شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 27

الموضوع: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    شرح مقدمة المصنِّف

    ابتدأ رحمه الله تعالى بقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) اقتداءً بالكتاب العزيز وبسُنَّة رسول الله في كتُبه إلى الملوك وأشباههم، و(الباء) فيها تعني المصاحَبة أو الاستعانة، و(الاسم) مشتق من "السمو" وهو العلو، أو من "السِّمَة" وهي العلامة، ولفظ الجلالة (الله) عَلَمٌ على الرب سبحانه وتعالى، وهو اسم لم يُسَمَّ به غيره، (الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة، وأسماؤه تعالى كلها حسنى. فالرحمن: ذو الرحمة الواسعة، والرحيم: مُوصِل رحمته إلى مَن شاء من عباده. وقوله: (بسم الله) جار ومجرور متعلِّق بمحذوف تقديره: باسم الله أَكْتُب، أو أُؤَلِّف ونحوه.
    ثم قال: (الحمد لله) الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية على جهة التعظيم، و(اللام) للاختصاص، وقوله: (أهلِ الحمدِ ومستحقِّه) بَدَلٌ مجرورٌ من لفظ الجلالة، (حمداً يفضُل على كل حمد كفضل الله على خَلْقِه) أي: حمداً يزيد على كل حَمْدٍ غَيرِهِ زيادةً ظاهرة. ( وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ قائمٍ لله بحقه ) وهي أعظم شهادة، وقد شهد الله تعالى بها وأشهدَ ملائكته وأولي العلم قائماً بالقسط، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، ( وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه غير مرتابٍ في صدقه ) فهو عبدٌ لا يُعبَد، ورسولٌ لا يُكذَّب، بل يُطاع ويُتَّبَع. ( صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ما جاد سحابٌ بوَدْقِه، وما رَعَدَ بعدَ بَرْقِه ) جمع بين الصلاة والسلام على رسول الله عملاً بقول الله تعالى: إنَّ الله وملائكته يُصَلُّون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صَلُّوا عليه وسلِّموا تسليماً ، وروى البخاري معلَّقاً مجزوماً به عن أبي العالية أنه قال: صلاة الله ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.
    وصلى وسلم على آله، واختُلِف في المراد بهم على أقوال، من أقواها: أنهم ذريته وأزواجه، وصلى وسلم على صحبِه، وهم الذين لَقُوه مؤمنين به وماتوا على الإسلام. وجمع بين الآل والصحب لفضل كلٍّ، ولم يقتصر على الآل مخالفةً للروافض، ولم يقتصر على الصحب مخالفةً للنواصب.
    وقوله: ( ما جاد سحابٌ بوَدْقِه، وما رَعَدَ بعدَ بَرْقِه ) أي: صلاة وسلاماً يتكرران كلما هطل مطر، أو أرعد رعد.
    ( أما بعدُ ) هذه كلمة يؤتى بها للفصل بين مقدِّمة ومقصود، وقد جاءت على لسان رسول الله.

    قال المصنِّف: ( فهذا كتابٌ في الفقه اختصرتُه حسب الإمكان ) والفقه هنا يقصد به العِلم المعروف اصطلاحاً، وهو معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. والاختصارُ أن يقِل اللفظُ ويكثر معناه. (واقتصرتُ فيه على قولٍ واحد ليكون عُمدةً لقارئه، فلا يلتبس الصواب عليه باختلاف الوجوه والروايات) وهذا الأصل في طلبة العلم المبتدئين، أن يُعْنَوا بمختصَرٍ في كل فن يدرسونه، ولا ينتقلوا عنه إلى آخر أَوعب حتى يضبطوه على شيخ عارف بصير؛ فمن رام العلم جُملة ذهب عنه جملة، وقد اختار الإمام الموفَّق رحمه الله تعالى في كل مسألة يوردها قولاً في مذهب الإمام أحمد رحمه الله يعتمد عليه القارئ، وربما كان ذلك القولُ المختارُ خلافَ مشهورِ المذهب أحياناً كما سيأتي.
    -والرواية: أحد أقوالِ الإمام أحمد المرويةِ عنه في المسألة ولو تنبيهاً -أي: أن له قولاً أو فتوى أخرى فيها .
    -والوَجْه: ما يخرّجه أصحابُ الإمام المجتهدون من حكمٍ على مسألةٍ وفق أُصول الإمام وقواعده ؛ فتنسب إلى المذهب مع أنه لم ينص عليها ولا تكلم بها.
    ثم ذكر الموفق رحمه الله تعالى سبب تصنيفه هذا الكتاب بقوله: ( سألني بعضُ إخواني تلخيصَه ليقرب على المتعلمين، ويسهُلَ حفظُه على الطالِبين، فأجبته إلى ذلك معتمداً على الله سبحانه في إخلاص القصد لوجهه الكريم ) فالاعتماد على الله تعالى والتوكل عليه مما يُعان به العبد كما قال الله تعالى: وَمَن يتوكلْ على اللهِ فهو حَسْبُهُ أي كافِيهِ، وإخلاص القصد لله سبحانه شرطٌ لصحة الأعمال، ومن أجلِّها طلب العلم وتعليمه، وقد صحت الأخبار بالوعيد الشديد لمن قصد بذلك طلباً للشهرة والسمعة، نسأل الله السلامة والعافية. فعلى من وفقه الله تعالى لسلوك هذا الطريق أن يقْدُرَ المقام قَدْرَه، وأن يحرص غاية الحرص على تصحيح نيته وتصفيتها من كل شائبة. قال: ( وأودعتُه أحاديث صحيحة تبركاً بها واعتماداً عليها، وجعلتها من الصحاح لأستغنيَ عن نسبتها إليها ) ويقصد بالصحاح هنا كتب السُّنَّة الستة فيما يظهر، وفي هذا تساهل كما قال أئمة الحديث؛ إذ لا يصح إطلاق لفظ الصحاح على سنن أبي داود وجامع الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه، لأنها حَوَت -مع الصحيح- الحسنَ والضعيف.
    قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في ألفيته:
    ومن عليها أطلق الصحيحا فقد أتى تساهلاً صريحـا

    نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، إنـه جوادٌ كريم.
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    س: لماذا ابتدأ المصنف بالكلام على العبادات قبل المعاملات ؟
    ج: لأن العبادات هي أول ما يطالب به العبد, ثم لأنها تلزم أكثر المسلمين بخلاف المعاملات التي لا يحتاج إلى تعلُّم أحكامها غير المتعامل بها.
    وبدأ بالطهارة كغالب المصنفين في الفقه؛ لأن النصوص الشرعية قَدَّمَت الصلاةَ على غيرها من العبادات -وذلك بعد التوحيد-، ولماّ كانت الصلاة تشترط لها الطهارة، قدموا الشرط على المشروط، والكلام على الوسيلة مقدَّم على الكلام عن المقصد.

    س: لِـمَ ابتدأ المصنف في الكلام على الطهارة بـ( باب أحكام المياه ) ؟
    ج: لأن المياه هي الأصل في التطهير.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: (خُلِق الماء طهوراً) أي: أنه طاهر في نفسه مطهِّر لغيره؛ لحديث أبي سعيد الخدري ررر مرفوعاً :(إن الماء طَهورٌ لا ينجِّسه شيء)أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي. فالأصل أن الماء طهور لا ينجُس إلا إذا طرأ ما ينقله عن هذا الأصل.

    وقوله: (يطهِّر من الأحداث والنجاسات) ذاك أن الطهارة قسمان: طهارة من حَدَث، وطهارة من خَبَث.
    فالحَدَثُ : وصفٌ قائم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة .
    والخَبَثُ : النجاسة، وهي عين مستقذرة شرعاً تمنع صحةَ الصلاة.
    فالطهارة هي : [ رفع الحدث , و إزالة الخبث ]
    *فائدة : الحدث أمر معنوي؛ لذا يعبَّر معه بالرفع، أما الخبث فأمر حسي؛ لذا يعبر معه بالإزالة.

    الماء الطهور: هو الباقي على أصل خلقته حقيقةً أو حُكمًا (1).
    ومن أمثلته: مياه الأمطار والآبار والعيون والبحار.

    وقول المصنف: ( ولا تحصُل الطهارةُ بمائعٍ غيره )
    يفيد أمرين:
    الأول : أنه لا يطهِّر من الأحداث إلا الماء الطهور, ولا تحصل الطهارة من الحَدَث بمائع غيره.
    الثاني : أنه لا يطهِّر من النجاسات إلا الماء الطهور، وهو مشهور المذهب وقول الجمهور.
    لكن, هناك رواية عن الإمام أحمد بحصول الطهارة من النجاسات بكل مائع طاهر، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية.

    مسألة :
    1- أجمع الفقهاء على أن الماء الكثير -الذي يشق نزحه وإذا حرك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر - طهور لا ينجس إلا بالتغير.
    2- أجمعوا - أيضاً - أن الماء إذا خالطته نجاسة فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه نجس.

    * لكنّ الإشكال في الماء القليل الذي خالطته نجاسة فلم تغيره (لم تغير لونه أو طعمه أو ريحه) هل ينجس بمجرد ملاقاته النجاسة، أم أنه لا ينجس لعدم التغير ؟
    المشهور من مذهب الإمام أحمد : أن الماء القليل -وهو ما كان دون القلتين- إذا خالطته نجاسة فهو نجس وإن لم يتغير. والدليل : حديث ابن عمر ررر أن النبي قال : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخَبَث)الخمسة، وفي رواية: ( لم ينجُس ). ومفهومُه أنه إذا لم يبلغ القلتين يتنجس.

    س: ما مقدار القلتين ؟
    ج: قال المصنف: (والقُلَّتان ما قاربَ مائة وثمانية أرطال بالدمشقي)
    وهما في الأوعية المكعبة: ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً.
    وفي المدورة: ذراع واحد، مع عمق ذراعين ونصف ذراع.
    وهما بالصاع :ثلاثة وتسعون صاعاً وثلاثة أرباع الصاع.
    وباللتر: قرابة (204)، وقيل: (270) لتراً.

    وفي رواية عن الإمام أحمد: أن الماء - قل أو كثر- لا ينجس إلا إذا تغير بالنجاسة وفاقاً للمالكية, واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الأقرب؛ لأن دلالة المفهوم في حديث القلتين ضعيفة لا تقوى على دلالة منطوق حديث أبي سعيد ررر (2)، ويكون معناه بيان أن ما بلغ القلتين يدفع عن نفسه النجاسة فلا يتغير شيءٌ من أوصافه بوقوع النجاسة فيه لكثرته، وما كان دون ذلك فلم يتعرض له الحديث؛ إذ أنه لِقِلَّتِه قد تؤثر فيه النجاسة وتغيِّره (3). والله تعالى أعلم.

    مسألة : الماء الجاري لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ولو كان قليلاً إلا إن تغير لونه أو طعمه أو ريحه؛ لحديث أبي سعيد ررر. قالوا : لأن الماء الجاري له قوة يدفع بها التغير عن نفسه فإنه يدفع بعضه بعضاً. وهذه رواية في المذهب اختارها الموفق ابن قدامة، ومشهور المذهب: أن الجاري كالراكد.

    أقسام المياه :
    الماء ثلاثـة أقسام : طهـور، وطاهـر، ونجـس.
    هذا على المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب الجمهور
    .

    واختلف العلماء في القسم الثاني، فأثبت الجمهورُ وجودَ قسمٍ للماء طاهرٍ في نفسه ولكنه لا يصلح للتطهير، واستدلوا بما يلي:
    1-حديث أبي هريرة ررر أن رجلاً جاء إلى رسول الله فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء , فإن توضأنا به عطشنا, أفنتوضأ به ؟ قال : ( هو الطهور ماؤه، الحِل ميتته ) الخمسة، وصححه نجوم أهل الحديث.
    قالوا : بما أنه من المعلوم أن ماء البحر ليس بنجس , فالصحابة مترددون بين كونه يطهِّر(طهوراً) أو لا يطهّر(طاهراً).. وهو المثبَت. فدل ذلك على أنه قد استقر في أذهانهم وجود ماء طاهر غير طهور.
    2-حديث النهي عن الاغتسال في الماء الراكد, وحديث النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها ثلاثاً عند الاستيقاظ من نوم الليل.
    ووجه الاستدلال : أن هذه المياه مع كونها ليست نجسة فقد ورد النهي عن التطهر منها, فكونه يوجد ماءٌ ليس بنجس ولا يمكن التطهر منه فهو الطاهر إذاً.
    3-من النظر : أن الماء لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا، فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يَجُز فلا يخلو إما أن يجوز شربه واستعماله أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو النجس.

    - وهناك رواية عن أحمد, واختارها شيخ الإسلام أن الماء قسمان : طهور, ونجس . وقال: إثبات قسم طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة .
    وردوا قول الجمهور: بأن حديث أبي سعيد ررر أثبت طهورية الماء وأنه لا ينجسه شيء, فالماء إذاً باقٍ على طهوريته لا يخرج منها إلا بإجماع, وهذا لا يكون إلا بتغيره بنجاسة. واستدلوا بما رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من اغتسال النبي من قصعة بها أثر العجين مع ميمونة رضي الله عنها.
    وأما ما استدل به الجمهور من استقرار وجود قسم للماء طاهر غير مطهر في أذهان الصحابة فغير مسلَّم، وأحاديث النهي المذكورة لم تتعرض لذكر طهورية الماء ولا لنجاسته، وأما دليل النظر فإنه يعكِّر عليه أن الماء المغصوب مثلاً لا يجوز شربه ولا التطهر به مع أنه ماءٌ طهورٌ. والله تعالى أعلم.

    س: ما هو الماء الطاهر عند الحنابلة؟
    ج: هو على نوعين:
    أحدهما: كل ماء طُبِخ فيه شيء طاهر أو خالطه فغلب على اسمه، كالمرق وماء الورد والزعفران.
    والثـاني: كل ماء -دون القلتين- استُعمِل في رفع حدث.
    ومما استدلوا به على أن الماء المنفصل عن أعضاء رافع الحَدَث طاهر غيرُ مطهِّر حديثُ أبي هريرة ررر قال: قال رسول الله : (لا يغتسلْ أحدكم في الماء الدائم وهو جُنُب) مسلم. ولولا أن رفع الجنابة يفيد سلب الماء طهوريته لم ينهَ عنه.
    وعند أحمد رواية بأنه طهور لا يكره , واختارها شيخ الإسلام وغيره من أكابر الحنابلة (4).

    قال المصنف: ( وإذا شك في طهارةِ شيءٍ أو نجاسته بنى علي اليقين )
    قال شيخ الإسلام في "شرح العمدة"(1/83): (فإن تيقن طهارته ثم شك هل تنجس أم لا بنى على ما تيقنه من طهارته، وكذلك إذا تيقن النجاسة، وكذلك البدن والثوب والأرض وجميع الأعيان، وهذه قاعدة مهمة في الشرع وهي استصحاب الحال المعلومة واطراح الشك).

    قال المصنف: ( وإن خفي موضع النجاسة من الثوب غسل ما يتيقن به غسلها) وإزالتها؛ فإن تيقن مثلاً أن النجاسة قد أصابت أحدَ كُمَّي الثوب، ولم يتبين له أيهما المتنجس؛ فإن عليه غسلهما كليهما ليحصل له اليقين أن النجاسة قد أزيلت.

    قال: ( وإن اشتبه ماء طهور بنجس ولم يجد غيرهما تيمم وتركهما ) لأنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة، وهذا إنما يكون إذا لم يتمكن من تطهير النجس بالطهور.
    ( وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما ), إن شاء توضأ من كل واحد منهما وضوءاً كاملاً، وإن شاء غسل كل عضو بأخذ غرفة من هذا وغرفة من هذا؛ ليحصل اليقين أنه قد توضأ بالطهور.

    قال: ( وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة صلى في كل ثوب بعدد النجس وزاد صلاة ) فإن كان له على سبيل المثال أربعةُ أثواب أحدها نجس، لكنه لم يستطع تمييزه؛ فإنه يصلي في ثوبين منها ليحصل له اليقين أنه صلى في ثوبٍ طاهرٍ صلاة. هذا هو المذهب، والصوابُ: أن يتحرى. هذا إن لم يكن عنده ثوب طاهر بيقين. والله أعلم.

    •النجاسة أنواع :
    نجاسة الكلب من ريقٍ أو عَرَقٍ أو بولٍ أو رَوثٍ أو دمٍ أو غيرها: تُغسَل سبعاً أولاهن بالتراب.
    لما روى أبو هريرة أن النبي قال : ( إذا وَلَغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً )متفق عليه، ولمسلم: ( طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ) (5).
    ـ وألحقوا بالكلب الخنزير , قالوا : لأنه شر من الكلب وأخبث، وقد نص القرآن على رجسيته.
    والصحيح: أنه لا يلحق بالكلب؛ إذ لو كان الحكم يشمله لبينه الشارع ونص عليه؛ لوجوده زمن التشريع.
    النجاسة على الأرض: يكفي أن يُصَب عليها الماء صبة واحدة تُذهِب عين النجاسة وأثرها؛ لقول النبي في بول الأعرابي : ( صُبُّوا على بوله ذَنوباً من ماء ) متفق عليه.
    سائر النجاسات على غير الأرض : ذكر المصنف أنها تُغسل ثلاثاً مُنقِية، وهذا من اختياراته في المذهب؛ لحديث أبي هريرةررر أن النبي قال: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يَغمِس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ) مسلم. فإذا وجب تثليث غسل اليد بوهم النجاسة، فإنه لا بد من التثليث لإزالة حقيقة النجاسة. والمشهور عند الحنابلة: أنه لا بد من سبع غسلات إلحاقاً بنجاسة الكلب، مع استدلالهم بأثر ضعيف لا أصل له: أن ابن عمرررر قال: أُمِرنا بغسل الأنجاس سبعاً.
    (قلت): والأظهر والله أعلم: أنه لا يشترط لذلك عدد، وهي رواية في المذهب ، بل يجزئ مكاثرتها بالماء بحيث تزول عين النجاسة ؛ لقوله : ( إذا أصاب إحداكن دم الحيضة فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصلِّ فيه ) البخاري. وأما القول بالتثليث؛ فإن الحديث الذي استدلوا به جاء في صحيح البخاري بدون ذكر التثليث، ثم إن هذا الغَسل ليس بواجب على الصحيح خلافاً لمشهور الحنابلة؛ لأن الأمر به في الحديث معلَّل بوهم النجاسة، ولا يجب غسل ما كان متوهم التنجس، ولأنه داخلٌ في باب الآداب.
    بول الغلام ( دون الجارية ) الذي لم يأكل الطعام: يكفي فيه النَّضْح(6) ؛ لحديث أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله فأجلسه في حجره فبال في ثوبه , فدعا بماء فنضخه ولم يغسله . متفق عليه.
    نجاسة المَذْْي (7): يكفي فيها النضْح، ويعفى عن يسيره؛ لمشقة التحرز منه -على ما اختاره المصنف وهو اختيار ابن تيمية أيضاً، ومعتمدُ المذهب: وجوب غسله، وعدم العفو عن شيء منه، كالبول. فعن علي ررر قال: كنتُ رجلاً مذّاءً فاستحييتُ أن أسأل رسول الله ، فأمرتُ المقداد فسأله، فقال: (يغسِل ذَكَره ويتوضأ) متفق عليه.

    ويعفى عن يسير الدم , فإن الدم نجس عند جماهير الأمة، بل حُكِي الإجماع عليه (8).
    ويسير الدم: هو مالا يفحُش في النفس، وفي رواية: ما لا يفحش عند أوساط الناس؛ فلا عبرة بالمتبذلين كالقُصَّاب ولا المتقززين كالموسوسين ومَن تنفر نفوسهم من قطرة دم.

    قال المصنف: ( ومنيُّ الآدمي وبولُ ما يؤكَل لحمه طاهر )
    فالمني من الآدمي طاهر، ولو قلنا بنجاسته لاستلزم ذلك نجاسة الآدمي، ومما يعضد القول بطهارته ما رواه مسلم وغيره أن عائشة رضي الله عنها قالت: كنتُ أفرك المني من ثوب رسول الله فيصلي فيه. (قلت): ولو كان نَجِسًا لَمَا أَجْزَأَ فَرْكُه.

    و بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، ومن الأدلة على ذلك:
    • تجويز الصلاة في مرابض الغنم ولا يَسلَمُ المصلي فيها غالباً من مباشرة أبوالها وأرواثها .
    • أمر النبي العُرَنِيِّين بالشرب من أبوال إبل الصدقة وألبانها، ولم يأمرهم بغسل أفواههم وما يصيبهم منها، ولم يبين لهم أدنى بيان يقضي بنجاستها، فتبقَى على الأصل.
    • طواف النبي حول الكعبة راكباً على البعير, وذلك مظنة أن يلوِّث المسجد حال الطواف, وكان الأعرابي يُدخِل بعيره المسجد ولا يُنهَى، فدل على طهارة ذلك .
    -----
    ( 1 ) ونقصد بقولنا (حكمًا): أنه حصل له تغير، لكنه لم يسلبه طهوريته. مثل : الماء الذي تغير بمخالِطٍ طاهر يشق صون الماء عنه كطحلب.
    ( 2 ) ويسمى هذا المفهوم: مفهوم المخالفة، وهو حُجَّة إلا إذا كان السياق يأباه، وقد احتج به الجمهور إلا في أحوال معدودة فلتُراجَع.
    ( 3 ) وفرّق الحنابلة -في رواية بالمذهب- بين بول الآدمي وعذرته المائعة وبين سائر النجاسات؛ معتبرين ما وقعت فيه عذرة الآدمي أو بوله من المياه نجساً سواء كان قليلاً أو كثيراً إلا إذا كان يشق نزحه فلا ينجس إلا بالتغير. مستدلين بحديث أبي هريرة ررر أن النبي قال: (لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه)متفق عليه، وهو خاص في البول، ومثله العذرة، لكنه يشمل القليل والكثير.. وحملوا خبر القُلَّتين على بقية النجاسات. ولكنَّ المعتمَد في المذهب ما أثبتناه أعلاه. انظر الإنصاف(1/60)، وكشاف القناع(1/40).
    ( 4 ) وهو الأظهر؛ لأن ما غلب على اسمه مخالِطٌ، وهو النوع الأول، قد انتقل عن مسمى الماء إلى غيره فلا يكون حينئذ من أقسام المياه، وأما حديث أبي هريرة فالنهي فيه لئلا يقذِّرَ الماءَ الدائم، والأصل بقاء ما كان على ما كان.
    ( 5 ) الولوغ: أن يشرب بطرف لسانه، وقيل: بل أن يُدخِل لسانه في الماء شرب أم لم يشرب.
    ( 6 ) والنضح : غمر المحل بالماء وإن لم يَسِل منه شيء.
    ( 7 ) المذي بالتخفيف والتشديد: هو سائل أبيض رقيق يخرج من القُبُل عند اشتداد الشهوة بفِكر أو نظر أو ضم أو تقبيل أو مداعبة، ويخرج بلا دفق، ولا يعقبه فتور، وقد لا يحس بخروجه، أما المني فهو الماء الدافق الخارج من القُبُل، والذي تشتد الشهوة عند خروجه، ويفتر البدن بعده. وهو أبيض غليظ من الرجُل وله رائحة كطلع النخل أو العجين، وأصفر رقيق من المرأة ورائحته كبيض منتن.
    ( 8 ) والإجماع دليل قائم بذاته، ولا يُعرَف خلاف صريح ثابت عن قائله في ذلك إلا بعد المائة الثانية عشرة، واستدل بعض المتأخرين على طهارته بما لا دليل فيه لمكان الضرورة، وغير ذلك
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    202

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    ماشاء الله تبارك الله زادك الله من فضله..

    وجعلك من فقهاء الأمة..

    شرح جميل جدا..وياليتك تضعه على صيغة وورد بعد الأنتهاء.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    باب (الآنيـة)

    تعريف الآنية: جمع إناء وهو الوعاء. وجمع الآنية: الأواني .

    قاعدة : ( الأصل في الأشياء الإباحة ) .
    قال الله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً , وقال تعالى : قل مَن حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق , وقال تعالى : وقد فصَّل لكم ما حَرَّمَ عليكم .

    = فيباح استعمال كل إناء طاهر إلا ما ورد النص بتحريمه, وهو [ إناء الذهب و الفضة ] .
    ودليل تحريم الأكل والشرب فيهما حديث حذيفة ررر مرفوعاً : ( لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب ولا الفضة ولا تأكلوا في صحافها, فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ) متفق عليه.
    وحديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله قال : ( الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ) متفق عليه.

    * لاحظ أن الحديث نص على الأكل والشرب. فما الحكم في سائر الاستعمالات -سوى الأكل والشرب- كالتطهر والتطيب والاكتحال واتخاذ الأقلام ونحوه ذلك ؟
    مذهب جماهير أهل العلم أن التحريم يشمل جميع وجوه الاستعمالات
    وقالوا : إن النص خرج مخرج الغالب, أو أنه تنبيه بالأعلى على الأدنى؛ فالأكل والشرب يحتاج إليهما أكثر من غيرهما, ومع ذلك حرمهما فيها , فكان غيرهما محرماً من باب أولى (1).
    وقالوا أيضاً : إن العلة من تحريم الأكل والشرب فيهما, موجودة في الاستعمال أيضاًً، وآخِر حديث حذيفة ررر مُشعِرٌ بذلك؛ لذا قال الشيخ الموفق: ( لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها ).

    *مسألة : التحريم لاستعمال آنية الذهب والفضة يشمل الرجال والنساء؛ لعموم الأخبار وعدم المخصص.

    * مسألة : كل ما حَرُم استعماله حَرُم اتخاذه.
    س: ما الفرق بين " الاستعمال " و " الاتخاذ " ؟
    ج: الاستعمال يعني التلبس بالانتفاع بالشيء , أما الاتخاذ فهو مجرد الاقتناء دون الانتفاع كزينة أو غير ذلك .

    تنبيه : يدخل في آنية الذهب والفضة ما كان مموَّهاً أو مطعَّماً أو مطلياً بهما أو بأحدهما, وكذلك المضبَّب إلا ما ورد النص بجوازه , وهو : [ الضبة اليسيرة (2) من الفضة لحاجة ].
    فيخرِج ما كان لزينة، وتخرُج الضبة من الذهب، كما قال القائل:
    وضَبَّةُ العَسْجَدِ حَرِّم مطلقا كـذا الإمامُ النوويُّ حَقَّقا

    فعن أنس ررر أن قَدَح النبي انكسر, فاتخذ مكان الشَّعْب سلسلة من فضة. البخاري

    وقول المصنف: ( ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة ) أي: ولو كانت ثمينة على المشهور.

