس علمي سُجل على شريط، ثم أخرج هذا المبحث أخونا أبو طلحة المصري في رسالة طبعتها المكتبة الإسلامية بالقاهرة، وقد نقلت لإخواني هنا منه المبحث الذي يتعلق بكيفية فهم فقهيات شيخ الإسلام ابن تيمية المبثوثة في كتبه.
    يقول معالي الشيخ صالح-حفظه الله -:

    كيف تقرأ مباحث شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية؟
    وكلام شيخ الإسلام في الفقه ليس موجودا في مصنف معروف له؛ يعني أنه لم يؤلف مؤلفا في الفقه استوعب فيه مسائل الفقه حتى يكون هذا الكلام دراسة لما كتبه في ذلك المصنَّف، وإنما كان كلامه في الفقهيات مبعثرا إما على شكل بحوث في بعض مؤلفاته، وإما على صورة فتاوى أجاب بها المستفتين، وإما على شكل قواعد أوردها أو نقول نقلت عنه عن طريق تلامذته ونحو ذلك.
    ولهذا نقول: إن الناظر في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ينبغي له أن يكون مستحضرا مزايا كلام شيخ الإسلام التي سلفت، وأن يتنبه أيضا لما سيأتي من كلامه رحمه الله تعالى من خصائص لكلامه في الفقهيات رحمه الله تعالى.
    شيخ الإسلام كما هو معلوم أحد المجتهدين الكبار، وأُطلق عليه أنه مجتهد مطلق، وهو في الحقيقة جمع بين أنواع الاجتهاد فهو:
    مجتهد مطلق يعني غير مقيد بمذهب من المذاهب.
    وكذلك هو مجتهد في المذهب يعني في المذهب الحنبلي الذي درسه وتتلمذ له أو لحياته.
    وهو مجتهد أيضا في التخريج في المذهب.
    وهو مجتهد أيضا في الفتوى.
    وهذه أنواع من طبقات المجتهدين، فالمجتهد تارة يكون مجتهدا مطلقا وهو أعلاها، وتارة يكون مجتهدا في المذهب، وتارة يكون مجتهدا في التخريج، وتارة يكون مجتهدا في الفتوى.
    وفوق ذلك كله أن يكون مجتهدا مستقلا كالأئمة الأربعة رحمهم الله ونحوهم كابن حزم الذين اجتهدوا في الأصول وفي الفروع، ونعني بالأصول نعني أصول الفقه والكلام على الرجال يعني لا يقلدون غيرهم في الحكم على أي وسيلة من وسائل إثبات الحكم الشرعي.
    لهذا شيخ الإسلام كان مجتهدا في هذه جميعا، وهذه لها أثر إذا استحضرتها في رعاية كلامه ومواقع حججه وبيناته.
    مزايا كلامه رحمه الله تعالى في الفقه:
    أولا: إذا صوَّر المسائل فإنه يصورها في الغالب على مبنى تصوير الحنابلة رحمهم الله لتلك المسائل، فإنه درس المذهب الحنبلي وتتلمذ له وقرأه وحفظ منه ما حفظ، وتصويره للمسائل إذا عَرَضَها مبني على تصوير الحنابلة رحمهم الله، وهذا يعني أن فهم كلامه في الفقهيات لابد أن يُقَدِّم الناظر فيه لنفسه بالنظر كتب الحنابلة حتى يكون تصوير المسألة واضحا، حتى تكون صورة المسألة في ذهنه مطابقة لما سيصفه شيخ الإسلام ابن تيمية.
    ومن الأخطاء في ذلك أن من الناس من يأخذ صورة المسألة وطريقة عرضها من بعض كتب الحديث مثلا أعني شروح الأحاديث أو من بعض كتب الشافعية كالمجموع أو من بعض كتب المذاهب الأخر كالمحلى أو نحو ذلك، ثم ينظر في كلام عالم كشيخ الإسلام ابن تيمية فيحصل له خلل يقل أو يكثر في صورة المسألة في الذهن، وإذا خلَّت صورة المسألة في الذهن لاشك أنه ما يكون بعد ذلك من الاستدلال والتعليل سيكون في التصور ناقصا.
    المزية الثانية: من مزايا كلامه رحمه الله انه تميز في كلامه الفقهي بسعة إطلاعه على مذاهب الناس، فهو واسع الإطلاع في المذهب الحنبلي، فهو يورد الروايات عن الإمام أحمد روايتين وثلاثة وربما أكثر في بعض المسائل، ويورد الأقوال في المذهب أيضا بأسماء أصحابها، ويورد أحيانا أقوال الأئمة الآخرين بقية الأئمة الأربعة واختلاف الأقوال عنهم، وكذلك يستحضر أو هو واسع الإطلاع في معرفة مذاهب السلف في المسائل.
    ولهذا تميز رحمه الله تعالى باستحضار الأقوال في المسألة حتى إنه يستوعب ما قيل فيها، فلا يتكلم في المسألة إلا بعد أن يعرف المذاهب فيها، وهذا يورده بكثرة.
    فطالب العلم إذا انتبه لهذه الخصلة عند شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لا يشكك ذهنه؛ لأن كثرة إيراد المسائل كثرة إيراد أصحاب الأقوال لتلك المسائل هذه قد تشتت الذهن، وطالب العلم يهتم قبل قراءة كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بصورة المسألة قبل معرفة الخلاف، ثم معرفة الخلاف العالي فيها في المذهب؛ لأنه هو الذي درستموه وتصوره أقرب، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الخلاف بين الإمام أحمد والأئمة الآخرين، ثم إلى خلاف السلف في ذلك أو خلاف الأئمة الذين اندثرت مذاهبهم كالليث والأوزاعي إلى آخر ذلك.
    إذن شيخ الإسلام لسعة علمه يخلط هذه جميعا، وخلطها لاشك أنها من أسباب كونه مجتهدا مطلقا اطلع على كلام الناس وتوسع فيه؛ لكن كثرة نقل الخلاف والأقوال ينبغي لطالب العلم أن يلحظها حتى لا يتشتت ذهنه حين قراءة كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الفقه.
    المزية الثالثة: من مزايا كلامه في الفقهيات كثرة استدلال شيخ الإسلام رحمه الله بالنصوص؛ أعني بالقرآن والسنة، والقرآن يعني بالقراءات، والسنة يعني بمختلِف الروايات، وهذا ظاهر بين وهو يورد الحجج من الكتاب والسنة، وإذا عرض من الأدلة من السنة فإنه يدخل فيها بالكلام على صحة الأحاديث وعلى الرجال، وهذا في تارات ينفرد به؛ يعني يكون نظره فيه نظر مجتهد استقل بالحكم على الحديث واستقل بالاجتهاد في الرجل في بعض الأحيان، وإذا نقل كلام الأئمة في التصحيح والتضعيف اختار منه، وإذا نقل كلام علماء الجرح والتعديل أيضا رجَّح ما يظهر له.
    وهذا يعني أن كلامه في ذلك قد يكون موافَقا عليه عند غيره من الأئمة وقد لا يكون موافقا عليه، فطالب العلم إذا نظر في دليل مسألة أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ينبغي له أن ينظر إلى كلام الأئمة الآخرين في هذه حتى يظهر له كيف اجتهد شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الحديث حتى وصفه بهذا الوصف من الحسن أو الصحة أو الضعف إلى غير ذلك.
    وشيخ الإسلام يضعف كثيرا بالنظر إلى المتن، فهو ينظر إلى المتون بقوة ما أدركه من العلم نظر مجتهد، فيضعف ويصحح بالنظر إلى المتن، ولو كان الإسناد ضعيفا، ولو كان الإسناد صحيحا، فربما كان من الأسانيد ما هو ضعيف وحسَّن الحديث لمتنه، وربما كان من الأسانيد ما هو صحيح وضعف الحديث أيضا لمتنه، والعكس كذلك ربما كان من الأسانيد ما هو ضعيف وصحح الحديث لمتنه، وهذه قوة نظر مجتهد مطلق.
    وهكذا كان الأئمة أحمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة وغيرهم يفعلون من قوة إدراكهم لقواعد الشرع ومعرفتهم بمقاصد الشارع.
    المزية الرابعة: في كلامه في الفقهيات أنه رحمه الله تعالى ظهر في كلامه تطبيق أصول الفقه، فهو حين يتكلم على ويورد أدلتها يستنبط، وهذا الاستنباط يوافق القواعد المعروفة في علم أصول الفقه.
    ومن المعلوم أن علم أصول الفقه مبني على أربعة أركان:
    ¨الحكم.
    ¨والدليل.
    ¨والاستدلال.
    ¨والمستدل.
    وشيخ الإسلام يخلط هذه جميعا ويستحضرها استحضارا واحدا، فتارة تجد أنه في المسألة الواحدة يأتيها من جهة النظر في الحكم ومن جهة النظر في الاستدلال ومن جهة النظر في الركن الأخير وما فيه من قواعد الترجيح، إلى غير ذلك.
    فمن لم يدرك أصول الفقه فإنه يكون نظره في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ضعيفا، وهذا ظاهر في أن من الناس من لم يتصور أدلة شيخ الإسلام ابن تيمية، وربما استدل بدليل أورده شيخ الإسلام ابن تيمية ولم يدرك موقع الاستدلال، أورد الدليل لكن ما وجه الاستدلال؟ لم يدرك ذلك، وذلك لأن معرفة الاستدلال مبني على وسيلة هي علم أصول الفقه إذْ الاستدلال هو الركن الثالث من أركان أصول الفقه، وهذا يحتاج إلى دقة نظر في المطالع لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في أصول الفقه.
    وهو في أصول الفقه ليس مقلدا تماما وإنما له اجتهادات في مسائل من أصول الفقه، لم يجتهد في كل المسائل كاجتهاد الأئمة المستقلين أحمد والشافعي ومالك إلى آخر أولئك؛ ولكنه له اجتهاد في بعض المسائل مدون اجتهاده في المسودة في أصول الفقه، فمن المسائل ما يوافق فيها مذهب الحنفية، ومن المسائل ما يوافق فيها مذهب الشافعية؛ يعني في أصول الفقه، وإن أكثر اتباعه في مسائل أصول الفقه لكلام أئمة الحنابلة رحمهم الله تعالى.
    المزية الخامسة: كثرة إيراده للنظائر وهذا علم مهم أعني به علم النظائر في الفقه؛ لأن المسائل الفقهية إذا تواردت وصارت نظائرها كثيرة قويت المسألة وقوي تأصيلها، وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يورد النظائر ويكثر منها فيما أسميناه في المحاضرة السالفة بالاستطراد، فإنه إذا أصل مسألة يبدأ بذكر النظائر لهذه المسألة التي يريد منها أن يبين أن هذه المسألة موافقة لنظائر كثيرة جاء الشرع بالتوافق في الحكم فيها مع المسألة الأصلية التي عرض لها.
    وهذا لاشك أنه من علوم المجتهدين؛ لكن ليس كل يدرك معنى هذه النظائر التي يوردها شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه.
    المزية السادسة: من وزايا كلامه رحمه الله التعليل بمقاصد الشريعة، وهذا مما انفرد به شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى فإنه أكثر جدا من التعليل بمقاصد الشريعة، نعم كان العز بن عبد السلام الصوفي الأشعري كان كثير الإيراد لذلك؛ أعني لإيراد الفتاوى بناء على المقاصد، وله فيها مؤلفات من القواعد الكبرى والقواعد الصغرى وغير ذلك؛ لكن شيخ الإسلام رحمه الله تميَّز بعرض مقاصد الشريعة على أصول السلف، وهذه لم يسبق إليها على نحو ما أورد في فتاويه وفي بحوثه.
    واعتنى في مقاصد الشريعة بتصنيف الفروع على المقاصد، مقاصد الشريعة لها أقسام منها مقاصد راجعة إلى المكلف، ومنها مقاصد راجعة إلى أحكام العبادات، منها مقاصد راجعة إلى أحكام المعاملات، ومنها مقاصد راجعة إلى الأحكام العامة السياسة والسياسة الشرعية وغير ذلك.
    شيخ الإسلام صنف الفروع بناء على المقاصد، وهذه لاشك تحتاج إلى نظر من هضم أدلة الشرع والمسائل والتحقيق فيها حتى يستطيع أن يلحق كل مسألة بمقاصدها في الشرع.
    وهذه ينبغي لطلاب العلم أن يهتموا بها؛ لأن المسائل الفقهية أعني حكم المسائل الفقهية هذا ينبني على مقاصد الشريعة، شيخ الإسلام كثيرا ما يذكر أن الشريعة جاءت بتحصيل المفاسد وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وهذا ينبني عليه كل الأحكام الفقهية، فإذا نظر في مسألة لم ينظر إليها من جهة الدليل فقط إذا تنازع المسألة عدة أدلة، وإنما ينظر إليها مع ذلك بهذه الأمور التي ذكرنا من أصول الفقه والنظائر والمقاصد والقواعد الفقهية وما سيأتي.
    إذن فمقاصد الشريعة من العلوم المهمة ومن أخطاء الناظر في كلام شيخ الإسلام الفقهي أنه يهتم حين النظر للدليل من النص، وهذا لاشك أنه ضعف فقهي راجع إلى عدم معرفة العلم على حقه، وإنما الناظر في كلام شيخ الإسلام ينبغي له أن يدرك ما تنبني عليه الأحكام، والأحكام لا تنبني فقط على الدليل من الكتاب والسنة، وإنما تنبني على أشياء كثيرة معروفة عند المحققين من أهل العلم، فمن لم يهتمَّ بكل مسألة يوردها شيخ الإسلام ابن تيمية -أعني من هذه المسائل التي أوردها الثَّمان- فإنه ربما نظر إلى المسألة بغير النظر الذي تستحقه.
    المزية السابعة: في كلامه: التعليل بالقواعد الفقهية، شيخ الإسلام رحمه الله كثير التعليل فيما يورده في المسائل الفقهية بالقواعد، وسواء كانت القواعد العامة المتفق عليها بين المذاهب أم القاعد الخاصة في المذهب الحنبلي، أو في غيره من المذاهب، فهو يكثر التعليل، والقواعد الفقهية بها يتم فهم المسائل الفقهية على نسق واحد؛ لأن القواعد تجمع المسائل بحيث لا يكون ثمة تناقض بين هذه المسألة وتلك المسألة.
    ومن عجائب من يقرؤون كلام شيخ الإسلام الفقهي أن منهم من يرجح تارة كلام شيخ الإسلام في مسألة ويرجح كلام غيره في مسألة أخرى، وهذا عند الناظر في الفقه نظر مجتهد متعمق لا يُقبل البتة؛ لأنه يجد أن الترجيح كان بناء على نظر في المسألة بانفرادها، وهذا ليس نظر مجتهد وليس نظر عالم؛ بل العالم إذا نظر في مسألة بالنظر في الأدلة وباعتبار ما جاء فيها فإنه إذا نظر في مسألة أخرى لا يخلي نظره من كل المسائل تلحق بالقاعدة التي تندرج تحتها هذه المسألة التي يريد أن يجتهد فيها.
    ولهذا شيخ الإسلام لا تجد في فتاويه ولا في اختياراته تناقض بين المسائل.
    كذلك المذاهب تجد مثلا المذهب الحنبلي في اختياراته لا تجد يعني فيما عليه المتأخرون لا تجد تناقض كذلك المذهب الشافعي كذلك المذهب الحنفي؛ لأنهم يبنون علمهم على القواعد، تارة يكون في المسألة دليل ضعيف لكن يقوي هذا القول أنه مندرج تحت قاعدة لو قلنا بهذا الدليل فيها لانخرمت القاعدة في نظائر أخرى، وهذا يسبب التناقض، ومن المعلوم أن الشريعة لا تكون متناقضة في الأحكام المتماثلة كما قررها شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عدة وابن القيم، فإنهم قرروا أن الشريعة لا تفرق بين متماثلين ولا تساوي بين مفترقين.
    وهذا مما ينبغي أن يهتم به طالب العلم كثيرا في الاستفادة من كلام شيخ الإسلام رحمه الله في الفقه، فإن من طلبة العلم من ينظر في المسألة بمجردها، ينظر الأدلة ويقول هذا الدليل صحيح هذا الحديث إسناده صحيح ومعنى ذلك يأخذ بالحكم في المسألة، وإذا نظر في مسألة أخرى نظر إليها من جهة الأدلة فقط دون بقية ما يستدل به في المسألة.
    وإذا تأملت كلامه وجدت أن أخذه بتلك المسألة بذلك القول يناقض أخذه في المسألة الأخرى بالقول الآخر؛ لأن هذا مبني على قاعدة وهذا مبني على قاعدة فيتصادم المأخذان، وهذا عيب لاشك عند للناظر في الفقه؛ لكن لأجل ضعف العلم بالفقه والضعف في علوم الشريعة جميعا في هذا الزمان لا يحس الناس -أعني الخاصة؛ طلبة العلم- لا يحسون بهذا التناقض وهذا من الضعف الذي ينبغي تداركه بالتأمل في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكيف أنه في مسألة يختار قولا وفي مسألة أخرى يختار القول الموافق لذلك القول، وهذا له كلاه آخر يطول.
    المزية الثامنة: من مزايا كلامه رحمه الله أنه يطبِّق في كلاه الفقهي ما يسمى عند المجتهدين بعلم الجمع والفرق؛ لأن المسائل مجتمعة ومتفرقة فالمسائل المجتمعة يلحق بالمسألة المنظور فيها الحكم الذي أُعْطِيَتْهُ المسألة الأخرى التي تقرر الحكم فيها الدليل، فإذا أتى المجتهد فينظر في المسألة بما يجمعها مع المسائل الأخرى التي اتضح دليليها أو التي اتفق العلماء عليها ونحو ذلك.
    كذلك في الفرق وهو المسائل المشتبهة صورة ولكنها تختلف حكما هذا مما اعتنى به شيخ الإسلام، فلا تجد شيخ الإسلام رحمه الله يفرق بين المجتمعات ولا يجمع بين المفارقات في المسائل الفقهية.
    هذه خصائص عامة لكلام شيخ الإسلام لابد من رعايتها والنظر فيها حتى تتنمَّى عند طالب العلم ملكة النظر في المسائل الفقهية، وحتى يتدرج في تربية نفسه علميا في إدراك لكلام أهل العلم الفقهي، والناس في هذا الزمن أعني في الفقه أخذوا فيه بثوب واسع ولكن التحقيق فيه على طريقة المتقدمين قليل قليل.
    الفقرة الثانية من كلامنا:
    إذا قرأت كلام شيخ الإسلام رحمه الله في مسألة من المسائل:
    فأولا ينبغي إذا أردت المسألة أن تقرأ لشيخ الإسلام فيها أن تراجع كتب المذهب الحنبلي حتى يتم تصور المسألة على الصواب، فأولا تراجع كتب المذهب تتصور المسألة تصورا فإذا تصورت المسألة ومأخذ المسألة وضابطها في الباب الذي ورد.
    وبعد ذلك ترجع غلى كرم شيخ الإسلام وتقرأ فإذا قرأت كلام شيخ الإسلام بطوله، ميزت بحسب تطبيق الدرس السابق أو المحاضرة السابقة في كلامه في الاستطراد وفي التأصيل وفي التفريع إلى آخره، تذكر خلاصة لرأي شيخ الإسلام بعد قراءة المبحث كاملا، هذه الخلاصة التي تستنتجها؛ لأن من كلام شيخ الإسلام ما تجد أنك لا تخلص معه لرأي واضح؛ لكن إذا نظرت وتأملت ربما خلصت في مسائل كثيرة برأي.
    إذا خلصت إلى هذا الرأي تراجع في المرحلة الثالثة كلام تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية وما ذكروه من اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وأعني بهم ابن القيم رحمه الله وابن مفلح رحمه الله، فإن ابن القيم كتبه مشهورة كزاد المعاد وإعلام الموقعين إلى آخرها، وأما ابن مفلح فإنه يذكر كثيرا في كتابه الفروع وفي كتابه الآداب الشرعية يذكر رأي شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: قال شيخنا، أو قاله شيخنا، وهذا يعني أن هذه المسألة التي أوردها صاحب الفروع أنها هي قول شيخ الإسلام ابن تيمية الذي خلص إليه وعرفه تلامذته عنه رحمهم الله تعالى، كذلك هناك كتب خاصة ذكرت اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية كالاختيارات وكمختصر الفتاوى وفي الإنصاف أيضا للمرداوي يذكر فيه كثير من المسائل اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
    وفي لفظ الاختيار ما يشعر بـأنه يختار من أقوال غيره، وهذا يكفي في أنه لا يتفرد بقول من الأقوال فيما اختار، إذا قلنا اختار شيخ الإسلام يقتضي قول القائل اختار أن هناك أقوالا اختار منها، وهذا واقع وصحيح فإن هذه الاختيارات مبنية على معرفته وعلمه بأقوال من سبقه من أهل العلم في تلك المسائل، فإنه ليس لشيخ الإسلام مسألة خرق فيها الإجماع البتة؛ بل ما من مسألة إلا وقد سُبق إلى القول فيها إما سبقه الجمهور أو سبقه كثير أو سبقه قلة، المهم أنه لا يخترع المسائل اختراعا وإنما يتابع من قبله ولا يتدرج في مسألة بقول لم يسبق إليه.
    لعد ذلك تأتي إلى مراجعة الكلام مرة أخرى حتى يتَّفق مع خلاصة الرأي الذي ذكره ابن القيم وابن مفلح وصاحب الاختيارات، يتفق لك كلام شيخ الإسلام، فتبدأ من البداية -هذه آخر مرحلة- وأنت تتصور الحكم الذي خلص إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، بعد ذلك إذا بدأت تعرف كيف يذهب ويجيء ويتنوع في إيراد الأدلة وإيراد التعليلات والقواعد والمقاصد حتى يكون عند طالب العلم:
    أولا: فهم لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
    ثانيا: معرفة ودُربة لكيف تعالج المسائل الفقهية.
    المسألة الأخيرة :
    إذا اختلفت الفتاوى والنقول عن شيخ الإسلام، فمثلا تجد في الفتاوى مجموع الفتاوى التي جمعها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة، تجد أنه ربما وجدت فتويين متناقضتين، يعني إحداهما على قول وإحداهما على قول آخر، هذا إذا عرفت المتقدم من المتأخر فإن كلام شيخ الإسلام المعتمد هو المتأخر من الفتويين المتأخر زمانا لا موضعا في الفتاوى؛ المتأخر زمانا، وإذا لم تدرك وهو الأكثر فإنك ترجع إلى الكتب التي أسلفتُ لك فيما ذكره ابن القيم وابن مفلح وصاحب الاختيارات يكون هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.) أهـ.
    محمد بن فائد السعيدي.

    من أوسع أودية الباطل: الغلوُّ في الأفاضل
    "التنكيل" (1/ 184)

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    4,494

    افتراضي رد: كيف تقرأ مباحث شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية؟ - محمد بن فائد السعيدي

    بارك الله فيك ياشيخ محمود على المقال الرائع .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •