الشريعة في الدستور المصري.. نصوص بلا مضمون
بقلم / مجدي داود
يمثل الاحتكام للشريعة الإسلامية، حلمًا لدى التيارات الإسلامية، المشتغلة منها بالسياسة وغير المشتغلة، بمختلف أطيافها ومسمياتها وتوجهاتها، بدءًا من الإخو


ان المسلمين، ومرورًا بأنصار السنة والجمعية الشرعية والدعوة السلفية، وغير ذلك، وحتى من لا ينتمي لتلك التيارات، كما يمثل حلمًا لدى عامة الشعوب الإسلامية، التي تتوق إلى العدل والرحمة والعيش الكريم واسترداد الحقوق المغصوبة، واستعادة الريادة المفقودة، بدل التأخر والتخلف والفساد والإفساد، والظلم والقهر والمعاناة، التي تعيشها منذ أن نحيت الشريعة، وتولى أمر الناس من لا يخشى ربًا ولا يؤمن بحساب ولا عقاب.


يدور جدل وصراع سياسي وفكري عنيف، بين القوى السياسية في مصر، حول الاحتكام إلى مبادئ أو أحكام الشريعة الإسلامية، أو حذف كليهما والاحتكام إلى الشريعة، فالقوى العلمانية الرافضة للشريعة تسعى لحذف الشريعة نهائيًا من الدستور، ولأنها لا تستطيع أن تطالب بذلك صراحة، فإنها تصر على تفريغ المواد التي تشير إلى الشريعة من مضمونها، وقد استطاعت بالفعل –حتى كتابة هذه السطور- أن تفعل ذلك.


تنص المادة الثانية في مشروع الدستور، حسب المسودة التي خرجت في 22 أكتوبر على ما يلي: (الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع)، وبعد صراع طويل من قبل التيارات الإسلامية، نجحوا في إضافة مادة مفسرة لكلمة مبادئ وهي المادة 219 وتنص على (مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة).


وبالنظر في هاتين المادتين، نستطيع أن نقول بوضوح أنه لم يطرأ أي تغيير إطلاقًا على دستور 71 فيما يخص الشريعة الإسلامية، فالمادة المفسرة لا تضيف جديدًا، بل هو التفسير الذي ذكرته المحكمة الدستورية، ولكنه في صيغة مختلفة يفهمها أهل العلم الشرعي، وهذا الكلام ليس من باب الحماسة ولا الهجوم على أحد، ولكنه كلام واقعي يستند إلى أحداث ووقائع، سجلتها أحكام المحكمة الدستورية على مدار ثلاثين سنة تقريبًا، وهو ما سيثبت في هذا الموضوع.


ولتوضيح ذلك، دعونا ننظر إلى معنى كلمة مبادئ وفق مفهوم وتفسير المحكمة الدستورية العليا، فالمحكمة قد عرفت مبادئ الشريعة على أنها: (الأحكام الشرعية قطعية الثبوت والدلالة) فقط، وقالت المحكمة في القضية رقم 8 لسنة 17 قضائية "دستورية"، بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 18 مايو 1996 الموافق 30 ذو الحجة 1416 هـ: (فلا يجوز لنص تشريعي، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التى يكون الاجتهاد فيها ممتنعًا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادءها الكلية، وأصولها الثابتة التى لا تحتمل تأويلًا أو تبديلًا).


وفي ذات القضية؛ قالت المحكمة متجاوزة حدودها، ضاربة بعرض الحائط آراء عدد من أهل العلم والفقه، مما لا يمكن بحال أن نمر عليه مرور الكرام، دون أن نتخذه دليلًا على صحة موقفنا: (لا دليل من النصوص القرآنية، ولا من سنتنا الحميدة على أن لباس المرأة يتعين شرعًا أن يكون احتجابًا كاملًا، متخذًا نقابًا محيطًا بها، منسدلًا عليها، لا يُظهِرُ منها إلا عينيها ومحجريهما، فإن إلزامها إخفاء وجهها وكفيها، وقدميها عند البعض، لا يكون تأويلًا مقبولًا، ولا معلومًا من الدين بالضرورة).


فالمحكمة الموقرة قد قررت أن هؤلاء العلماء العظام الذين قالوا بوجوب النقاب قد خالفوا الإسلام، وأولوا النصوص تأويلًا غير مقبول، واستندت إلى نصوص غير قطعية الدلالة، إذا أنها أحد أشهر مواطن الخلاف بين العلماء، وهو ما يعد تجاوزًا منها في اختصاصها ومخالفة لمبادئ الشريعة ذاتها، ولتفسيرها هي لذات المبادئ، واعتبارها أحد الآراء الفقهية، رأيًا مقطوعًا بصحته لا يقبل النقاش وما سواه خاطئ، فهل هذا من سلطة المحكمة؟!، وقد رفضت المحكمة الدعوى المنظورة بالطعن على دستورية أحد القوانين الذي يمنع الطالبات من ارتداء النقاب، مع أن ذلك يعتبر مضادًا للمبادئ العالمية في الحرية، حرية الملبس والدين والعقيدة والفكر.


إن سجل المحكمة الدستورية مليء بالطعون على الكثير من القوانين التي تخالف بوضوح مبادئ الشريعة الإسلامية وفق التفسير الذي حددته المحكمة لنفسها، فقد رفضت المحكمة طعونًا بعدم دستورية بعض المواد القانونية التي تخالف أحكام الشريعة الإسلامية قطعية الثبوت قطعية الدلالة، والتي لا يختلف عليها اثنان من عوام المسلمين فضلًا عن علمائهم، ما ينفي معه جهل قضاة المحكمة الدستورية بمخالفتها لتلك الأحكام بل والمبادئ بل والفطر السليمة والقيم المستقيمة، حيث أنه من المعلوم من الدين بالضرورة.


فقد قضت المحكمة الدستورية العليا فى القضية رقم 34 لسنة 10 قضائية "دستورية"، بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 3 من فبراير سنة 1990 م الموافق 7 من رجب سنة 1410هـ، برفض الدعوى، بعدم دستورية المواد 273 و274 و275 و276 من قانون العقوبات، وبالنظر في تلك المواد نجد أن المادة 273 تنص على أنه "لا تجوز محاكمة الزانية إلا بناء على دعوى زوجها..."، كما تنص المادة 274 منه على أن "المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد على سنتين ولكن لزوجها أن يوقف تنفيذ هذا الحكم.." وتنص المادة 275 منه على أن "يعاقب... الزاني.. بنفس العقوبة " كما تنص المادة 276 منه على أن "الإدانة التي تقبل وتكون حجة على المتهم بالزنا هي القبض عليه حين تلبسه بالفعل، أو اعترافه، أو وجود مكاتب أو أوراق أخرى مكتوبة منه، أو وجوده فى منزل مسلم فى المحل المخصص للحريم".


فهل هذه المواد لا تخالف مبادئ الشريعة الإسلامية؟! هل هذه المواد لا تخالف الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة، علاوة على أن تكون محل إجماع بين المسلمين؟! وهل الجرائم التي لها حدود شرعية مثل السرقة والقتل غير ذلك، من غير النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة؟!


هذا مجرد مثال على مدى هشاشة المادة الثانية من الدستور، سواء بما كانت عليه في الدستور المعطل، أو بما هو مطروح حاليًا في مشروع الدستور الجديد، حتى مع بقاء المادة المفسرة، التي لم تأت بجديد ولا بإضافة على ما قررته المحكمة في تفسيرها.


وقد يسأل البعض، كيف للمحكمة أن تخالف نصًا واضحًا لا يمكن أن يكون محل خلاف، وتضرب به عرض الحائط؟


يقول المستشار محمد حامد الجمل أحد المشاركين في التعديل الذي وضعت فيه "ال" التعريفية إلى "مبادئ الشريعة مصدر رئيسي للتشريع" لتصير "مبادئ الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع" في حوار مع جريدة الأهرام: (مبادئ الشريعة لا تدخل مباشرة في التطبيق القضائي, ولكنها تدخل في القانون الوضعي, والمادة الثانية لا يمكن تفسيرها وحدها, بمعزل عن المواد الأخرى في الدستور, ومنها ما يتعلق بالمساواة، وعدم التمييز بين المواطنين, كذلك المواد الأخرى المتعلقة بسيادة القانون، واستقلال القضاء, وأن المحاكم هي التي تتولي الفصل في المنازعات)، وكلام قضاة المحكمة وفقهاء الدستور في هذا كثير، ومنه ما قالته تهاني الجبالي ويحيى الجمل وآخرون كثر، حول هلامية هذه المادة وعدم أهميتها.


من كلام المستشار الجمل، يتضح أن مبادئ الشريعة نفسها مقيدة بقيود أخرى، وأنه لا يمكن تفسيرها بمعزل عن بقية المواد، التي تتحدث عن المساواة والحرية، وإذا كانت هذه المواد تتسق مع هوى العلمانيين ومع هوى ومطالب المنظمات العلمانية، دون تقييدها بعدم مخالفة الشريعة الإسلامية، فهذا يؤكد أن هذه المادة لا قيمة لها في الدستور، وأنها حقًا مادة وضعت لإسكات الإسلاميين وخداعهم بالكلام المعسول.


ثم تأتي قضية أخرى، أشد وقعًا على النفس من ضرب السيوف، وهي ادعاء المحكمة الدستورية أن كون مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، لا يعني إبطال المواد القانونية المخالفة لها طالما أن هذه المواد قد سنت قبل تعديل الدستور لتصبح المادة الثانية بهذا الشكل، فقد قالت المحكمة في ذات القضية: (إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصدر بعد التاريخ الذي فرض فيه الإلزام بحيث إذا انطوى أي منها على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع فى حومة المخالفة الدستورية، أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ فلا يتأتى إنفاذ حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها لصدورها فعلاً من قبله، أي فى وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائمًا واجب الإعمال، ومن ثم، فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن إعمال هذا القيد. وهو مناط الرقابة الدستورية).


إنه من الواجب علينا أن ننظر للأمور نظرة واقعية منطقية، بعيدًا عن الأمنيات والشواهد التي قد تتغير بين عشية وضحاها، ولنفترض أن الانتخابات القادمة قد تأتي بأغلبية علمانية، أو التي بعدها، فتوجهات الشعب ليست مضمونة، وهي تتغير بناء على عوامل كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، وبالتالي ففي هذه الحالة سيكون التشريع بين أيديهم، وستكون أيديهم طلقة في تشريع ما يشاؤون من مواد ربما تخالف بوضوح الشريعة الإسلامية، وإذا ما طعن أحد في دستوريتها، فسيكون حكم المحكمة، شبيهًا بالأحكام السابقة، أما ما سبق من مخالفات على تعديل المادة، فحكم المحكمة واضح بأن التعديل ينطبق على القوانين التي شرعت بعد ذلك فقط.


وفي ظل هذه الحالة، ينبغي التمسك بأمرين لا استغناء عن أحد منهما، الأول: الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية، وحذف كلمة المبادئ تمامًا، وكذلك المادة المفسرة التي لا قيمة لها، وعدم سن أي قانون يخالف الشريعة، على أن يكون الأخذ برأي جمهور الفقهاء إذا اختلفت الآراء، أو الأخذ برأي الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء، حتى لا يأخذ البعض اختلاف الفقهاء حجة ليدعو إلى تنحية أحكام الشريعة، وكأنه لن يتزوج مثلًا بسبب الخلاف بين الفقهاء في شروط عقد النكاح.


أما الأمر الثاني؛ فهو أن توضع مادة في الدستور، على أن الشريعة حاكمة للقوانين سواء كانت قد سنت بعد إقرار هذا الدستور، أو قبله، فهي حاكمة ومقيدة لكل القوانين أيًا كان تاريخ صدورها، وذلك حتى يمكن الطعن على المواد التي تخالف الشريعة مخالفة واضحة، مثل مواد قانون العقوبات الخاصة بالزنا والواردة أعلاه.


وكي لا يدعي مدع، أن النص على الاحتكام للشريعة في الدستور يخالف التدرج، وأنها قفزة كبيرة للأمام، وأن الظروف غير مواتية لتطبيق الأحكام كلها، فليعلم أن مواد الدستور موجهة إلى المشرع لا إلى القاضي، أي أن القاضي لا يستطيع أن يحكم في أي قضية بحكم الشرع ولو كان حكمًا لا خلاف عليه، إلا إذا كان ذلك الحكم، قد صيغ في شكل نص قانوني من قبل المشرع "البرلمان".


إننا أمام لحظة فارقة، لا يصح فيها التهاون أو النكوص، أو التخاذل أو الرجوع، بل الإصرار على الحق، والتمسك بحبل الله المتين، فإنها فرصة لا ندري هل تتكرر ونحن أحياء، أم أنها من الفرص التي إن أضعناها لم نتحصل على مثلها بقية عمرنا، ولعنتنا بسببها الأجيال اللاحقة.


إن دعوة الحق أقوى مما عداها، ولا يقوى الباطل على مواجهتها، وشريعتنا غراء لا تشوبها شائبة، ولكنها تحتاج ممن يرفع لواءها قوة في الطرح، وسموًا في الفكر، وعلوًا في الخلق، ورحمة بالضعيف، ونصرة للمستغيث، ودفعًا للظلم، يأسرون بها قلوب الناس، ويكسبون محبتهم.. وفق الله الجميع لما فيه الخير.
المصدر
http://www.tanseerel.com/main/articl...ticle_no=49575