    مسألة : ما حكم آنية الكفار وثيابهم ؟
    المشهور من مذهب الحنابلة : أنه يباح استعمالها ما لم تعلم نجاستها ..
    - وهناك رواية في المذهب : أنه يجب غسل أواني من لا تحل ذبيحته من المشركين كالمجوس, بخلاف أواني أهل الكتاب فلا يجب غسلها ما لم تعلم نجاستها، وهو ما ذكره الموفق هنا .

    ودليل الإباحة : - ما جاء في الصحيحين من حديث عمران بن الحصين ررر أن النبي وأصحابه شربوا من مزادة مشركة.
    - وما جاء من أكل النبي في آنية اليهود .
    - ولأن الأصل في أواني المشركين الطهارة والإباحة حتى يدل الدليل على نجاستها أو منعها .

    أما حديث أبي ثعلبة الخُشَني وفيه أنه قال للنبي : إنا بأرض قوم أهل كتاب , أفنأكل في آنيتهم ؟ فقال : ( إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها, وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها ) متفق عليه.
    فالجواب عنه من أحد وجهين :
    الأول : أن النهي محمول على الكراهية لا التحريم .
    الثاني : أن ذلك خاص بقوم يستعملون النجاسات في أوانيهم كما ورد في بعض روايات للحديث، فيكون ما استعملوه نجساً بخلاف ما لم يستعملوه .

    قال المصنف : ( وصوف الميتة وشعرها طاهر )
    يُفهَم من هذا أنها خارجة عن أصل, وهو تحريم ونجاسة الميتة, ويدخل في ذلك عظمها، وفاقاً للجمهور؛ لأنه من أجزائها وتحله الحياة : قال من يحيي العظام وهي رميم ، ودليل حياتها : أنها تحس وتتألم. واختار شيخ الإسلام طهارة عظمها وفاقاً للأحناف، والمذهبُ الأول.

    أما الصوف والشعر والوبر, فالمشهور من المذهب أنه طاهر من الحيوان الطاهر حال حياته, أما إذا كان الحيوان نجساً حال حياته فنجسة. وقد قال تعالى: ومن أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها أثاثاً ومتاعاً إلى حين ولم تفرِّق الآية بين المذكاة والميتة, فدل على إباحتها وطهارتها في الجميع، كما أن الفرق بينها وبين أعضاء الميتة ظاهر؛ فإنها لو قُطِعَت منها حال حياتها فإنها طاهرة إجماعاً بخلاف ما لو قُطِع عضوٌ منها حال الحياة فحكمه حكمُ الميتة، فدل ذلك على أنها تخالف حكم الميتة في التحريم. والله تعالى أعلم.

    مسألة : ما حكم الآنية المتخذة من جلود الميتات ؟
    المذهب : أن اتخاذها لا يجوز وأنها نجسة ولو دُبِغت تلك الجلود, وهناك رواية في المذهب – قيل : إنها آخر الروايات عن الإمام وهي التي رجع إليها – وهو مذهب الجمهور واختيار شيخ الإسلام: أن جلد الميتة يطهر بالدباغ (3) .
    - ودليل مشهور المذهب : حديث عبد الله بن عُكَيم قال : أتانا كتاب النبي وأنا غلام ( أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب )أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم.

    وقد أجاب الجمهور عن الحديث بعدة أجوبة , أشهرها :
    1- ضعف حديث عبدالله بن عكيم هذا؛ فقد أُعِلَّ بالإرسال والاضطراب والجهالة.
    2- لو صح الحديث, فإن معنى الإهاب: الجلد قبل أن يُدبغ كما قال جمعٌ من أئمة اللغة، أما بعد الدبغ فيجوز الانتفاع به.
    ويؤيد قول الجمهور, والرواية الموافقة لهم عن أحمد: حديث ابن عباس ررر قال: سمعت رسول الله يقول : ( إذا دُبِغ الإهاب فقد طَهُر ) مسلم. فهو الراجح إن شاء الله تعالى.

    *مسألة : هل يشمل ذلك كل الجلود، حتى جلود السباع وجلد الكلب والخنزير؟
    دل حديث ابن عباس ررر على أن جلد الميتة نجس وأن الدباغ يطهره، وبقي النظر في هذا العموم: هل جاء ما يُخصِّصه؟!.
    والأظهر في ذلك: أن الدباغ إنما يطهِّر جلد ميتة مأكول اللحم، وأما ما لا يؤكل لحمه فلا يطهِّره الدباغ، وهي رواية في المذهب رجحها من الحنابلة: المجد ابن تيمية، وابن رزين، وابن عبد القوي، وشيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى" في أحد قوليه (4).

    فصارت الميتة النجسة على نوعين (5):
    أحدهما: ما لا تفيد فيه الذكاة، كالكلاب والسباع. فهذه أجزاؤها كلها نجسة؛ ذُكِّيَت أم لا.
    والثاني: ما تفيد فيه الذكاة، كالإبل والبقر والغنم والدجاج. فهذه أجزاؤها ثلاثة أقسام:
    1-قسم نجس مطلقاً: كاللحم والشحم ونحوها.
    2-وقسم طاهر مطلقاً: كالشعر والصوف والوبر والريش.
    3-وقسم فيه خلاف: وهو الجلدُ بعد الدبغ والعظامُ ونحوها .

    قال المصنف: ( كل ميتة نجسة إلا الآدمي ) فإنه لا ينجس بالموت. وقوله : ( وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه ) أي فإنه طاهر حلال؛ لحديث أبي هريرة ررر أن النبي قال عن البحر: ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته )الأربعة.

    مسألة : ما لا نفس له سائلة -أي: ما ليس له دم من شأنه أن يسيل- من الحشرات طاهر (كالذباب والبعوض والقمل والبراغيث) ما لم يكن متولداً من النجاسات؛ لأن النبي أمر بغمس الذباب في الإناء إذا وقع فيه. البخاري.

    فالأصل في الميتة أنها نجسة، إلا ما استثناه، وهو: ميتة الآدمي، وميتة البحر، وميتة ما لا نفس له سائلة من الحشرات.
    -----
    ( 1 ) ونظير ذلك قول الله تعالى: لا تأكلوا الربا ، ولا قائل بقصر النهي على الأكل دون غيره، وقوله : (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) مُشعِرٌ بالمنع منها مطلقاً، والعلة واحدة في جميع وجوه الاستعمال.
    ( 2 ) عُرفـاً، على القول الصحيح.
    ( 3 ) الدباغ: معالجة جلد الحيوان بمادة ليزول ما به من رطوبات ونتـن.
    ( 4 ) قال الإمام مالك: ( فأما جلود ما لا يؤكل لحمه، فكيف يكون طاهراً إذا دُبِغ وهو مما لا ذكاة فيه ولا يؤكل لحمه! ) قلت: ويعضد هذا أنه قد ثبت النهي عن جلود السباع وافتراشها وهي مما لا تعمل فيه الذكاة، وهذا النهي يشمل الطاهر منها حال الحياة، فلم يبقَ إلا مأكولُ اللحم. والله أعلم.
    ( 5 ) انظر إرشاد أولي البصائر والألباب للشيخ عبد الرحمن السعدي، ص 27.
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    52

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    بارك الله فيكم شيخنا الحبيب ..
    نفع الله بكم .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    باب ( قضاء الحاجة )

    ويسمى باب الاستنجاء والاستجمار، وباب الاستطابة، وباب آداب التخلي.
    والاستنجاء: إزالة خارجٍ من سبيلٍ بماء.

    قال المصنف : ( يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله، أعوذ بالله من الخُبث والخبائث )
    فرّق بعض العلماء بين لفظتي ( يستحب ) و( يُسَن ) بأن المستحب ما ثبت بتعليل ولم يثبت بنص .
    لكنه هنا جعلهما مترادفين، وهو صنيع كثير من أهل العلم، فمراده بالاستحباب هنا: السنة . وثمرة السنة: أن يثاب فاعلها امتثالاً ولا يعاقب تاركها.
    كما قيل: والسنةُ المثابُ من قد فَعَلَهْ ولم يعاقَبِ امرؤٌ قد أهملهْ .
    قال النووي في شرح مسلم: ( والخَلاء والكَنِيف والمِرْحاض كلها موضع قضاء الحاجة ).

    وقوله : (بِسْمِ اللَّهِ) لحديث علي بن أبي طالب ررر عن النبي أنه قال : ( سَتْر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الكنيف أن يقول : بسم الله ) أحمد والترمذي وابن ماجه، وحسنه بعض أهل العلم بشواهده.

    ( اللهم إني أعوذ بك من الخُبث والخبائث ) هكذا جاء في الصحيحين من حديث أنس ررر بهذا اللفظ .. وأما اللفظ الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى بتمامه فملفَّق من عدة أحاديث.
    - والخُبْث (بتسكين الباء): الشر والفعل الخبيث، فتكون الخبائث : أهل الشر من الشياطين وغيرهم (1).
    - وأما الخُبُث (بضم الباء): ذكران الشياطين، فتكون الخبائث: إناثهم.

    قوله : ( ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم ) من حديث ضعيف عند ابن ماجه.
    - وإذا خرج قال : ( غُفْرانك ) صحيح، وهذا من حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي داود الترمذي وابن ماجه..أما قول: ( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ) فمستنده حديث ضعيف عند ابن ماجه.

    فإن قيل: ما سِرُّ استغفار النبي بعد قضاء حاجته وخروجه من الخلاء ؟
    فالجواب أنه قد قيل في ذلك: إنه لما كان يذكر ربه على كل أحيانه وانقطع عن الذكر في تلك الفترة لقضاء الحاجة: استغفر الله مما حصل من نقص يراه من نفسه.
    وقيل : إنه لما خرج الثقل الحسي عنه تذكر الثقل المعنوي ( الذنوب ) فاستغفر.
    وقيل : هو استغفار من التقصير في شكر نعمة الطعام والشراب وتيسير خروجهما.
    وقيل : لأن الخلاء مظنة الغفلة والوسواس فاستحب الاستغفار عقيبه.

    ( ويقدم رجله اليسرى في الدخول للخلاء ، واليمنى في الخروج )
    والقاعدة : أن ما كان من باب التكريم أو التجمل فيبدأ فيه باليمنى، وأما البُداءة باليسرى ففيما كان من باب إزالة الأذى ونحوه.

    مسألة : يكره أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله تعالى ، ويكره أن يذكر الله تعالى أثناء قضاء الحاجة(2)، وهذا من باب التأدب فقط وهو أدبٌ حَسَن.. وإلا فإنه لم يصح حديث صريح في كراهة ذلك. أما المصحف فيحرم أن يدخله الخلاء.

    مسألة : الاعتماد حال الجلوس لقضاء الحاجة على الرجل اليسرى استحبه بعض الفقهاء ، وعللوا بأن ذلك الاعتماد يسهِّل خروج الخارج.. لكنّ حديثه الذي عند البيهقي وابن أبي شيبة ضعيف.

    مسألة : ويسن الابتعاد عن الناس؛ لفعل النبي .
    ويجب أن يستر عورته عنهم؛ لأن ذلك من حفظ الفرج. فعن أبي سعيد ررر أن النبي قال: ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة ) الحديث .. مسلم. قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" : ( ستر العورة عن العيون واجب بالإجماع ).

    مسألة : (ويرتاد لبوله موضعاً رخواً)؛ حتى يأمن رشاش البول، وقد جاء التحذير من عدم الاستبراء من البول والترهيب من ذلك.

    مسألة : يكره أن يبول في ثقب أو شَقٍّ؛ لما في ذلك من التعرض لأذى بعض الهوام، وقد يفزعه شيء فيتلوث بالنجاسة.
    - وقد قيل : إنها – أي الشقوق – مساكن الجن، وذكروا قصة سعد بن عبادة عند الطبراني والحاكم، وقتل الجن إياه. وقد ضعفها جماعة وحسنها آخرون.

    مسألة : حكم التخلي في طريق الناس أو ظلهم النافع أو تحت شجرة مثمرة : يحرم ذلك، لحديث أبي هريرة ررر مرفوعاً: ( اتقوا اللعّانين ) قالوا : وما اللعّانان يا رسول الله ؟ قال : (الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم) مسلم . وفي المذهب رواية أخرى بالكراهة.

    قال رحمه الله: ( ولا يستقبل شمساً ولا قمراً ).
    ولا يصح الحديث الوارد في النهي عن استقبالهما، وما ذكروه من تعليلات لذلك فيها نظر.
    فالصحيح عدم كراهة استقبالهما حال قضاء الحاجة قال ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" ( 2/205) : ( لم ينقَل عنه في ذلك كلمةٌ واحدة ).

    مسألة : حكم استقبال القبلة أو استدبارها حال قضاء الحاجة :- وفيه أقوال العلماء:
    - فالمذهب : أنه حرام في الفضاء ، جائز في البنيان - وهو قول الجمهور .
    - وفي رواية : أنه حرام مطلقاً - وهو اختيار ابن تيمية، وفاقاً للأحناف.

    الأدلة : عن أبي أيوب ررر قال : قال رسول الله : ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ، ولكن شرِّقوا أو غربوا ) (3) قال أبو أيوب ررر : فقدِمنا الشام فوجدنا مراحيض بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله .متفق عليه . وهناك أحاديث أُخَر قد وردت في النهي عن ذلك ولم تفرق بين البنيان والصحراء .. إلا أنه قد جاء عن ابن عمر ررر أنه قال : رقيت يوماً على بيت حفصة، فرأيت النبي يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة. متفق عليه.
    فلهذا قال الجمهور بالتفريق في الحكم بين الصحراء والبنيان جمعاً بين الأحاديث.

    أما من قال بالتحريم مطلقاً ، فقد أجاب عن حديث ابن عمر بأجوبة، منها :
    1- أن حديث ابن عمر ررر فعلي، وأحاديث النهي المطلقة قولية: [ والقول مقدم على الفعل عند تعذر الجمع ]؛ لأن الفعل يعتريه ما يعتريه من احتمال العذر أو النسيان أو كونه خاصاً به . فلا يقوى على الدليل القولي الموجه لعامة الأمة وليس فيه استثناء.
    2- أنه يحتمل النسخ، فقد يكون قبل النهي .
    ومن العلماء من جمع بين الأحاديث بأن الاستقبال والاستدبار للقبلة حال قضاء الحاجة مكروه وليس محرماً؛ ففِعل النبي لذلك من باب بيان الجواز وعدم التحريم .. فيكون النهي -عندهم- لكراهة التنزيه فقط، وفيه نظر؛ إذ أن فعله هنا ليس فيه قصدُ بيانٍ لاستتاره عن الناس، والأصل عدم اطلاع أحد على ذلك الفعل. والله أعلم.

    قال المصنف: ( وإذا انقطع البول مسح من أصل ذكره إلى رأسه ثم ينـتره ثلاثاً )
    ونتـر الذَّكَر: هو اجتذابه بشدة لاستخراج بقية البول فيه، والصحيح: عدم مشروعية ذلك، فإنه لا يصح فيه حديث وهو من التكلف الذي قد يورث السلس، ويكفيه أن يمكث قليلاً بعد البول حتى ينقطع أثره ثم يستنجي. إلا إن احتاج إلى ذلك لعلةٍ به فيلزمه ليستبرئ من البول.

    قال المصنف : ( ولا يمس ذكره بيمينه ، ولا يتمسح بها )
    أي : أن ذلك مكروه؛ لحديث أبي قتادة ررر عن النبي قال : ( إذا بال أحدُكم فلا يأخذن ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه ) الحديث.. متفق عليه .
    ولحديث سلمان ررر مع اليهودي، وذَكَر فيه نهي النبي أمته عن الاستنجاء باليمين.
    وهل النهي عن مس الذكر باليمين حال البول فقط، أو هو نهي مطلق ؟ قولان لأهل العلم رحمهم الله.

    قال : ( ثم يستجمر وتراً ) استحباباً؛ فيقطع استجماره على وتر بعد حصول الإنقاء الواجب(4) ؛ لقول النبي : ( ومن استجمر فليوتر ) متفق عليه.
    فلو أنقى بثلاث كفاه ذلك ولم تستحب له الزيادة، وإن أنقى بأربع – قلنا : زد خامسةً لتتحصل الإيتار المستحب .
    إلا أن أقل الإيتار الواجب ثلاث هنا، فلا بد من ثلاثة أحجار أو ثلاث مسحات منقية على الأقل؛ لحديث سلمان ررر : ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار..

    مسألة : قال المصنف رحمه الله: ( فإن اقتصر على الاستجمار أجزأه، وإنما يجزئ الاستجمار إذا لم يتَعَـدَّ الخارجُ موضع العادة ) فإن تعدى الخارج موضع العادة بأن انتشر البول على فخذه مثلاً أو أصاب الغائطُ الصفحتين لزمه الاستنجاء بالماء للمتعدي فقط؛ لأن الاستجمار رخصة، والرخصة لا تتعدى محلها.
    فعلى هذا يقال : إن إزالة الخارج على ثلاث مراتب:
    1- أن يكون بالحجارة ، ثم يتبعها بالماء – وهو أفضلها على الصحيح.
    2- أن يكون بالماء فقط – وهو أفضل من الثالثة التالية .
    3- أن يقتصر على الحجارة .

    *شروط ما يستجمر به :
    • أن يكون طاهراً.
    • أن يكون منقياً.
    • أن يكون مباحاً.
    • أن يكون غير محترم.
    - ولا يجزئ الاستجمار بروث ولا عظم لما في صحيح مسلم من حديث سلمان ررر: لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي برَجِيعٍ أو عظم؛ ولأنهما زاد إخواننا من الجن كما جاء في الصحيح، ويضاف إلى ذلك نجاسة روث ما لا يؤكل لحمُه فقد جاء ابن مسعود ررر إلى النبي بروثة ليستجمر بها فألقاها وقال: ( هذا رِكْس ) البخاري. وفي صحيح ابن خزيمة أنها روثة حمار.. وقد قدَّمنا اشتراط طهارة ما يُستجمَر به.

    * فائدة مهمة :
    الراجح : أن الاستنجاء لا يلزم، بل ولا يشرع، إلا من خارج نجس ملوِّث. فلا يستنجى من الريح، وحكى النووي الإجماع على عدم وجوب الاستنجاء منه، بل صرح جماعة من الفقهاء بأنه بدعة، وكرهه آخرون. وكذلك الاستنجاء من الحصاة أو البعرة الجافة إذا خرجت من المخرج ليس بواجب. وأما المذهب؛ فقد قال الشيخ الموفق في "المُقنِع": ( ويجب الاستنجاء من كل خارجٍ إلا الريح ).
    -----
    ( 1 ) وعلى التسكين أكثر روايات الأحاديث.
    ( 2 ) إلا الدراهم، فقد نص أحمد على أنه لا بأس بذلك.
    ( 3 ) قوله : ( شرقوا أو غربوا ) خاص بأهل المدينة ومن كان في حكمهم.
    ( 4 ) الإنقاء في الاستنجاء: خشونة المحل كما كان، وفي الاستجمار: أن يبقى أثر لا يمكِن إزالته إلا بالماء.
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    باب ( الوضوء )

    • تعريف الوضوء :
    لغةً : اسم مصدر من الوضاءة بمعنى الحسن والنظافة.
    وشرعاً : استعمال الماء الطهور في أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة تعبداً لله تعالى.

    ومشروعيته: بالكتاب والسنة وإجماع الأمة .
    قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ .

    وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ررر قال: قال رسول الله : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) .

    *فضله : ورد أن الله تعالى يمحو به الخطايا، ويرفع به الدرجات، ويكون نوراً لأصحابه يوم القيامة، وهو شطر الإيمان، ومجلبة لمغفرة الرحمن .

    مسألة : النية شرط لصحة الوضوء؛ لقوله : ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى )؛ فـ(لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات إلا أن ينويه) .. فلو نوى بوضوئه رفع حدثه الأصغر، أو الطهارة لما لا يباح إلا بها كصلاةٍ ومسِّ مصحف، أو نوى الطهارة لِما يُسَن له الطهارة كنوم، أو نوى تجديداً مسنوناً ناسياً حَدَثَه صح ذلك الوضوء وارتفع به حدثُه على الراجح.

    *فروض الوضوء :
    الفرض لغةً:
    له معانٍ منها الحز والقطع.
    وثمرته : أن يثاب فاعله ويعاقب تاركه عمداً .

    س : ما الفرق بين ( الفرض أو الركن ) و( الشرط ) ؟
    ج : 1- الشرط خارج عن العبادة، والفرض داخلها ومن ماهيتها .
    2- الشرط يُستَصْحَب فيها إلى انقضائها، والفرض ينقضي ويأتي بعده غيره (له حيز محدد من العبادة).

    * وفروض الوضوء ستة :
    1- غسل الوجه : وهو ما تحصل به المواجهة، وحد المصنف حدوده فقال: (ثم يغسل وجهه ثلاثًا من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا)، ولا عبرة بالأنزع ولا الأفرع(1)، ومن ذلك المضمضة والاستنشاق عند الحنابلة في المشهور خلافاً للجمهور القائلين بسنيتهما(2) ..ففي حديث أبي هريرة ررر مرفوعاً: ( إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر ) متفق عليه.

    2- غسل اليدين مع المرفقين.
    3- مسح جميع الرأس (3).
    وصفة المسح المسنون: أن يبتدئ بيديه من مقدَّم رأسه إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدَّمه، ولا يكرره.

    *مسألة : هل الأذنان من الرأس ؟
    فيها أربعة أقوال:
    الأول: أنهما من الرأس؛ لحديث ابن عباس ررر قال: قال رسول الله : ( الأذنان من الرأس ) أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، والصواب أنه موقوف ولا يصح مرفوعاً.
    الثاني: أنهما من الوجه؛ لحديث: ( سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره ) .
    الثالث: أنهما كعضو مستقل وليسا تابِعَين للرأس ولا للوجه.
    الرابع: أن ظاهرهما من الرأس، وباطنهما من الوجه.
    والمذهب الأول، وعليه: يكون مسح الأذنين فرضاً. واختار الشيخ الموفق أن مسحهما مسنونٌ غير مفروض، وهي رواية أخرى في المذهب.
    4- غسل الرجلين مع الكعبين : وفي الحديث : ( ويل للأعقاب من النار ) متفق عليه .
    أما المسح فلا يجزئ إلا على خف أو جورب.

    فإن قيل: كيف نجيب عن خفض وأرجلِكم في بعض القراءات المتواترة ؟
    فالجواب على أصح الأقوال يكون بأحد وجهين :
    الأول : أنها من باب الخفض بالمجاورة كقوله تعالى : إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أليمٍ ، ولا يوصف اليوم بكونه أليماً، وإنما هو وصف للعذاب.
    الثاني : أنها دالة على المسح على الخفين ومشروعيته.

    5- الترتيب : لأن الله جل وعلا في آية الوضوء ذكر الممسوح بين المغسولات، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة (4) ، ولا فائدة هنا غير الترتيب. كما أن الفعل الراتب المستديم المنقول عن النبي هو الترتيب بين أعضاء الوضوء، ولحديث : ( أبدأ بما بدأ الله به ) .
    *مسألة : لو نسي الترتيب بين أعضاء الوضوء، فهل يسقط عنه؟
    الصحيح : عدم سقوطه بالنسيان، كالترتيب بين أفعال الصلاة.
    6- الموالاة : وهي أن لا يؤخر غسل عضو حتى يجف الذي قبله حالَ اعتدالِ الزمان. ولا يضر إن جفَّ لاشتغاله بواجبٍ أو سُنَّـةٍ كإزالة وسخ لأجل الطهارة أو كمالها، ولا يضر التفريقُ اليسيرُ إجماعاً.
    ودليل فرضية الموالاة: حديث عمر ررر أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي فقال: (ارجع فأحسِن وضوءك)، فرجع ثم صلى. مسـلم وغيره، وعند أحمد: فرجع فتوضأ ثم صلى.
    وعن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه و سلم أن رسول الله رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لُمْعَةٌ قَدر الدرهم لم يُصِبها الماء فأمره رسول الله أن يعيد الوضوء. أحمد وأبو داود وابن ماجه وزادا: " والصلاة ". وجوَّد إسنادَه الإمامُ أحمد وغيره، وله شواهد.
    ولو كانت الموالاة غير مفروضة لكفاه أن يغسل الموضع الذي لم يصبه الماء، ولَمَا أمره النبي بإعادة الوضوء.
    ومما يُستَأنَس به في المسألة مداومةُ النبي عليها في وضوئه، وعدم إخلاله بها ولو مرة، مع ما تقرر من أن فعله بيانٌ لآية الوضوء.

    واختار شيخ الإسلام ابن تيمية سقوط فرضيتها إذا كان تركُها لعذر كعدم تمام الماء أو اغتصابه منه بعد أن حَصَّلَه، وحَمَلَ الأمر بالإعادة على ما إذا كان المتوضئ مفرِّطاً، وذكر أنه الأشبه بأصول الشريعة وبأصول أحمد وغيره، وهو المشهور من مذهب مالك.

    قول المصنف : ( والمسنون : التسمية ) هذا من اختيارات الإمام الموفق لبعض روايات أو أقوال المذهب. والمشهور: وجوب التسمية في الوضوء؛ لحديث أبو هريرة ررر مرفوعاً: ( لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) أحمد وأبو داود وابن ماجه .
    وفي الحديث اختلاف من حيث تصحيحه وتضعيفه، فقواه الحاكم والمنذري وابن حجر والعراقي وابن كثير وابن الصلاح، والألباني وغيرهم.
    وما اختاره الإمام الموفق هو قول الجمهور، وهو الصواب إن شاء الله؛ لأن الحديث لو صح فإن قوله: (لا وضوء) يحمل على نفي الكمال لا نفي الصحة، بقرينة أن واصفي وضوء النبي لم يذكروا التسمية، وحق الواجب أن لا يُترك.. قالوا: ولم تذكر التسمية في آية الوضوء، ولعدم ورود حديث صحيح صريح في إيجابها، والله أعلم. وقد نُقِل أن روايات المذهب قد استقرت على أنه لا بأس بتركها.
    وقوله : ( وغسل الكفين ) سنة إجماعاً.
    وقوله : ( والمبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائماً ) لقوله للقيط بن صَبِرة: ( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً ) الخمسة.
    والمضمضة: أن يدير الماء في فمه، والاستنشاق: أن يجتذب الماء بنفَس إلى الأنف.
    والإتيان بهما فرض على المعتمد في المذهب، والمبالغة فيهما سنة إلا حال الصيام. قال في "العُدّة شرح العمدة": (وصفة المبالغة اجتذاب الماء بالنفَس إلى أقصى الأنف، وفي المضمضة، وهي إدارة الماء في أقصى الفم).
    والأشهر نقلاً عن رسول الله الوصل بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة؛ فيجعل جزءاً من الماء في فمه والمتبقي لأنفه.
    ( وتخليل اللحية والأصابع ) أي: إن كانت اللحية كثيفة سُنَّ تخليلها، وإلا وجب غسلها .
    وقوله : ( ومسح الأذنين ) ظاهرهما وباطنهما . والقول بسنيته من اختيارات الموفق رحمه الله تعالى كما سبق بيانه، وقياسُ المذهب وجوبُه.
    وقوله : ( وغسل الميامن قبل المياسر ) لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه كان يعجبه التيمُّن في تنعُّلِه وترجُّلِه وطهوره وفي شأنه كله.
    فمن قدّم المياسر فقد خالف السنة وفاته الفضل، وصح وضوؤه؛ لأن آية الوضوء جعلت اليدين بمثابة العضو الواحد ولم تقدم إحداهما على الأخرى، وكذا الرجلين.
    وقوله : ( والغَسل ثلاثاً ثلاثاً ) فالمفروض مرة لأعضاء الوضوء، وما زاد فمستحب، والتثليث أفضل.
    وقوله : ( وتكره الزيادة عليها ) أي على الثلاث، وعند جماعة من أهل العلم أنها تحرم؛ لحديث : (فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .
    ( والإسراف في الماء ) لأن النبي كان يتوضأ بالمُد.

    تنبيه : قال المصنف: ( ثم يرفع نظره إلى السماء فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله )
    أما الذِّكر فقد روى عمر ررر عن النبي أنه قال: ( من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء )مسلم. وأما زيادة رفع البصر إلى السماء فمنكرة لا تصح.

    أحكام السواك :
    والتسوك سنة، ويتأكد في ثلاثة مواطن ذكرها المصنف:
    1- عند تغير الفم.
    2- عند القيام من النوم.
    3- عند الصلاة.
    ويضاف إليها المواطن الآتية: عند دخول المنزل، وعند البدء بتلاوة القرآن، وعند الوضوء .
    - وفي الحديث: ( السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ) الشافعي وأحمد والنسائي وابن خزيمة وغيرهم، وعلقه البخاري مجزوماً به في صحيحه، وصححه الألباني.
    - وفي الحديث الآخر: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )متفق عليه.

    قال المصنف : ( ويستحب في سائر الأوقات إلا للصائم بعد الزوال ) .
    - فالمشهور من المذهب: أنه لا يستحب السواك للصائم بعد الزوال، ودليلهم على ذلك :
    1- ما روي عن خباب ررر مرفوعاً: ( إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي ) الطبراني والدارقطني وضعفه، ورواه الطبراني والدارقطني والبيهقي موقوفاً على علي ررر.
    2- أن خُلوف فم الصائم أثر عبادة وهو أطيب عند الله من ريح المسك، فلا ينبغي إزالته، كدم الشهيد وشعث الحاج.

    والصحيح الذي مال إليه كثير من محققي المذهب أن السواك مسنون كل وقت حتى للصائم بعد الزوال وأجابوا بما يلي :
    أولاً : الحديث الذي استُدِل به ضعيف لا تقوم به حجة.
    ثانياً : أن النبي قال: ( لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )، وصلاةُ الظهر والعصر بعد الزوال ولم يأتِ مخصص لهما أو مخرِج عن هذا العموم.
    ثالثاً : أن السواك لا يعارض كون خلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؛ فهو لا يقطع رائحة هذا الخلوف إذ أنها تتصاعد من الجوف.
    -----
    ( 1 ) النَّزَعُ انْحِسارُ مقدَّم شعَر الرأْسِ عن جانبي الجَبْهةِ؛ فالأنزع: من انْحَسَرَ مُقَدَّمُ شَعْرِهِ، والفرَع:كثرة الشّعر وطوله على الرأس؛ فالأفرع هُوَ الَّذِي قَدِ انْحَدَرَ شَعْرُ رَأْسِهِ فِي جَبْهَتِهِ.
    ( 2 ) واحتج الجمهور بقول النبي للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله) فأحاله على الآية الكريمة، والأظهر أنه لا حجة فيه؛ فهو قطعة من حديث المسيء صلاته في إحدى رواياته، ومعلوم أن بعض الواجبات والأركان المجمَع عليها لم يأتِ لها ذكرٌ فيه كالتشهد والتسليم، فلا يصح أن يُجعَل صارفاً للأوامر بإطلاق. والله تعالى أعلم.
    ( 3 ) هذا مذهب الحنابلة، والمالكية أيضاً: أن مسح جميع الرأس فرض. وفي رواية في المذهب: يكفي مسح بعضه وفاقاً للشافعية.
    قال الشيخ عبدالله ابن بَيَّه: (والنزاع في المسألة هو نزاع يتعلق بموضع الباء، وهو بين النحاة أصلاً :
    فذهب إلى أن الباء تأتي للتبعيض ابن مالك والقَتَبِيّ والفارسي والأصمعي ، مستشهدين بقوله تعالى : عَيْنَاً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ أي : منها ، ويقول أبي ذؤيب الهذلي : شربـن بماء البحـر ثم ترفعـت متى لجج خضـر لهن نئـيج
    وقول عنترة العبسي :
    شربت بماء الدُّحرضين فأصبحت زوراءُ تنفرُ من حياض الديلم
    وقول الآخر : شُربَ النزيف ببرد ماء الحشرج.
    قلت : لم أجدها تحتمل التبعيض في غير محل النزاع – إلاّ في مفعول شرب، وهذا يضعف مذهب الشافعي وغيره .
    أما القائلون بزيادة الباء فهم : أبو عبيدة والبصريون كما يظهر من كلام الزمخشري وهو بصري ، حيث لم يحك خلافاً في زيادتها قبل المفعول في السعة ، وكذلك شارحه ابن يعيش.
    وما زعم ابن عصفور في "الضرائر" أنها لا تُزاد إلاّ في الضرورة مردود بعشرات الشواهد التي تدل على زيادة الباء في ستة مواضع ، وهي : المبتدأ ، والخبر ، والحال المنفي عاملها ، والنفس ، والعين المؤكد بهما ، والمفعول به ما بين آيةٍ وبيت شعرٍ يشهد لزيادتها قبل المفعول، جمعتها من كتب شتى منها : ولاَ تُلْقُوا بِأيْديكُم ، فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّماءَ الدُّنيا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاها رُجُومَاً لِلشَياطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ وَللّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئسَ المَصِيرُ ، ألَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللهَ يَرَى ، وَهُزّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّمَاءِ ، وقول حسّان : تسقي الضجيع ببارد بسام ، وقول الشاعر :
    هُنَّ الحرائر لا رباتُ أحمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسورِ .
    وهذا يرجح مذهب مالك ويدل على حاجة الفقيه للغة) أ.هـ من "أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات".
    ( قلت ): لا يظهر لي أن ما ذكره الشيخ -وفقه الله- كافٍ في رد حجة القائلين بجواز الاكتفاء بمسح بعض الرأس، فثبوت كونها للتبعيض في بعض شواهد العربية قوي لا سيما أنه قد قال بذلك أئمة يحتفى بهم. ولكنّ ترجيح القول بوجوب الاستيعاب ومسح جميع الرأس يتقوى باعتبار السنة الفعلية مبينةً لمجمَل القرآن في قوله تعالى: وامسحوا برؤوسكم. والله أعلم.
    ( 4 ) وكذا الانتقال من عضو قريب إلى بعيد ثم الرجوع للقريب.
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    باب ( المسح على الخفين )

    *المسح : إمرار اليد المبلولة على الموضع.
    *الخُفّ : ما يُلبس في الرِّجل من جلد ليستر القدمين.
    قول المصنف : ( يجوز المسح على الخفين ) عند الجمهور حضراً و سفراً، وقد تواترت أدلة المسح عليها تواتراً معنوياً .

    ومما تواتر حديثُُ مَن كَذَبْ ... ومَن بنى لله بيتاً واحتَسَبْ
    ورؤيةٌ شفاعــةٌ والحوضُ ... ومسحُ خفينِ وهذي بعضُ
    والأحاديث كثيرة جداً في هذا الباب، فهو من الرُّخَص ومن يسر الشريعة .

    وقوله : ( وما أشبههما من الجوارب الصفيقة والجراميق التي تجاوز الكعبين ) وقد ورد في المسح على الجوارب أحاديث مرفوعة متكلم فيها، ولكنَّ هناك آثاراً عديدة عن عدد من الصحابة ثابتة عنهم في ذلك.
    * والجَوْرَب : ما كان على صورة الخُف من صوف أو كتان أو قطن - غير الجلد - ويلبس في الرِّجل. والجراميق جمع جُرْموق، وهو الخف القصير الذي يُلبَس فوق الخف وقايةً له.

    * مسألة : أيهما أفضل: المسح على الخفين أم غَسل الرجلين ؟
    عند الحنابلة : أن المسح أفضل .. وفي رواية : أن الغسل أفضل كقول الجمهور. واختار شيخ الإسلام أنه إذا كان لابساً للخفين فالأفضل المسح فلا يتكلف نزعهما ليغسل، وإذا كانت القدمان مكشوفتين فالأفضل غسلهما.

    * شروط المسح على الخفين :-
    1- أن يكون الخف طاهراً؛
    فلا يمسح على نجس العين كالمصنوع من جلد خنزير.
    2- أن يكون مباحاً؛ فلا يمسح على محرم لكسبه كالمغصوب، ولا على محرم لذاته كالحرير.
    3- أن يكون ساتراً لمحل الفرض ( وهي القدم من رؤوس الأصابع وحتى الكعب )؛ فإن كان فيه خرق أو فتق يبدو منه شيء من القدم فلا يمسح عليه، أو كان شفافاً فكذلك. قالوا : لأن المسح على المخرق فيه جميع بين البدل والمُبْدَل.
    4- أن يثبت الخف بنفسه فلا يجوز المسح على ما يسقط أو على ما يحتاج لربط أو شد حتى يثبت.
    - والصحيح: أن هذا الشرط والذي قبله ليسا معتبرين، ولعل دليلهم فيه ما يعرف بالوجود؛ إذ الخف المعهود زمن التشريع هو ما كان على هذا الوصف.
    5- إمكان متابعة المشي عليه.
    والقول باشتراطه – عندي – قويٌّ متجهٌ؛ لأن المسح للمسافر ثلاثة أيام لا يمكن إلا على ما كان كذلك، فلا يصح قياس ما يسمى بـ"الشرّاب" على الخفاف والجوارب، لا سيما أن المسح على الخفين والجوارب من الرخص. والله أعلم.
    6- أن يكون المسح في المدة المأذون له شرعاً أن يمسح فيها وهي: يوم وليلة للمقيم، وثلاثة بلياليهن للمسافر.. وقد ثبت هذا التأقيت من حديث علي وصفوان بن عسّال وعوف بن مالك وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
    وتحسَب هذه المدة من الحدث إلى أن يأتي مثل الوقت الذي أحدث فيه من اليوم التالي؛ لأن المسح عبادة مؤقتة فيكون ابتداء وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة.. وفي رواية في المذهب: أنها تحسب من المسح بعد الحدث؛ لظاهر الأحاديث، ورجحها جمعٌ من المحققين (1).
    7- أن يكون المسح في الطهارة الصغرى.
    أما المحدِث حدثاً أكبر فليس له أن يمسح عليهما؛ لدلالة السنة الصريحة على ذلك.
    8- أن يلبس الخفين بعد كمال الطهارة؛ لما روى المغيرة ررر قال: كنتُ مع رسول الله في سفر فأهويتُ لأنزع خفيه، فقال: ( دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين )متفق عليه.

    قوله : ( ومتى مسح ثم انقضت المدة أو خلع قبلها بطلت طهارته ) أي: إذا خلع الخف بعد مسحه عليه وقبل انتهاء مدة المسح، فإن طهارته تبطل، وعليه أن يستأنف الطهارة، وهذا بناءً على قولهم بفرضية الموالاة. وذهب شيخ الإسلام إلى أن انقضاء المدة وخلع الخف لا يبطِلان وضوء الماسح، إلا أن يُحدِث (2) .. ولكنَّ قولَ المذهب في هذه المسألة أظهر؛ لأنه لا معنى للمسح على الخف أو استدامة حكمه عند انكشاف القدم، فلو صلى على تلك الحال فكأنه لم يمسح أصلاً، وهذا هو الشأن في عامة الرُّخَص. والله تعالى أعلم.

    مسألة : المسح على العمامة ثابت عن النبي. ويجوز الاقتصار عليها دون مسح جزء من الرأس.
    واشترط على المذهب أن تكون العمامة ذات ذؤابة، والأظهر عدم اشتراط ذلك؛ إذ لا فرق مؤثراً بين ذات الذؤابة و الصمَّاء.
    ويشترط أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه.

    مسألة : المسح على الجبيرة
    والجبيرة: أعواد من خشب ونحوه تُربَط على الكسر وما شابهه.
    وفيه حديث صاحب الشجة (3)، ومع ضعفه فإن أصول الشريعة والقياس الصحيح يشهدان لمشروعية المسح على الجبائر، ويعتضد هذا بما صح من فعل ابن عمر ررر أنه كان يمسح على الجبائر.

    س : ما الفروق بين المسح على الجبيرة والمسح على بقية الحوائل ؟
    ج : أشهر الفروق بينهما:
    الجبيــرة
    1- أن المسح عليها عزيمـة.
    2- يمسح عليها في الطهارتين الصغرى والكبرى.
    3- يجب المسح على جميعها.
    4- أن المسح عليها غير متأقت، فيستمر إلى أن يحلها أو يبرأ ما تحتها.
    5- أنه لا يشترط تقدم طهارة على وضعها في الراجح، خلافاً لمشهور المذهب.

    الخُف وبقية الحوائل
    1- أنه رخصـة.
    2- يكون في الطهارة الصغرى دون الكبرى.
    3- لا يمسح إلا على مواضع معينة كأعلى الخف.
    4- متأقت بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.
    5- أنه يشترط تقدم الطهارة على لبسها.

    *يمسح أعلى الخف.
    وهل يَمسَحُ الخفين معاً في آن واحد، أو يبدأ بالأيمن قبل الأيسر؟
    قولان لأهل العلم :
    أحدهما : تمسح اليمنى ثم اليسرى، قياساً على غسل الرجلين.
    والثاني : تمسحان معاً؛ لأنهما ممسوحان كالأذنين .
    والأرجح الأول؛ لاستقلال القدمين، بخلاف الأذنين فإنهما تابعتان للرأس في الصورة، ولأن المسح بدل عن الغسل، والبدل له حكم المُبْدَل. والله أعلم.

    *فائدة: مذهب الحنابلة في باب المسح هو أيسر المذاهب الأربعة؛ فالمسح على الجوارب والعمائم وخُمُر النساء جائز في المشهور من مذهبهم، خلافاً للجمهور.
    -----
    ( 1 ) قال ابن المنذر رحمه الله تعالى في "الأوسط"(2/96): (وتفسير قول من قال : يمسح من الحدث إلى الحدث أن يلبس الرجل خفيه على طهارة ، ثم يحدث عند زوال الشمس ، ولا يمسح على خفيه إلا من آخر وقت الظهر ، فله أن يمسح على خفيه إلى أن تزول الشمس من غد ، وإذا زالت الشمس من غد وجب خلع الخف ، ولم يكن له أن يمسح إذا كان مقيما أكثر من ذلك ، ومن حجة من قال هذا القول: أن المسح رخصة ، فلما أحدث هذا فأبيح له المسح ولم يمسح وترك ما أبيح له إلى أن جاء الوقت الذي أحدث فيه فقد تم الوقت الذي أبيح له فيه المسح ، وجب خلع الخف ، وفي القول الثاني له أن يمسح إلى الوقت الذي مسح ، وهو آخر وقت الظهر على ظاهر الحديث).

    ( 2 ) عند الجمهور أن طهارته لا تبطل، على اختلاف بينهم.. فالأحناف والشافعية يقولون: يجب عليه غسل قدميه فقط، وهو رواية عند الحنابلة على القول بعدم فرضية الموالاة. وذهب ابن حزم وابن تيمية: أن طهارته الأولى ما دامت صحيحة، فلا تبطل بخلع الخف، ولا شيء عليه. وقد اعترض ابن حزم على الفقهاء بعدة اعتراضات في كتابه "المحلى" ولكنها عند التحقيق لا تصلح معارضاً لقول الجمهور، وأما ما رواه ابن أبي شيبة من أن علياً ررر توضأ ومسح على نعليه ثم دخل المسجد فخلع نعليه ثم صلى، فيجاب عنه بأنه تدخله احتمالات منها: أنه ربما توضأ وضوءاً كاملاً بأنْ غسل الرجلين ثم مسح على النعلين، أو أنه أمرَّ اليدين على النعلين حال غسل الرجلين، وعلى فرض انتفاء هذه الاحتمالات فيكون هذا اجتهاداً منه ررر، ولا يقال إنها سنةُ خليفة راشد أُمِرنا باتباعها؛ لأن سنة الخلفاء الراشدين هي ما ظهر عنهم واشتهر وجمعوا الناس عليه، وحصل الاتفاق عليه منهم.والعجيب أن بعض من يستدل بهذا هنا لا يجيز المسح على النعلين .فالنظر الصحيح يقتضي ما ذكرنا؛ إذ المسح قائم مقام الغَسل. والله أعلم.

    ( 3 ) جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال : «خرجنا في سفر ، فأصاب رجلا منا حَجَر فشجَّه في رأسه ، فاحتلم ، فسأل أصحابه : هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا : ما نجد لك رُخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قَدِمْنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأُخْبِر بذلك، قال : ( قتلوه، قتلهم الله ، ألا سألوا إذْ لم يعلموا ، فإنما شفاء العيِّ السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويَعْصِر - أو يَعصِبَ ، شك موسى - على جَرحه خِرْقة ، ثم يمسح عليها ، ويغسل سائر جسده ) أخرجه أبو داود والدارقطني وتكلم فيه. وروي عن ابن عباس ررر.
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    باب ( نواقض الوضوء )

    النواقض : جمع ناقض وقيل: جمع ناقضة.
    والنقض هو الفك بعد الإبرام، ومنه : وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا .
    - ونواقض الوضوء : مفسداته، أي: التي إذا طرأت عليه أفسدته.

    قال المصنف : وهي سبعة :
    1- الخارج من السبيلين قليلاً كان أو كثيراً، معتاداً كان كالبول أو غير معتاد كالدم والحصى .. (والسبيلان) : القبل والدبر .
    *تنبيه : حتى لو كان الخارج طاهراً كالريح فهو ناقض للوضوء عند الجمهور.
    - ومن الخارج من السبيلين ما يلي :
    أ*- البول والغائط : قال تعالى : أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ، وفي حديث صفوان بن عسَّال ررر : ( ولكن من غائط وبول )، ونقل غير واحد الإجماع على كونهما ناقضين للوضوء .
    ب*- المني والمذي والودي : وقد قال لعلي ررر في شأن المذي: ( اغسل ذكرك وتوضأ ) متفق عليه ، وقال : ( فيه الوضوء ). وهو مقيس على ما سبق ، وقد نقل جمع من العلماء الإجماع على نقضها للوضوء .
    ج*- الريح : فقد شُكِي للنبي الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال : ( لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) متفق عليه .وقد فسر أبو هريرة ررر الحدث بالريح عندما سئل عن معنى الحدث في قوله : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) متفق عليه ، وأجمع أهل العلم على نقضه للوضوء .
    د- دم الاستحاضة : وهو دم فساد – لا دم حيض – يخرج من عرق في قُبل المرأة.
    وقد جاء أن فاطمة بنت أبي حُبَيش كانت تُستَحاض، فقال لها النبي : ( إنما ذلك دم عِرق، فتوضئي لكل صلاة ).
    2- الخارج النجس من غير السبيلين إذ فحش : كخروج الدم والقيء على المنصوص عليه عن الإمام أحمد، وهما نجسان عند الجماهير؛ فإذا كان هذا الخارج كثيراً، [والكثير : ما يفحش في النفس كلٌّ بحسبه، وعنه : ما فحش في نفوس أوساط الناس].
    واستُدِل للنقض بالأدلة الآتية :
    1- حديث فاطمة السابق، وفيه: ( إنما ذلك دمُ عِرق ) قالوا : فعلَّل للنقض بكونه دم عرق، فيدخل فيه سائر ما يخرج من دماء العروق.
    2- عن أبي الدرداء ررر أن النبي قاء فتوضأ . أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الحافظ وغيره.
    3- القياس على الخارج النجس من السبيلين .
    واختار ابن تيمية عدم النقض بخروج الخارج النجس من غير السبيلين، وهو الراجح من أقوال أهل العلم، ويستدل لهذا بما يلي:
    1- البراءة الأصلية، وعدم ثبوت نص صريح صحيح يوجب الوضوء من ذلك .
    2- آثار عن الصحابة في عدم توضؤهم من ذلك. قال البغوي : (هو قول أكثر الصحابة والتابعين).
    ويجاب عن حديث فاطمة بأن دلالته غير صريحة على ما قالوا، وعن حديث أبي الدرداء بأنه قد ضعفه جماعة، وعلى القول بتصحيحه فلا دليل على الإيجاب؛ لأنه مجرد فعل. وإذا ثبت تطهر العبد بمقتضى دليل شرعي فلا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي. ويميل ابن تيمية إلى استحباب الوضوء في هذه الحال دون إيجابه.
    3- زوال العقل أو تغطيته بنوم أو إغماء أو سُكر أو جنون. فالمذهب : أن ذلك ناقض إلا النوم اليسير من جالس أو قائم؛ لما روى أنس ررر: كان أصحاب النبي ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون. أبو داود وغيره.
    واستثنوا القاعد والقائم لاشتراكهما في انضمام محل الحدث، وأما نوم المضطجع فناقضٌ يسيراً كان أو كثيراً.
    ودليل النقض: ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن صفوان بن عَسَّال ررر قال: ( كان رسول الله يأمرنا إذا كنا سَفراً أو مسافرين أن لا ننزع خِفافَنا ثلاثةَ أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم )الحديث، وأحاديث أُخَر.
    قالوا : ولأن النوم مظنة خروج الحدث فأقيم مقامه..والأقرب: أنه إن كان يزول معه الإدراك فهو الناقض دون غيره أيَّاً كانت حالُ النائم. والله أعلم.
    وزوال العقل بغير النوم ناقضٌ ولو كان يسيراً، وقيل: إنه إجماع .
    4- مس فرج أصلي – بباطن كفه أو ظاهرها عند الحنابلة – من غير حائل.
    ودليل النقض : حديث بُسْرة بنت صفوان أن النبي قال : ( إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ )الخمسة، وعند أحمد والطبراني في "الصغير" بسند حسن عن أبي هريرة ررر قال: قال رسول الله : (إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه الوضوء)، وهو قول الجمهور.
    ومال شيخ الإسلام إلى استحبابه دون الإيجاب إذا لم تصحبه شهوة، وهي رواية عن أحمد، وهذا من الجمع بين حديث بسرة وحديث طلق بن علي ررر أن النبي سُئِل عن الرجل يمس فرجه وهو في الصلاة، قال : (وهل هو إلا بَضْعة منك) الخمسة.

    *وقد يجاب عن حديث طلق من أوجهٍ عدة، أشهرها :
    1- أنه في المس بحائل بلا مباشرة.
    2- أنه منسوخ.
    3- أنه في المس بدون شهوة .
    4- أن إسناده ضعيف، فقد ضعفه أبو زُرعة وأبو حاتم والشافعي وأحمد وغيرهم.
    فيترجح بقاء الأمر في حديث بسرة على الأصل، وهو دلالته على الوجوب؛ للاحتمال الوارد على حديث طلق بأن السؤال الوارد فيه إنما كان عن المس بحائل بدليل قوله: "وهو في الصلاة"، وهو وجيه جداً. والله أعلم.
    ولا ينقض مس العانة، ولا الأنثيين، ولا الرَّفغين، ولا ما بين الأليين، ولا الشّفْرَين من المرأة .
    ولا ينتقض وضوء الملموسِ فرجُه بمجرد اللمس على المشهور من المذهب.
    5- لمس المرأة بشهوة من غير حائل. قال تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ . والأصل فيه : الجس باليد، لكن جاء أن النبي ربما غمز عائشة رضي الله عنها عند سجوده، وأن يدها وقعت على قدميه مرة وهو يصلي. ففرقوا باشتراط اللذة عند اللمس؛ جمعاً بين الأحاديث، ولأنه مظنة الحدث كالنوم.
    هذا هو مشهور المذهب، وعن أحمد رواية، اختارها شيخ الإسلام: أن مس المرأة لا ينقض مطلقاً؛ لأن المسلمين ما زالوا يمسون نساءهم من زمنه ولم ينقل عنه الأمر بالوضوء من ذلك مطلقاً، وتُحمَل الآية على أن المراد بالملامسة فيها :الجماع، وقد فسرها بذلك حبر الأمة ابن عباس ررر، ولذلك نظائرُ عدة في القرآن العظيم .
    6- أكل لحم الإبل قليلاً كان أو كثيراً، نيئاً أو مطبوخاً. وقد صح فيه حديثان : حديث البراء بن عازب، وحديث جابر بن سمرة ررر .
    وأشهر الوجهين في المذهب: أن ما سوى اللحم كالكرش والكبد والطحال لا ينقض الوضوء.
    ( قلت ) : الاحتياط : الوضوء من أكل أي أجزاء الجزور؛ لأن الله تعالى لمّا حرم أكل لحم الخنزير مُنِع من أكل أجزائه، ولم يقل أحد بجواز الأكل من كبده أو كرشه ونحوها.
    أما مرق الإبل، فالأقرب أن حكم الشرب منها كالأكل من اللحم، وهو وجه في المذهب خلاف المعتمد منه؛ لأن اللحم قد حل فيها، وربما ظهر طعم اللحم في المرق، وأما اللبن فالأظهر أنه لا ينقض، وهو إحدى الروايتين؛ لأن الحديث إنما ورد في اللحم، ولأنه قد صح أن النبي أمر العُرَنِيين باللحاق بإبل الصدقة والشرب من أبوالها وألبانها، ولو كان ذلك ناقضاً لأوضحه وبينه .. وقد تقرر في علم الأصول: أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقته إذا دعت الحاجة إليه.
    7- الردة عن الإسلام. لقوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ، وقيل : إن الردة لا تحبط العمل إلا بالموت؛ لقوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ الآية.

    مسألة : من تيقن الطهارة وشك في الحدث أو العكس فهو على ما تيقن .. فـاليقين لا يزول بالشك.

    فترجح مما سبق أن النواقض خمسة: الخارج من السبيلين، وزوال العقل أو تغطيته بنوم أو إغماء أو سُكر أو جنون، ومس فرج أصلي من غير حائل، وأكل لحم الإبل، والردة عن الإسلام. وأنها على قسمين: أحداث كالخارج من السبيلين، وأسبابٌ(مظنات للحدث) كزوال العقل.
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    باب ( الغُسل من الجَنَابة )

    • الغُسـل : ( الاغتسال ) وهو استعمال الماء في جميع بدنه على وجه مخصوص .
    • الجنابـة : لفظة تطلق في اللغة على التباعد، وعلى المني.
    ويمكن أن تُعرَّف في الشرع بأنها: الوصف القائم بالبدن، الناشئ عن وطء أو إنزال.
    والغسل من الجنابة واجب إجماعاً؛ لقول الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا .

    ( والموجب له ) :
    1- خروج المني من مخرجه، وله حالان :
    أ- أن يخرج حال اليقظة، فيشترط لإيجابه الاغتسال أن يكون دفقاً بلذة؛ فأما خروجه بسبب مرض أو برد مثلاً فلا يوجب الغسل .
    ب- أن يخرج حال النوم، فيوجب الغسل مطلقاً.

    * مسائل :
    • إذا احتلم ولم يَرَ منياً: فلا غسل عليه .
    • إذا رأى المني في ثوبه ولم يعلم زمن خروجه: أعاد الصلوات منذ آخر نومة نامها .

    2- التقاء الختانين قدر تغييب الحشفة في الفرج ( ولو لم يُنزل ).
    والدليل : حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : ( إذ جلس بين شُعَبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل ) مسلم .
    والمذهب، بل قول الجمهور أنه يقاس على ذلك تغييبها في أي فرج قُبُلاً كان أو دُبُراً.

    - فاقتصر المصنف على ذكر موجبات الغسل من الجنابة، ونضيف هنا بقية موجبات الغسل لشدة الحاجة إليها، وهي ما يلي:

    3- إسلام الكافر، ويشمل الكافر الأصلي، والكافر المرتد .
    والدليل: أمْر النبي قيسَ بن عاصم ررر حين أسلم أن يغتسل بماء وسدر. رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وأُعِل بالانقطاع.
    وأمر ثمامة بن أثال به أيضاً. رواه أحمد والبيهقي وغيرهما وفيه مقال، وفي الصحيحين أنه اغتسل وليس فيه أمر النبي له بذلك.
    وقيل : هو سنة لا واجب؛ لأنه لم ينقل أنه أمر به كل من أسلم. والمذهب الأول، وهو أقوى؛ إذ في تلك الحادثتين غُنْية في الدلالة على الوجوب إن صح إسناداهما.

    4- الموت – غير شهيد المعركة – فيجب على الأحياء تغسيل الميت؛ فقد أمر به النبي حين توفيت ابنته فقال: (اغسِلْنَها بالسِّدْر وتراً) الحديث. متفق عليه.

    5- الحيض. قال تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ .

    6- النفاس ؛ لأن للحيض حكم النفاس والعكس، وحكي إجماعاً . ويشترط لصحة الغسل انقطاع الدم فيهما.

    مسألة : ( ولا يجب نقض الشعر في غسل الجنابة إذا روّى أصوله ) لكنه يجب في الغسل من الحيض وهو من مفردات المذهب .. والرواية الأخرى في المذهب: استحباب نقضه. وهو قول الجمهور واختيار الموفق كما يدل عليه كلامه في ( المغني )، وحملوا الأمر به في حديث عائشة رضي الله عنها على الاستحباب.

    مسألة : ( وإذا نوى بغسله الطهارتين أجزأ عنهما ) لأنهما من جنس واحد فيدخل الأصغر تحت الأكبر. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لو نوى الأكبر وحده دون الأصغر أجزأ عنهما.

    مسألة : ( وكذلك لو تيمم للحدثين والنجاسة على بدنه أجزأ عن جميعها ) أي: عن الحدثين الأكبر والأصغر وعن النجاسة على بدنه دون ما كان منها على ثوبه.
    والصحيح :عدم مشروعية التيمم للنجاسة، وهو قول الجمهور، واختيار شيخ الإسلام.

    * مسألة : الأغسال المسنونة هي : الجمعة، والعيدان، والإحرام، وعند دخول مكة، وغُسل من غَسَّل ميتاً، والإفاقة بعد الإغماء، وغُسل المستحاضة لكل صلاة. هذا ما ثبت. والله أعلم.
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    باب ( التيمم )

    التيمم لغة : القصد ، ومنه : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ .
    وشرعاً : مسح الوجه واليدين بتراب ونحوه على وجه مخصوص تعبداً لله تعالى .

    مشروعيته : بالكتاب والسنة والإجماع .
    قال الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
    وقال النبي : ( أُعطِيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي ) وذكر منها: ( وجُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) متفق عليه .
    وحكى غير واحد الإجماع على مشروعية التيمم .

    والتيمم مما خص الله تعالى به هذه الأمة ، وهو من اليسر الذي جاءت به الشريعة المطهرة :
    مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ، وهو مشروع في الحضر والسفر إذا توافرت شروطه.

    * مسائل : 1- أجمع المسلمون على جواز التيمم بالتراب المنبت الطاهر الذي هو غير منقول ولا مغصوب
    واختلفوا فيما عدا ذلك؛ وسنستعرض المسألة قريباً إن شاء الله .
    2- أجمعوا كذلك على مشروعية التيمم عن الحدث الأصغر ، والجماهير على مشروعيته عن الحدث الأكبر أيضاً إلا أقوالاً نادرة مروية عن بعض السلف، وقيل إنهم قد رجعوا عنها.
    ويؤيد قول الجماهير حديث عمار بن ياسر ررر أنه قال : أجنبت فلم أصب الماء ، فتمحكت في الصعيد وصليت ، فذكر ذلك للنبي فقال ( إنما كان يكفيك هكذا، وضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه ) متفق عليه . وكذلك حديث عمران بن الحصين ررر في الصحيحين(1).

    قال المصنف : ( وصفته أن يضرب بيديه الأرض على الصعيد الطيب ضربة واحدة فيمسح بهما وجهه وكفيه ) فيكفيه في التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين بدليل حديث عمار المتقدم، وهو المذهب، بل قول عامة أهل الحديث، وهو الراجح في المسألة خلافاً لمن أوجب ضربتين قياساً على الوضوء.

    * لكن ما المراد باليد هنا، إذ يقول الله تعالى : فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ؟ أهي التي تغسل في الوضوء _إلى المرفقين، أم هي اليد التي تقطع في حد السرقة _ إلى الكوعين ؟
    المذهب : أنها إلى الكوعين.
    -لأن لفظة اليد إذا أطلقت لم يُرَد بها إلا الكفان.. كما في قوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما .
    -ولأنه جاء التصريح بأنهما الكفان في رواية حديث عمار في الصحيحين.
    وأما ما ورد من فعل ابن عمر ررر من مسحه في التيمم إلى المرفقين فلم يثبت رفعه إلى رسول الله ، والموقوف لا يُعارَض به مرفوع صحيح. والله أعلم.

    قال المصنف: ( وله شروط أربعة : (أحدها) العجز عن استعمال الماء )
    لقول الله تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً .

    ( (والثاني) دخول الوقت؛ فلا يتيمم لفريضة قبل وقتها ) وهذا مبني على أن التيمم مُبِيح، وليس رافعاً للحدث.. وهو قول الجمهور؛ لظاهر الآية: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ، فأوجب الوضوء عند القيام للصلاة، وبما أن التيمم بدل عنه فإنه يأخذ حكمه. وإنما خرج الوضوء من ذلك لدلالة الشرع عليه فبقي التيمم على أصله.. ولحديث أبي ذر ررر أن النبي قال : ( الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ).

    والقول الأقوى فيما يظهر لي، والذي تجتمع به النصوص (2): أن التيمم يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً؛ لأنه لو قلنا أنه مبيح لا رافعٌ حدثه، فكيف صحت صلاته ولمّا يرتفع حدثه؟! ولو قلنا: هو رافع للحدث بالكليَّة، فكيف نلزم الجُنُب بالغسل عند وجود الماء ونحوه؟! والله تعالى أعلم.
    وقول المصنف: ( (الثالث) النية، فإن تَيَمَّمَ لِنافلةٍ لم يُصَلِّ بها فرضاً، وإن تيمم لفريضة فله فعلها وفعل ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يخرج وقتها ) وهذا مبني أيضاً على اعتبارهم التيمم غير رافع للحدث، وأنه يبيح فعل النافلة فقط لو نواها وحدها، فلا يستبيح ما هو أعلى. وإن نوى التيمم لفريضة استباحها واستباح ما كان مثلها أو دونها.

    مسألة : يشترط أن يكون التيمم بتراب؛ لحديث : ( وجعلت تربتها لنا طهوراً )، وهذا هو مشهور المذهب . والراجح : أنه يجوز التيمم بكل ما كان على وجه الأرض منها، فله أن يتيمم بتراب أو رمل أو سباخ أو طين أو نورة ؛ لقول الله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ، [COLOR="blue"]وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    مسألة : يشترط أن يكون له غبار على مشهور المذهب؛ بدليل قوله تعالى : فامسحوا بوجوهكم وأيدِيكم منـه ، قالوا: ولفظة (مِن) تفيد التبعيض، وما لا غبار له لا يعلق منه شيء باليد ليمسح به، فلم يتحقق المسح ببعض الصعيد.

    مسألة : يبطل التيمم بثلاثة أمور :
    1- مبطلات الوضوء ( نواقضه ) .
    2- خروج الوقت-بناءً على قولهم: إن التيمم مبيح لا رافع للحدث.
    3- القدرة على استعمال الماء ولو كان في الصلاة .

    س : هل يسن لمن يرجو وجود الماء تأخير التيمم إلى آخر الوقت المختار ؟
    الصواب إن شاء الله : أنه يرجح تأخيره وتأخير الصلاة في حالين :-
    1- إذا تيقن أنه سيوجد – وقيل : يجب التأخير هنا .
    2- إذا غلب على ظنه أنه سيوجد .
    ويرجح تقديمه وتقديم الصلاة أول الوقت إذا تيقن عدم وجوده، أو غلب ذلك على ظنه، أو شك في ذلك فلم يترجح لديه شيء من الأمرين .
    ------
    ( 1 ) أن النبي رأى رجلاً معتزلاً لم يصل مع القوم ، فقال : ما منعك أن تصلي ؟! فقال : أصابتني جنابة ولا ماء، فقال : (عليك بالصعيد فإنه يكفيك). وعند الحنابلة : جواز التيمم أيضاً للنجاسة على بدنه إذا عجز عن غسلها لخوف الضرر أو عدم الماء وهو من مفردات المذهب. واختار شيخ الإسلام وغيره من المحققين عدم جواز التيمم للنجاسة أصلاً.
    ( 2 ) وهو رواية عن أحمد واختيار شيخ الإسلام، واختيار العلّامة محمد الأمين الجكني الشنقيطي رحمه الله تعالى في "أضواء البيان" وغيرهم كثير.
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    باب (الحيض)

    الحيض لغة : السيلان.
    وشرعاً : دم طبيعة وجِبِلّة يرخيه قعر رحم المرأة في أوقات معلومة.

    قال المصنف : ( ويمنع عشرة أشياء )
    1، 2 – فعل الصلاة، ووجوبها : فلا يحل لحائض أن تصلي فرضاً ولا نفلاً، وليس عليها قضاء ما كان من صلوات حال الحيض إجماعاً.
    3- فعل الصيام : فلا يحل لها أن تصوم فرضاً ولا نفلاً، ويفسد صومها به، فإذا طهرت فإنها تقضي ما كان عليها من الصلوات حال الحيض إجماعاً..فالوجوب في ذمتها.
    4- الطواف : فلا يحل لها الطواف بالبيت؛ لما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ررر أن النبي قال لها : ( افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ) متفق عليه، وفي لفظ لمسلم : ( حتى تغتسلي ).
    5،6- قراءة القرآن، ومس المصحف : أما مس المصحف فيحرم عليها عند الأئمة الأربعة؛ لأنها محدِثة، وقد جاء في كتاب النبي لعمرو بن حزم : ( أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهر ) (1) . وأما منع مجرد القراءة دون مس؛ فلأن حدثها أكبر فتكون كالجنُب عند جمهور العلماء، ولحديث ابن عمر مرفوعاً : ( لا يقرأ الحائض والجنب شيئاً من القرآن )أبو داود والترمذي وابن ماجه..
    وعن الإمام أحمد رواية اختارها شيخ الإسلام : أنه يجوز لها القراءة حال الحيض، ونصرها ابن القيم على اعتبار أن قياس الحائض على الجنُب لا يصح لثلاثة أوجه: (أحدها): أن الجنب يمكنه التطهر متى شاء فليس معذوراً بالقراءة حال الجنابة، بخلاف الحائض. (ثانيها): أن الحائض يشرع لها الإحرام والوقوف بعرفة ونحوه مع الحيض بخلاف الجنب. (ثالثها): أنها يشرع لها أن تشهد العيد مع المسلمين وتعتزل المصلى، بخلاف الجنب. وأما حديث ابن عمر فلا يصح (2).
    7- اللبث في المسجد : فيحرم عليه المكث فيه عند الأئمة الأربعة قياساً على الجُنُب، ولحديث: ( إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ) أبو داود وابن خزيمة، وحسنه ابن القطان وغيره.
    ويؤيده ما رواه أبو هريرة ررر قال: بينما رسول الله في المسجد فقال: ( يا عائشة ناوليني الثوب ) فقالت: إني حائض، فقال: ( إن حيضتكِ ليست في يدك ) فناولته. مسلم.
    8- الوطء في فرج الحائض : لقول الله تعالى : فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطْهُرن فإذا تَطَهَّرن فأتوهن من حيث أمركم الله ، وعند مسلم وغيره من حديث أنس ررر مرفوعاً: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ).
    مسألة : لو وطئ حائضاً في الفرج وجبت عليه كفارته في ظاهر المذهب؛ لحديث ابن عباس ررر عن النبي في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: ( يتصدق بدينار أو نصف دينار )أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد.
    ومشهور المذهب : أنه يخيَّر بين التكفير بدينار أو نصفه لظاهر الحديث، وفي رواية في المذهب : أنه إن كان في إقبال الدم فدينار، وإن كان في إدباره فنصف دينار، وفي رواية : إن كان الدم أسود فدينار، وإن كان أصفر فنصفه، وفي رواية في المذهب أيضاً : أنه لا شيء عليه سوى الاستغفار والتوبة كمذهب الجمهور؛ معلِّلين بأن الحديث مضطرب.
    9- سُنة الطلاق : فلا يحل له أن يطلقها حال حيضها، كما لا يحل له ذلك في طُهر جامعها فيه، ويسمى طلاقاً بدعياً، ويقع عند الجمهور. قال تعالى : يا أيها النبي إذا طلّقتم النساء فطلقوهن لِعِدَّتهن .
    10- الاعتداد بالأشهُر : فإذا طُلِّقت المرأة فإنها تعتد بالحِيَض في مشهور المذهب ما لم تكن صغيرة لم تبلغ سن المحيض أو آيِسَة فإنها عندئذ تعتد بالأشهر؛ لقوله تعالى : والمطلَّقات يتربصن بأنفسهن ثلاثـة قُـروء ، وقوله : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يَحِضن .

    قال المصنف : ( ويوجِب الغُسل والبلوغ والاعتداد به )
    فلا تصح لها صلاة، ولا يحل لزوجها أن يطأها إلا إذا اغتسلت بعد انقطاع دمها، ويُعرَف انقطاعه بالجفاف ورؤية القصة البيضاء. كما أن الحيض علامة على بلوغ المرأة سن التكليف.
    وقد سبق الكلام على الاعتداد به قريباً؛ إذ لا اعتداد بغيره لمن كانت ممن يحيض.
    -----
    ( 1 ) وقد تلقاه العلماء المتقدمون بالقبول وعملوا به في عدد من الأحكام، وشهد له الإمام الزهري وغيره بالصحـة.
    ( 2 ) قال الحافظ في "الفتح" : ( ضعيف من جميع طرقه ).
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    قال المصنف: ( وأقل الحيض يوم وليلة ) وهو المذهب وفاقاً للشافعية، واستدلوا لهذا التحديد بالوجود؛ فقد وُجِد من تحيض يوماً ولم يوجد أقل من ذلك فوجب اعتماده حداً، وذهب مالك إلى أنه لا حد لأقله، وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام.
    قال المصنف: ( وأكثره خمسة عشر يوماً ) عند الجمهور؛ لحديث ابن عمر ررر مرفوعاً: ( تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلي )، ولكنه لا أصل لهذا الحديث.
    واختار شيخ الإسلام أنه لا حد لأكثر الحيض، بل كل ما رأته المرأة عادةً مستمرة فهو حيض. وأما إذا استمر بها الدم دائماً فمعلوم أنه ليس بحيض؛ إذ المعلوم شرعاً ولغةً أن المرأة تارة تكون طاهراً وتارة تكون حائضاً.
    قال المصنف: ( وأقل الطُّهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، ولا حد لأكثره )
    هذا مشهور المذهب، ودليله ما رواه أحمد والدارمي عن علي ررر أن امرأة جاءت إليه قد طلقها زوجها فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حِيَض، طهرت عند كل قُرء وصَلَّت. فقال علي لشُرَيح: قل فيها، فقال شريح: إن جاءت ببينة شهدت انها حاضت في شهر ثلاثاً، وإلا فهي كاذبة، فقال علي: قالون (1).
    والرواية الأخرى في المذهب: أن أقله خمسة عشر يوماً، وهو قول الجمهور؛ لحديث ابن عمر السابق ذكره. أما أكثر الطهر فلا حد له إجماعاً.

    قال ابن رشد في "بداية المجتهد"( 1/51): ( وهذه الأقاويل كلها المختلف فيها عند الفقهاء في أقل الحيض وأكثره لا مستند لها إلا التجربة والعادة، وكلٌّ إنما قال من ذلك ما ظن أن التجربة أوقفته على ذلك ). والأقرب ما اختاره شيخ الإسلام وغيره هنا من عدم الاعتماد على التجربة والوجود هنا؛ إذ التفاوت بين النساء في ذلك لا يمكن ضبطه ولا حصره.
    قال المصنف: ( وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين، وأكثره ستون سنة ) واعتمدوا في ذلك على بعض الآثار وعلى الوجود والتجربة، فيكون ما رأته من دمٍ قبل التسع أو بعد الستين ليس حيضاً، والصواب ما اختاره ابن تيمية من أنه لا حد لأقل سنه ولا لأكثره، فمتى رأت الدم فهي حائض وإن كانت دون تسع سنين أو فوق الستين.

    قال المصنف: ( والمبتدأة إذا رأت الدم لوقت تحيض لمثله جلست ) أي: إذا رأت الدم لأول مرة بعد بلوغ التاسعة فإنها تدع الصلاة لاحتمال أن يكون حيضاً، ( فإن انقطع لأقل من يوم وليلة فليس بحيض ) بناءً على أن ما دون اليوم والليلة لا يكون حيضاً، فتقضي عندئذ ما تركته من الصلوات. (وإن جاوز ذلك ولم يعبر أكثر الحيض) أي لم يزِد على خمسة عشر يوماً: (فهو حيض).
    قال: ( فإذا تكرر ثلاثة أشهر بمعنى واحد صار عادة، وإن عبر أكثر الحيض فالزائد استحاضة ) فلو أن امرأة رأت الدم لأول مرة ستة أيام مثلاً آخر الشهر، ثم تكرر ذلك في الشهرين التاليين له، فإن هذه تكون عادتها، فما زاد عليها بعدئذ فهو استحاضة وليس بحيض؛ فتغتسل آخر عادتها وتعصب فرجها بخرقة تشدها عليه، وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي، وبهذا حكم النبي في حمنة بنت جحش رضي الله عنها. قال المصنف: ( وكذا حكم من به سلس البول وما في معناه ) كالجريح الذي ينزف دمه و لا يرقأ.
    قال: ( وإن لم تكن معتادة وكان لها تمييز _ وهو أن يكون بعض دمها أسودَ ثخيناً وبعضه أحمر رقيقاً _ فحيضها زمن الأسود الثخين ) لقول النبي : ( إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي، إنما ذلك عِرق ) أبو داود والنسائي.
    قال رحمه الله تعالى: ( والحامل لا تحيض ) فلو رأت دماً حال حيضها فهو استحاضة؛ لحديث أبي سعيد ررر أن النبي قال في سبايا أوطاس : ( لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل (2) حتى تستبرئ بحيضة ) أحمد وأبو داود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال البهاء المقدسي في "العُدة": ( فجعل وجود الحيض عَلَماً على براءة الرحم، ولو كان يجتمع معه لم يكن وجوده علماً على عدمه ).
    ويدل لذلك أيضاً: أن الله تعالى جعل عدة المطلقة أن تحيض ثلاث حِيَض ليتبين براءة رحمها من الحمل، فلو كانت الحامل تحيض لَمَا صح جعل الحيض مثبتاً لبراءة الرحم.
    هذا هو المعتمد في المذهب وفاقاً لأبي حنيفة، ومال ابن تيمية إلى أن الحامل إذا رأت الدم فهو حيض، وهو رواية في المذهب. ومعتمد المذهب هو الأقرب في نظري، والله أعلم.. أما ما جاء في الموطأ من قول عائشة رضي الله عنها فهو معارَض بما ثبت عنها من القول بخلافه، ثم إنه قد يقال عن اجتهاد منها رضي الله عنها، وأما الاحتجاج بأن بعض النساء يرين الدم على صفة حيضهن حال الحمل فلا دلالة فيه، إذ قد يخرج على هذه الصفة وهو دم فساد. ( إلا أن ترى الدم قبل ولادتها بيوم أو يومين، فيكون دم نفاس ) .
    ---
    ( 1 ) قال الحافظ في "الفتح": رجاله ثقات. وقالون كلمة رومية تعني: جيـد.
    ( 2 ) الحائل: غير ذات الحمل.
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    باب النفاس

    النفاس لغة : قال ابن فارس: النون والفاء والسين أصل واحد يدل على خروج النسيم من ريح أو غيرها، ومنه نفَّس الله كربته، والنفاس ولادة المرأة.
    وشرعاً : الدم الخارج بسبب الولادة.

    قال المصنف: ( وحكمه حكم الحيض ) قالوا: لأنه في الأصل دم حيض مجتمِع امتنع خروجه ليتغذى منه الولد..( فيما يحل ) كوطئها فيما دون الفرج، فهو مباحٌ كما في الحيض، ( ويحرُم ) أي: أن حكمَه حكمُ الحيض فيما يحرُم بسببه كالصلاة والصوم والوطء في الفرج فيحرم كما في الحيض سواءً بسواء، ( ويجب ) كالغُسل وقضاء الصوم الواجب أثناءه، ( ويسقط به ) كقضاء الصلاة.

    *ويفترق النفاس عن الحيض عند الحنابلة في الأحكام الآتية:
    1- أن الحيض علامة على بلوغ المرأة، بخلاف النفاس فإن المرأة لا تحمل حتى تحيض.
    2- أن دم الحيض تحصل به العدة والاستبراء، بينما النفاس لا يحصل به ذلك بل تحصل العدة بوضع الحمل قبله.
    3- لا يحسب النفاس من مدة الإيلاء التي تُضرَب للمولي ليعود عن حلفه على ترك جماع امرأته على المشهور من المذهب، بخلاف الحيض فإنه يحسب منها.
    4- أن أقل الحيض – عندهم- محدود، ولا حد لأقل النفاس.
    5- أن الحيض يحصل به التفريق بين سنة الطلاق وبدعته، بخلاف النفاس.
    6- أنها إذا طهرت من حيضها قبل تمام عادتها جاز لزوجها أن يطأها في الفرج من غير كراهة، بخلاف النفاس فإنه يكره -على المشهور عندهم خلافاً للجمهور- أن يطأها في الفرج إذا طهرت قبل تمام الأربعين.

    قال: ( وأكثره أربعون يوماً ) وهو المذهب؛ لقول أم سلمة رضي الله عنها: كانت النفساء تقعد على عهد النبي بعد نفاسها أربعين يوماً. أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وله شواهد. فإن جاوز الأربعين فهو استحاضة ما لم يصادف أيام عادة حيضها فيعتبر حيضاً.
    واختار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه لا حد لأكثره، وأن الأربعين منتهى الغالب.
    ( ولا حد لأقله ) فلو كانت ولادتها عارية عن دمٍ فليست نفساء، وحكمها حكم الطاهرات، وكذا لو انقطع الدم قبل تمام الأربعين فإنها تغتسل وتكون في حكم الطاهرات، وحكي إجماعاً.

    قال: ( وإن عاد في مدة الأربعين ) أي أنّ عَود الدم فيها كان بعد انقطاعه ( فهو نفاس أيضاً ) لأنه لا يزال في مدته؛ فتدع الصوم والصلاة، وتعيد ما صامته من الفرض في فترة الطهر قبل عَود الدم، والرواية المشهورة في المذهب: أنه مشكوك فيه، فتحتاط بأن تصوم وتصلي، ولا يأتيها زوجها.

    *تنبيه : لا يكون الدم نفاساً إلا إذا تبين في المولود خلق إنسان، وأما المضغة الخارجة قبل التخلُّق فلا يُعَد الدم الخارج بسببها نفاساً، فتبقى في حكم الطاهرات.
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    للرفـع
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  16. #16
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    بارك الله فيكم ونفع بكم
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    216

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    وبكم أيها الشيخ الكريم

    تصويب:
    جاء في المشاركة (13): قال رحمه الله تعالى: ( والحامل لا تحيض ) فلو رأت دماً حال حيضها فهو استحاضة؛

    والصواب: فلو رأت دماً حال حملها فهو استحاضة.
    يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيـلاً

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    5

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    بارك الله فيكم

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    alex
    المشاركات
    215

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    شكرا للشيخ ابى بكر

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    149

    افتراضي رد: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قدامة

    أبويوسف بارك الله فيك أكمل شرحك جُزيتَ خيراً

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •