صدقتَ جداًّ يا أبا مالك [إن هي إلاّ علة عدم الصبر]
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: صدقتَ جداًّ يا أبا مالك [إن هي إلاّ علة عدم الصبر]

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    المشاركات
    7

    افتراضي صدقتَ جداًّ يا أبا مالك [إن هي إلاّ علة عدم الصبر]

    الحمد لله حمدا يليق بجلاله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وصحبه وآله؛ وبعد: وقع بصري ـ وأنا أقلب صفحات من ههنا وهناك ـ على مقالة جميلة للأخ البارع أبي مالك العوضي حفظه الله؛ سماها: شمّاعة المعوقات، فأعجبتني كثيرا، وحذاني ما قصده فيها من المعاني؛ أن أيمّم شطر تلك الوجهة، فأحببت أن أثبت هنا ما استللته من رسالة لي قديمة غير مطبوعة؛ عنوانها: بعض مظاهر الجهل في الأمة وحاجتها إلى الربانيين، واخترتُ لإخواني منها ما عنوانه: إن هي إلاّ علة عدم الصبر. فأرجو أن ينالها من الله الرضوان، ومن إخواني القبول والاستحسان، وأن يعيذنا جميعاً من نزغات الشيطان. المقالة: من بعض مظاهر الجهل في الأمة : إشغال بعض الطّلاب ممّن يتوسّم فيه أن يصير كبيراً، بما لا ينفعه، بل بما يقتل فيه الهمّة أحياناً، ويفتّت فيه عامل الصّبر؛ مع أنّ الحاجة في الأمّة ماسّةٌ إلى تكثير من يرابط على حدود ملّتها، من العلماء المتقنين، والطّلبة الجادّين، على نسق ما كان عليه الجيل الأوّل منها، فالعلم وحده لا غير؛ هو إكسير نهضتها، وعقار كبوتها، دعْ ما لو زاد الناس إلى جنب ذلك - أعني الانشغال عن العلم – الانشغال بأعراض بعضهم بعضاً، فإنّه المقتلة، قال تعالى:"ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم". أقول هذا: هذا لأنّي تفكّرت يوماً ـ و قد علتني كآبة أورثت ضِيقاً في النفْس يكاد ينحبس منه النفَس ـ ما السِّر في النكسة التي أضحت تراود الطالب عن علمه حيناً بعد حين، ثم لا تلبث أن تقعده مكانَه، فتذره مع الخالفين؟ وفي آبائه السالفين من العمالقة ما يدعو إلى أن يكونوا أمثل قدوة له وأسوة؟. ثم تفكَّرت أخرى و قد هالني خطابٌ من المولى سبحانه؛ يَقرع به أسماع أقوام ضاعت عليهم أزمان مديدة، لم تعرض لهم ـ إذ لم يكونوا محلاًّ ـ فكرةٌ يتذكَّرون بها ما ينفعهم في يوم بلغ من طوله أنّه لا نهاية له. و ذلكم قوله سبحانه : ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾[فاطر :37].[1] إنّ أخبار الذين مضى زمنهم و غَبَر،كمثل من عناهم المولى في الآية، فيه من العظات و العِبَر، ما يدعونا إلى أن " نعوذ بالله أن نُعَيَّّر بطول العمر" [2] و لكن ما ينفع استجداء العياذ إذا لم يقدم المرء من العمل ما يكون له ركناً وملاذاً ؟، فإن الله يلوم على العجز؟. إنّ نوائب الدّهر كثيرة، و فواجعه مريرة، لكنّ كلّ نائبة منها تفجؤك، فحريّ أن تجد لها من يواسيك فيها، إلا نائبة الجهل فإنها متى ألمّت؛ صرعت و قصمت، و لم تنكشف إلا عن نقيصة خلِقَة، و متى كان للجهل نور أو بهاء في أرض أو سماء؟. إن الجهل منجم الباطل و منبع الضلالة و مغرس الفتنة و وكر الشر و مستشار الهوى و مرسى الشبهات و عرصة الغي و عشّ الشيطان … و لو أردتَ أن أزيدَك زدتُك و إنما غرضي من تعريفك حدَّه و معناه أن تبغضه و تتعدّاه. كلنا يدرك أنّ العلم أجلّ موقعاً في النفس من كلّ رغيبة، و أفضل ما يُكتَنـز من كل ذخيرة،و لكن ما الذي يقطع المرءَ عنه أو يحول دونه ؟ أقول: إن هي إلا علَّة عدم الصبر. الناشئة عمّا مضى ذكره من الانشغال بما لا يعني. بالعلم صار الواحد من الناس يعدل ألفاً، و تراهم يخضعون له على ترفهم و لو كانت به رثاثةٌ أو بذاذة، و ذلك أنّ : أولئك أقوام شيّد الله فخرهم … فما فوقه فخر و إن عظم الفخر و من أعجب ما قرأته بهذا الصدد و كان وقعه على نفسي كالشهاب نفوذاً و إضاءةً؛ قصة القاضي أبي يوسف رحمه الله ، و إليك الخبر: كان الإمام أبو يوسف شديد الملازمة لشيخه أبي حنيفة رحمهما الله، لازم مجلسه بين العشرين و الثلاثين سنة،لم تفته فيها صلاة الغداة معه،و لا فارقه في فطر و لا أضحى، إلا من مرض، روى محمد بن قدامة قال: سمعت شجاع بن مخلد قال: سمعت أبا يوسف يقول: مات ابنٌ لي، فلم أحضر جهازه و لا دفنه، و تركته على جيراني و أقربائي مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء لا تذهب حسرته عني "[3]. و يشهد الله أني وقفت عند هذا الخبر طويلاً طويلاً ، أقرؤه ثم أسند خدي على راحة يدي مراراً و قد أخذ مني العجب كلّ مأخذ، و أنا بالكاد أقدر أن أستوعب ما فيه من الهول؟ أيُّ نفس جبارة هذه التي يموت قطعة منها؛ و قد بقي فيها بقيَّةٌ لحضور درس أو مباحثة علم؟؟؟. أقول: إنّما يصل إلى هذه المراتب من وطّن نفسه الصبر و أسكنه حبة قلبه، ثم ترك غيره للجوار ،حتى صارت اللذات كلها لو جمعت؛ لم تعن له شيئاً في مقابل لذة الطلب، و قد قال أحدهم كاشفاً هذا المعنى بأجلى ممّا قلت ، و بأحلى ممّا سبكت : سهري لتنقيـح العلوم ألـذ لي *** من وصل غانية و طيب عنـاقِ و صرير أقلامي على صفحـاتها *** أحلـى من الـدوكاء للعشاقِ وألـذ من نقـر الفتاة لـدفها *** نقري لألقي الرمـل عن أوراقي وتمايلي طربـا لحـل عـويصة *** في الدرس أشهى من مدامة ساقِ يا من يحـاول بالأمـاني رتبتـي***كـم بين مستفل وآخـر راقي أأبيت سهـران الدجى وتبيتـه *** نومـا و تبغي بـعد ذاك لحاقي أقول : ثمّ تنخلع نفسك من بين أضلاعك حين تسمع أن هذا الإمام نفسه يأبى إلا أن يلقى الله تعالى على ذات السيرة و نفس الوتيرة، و هي طلب العلم حتى في لحظات النزع و معالجة الموت، و هي اللحظات التي يخشاها كلّ أحد لهولها وعسرها،و للرهبة الشديدة من الجهل بما يعقبها، أفترى يبقى للرجل فيها لبٌّ أو صبرٌ ليباحث فيها علماً؟ أفيكون مثل هذا العجاب في دنيا الناس؟ أمّا سيرة أبي يوسف فتقول نعم، ألا فرحمة الله على أبي يوسف ما ذكره من ذكر و غفل عن ذكره من غفل . روى القاضي إبراهيم بن الجراح الكوفي ـ و كان تلميذا لأبي يوسف ـ قال : " مرض أبو يوسف، فأتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه،فلما أفاق قال لي:يا إبراهيم، ما تقول في مسألة؟ قلت: في مثل هذه الحالة؟قال:لابأ بذلك، ندرس لعله ينجو به ناج. ثم قال: يا إبراهيم؛ أيما أفضل في رمي الجمار ـ أي في مناسك الحج ـ أن يرميها راكباً أو ماشيا؟ قلت:راكباً. قال: أخطأت، قلت: ماشياً: قال: أخطأت.قلت: قل فيها يرضى الله عنك. قال: أمّا ما كان يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يرميه ماشياً، وأمّا ما كان لا يوقف عنده؛فالأفضل أن يرميه راكباً. ثم قمت من عنده، فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه، و إذا هو قد مات رحمة الله عليه ". قلت: و العجيب أنّ هذا كان دأباً لكثير من أهل العلم، فلقد روى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات أنّه كان بحضرة أبي جعفر الطبري رحمه الله قبل موته،و توفّي بعد ساعة أو أقلّ منها، فذكر له هذا دعاء مأثوراً عن جعفر بن محمد، فاستدعى محبرة و صحيفة فكتبه، فقيل له: أفي هذه الحال؟ فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى الممات"[4] . و يذكر عن ابن مالك ـ إمام النحو ـ رحمه الله أنّه بلغ من اعتنائه بالعلم حرصُه على حفظ عدّة أبيات ـ حدّها بعضهم بثمانية ـ في يوم موته، لقّنه إياها ابنه[5]. قلت: و ما أبهى و أروع ما قال ابن القيم رحمه الله مبيّناً به معنى الغيرة على الوقت في حياة القوم بكلام من أنفس ما قرأتُ ـ يقوله عالمٌ ـ إن لم يكن أنفسَه على الإطلاق. قال رحمه الله:" الغيرة على وقت فات، و هي غيرة قاتلة، فإنّ الوقت وحِيُّ (سريعُ) التقضّي، أبيّ الجانب، بطيء الرجوع، و الوقت عند العابد؛ هو وقت العبادة و الأوراد، و عند المريد؛ هو وقت الإقبال على الله و الجمعية عليه،و العكوف عليه بالقلب كلّه، و الوقت أعزّ شيء عليه،يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك،فإذا فتاه الوقت لا يمكنه استدراكه البتّة، لأنّ الوقت الثاني قد استحقّ واجبه الخاصّ،فإذا فاته وقت فلا سبيل إلى تدراكه. و معنى أنّها غيرة قاتلة أي أنّ أثرها يشبه القتل، لأنّ حسرة الفوت قاتلة، و لاسيما إذا علم المتحسر:أنّه لا سبيل له إلى الاستدراك. و أيضا فالغيرة على التفويت تفويت آخر،كما يقال: الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر، و لذلك يقال: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. فالوقت منقض بذاته، منصرمٌ بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرّمت أوقاته،و عظم فواته،و اشتدّت حسراته،فكيف حاله إذا علم عند تحقّق الفوت مقدار ما أضاع؟،و طلب الرجعى فحيل بينه و بين الاسترجاع،و طلب تناول الفائت،و كيف يردّ الأمس في اليوم الجديد ... فيا حسرات ما إلى ردّ مثلها ... سبيل،و لو ردّت لهان التحسر... " و قال أيضا:" فالعارف ابن وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلّها، فجميع المصالح إنّما تنشأ من الوقت،فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبدا...". بعد هذه التطوافة الصغيرة؛ أقف وقفة أعيد بها الذهن إلى موضوع الصبر على الطلب و أقول: كلّ ما ذكرته لك قبل من قصص القوم، ما كان له أن يكون، لولا عمود الصبر الذي أقاموا عليه خيام هممهم، و العبرة في نفس المرء تكون أمضى؛ حين يسمع خبراً منه لو يسمع قولاً، لذلك آثرتُ ذكر أخبارهم، لبيان صبرهم على الطلب و جلدهم فيه، ولقد قرأت كثيراً ممّا طالته يدي من كتبٍ حول حلية الطلب، فتفحّصتها و أمعنت فيها، فلم أجد وصية في كتاب؛ أوصى بها شيخٌ تلميذاً أو عارفٌ مريداً؛ إلاّ كان الصبرُ إطارَها، متى ما فارقها سقطت غير منتَفَع بها، فكيف تُراه يذاكر من لا يصبر على المذاكرة، و كيف يحفظ العلم من لا يصبر على الحفظ، و كيف يجرد الكتب من لا يصبر على الجرد،و كيف يكتب العلم من لا يصبر على الكتابة ... ثمّ ألف كيف أخرى تنتظر ( الصبر) وحده ـ لا غير ـ جواباً. ثم طلبت نفسي – و قد اكتنفها عن اليمين فرحٌ ونشوة، و عن الشمال خِيفةٌ من شِقوة - مثالاً يقهر الخذلانَ، و ينزع من الكسل الروحَ بلا غرغرة، لتقوى أكثر على سلوك سبيل القوم، فجَرَت بالذهن رياحُ التَّذكار تمخر في بحر النسيان، شاقّةً ما طوته الأيام من صحائف؛ مرَّ بي فيها عن رجل يوماً أنه لم يجد قلماً فأخذ فحماً ... وهاك قصّةً من أعظم ما روى التاريخ: نعم ... لم يجد قلماً فأخذ فحماً؛ هكذا صنع رجلٌ كان في يوم حبيسَ زنزانة معتمة، أعيا المغرضين أن يردُّوه عن حق اعتقده و دعا إليه، و لقد عملوا في سبيل مرادهم هذا من الأسباب ما لم ينفع إلا كما ينفخ الرجل في الهواء ثم لا يجد لنفخه أثراً، و لك أن تتصوّر النار التي كانت تضطرم في صدورهم لقاء ثباته هذا، و هم يروحون عليه و يجيئون، بما يغري تارة و بما يؤذي أخرى،و لكن الرجل كان كالصخرة ثباتاً و كالجبل شموخاً. ثمّ إن ساجنيه قد علموا ما يهواه وما لا يقدر على الصبر دونه؛ ألا و هو العلم، و رأوا كيف يستغرق جميع وقته فيه، فبانت لهم إذ ذاك السبيل في شدِّه شيئاً ما إلى الخلف، عسى أن يحظوا منه بالتفاتة إلى باطلهم، فكان أن منعوا الناس من لقائه و استفتائه و حجبوهم عنه، هذه الأولى، ثمّ عمدوا إلى الكتب فمنعوا من وصولها إليه، و غرضُهم أن ينضب المعين الذي يستقي منه، فلما رأى منهم ذلك انصرف إلى ما بين يديه من الكتب و الورقات يتلقف ما فيها بشغف و هي أحظى إلى قلبه، ثم أشغل له من كثير من مضايقاتهم، فلما رأوا منه عدم اكتراثه بهم ألبتة، و أن لا يكاد تلين منه؛ بل لم تلن له قناة ألبتة، طارت ريح السموم منهم بكتبه فأخرجوها من عنده و هي أغلى عنده من كل شيء، وهم يعلمون ذلك كله،لكنهم لم يكونوا يجدوا منه في كل ذلك إلا صبراً على الأذى و استغلالاً مستميتاً للوقت في الطلب، بكل سبيل متبقية بين يديه، فلما أعياهم صدّه عن مراده، و غلب جبروتَهم بإصراره و عناده،أخرجوا من عنده الألواح و الأقلام، زيادة في التشفي و إمعاناً في الانتقام، فعلوا ذلك و هم يظنون أنهم قد محوا عن الرجل آخر سبب من أسباب لذته، و سبل سعادته، ففاجأهم بما لم يقع لهم على بال و لا خطر لهم بحال؛إذ عمد إلى فحمة ملقاة في بعض الزوايا المظلمة لتلك الزنزانة المعتمة و استبدل بها قلماً أخذوه، ليكتب بها على جدران الزنزانة بنور العلم ما يُذهب به عتمتَها و قد كان ... لقد أثبت ابن تيمية أن السعادة مُركَّبٌ نفسانيٌّ محضٌ و هيئةٌ وجدانيةٌ بحتة؛ تحصل للمرء من مجموع ما يبني عليه فكرَه، و يربي عليه إرادته، ليصنع بذلك كلِّه راحة بال عميقة المنفد وفيرة المعين؛ في أقصى ما يضمُّه صدره، مضمونها العيش لله وحده بكل معاني الاستسلام له سبحانه، و لولا ذلك كيف كان له بربِّك ـ و هو السجين الطريد ـ أن يعيش مبتسماً للحياة، واسعَ الصدر منشرحَ النفس، مستبشراً بالخير إن فرح و إن تألم، ليس يأبه بالذي يحدث له؛ إلا كالذي رأى رؤيا لم تسرّه ثم أفاق في صباحه فنسيها و انصرف إلى شأنه . لقد استرقّ ابن تيمية ناصيةَ الهمّة و قلّد عنَقها طاعتَه،فصارت تنقاد إليه من دون حَكَََمة، يسير بها يميناً و شمالاً في أرجاء الحياة و محطاتها،لا يشغله عن سموٌّ يزداد به قرباً إلى الملكوت الأعلى شيء من سفْساف الحضيض، يريد أن يقرِّر بقوله و فعله، بحركته و سكونه، أنَّ على المرء أن يكون ذا نفس كريمة علوية، تشغله بالنظر إلى السماء عن النظر إلى التراب و من يمشي فوق التراب. يشهد الله أنه لطالما قرأنا عن أصحاب الهمم و المراتب العالية ما شدَّنا فأعجبنا، لكنَّ ما قرأناه عن ابن تيمية شدّنا فأدهشنا، و أعجبنا فأبهرنا،و دعِ القائل يقول بعد ذلك : كفاكم يا هؤلاء غلوًّا و مدحاً مفرطاً: فإنَّا قائلون له؛صدقتَ لو كان ما حكيناه عنه كذباً أو مجازفةً، أما و هو صدقٌ فسمِّه بما شئت. لولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل في لحم و لا عصب أقول أخيراً: أخذ ابن تيمية فحماً حين لم يجد قلماً؛ و هو يريد أن يقول لك : ـ إنّ على المرء أن يكون ذا همة سامية، ليس يأنس إلا بالعلم و إليه،شغوفاً بطلبه كلفاً بجمعه،مناه أن يتعلم في كل يوم حرفاً يزداد به عند الله مرتبة، و هو لذلك لا يدع أن يقطعه عنه قاطع أو يمنعه دونه مانع، قد عقد قلبه على ميثاقٍ مادتُه:أنّ يوماً لا يطلب فيه علماً ليس معدوداً من عمره، و لأجل ذلك تراه كالنّهم ليس يشبع؛ هجّيراه في كل حال تجده عليه أو تراه "ربّ زدني علما". ـ إنّ من باع عَرَض الدنيا الفانية بما يستقبله من بشائر الآخرة الباقية؛ لا يكدّر حاله ما قد يحصل له من الأذى في سبيل تحصيله العلم و جمعه له،إذ الكيّس من يعلم أنّ همّها مترادف، و أنّ صفاءها آيل إلى كدر لا محالة ، فلم يصر من العقل الانشغال بالتأفف و قتل الوقت بالتأسف، و لكن الحزم في استثمار الأنفاس و عمارة الأوقات بما ينفعك و الصبر على ذلك، مع عدم الاكتراث بالصوارف من إذاية أو مشغلة،فإنّ الالتفات إلى ذلك مضيعةٌ للوقت ليس إلاّ. ـ إنّ المرء إنما يكون رجلاً بالمعنى الشرعي: إذا صلب قلبُه و اشتدّ حزمُه، و لم يكن في عزمه خنوثةٌ، و لذلك ترى هامتَه شامخةً إن عوفيَ و إن أوذي، أمَّا من لا ينهض إلى علياءَ يطلبها إلاّ إذا غُمس في الرَّخاء فما أصعب فِطامَ هذا، دعْ ما وراء ذلك من أن يصير مرابطاً. ـ لو أنَّ كلّ أحد شغله قومٌ بسجنٍ أو بطشٍ ما؛ أياًّ كان شكلُه، ثم ترك العلم للانشغال بما حلّ به من السَّلب؛ فيكون إذن قد سلَّطهم على نفسه، و مكّنهم من عقله، و في ذلك مُناهم، ألا ترى أن الظِّباء لو اشتغلت من الذئاب بالعواء أوشك أن تصبّ عليها البلاء، فتكاً واجتثاثاً؟. ـ إنّ أوقات المرء ظروفُ أعماله، و هو أحوج ما يكون إلى أن يُسرَّ بها يوم تُنشر، و لك أن تلحظ من الآن كم من الحسرات ستتجرعها إذا فُتحت ظروفٌ تلو ظروف فلم تجدها إلا خاوية. و سبب خوائها اشتغال الممتحَن بالنظر إلى المحنة وتركها تفعل ما تشاء؛ كيف لو لم يكن لها انتهاء؟.أيبقى عاطلاً تفتك فيه حيلةُ الفراغ منادمةَ الهمِّ؟، أم يحتال ليرقع واقعَه بعبادة المقام الحاضر كما صنع شيخ الإسلام؟. - قد يبتلي المرءُ بخصومة إنّما الداعي إليها حزازتٌ نفسية، ملفوفةً في جلباب من النّصيحة أو النهي عن المنكر، وقد قرأتُ ما دعا به البخاري من طلب جوار ربّه، حين كثرت إذاية الناس له، وأحاطت به ألسن بعض الأكابر، لا تترك من نفسه موضعاً يركن فيه إلى شيء من راحة البال ليقوى على عيش يوم جديد إلا اخترقته، فلم يزد بعد دعائه إلا مقدار جمعة ثم التحف – مقبوراً – بغمه، تاركاً للناس دنياهم التي زاحموه فيها؛ لا على مالٍ جمعه، أو قصر شيّده، ولكن على ما نشره الله له من الذّكر الحسن. وللناس في حسدهم صنوفٌ من الأهواء، وبحسب ما تكون عليه من الفضل بحسب ما تلقى من تلك الصّنوف، وأنا أعذر من فرجة خفيفة من يجد في نفسه على منافسه، مراعاة مني للطينة التي دفعت الأخ الأول ليقتل أخاه الشقيق، إنّما كنت أظنّ أنّ الفاضل الواجد من نفسه شيئاً من ذلك، ليس يخفى عليه قول شيخ الإسلام رحمه الله:" لا يخلو جسدٌ من حسد لكنّ الكريم يخفيه، واللّئيم يبديه". وعليه؛ فعلى من ابتلي بحاسد مجاهر، على أيّ قالب شكّل حسدَه، وبرّر ضراره، أن يفنى بنسيانه عن ملاحظته وملاحظة تهويشه، ليحفظ نفسه عن مشاكلته في طريقته، ويواصل مسيره، مشتغلا بما هو أنفع له عند ربّه. وختاماً أقول: إنّ في حياة ابن تيمية من العبر مدرسةً جامعةً، يصلح أن تكون منها [مُذكِّرةُ نجاح] لمن سمت همته أن يتخرج منها للمتقين إماماً، فما على المرء الذي يريد الظَّفر إلا أن يدمن النظر . ثمّ أقول أيضاً: لا يعدو ابن تيمية - على جلالته – إلاّ أن يكون واحداً من أبناء هذه الأمة الشريفة؛ وهذه حاله، وتلك هي أخباره، فكيف لو تحدّثنا على نفس النّسق من البيان عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخباره؟. ثمّ؛ الكلام هنا طويل الذيل جداًّ؛ إنّما على المؤمن - كما ذكرتُ في مقالة سلفت - أن يتيقّن أنّ الأمة لا ينفعها طويل اللسان قصير الرأي، و لكن ينفعها حَضَنة العلم، و عصبة الفهم و الحلم، ممّن هِجِّيراه في يومه و ليلته :" ربِّ زدني علما". هذه خلاصة لفكرة تحركت بها الخواطر طويلاً، و لا زال هاجسها في الضمير يعرض الفينة بعد الأخرى، و كانت مخايلها تظهر و تخفى، إلى أن قضى الله أن تظهر و لا تطوى، فكان ما أراد، و لله في خلقه شؤون.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    5

    افتراضي رد: صدقتَ جداًّ يا أبا مالك [إن هي إلاّ علة عدم الصبر]

    شكرا لك أخي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    1,509

    افتراضي رد: صدقتَ جداًّ يا أبا مالك [إن هي إلاّ علة عدم الصبر]

    جزاك الله خيرا أخانا وبلدينا الكريم على هذه الأدب الراقي
    واحرص على حفظ القلوب من الأذى ** فرجوعها بعد التنافر يصعب
    إِن القلوب إذا تنافر ودها ** شبه الزجاجة كسْرُها لا يُشعبُ

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •