سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم - الصفحة 2
صفحة 2 من 24 الأولىالأولى 123456789101112 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 476
9اعجابات

الموضوع: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    - وفي السنة الحادية عشرة من البعثة: عرض نفسه الكريمة علىٰ القبائل في موسم الحج كعادته، فآمن به ستة من رؤساء الأنصار، ورجعوا إلىٰ المدينة ففشا فيهم الإسلام.
    كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغل مواسم الحج وإقبال الناس وتوافدهم إلىٰ بيت الله الحرام للدعوة إلىٰ دينه ورسالته لعلَّ أحدًا أن يستجيب له فيؤويه وينصره بعدما كذبه قومه. عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًىٰ يَقُولُ: «مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّىٰ أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟» حَتَّىٰ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مُضَرَ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنُكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّىٰ بَعَثَنَا الله إِلَيْهِ مِنْ يَثْرِبَ فَآوَيْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّىٰ لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ([1]). وعنه أيضًا قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَىٰ النَّاسِ بالْمَوْقِفِ فيقول: «هل من رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَىٰ قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي»([2]). وعن أبي الزِّنَادِ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ رَبِيعَةُ بن عَبَّادٍ مِنْ بني الدِّئلِ، وَكَانَ جَاهِلِيًّا فأسلم، قَالَ: رَأَيْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي سُوقِ ذِي الْمَجَازِ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا الله تُفْلِحُوا» وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ وَضِيءُ الْوَجْهِ أَحْوَلُ، ذُو غَدِيرَتَيْنِ([3]) يَقُولُ: إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ، يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَذَكَرُوا لِي نَسَبَ رَسُولِ الله r وَقَالُوا: هَذَا عَمُّهُ أبو لَهَبٍ([4]). وكان من القبائل التي عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه عليها؛ قبيلة كنْده، وبطن من بني كلب يقال لهم بنو عبد الله، وبنو حنيفة، وبنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرَّة، وسُليم، وعبس، وبنو نضر، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد. وتصدىٰ النبي صلى الله عليه وسلم لسويد بن الصامت الذي كان يسميه قومه (الكامل) لجلده، وشرفه، ونسبه، فدعاه إلىٰ الإسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعرضها عليَّ»، فعرضها عليه؛ فقال له: «إنَّ هذا لكلام حسن؛ والذي معي أفضل منه، قرآن أنزله الله تعالىٰ عليَّ هو هدىٰ ونور» فتلا عليه رسول الله r القرآن ودعاه إلىٰ الإسلام، فلم يبْعُد منه، وقال: إنَّ هذا لقول حسن، ثم انصرف عنه، فقدم المدينة علىٰ قومه، فلم يلبث أنْ قتله الخزرج، فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل يوم بعاث([5]). وعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه علىٰ بني عبد الأشهل حيث قدموا يلتمسون الحلف من قريش علىٰ قومهم من الخزرج، فعرض عليهم الإسلام، وقال لهم: «هل لكم في خير مما جئتم له؟» فقالوا له: وما ذاك؟ قال: «أنا رسول الله بعثني إلىٰ العباد، أدعوهم إلىٰ أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليَّ الكتاب» قال: ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: فقال إياس بن معاذ وكان غلامًا حدثًا: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له، قال: فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، قال: فصمت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلىٰ المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله تعالىٰ ويكبره ويحمده ويسبحه حتىٰ مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلمًا([6]). فلما أراد الله تعالى إظهار دينه، وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم؛ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه علىٰ القبائل كعادته فالتقىٰ برهط من الخزرج أراد الله بهم خيرًا. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «من أنتم؟» قالوا: نفر من الخزرج، قال: «أمن موالي يهود؟» قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟» قالوا: بلىٰ، فجلسوا معه، فدعاهم إلىٰ الله تعالى، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام، أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا قد عزُّوهم([7]) ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًا مبعوث الآن قد أظل زمانه، نتَّبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلىٰ الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبيّ الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسىٰ أن يجمعهم الله تعالىٰ بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلىٰ أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلىٰ بلادهم، وقد آمنوا وصدَّقوا، وهم ستة نفر جميعهم من الخزرج: 1- أسعد بن زرارة بن عُدَي، أبو أُمامة. 2- عوف بن الحارث بن رفاعه، وهو ابن عفراء. 3- رافع بن مالك بن العجلان. 4- قطبة بن عامر بن حَديدة. 5- عقبة بن عامر بن نابي. 6- جابر بن عبد الله بن رئاب([8]). تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: كَانَ يَوْمُ بُعَاثَ يَوْمًا قَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وَجُرِّحُوا فَقَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فِي دُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ([9]). قال ابن حجر: (كَانَ يَوْم بُعَاث) بِهِ وَقْعَة بَيْن الْأَوْس وَالْخَزْرَج, فَقُتِلَ فِيهَا كَثِير مِنْهُمْ. وَكَانَ رَئِيس الْأَوْس فِيهِ حُضَيْر وَالِد أُسَيْدِ بن حُضَيْر وَكَانَ يُقَال لَهُ حُضَيْر الْكَتَائِب وَبِهِ قُتِلَ, وَكَانَ رَئِيس الْخَزْرَج يَوْمَئِذٍ عَمْرو بن النُّعْمَان الْبَيَاضِيّ فَقُتِلَ فِيهَا أَيْضًا, وَكَانَ النَّصْر فِيهَا أَوَّلًا لِلْخَزْرَجِ ثُمَّ ثَبَّتَهُمْ حُضَيْر فَرَجَعُوا وَانْتَصَرَتْ الْأَوْس وَجُرِحَ حُضَيْر يَوْمئِذٍ فَمَاتَ فِيهَا, وَذَلِكَ قَبْل الْهِجْرَة بِخَمْسِ سِنِينَ وَقِيلَ: بِأَرْبَعٍ وَقِيلَ: بِأَكْثَر وَالْأَوَّل أَصَحّ, وَذَكَرَ أبو الْفَرَج الْأَصْبَهَانِي ُّ أَنَّ سَبَب ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ قَاعِدَتهمْ أَنَّ الْأَصِيل لَا يُقْتَل بِالْحَلِيفِ, فَقَتَلَ رَجُل مِنْ الْأَوْس حَلِيفًا لِلْخَزْرَجِ, فَأَرَادُوا أَنْ يُقِيدُوهُ فَامْتَنَعُوا, فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ الْحَرْب لِأَجْلِ ذَلِكَ, فَقُتِلَ فِيهَا مِنْ أَكَابِرهمْ مَنْ كَانَ لَا يُؤْمِن, أَيْ يَتَكَبَّر وَيَأْنَف أَنْ يَدْخُل فِي الْإِسْلَام حَتَّىٰ لَا يَكُون تَحْت حُكْم غَيْره, وَقَدْ كَانَ بَقِيَ مِنْهُمْ مِنْ هَذَا النَّحْو عبد الله بن أبي بن سَلُول وَقِصَّته فِي ذَلِكَ مَشْهُورَة مَذْكُورَة فِي هَذَا الْكِتَاب وَغَيْره([10]).اهـ.


    ([1]) حسن: أخرجه أحمد 3/322، قال ابن حجر في «فتح الباري» 7/222: إسناده حسن.
    ([2]) صحيح: أخرجه أبو داود (3734)، كتاب: السنة، باب: في القرآن، الترمذي (2934) كتاب: فضائل القرآن، باب: رقم (24)، ابن ماجه (201) في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، أحمد 3/390، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».
    ([3]) غديرتان: تثنية غديرة، أي ذؤابة، وهي الشعر المضفور الذي أُدخل بعضه في بعض.
    ([4]) حسن بمجموع الطرق: أخرجه أحمد 4/341، وله شواهد أخرجها ابن هشام في «السيرة» 2/18، الطبراني في «الكبير» (4587)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثانىٰ» (962)، البيهقي في «السنن» 9/7، و «الدلائل» 2/185.
    ([5]) «سيرة ابن هشام» 2/21.
    ([6]) «سيرة ابن هشام» 2/21.
    ([7]) عزوهم: غلبوهم وقهروهم.
    ([8]) «سيرة ابن هشام» 2/21، 23 مختصرًا.
    ([9]) صحيح: أخرجه البخاري (3777)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: مناقب الأنصار. سرواتهم: أشرافهم.
    ([10]) «فتح الباري» 7/138، 139.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    وفي السنة الثانية عشرة من البعثة: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلىٰ المسجد الأقصىٰ، ثم عرج به إلىٰ سدرة المنتهىٰ ففرض الله عليه وعلىٰ أمته الصلوات الخمس.
    حيث كافأ الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وسرَّىٰ عنه برحلة الإسراء والمعراج؛ فأراه من آياته الكبرىٰ ما جعل قلبه صلى الله عليه وسلم يطيب ويطمئن ويثبت، وينكشف عنه ما ألمَّ به من همّ وحزن وأسىٰ بعد وفاة عمه وزوجته رضي الله عنها، وما لاقاه من إعراض قومه عن دعوته صلى الله عليه وسلم.فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يحزنه الإيذاء الشخصي له صلى الله عليه وسلم؛ إنما الذي كان يحزنه صلى الله عليه وسلم ويكاد يقتله؛ هو إعراضهم عن الدعوة ورفضهم لها؛ رحمة منه صلى الله عليه وسلم وشفقة عليهم، ولذلك يقول الله تعالى له صلى الله عليه وسلم:{فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف: 6]،{لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3].وحادثة الإسراء والمعراج صحيحة ثابتة بالقرآن والسنة:أما ثبوتها بالقرآن ففي قول الله تعالىٰ:{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}[الإسراء: 1]، وقوله تعالىٰ:{والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى}
    [النجم: 1- 18].
    وقد فصّل النبي صلى الله عليه وسلم أحداث هذه الرحلة المباركة تفصيلاً دقيقًا، بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من أحاديث صحيحة.يقول صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ([1]) في الحجر مضطجعًا([2]) بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ ([3]) إذا أتاني آتٍ فشق([4]) من النحر إلىٰ مراقّ البطن([5]) فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي([6]) ثم غسله بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جاء بطست من ذهب ممتلئ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ([7]) ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَىٰ طَرْفِهِ([8]) فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَىٰ الله مِنْهُ قَالَ فَارْفَضَّ عَرَقًا([9]) فَرَكِبْتُهُ حَتَّىٰ أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ([10]) فَصَلَّيْتُ بالنبيين والمرسلين إمامًا([11]) ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عليه السلام بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ([12]) ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَىٰ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَلَمَّا جِئْتُ إِلَىٰ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَىٰ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَىٰ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَىٰ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: هَذَا آدَمُ وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بنيهِ فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَىٰ([13]) ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّىٰ أَتَىٰ السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفَتَحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ قَالَ: هَذَا يَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا ثُمَّ قَالَا مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَىٰ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ قَالَ: هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّىٰ أَتَىٰ السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَىٰ إِدْرِيسَ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّىٰ أَتَىٰ السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ففتح فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّىٰ أَتَىٰ السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَىٰ قَالَ: هَذَا مُوسَىٰ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَىٰ قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي، يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَىٰ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَيَّ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَىٰ فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ قَالَ: هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَىٰ وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ فَقُلْتُ: مَا هَذَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ فَرَجَعْتُ، فَمَرَرْتُ عَلَىٰ مُوسَىٰ فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بني إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا فَرَجَعْتُ إِلَىٰ مُوسَىٰ فَقَالَ: مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَىٰ مُوسَىٰ فَقَالَ: مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَىٰ مُوسَىٰ فَقَالَ: مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ: مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَىٰ مُوسَىٰ فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ قُلْتُ أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بني إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ فَارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ قَالَ سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّىٰ اسْتَحْيَيْتُ وَلَكِنِّي أَرْضَىٰ وَأُسَلِّمُ قَالَ فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَىٰ مُنَادٍ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» ([14]).فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، يقول صلى الله عليه وسلم: «فَظِعْتُ بِأَمْرِي([15]) وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ» فَقَعَدَ – بأبي هو وأمي ونفسي صلى الله عليه وسلم- مُعْتَزِلًا حَزِينًا، فَمَرَّ عَدُوُّ الله أبو جَهْلٍ، فَجَاءَ حَتَّىٰ جَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِ ئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟! فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ»، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ»، قَالَ: إِلَىٰ أَيْنَ؟ قَالَ: «إِلَىٰ بَيْتِ الْمَقْدِسِ».قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ ! قَالَ: «نَعَمْ».قَالَ: فَلَمْ يُرِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِذَا دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثْتَنِي؟! فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ».فَقَالَ: هَيَّا مَعْشَرَ بني كَعْبِ بن لُؤَيٍّ!حتىٰ قَالَ: فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ، وَجَاءُوا حَتَّىٰ جَلَسُوا إِلَيْهِمَا.قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي.فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ».قَالُوا: إِلَىٰ أَيْنَ؟ قال: «إِلَىٰ بَيْتِ الْمَقْدِسِ».قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَىٰ رَأْسِهِ مُتَعَجِّبًا لِلْكَذِبِ؛ زَعَمَ!قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَىٰ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَىٰ الْمَسْجِدَ.فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّىٰ الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ، قَالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ؛ حَتَّىٰ وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ – أَوْ عُقَيْلٍ- فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ».قَالَ: «وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ».



    ([1]) البخاري (3207).
    ([2]) البخاري (3887).
    ([3]) البخاري (3207).
    ([4]) البخاري (3887).
    ([5]) البخاري (3207). أي إلىٰ ما رقّ من الجلد وهو ما يكون أسفل البطن.
    ([6]) مسلم (164).
    ([7]) البخاري (349).
    ([8]) مسلم (164).
    ([9]) أحمد 3/164، الترمذي (3131)، وقال: حسن غريب، وصحح إسناده الألباني في «صحيح الترمذي».
    ([10]) مسلم (162).
    ([11]) انظر: «الإسراء والمعراج» للألباني (14).
    ([12]) مسلم (162).
    ([13]) البخاري (349).
    ([14]) صحيح: أخرجه البخاري (3887)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: المعراج.
    ([15]) أي اشتد عليَّ وهبْتُه. (نهاية).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ؛ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ([1]).


    ([1]) صحيح الإسناد: أخرجه أحمد 1/309، الطبراني (12782)، وحسنه الحافظ في «الفتح» 7/199، وقال الألباني في «الإسراء والمعراج» (82): سنده صحيح. وقد اختلف علماء أهل السنة والجماعة في رؤية النبي ربه في هذه الليلة ليلة الإسراء والمعراج. فنسب بعض العلماء لابن عباس أنه يقول بالرؤية وتبعوه في ذلك. يقول ابن عباس: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسىٰ، والرؤية لمحمد. أخرجه عبد الله بن أحمد في «السنة» (577)، النسائي في «الكبرىٰ» (11539)، والحاكم 1/15 بسند صحيح. وقال أيضًا في قوله تعالىٰ:{والنجم إذا هوى} إلى آخر الآيات[النجم: 13، 14]. قال: رأىٰ ربه فتدلىٰ فكان قاب قوسين أو أدنىٰ. حسن صحيح: أخرجه الترمذي (3280)، وقال: حديث حسن، وابن حبان (57)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (933)، وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: حسن صحيح. وقالت أم المؤمنين عائشة ومن تبعها: لم يره. عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ: ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَىٰ الله الْفِرْيَةَ، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَىٰ رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَىٰ الله الْفِرْيَةَ، قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِينِي وَلَا تَعْجَلِينِي، أَلَمْ يَقُلْ الله تعالى:{أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه مرة أخرى عند سدرة المنتهى}، فَقَالَتْ
    أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ الله
    فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ عَلَىٰ صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَىٰ الْأَرْضِ» فَقَالَتْ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ الله يَقُولُ:{لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ الله يَقُولُ:{ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا}صحيح: أخرجه مسلم (177)، كتاب: الإيمان. وفي لفظ لمسلم أيضًا: أن مسروقًا سأل عائشة هل رأىٰ محمد ربه؟ فقالت: سبحان الله لقد قف شعري لما قلت. والذي عليه الجمهور أنَّ النبي لم ير ربه بعينيه قط إنما رآه بفؤاده، وأنه لا تعارض بين ما ذهب إليه ابن عباس وما ذهبت إليه عائشة، وذلك أنه ثبت عن ابن عباس أنه قال: رآه بقلبه. مسلم (176). وفي لفظ أنه قال: رآه بفؤاده مرتين. قال الحافظ ابن حجر: جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة، وأخرىٰ مقيدة فيجب حمل مطلقها علىٰ مقيدها... وعلىٰ هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يُحمل نفيها علىٰ رؤية البصر، وإثباته علىٰ رؤية القلب ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم؛ لأنه كان عالمًا بالله علىٰ الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أنّ الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه، كما تخلق الرؤية بالعين لغيره، الرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلاً، ولو جرت العادة خلقها في العين.اهـ.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,939

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    صلى الله وسلم على محمد أندى العالميـــــــن

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    21

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    جازاكم الله خيرا ونفعكم ونفع بكم
    قل حسبي الله لا إلاه إلا هو عليه توكلت و هو رب العرش العظيم

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    وجزاك مثله أخي الحبيب
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الدولة
    خليج عمر الفاروق رضي الله عنه
    المشاركات
    5,549

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    أضيف أن حادثة الإسراء سبقتها حادثة انشقاق القمر ، قال الشيخ المباركفوري رحمه الله:
    "... فإن رؤية القمر هكذا منشقا بعين اليقين تسهل على الذهن قبول إمكان الإسراء والمعراج والله أعلم." .
    {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}





  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    نعم؛ لقد ذكرت حادثة انشقاق القمر فيما مضى
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    وفي موسم الحج من هذه السنة: وافاه اثنا عشر رجلاً من الأنصار بعضهم ممن لقي النبي صلى الله عيه وسلم في الموسم السابق، فبايعوه عند العقبة فسميت ببيعة العقبة الأولى ٰ وأرسل معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن فأسلم علىٰ يديه كثير من أهل المدينة. فلما كان موسم الحج من العام الثاني عشر من البعثة – أي بعد عام فقط من التقاء النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصاريين الستة أقبل علىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد من الأنصار قوامه اثنا عشر رجلاً، عشرة من الخزرج وهم: 1- أسعد بن زرارة. 2- عوف بن الحارث بن رفاعة ابن عفراء. 3- رافع بن مالك بن العجلان. 4- قُطْبة بن عامر بن حديدة. 5- عقبة بن عامر بن نابي. 6- معاذ بن الحارث بن عفراء. 7- ذكوان بن عبد قيس. 8- عبادة بن الصامت. 9- يزيد بن ثعلبة. 10- العباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان. واثنان من الأوس وهم: 11- أبو الهيثم بن التيهان، واسمه مالك([1]). 12- عُويم بن ساعدة([2]). لم يتخلف من الستة الأُول إلا جابر بن عبد الله بن رئاب فقط. فبايع هذا الوفد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية. يقول عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ وكان ممن شهد البيعة: إِنِّي لَمِنْ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَىٰ أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا نَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ، فَالْجَنَّةُ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَىٰ الله([3]). وفي رواية قال عُبَادَةَ: أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَىٰ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَىٰ مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَىٰ الله، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ الله فَأَمْرُهُ إِلَىٰ الله إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ»، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَىٰ ذَلِكَ([4]). أول سفير في الإسلام: فانطلق القوم – بعد ذلك- عائدين إلىٰ المدينة المنورة، فأرسل معهم النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، فكان مصعب يسمىٰ في المدينة بالمقرئ. وكان منزله علىٰ أسعد بن زرارة، وكان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض([5]). أول جمعة بالمدينة المنورة وإمامها: قام سفير الإسلام مصعب بن عمير بمهمته علىٰ أكمل وجه؛ فدعا إلىٰ دين الله وأقرأ الناس وعلمهم وفقههم في الدين، وانتشر الإسلام بالمدينة، فأقيمت أول جمعة في الإسلام بالمدينة المنورة، وأمَّ المسلمين فيها أسعد بن زرارة ([6]). عَنْ عبد الرَّحْمَنِ بن كَعْبِ بن مَالِكٍ – وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهُ- عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بن مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَحَّمَ لِأَسْعَدَ بن زُرَارَةَ، فَقُلْتُ لَهُ إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ تَرَحَّمْتَ لِأَسْعَدَ بن زُرَارَةَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بنا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ([7]) مِنْ حَرَّةِ بني بَيَاضَةَ([8]) فِي نَقِيعٍ([9]) يُقَالُ لَهُ نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ([10]) قُلْتُ كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ([11]).

    ([1]) التيهان: يخفف ويثقل، كقوله ميّت وميْت. «سيرة ابن هشام» 2/24.
    ([2]) ذكر ابن اسحاق أسماء أصحاب بيعة العقبة الأولىٰ والثانية «سيرة ابن هشام» 2/22، 24 قال: حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن أشياخ من قومه. قلت: وعاصم تابعي، قال ابن حجر: ثقة، عالم بالمغازي. (تقريب). وقال الذهبي: صدوق علامة بالمغازي. (كاشف).
    ([3]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3893)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: وفود الأنصار إلىٰ النبي بمكة وبيعة العقبة، ومسلم (1709)، كتاب: الحدود، باب: الحدود كفارات لأهلها.
    ([4]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3892)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: وفود الأنصار إلىٰ النبي بمكة وبيعة العقبة، ومسلم (1709)، كتاب: الحدود، باب: الحدود كفارة لأهلها.
    ([5]) «سيرة ابن هشام» 2/24 بتصرف. قال بعض أهل السير أنّ النبي أرسل مع مصعب ابن عمير ابن أم مكتوم، وممن قال بذلك العلامة ابن سيد الناس حيث قال في «عيون الأثر» 1/265: فلما انصرفوا – أي: أصحاب البيعة- بعث رسول الله معهم ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير يعلمان من أسلم منهم القرآن.اهـ. قلت: الصواب أنّ النبي لم يرسل إلا مصعب بن عمير فقط كما نص علىٰ ذلك أكثر أهل السير. وأظن أن الوهم دخل علىٰ من قال بذلك مما رواه البخاري في «صحيحه» (3924، 3925) عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانوا يقرئون الناس... الحديث. قلت: الصحيح أن هذا الحديث إنما يتحدث فيه البراء عن الهجرة لا عن البيعة ولا عن من أرسله رسول الله مع أصحاب البيعة. ومما يدل علىٰ ذلك: 1- أنه لم يرد في الحديث قط ذكر البيعة، إنما ورد ذكر الهجرة صريحًا في إحدىٰ روايات الحديث كما ذكر ذلك ابن حجر في «فتح الباري» 7/306 حيث قال: في رواية عن شعبة عند الحاكم في «الإكليل» عن عبد الله بن رجاء في روايته (من المهاجرين).اهـ. 2- ما ذُكر في الرواية نفسها حيث قال البراء: ثم قدم علينا عمار بن ياسر وبلال وسعد، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي، ثم قدم النبي ... الحديث. فهذا يوضح أنه يتكلم في شأن الهجرة. وقد فهم ذلك الإمام البخاري فبوب علىٰ الحديث باب: مقدم النبي وأصحابه المدينة. فيُعلم مما سبق أن النبي أرسل مصعب وحده. ثم إن مصعب رجع إلىٰ مكة قبل البيعة الثانية – كما ذكر ذلك أهل السير- ثم هاجر إلىٰ المدينة مرة أخرىٰ لما أذن لهم النبي بالهجرة وكان أول المهاجرين إلىٰ المدينة – كما دل عليه حديث البراء السابق- ثم استأنف مصعب نشاطه السابق في إقراء الناس وتعليمهم، وتبعه ابن أم مكتوم وكان يساعده في مهمته. والله أعلم.
    ([6]) رُوي أن الذي أم المسلمين في هذه الجمعة مصعب بن عمير وهو ضعيف. قال ابن كثير: وقد روىٰ الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله كتب إلىٰ مصعب بن عمير يأمره بإقامة الجمعة، وفي إسناده غرابة. والله أعلم. «البداية والنهاية» 3/163.
    ([7]) الهزم: المنخفض من الأرض، والنبيت: موضع.
    ([8]) حرة: بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء هي الأرض ذات الحجارة السود.
    ([9]) هو المنخفض من الأرض يستنقع فيه الماء.
    ([10]) نقيع الخَضَمات: موضع بنواحي المدينة.
    ([11]) حسن: أخرجه أبو داود (1069)، كتاب: الصلاة، باب: الجمعة في القرىٰ، وابن ماجه (1082)، كتاب: الصلاة، باب: فرض الجمعة. والمعنىٰ أنه جمّع في قرية يقال لها هزم النبيت، هي كانت في حرّة بني بياضة في المكان الذي يجتمع فيه الماء، واسم ذلك المكان نقيع الخضمات، وتلك القرية هي علىٰ ميل من المدينة. «عون المعبود» 2/425.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    وفي السنة الثالثة عشرة من البعثة في موسم الحج: وافاه سبعون رجلاً من الأنصار فبايعوه عند العقبة أيضًا علىٰ أن يمنعوه إن هاجر إليهم مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، فأخرجوا له اثني عشر نقيبًا، فقال صلى الله عليه وسلم للنقباء: «أنتم علىٰ قومكم كفلاء» فسميت ببيعة العقبة الثانية. كانت بيعة العقبة الثانية في الموسم التالي مباشرة. يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وكان ممن شهد هذه البيعة: مَكَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بعُكَاظٍ، وَمَجَنَّةَ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًىٰ يَقُولُ: "مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّىٰ أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ"؟ حَتَّىٰ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مُضَرَ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ، لَا يَفْتِنُكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّىٰ بَعَثَنَا الله إِلَيْهِ مِنْ يَثْرِبَ، فَآوَيْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّىٰ لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، ثُمَّ ائْتَمَرُوا جَمِيعًا، فَقُلْنَا: حَتَّىٰ مَتَىٰ نَتْرُكُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟ فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا حَتَّىٰ قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ، فَوَاعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّىٰ تَوَافَيْنَا، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله: علام نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «تُبَايِعُونِي عَلَىٰ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَىٰ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا فِي الله لَا تَخَافُونَ فِي الله لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَىٰ أَنْ تَنْصُرُونِي، فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ ، وَلَكُمْ الْجَنَّةُ» فَقُمْنَا إِلَيْهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بن زُرَارَةَ، وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ – وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعين إلا أنا- فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الْإِبِلِ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ الله، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنَّ تَعَضَّكُمْ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَىٰ ذَلِكَ وَأَجْرُكُمْ عَلَىٰ الله، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خيفة، فَبَيِّنُوا ذَلِكَ، فَهُوَ عُذْرٌ لَكُمْ عِنْدَ الله، قَالُوا: أَمِطْ عَنَّا يَا أَسْعَدُ، فَوَاللَّهِ لَا نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا، وَلَا نَسْلُبُهَا أَبَدًا، قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ، وأَخَذَ عَلَيْنَا وَشَرَطَ، وَيُعْطِينَا عَلَىٰ ذَلِكَ الْجَنَّةَ([1]). وعن كَعْبِ بن مَالِكِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي الحجة التي بايعنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم

    بالعقبة مع مشركي قومنا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بن مَعْرُورٍ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، حتىٰ إذا كنا بظاهر البيداء قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ تعلموا إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي تُوَافِقُونِي عَلَيْهِ أَمْ لَا؟! فقُلْنَا: وَمَا هو يا أبا بشر؟ قَالَ: إني قَدْ أردت أَنْ أصلي إلىٰ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ ولا أجعلها مِنِّي بِظَهْرٍ، فَقُلْنَا: لا وَاللَّهِ لا تفعل، والله مَا بَلَغَنَا أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي إِلَّا إِلَىٰ الشَّامِ، قَالَ: فإِنِّي والله لمصل إِلَيْهَا، فكان إِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ توجه إِلَىٰ الْكَعْبَةِ وتوجهنا إلىٰ الشام، حَتَّىٰ قَدِمْنَا مَكَّةَ، فقَالَ لي البراء: يَا ابْنَ أَخِي انْطَلِقْ إِلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، حتىٰ أسْأَلْهُ عَمَّا صَنَعْتُ، فلقد وجدت فِي نَفْسِي بخِلَافِكُمْ إِيَّايَ، قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ بالأبطح، فقلنا: هل تدلنا علىٰ محمد؟ قَالَ: وهَلْ تَعْرِفَانِهِ إن رأيتماه؟ قُلْنَا: لَا والله، قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفَانِ الْعَبَّاسَ؟ فقُلْنَا: نَعَمْ، وقد كُنَّا نَعْرِفُه، كان يختلف إلينا بالتجارة، فقَالَ: إِذَا دَخَلْتُمَا الْمَسْجِدَ فانظروا الْعَبَّاسِ، قَالَ: فهو الرجل الذي معه، قال: فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رسول الله صلى الله عليه وسلم والْعَبَّاسُ ناحية المسجد جالسين، فَسَلَّمْنَا، ثُمَّ جَلَسْنَا، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «هَلْ تَعْرِفُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟» قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الْبَرَاءُ بن مَعْرُورٍ سَيِّدُ قَوْمِهِ وَهَذَا كَعْبُ بن مَالِكٍ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَىٰ قَوْلَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: «الشَّاعِرُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ له الْبَرَاءُ: يَا رسول الله إِنِّي قد رأيت فِي سَفَرِي هَذَا رأيًا، وقد أحببت أن أسألك عنه قال: «وما ذاك؟» قال: رَأَيْتُ أَلَا أَجْعَلَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ فَصَلَّيْتُ إِلَيْهَا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَدْ كُنْتَ عَلَىٰ قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا»، فَرَجَعَ إِلَىٰ قِبْلَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وصَلَّىٰ مَعَنَا إِلَىٰ الشَّامِ. ثم وَاعَدْنَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم الْعَقَبَةَ، أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ونحن سبعون رجلًا للبيعة، وَمَعَنَا عبد الله بن عَمْرِو بن حَرَامٍ والد جَابِرٍ، وإنه لعلىٰ شركه، فأخذناه وَقُلْنَا: يَا أَبَا جَابِرٍ والله إنا لنرغب بك أن تموت علىٰ ما أنت عليه فتَكُونَ لهذه النَّارِ غَدًا حطبًا، وإن الله قد بعث رَسُولًا يأمر بتوحيده وعبادته وقد أَسْلَمَ رجلا من قومك، وقد واعدنا رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم للبيعة فأسم وطهر ثيابه، وحضرها معنا فكان نقيبًا، فلما كانت الليلة التي واعدنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنىٰ أول الليل مع قومنا، فلما استثقل الناس من النوم تسللنا من فرشنا تسلل القطا، حتىٰ اجْتَمَعْنَا بالعقبة، فأتىٰ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وعَمُّهُ الْعَبَّاسُ، ليس معه غيره، أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، فكان أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَهُوَ فِي مَنَعَةٍ من قومه وبلاده، قد منعناه ممن هو علىٰ مثل رأينا منه، وقد أبىٰ إلا الانقطاع إليكم، وإلىٰ ما دعوتموه إليه، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما وعدتموه، فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم تخشون من أنفسكم خُذلانًا فاتركوه في قومه، فإنه في منعة من عشيرته وقومه، فَقُلْنَا قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، تَكَلَّمْ يَا رَسُولَ الله، فَتَكَلَّمَ وَدَعَا إِلَىٰ الله، وتلا القرآن وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، فأجبناه بالإيمان والتصديق له، وقلنا له: خذ لربك ولنفسك فقَالَ: «إني أُبَايِعُكُمْ عَلَىٰ أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا منعتم مِنْهُ أَبْنَاءَكُمْ ونِسَاءَكُمْ» فأجابه الْبَرَاءُ بن مَعْرُورٍ فقَالَ: نَعَمْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ الله فَنَحْنُ أَهْلُ الْحُرُوبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فعرض في الحديث أبو الْهَيْثَمِ بن التَّيِّهَانِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا لقَاطِعُوهَا، فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ الله أَظْهَرَكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَىٰ قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ فقَالَ: «بَلْ الدَّمَ الدَّمَ وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ» فقال له البراء بن معرور: ابسط يدك يا رسول الله نبايعك. فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا» فَأَخْرَجُوهم له، فكان نقيب بني النجار؛ أسعد بن زرارة، ونقيب بني سلمة، البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، ونقيب بني ساعدة، سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، ونقيب بني زريق، رافع بن مالك، ونقيب بني الحارث بن الخزرج، عبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، ونقيب بني عوف بن الخزرج، عبادة بن الصامت – وبعضهم جعل بدل عبادة بن الصامت خارجة بن زيد- ونقيب بني عمرو بن عوف، سعد بن خيثمة، ونقيب بني عبد الأشهل – وهم من الأوس- أسيد بن حضير، وأبو الهيثم بن التيهان، قال: فأخذ الْبَرَاءُ بيد رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فضرب عليها، وكان أول من بايع، وتتابع الناس فبايعوا، فصرخ الشيطان علىٰ العقبة بأنفذ صوت سمعته قط، فقال: يا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ([2]) هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ قَدْ أَجْتمَعُوا عَلَىٰ حَرْبِكُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ، هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ، أَمَا وَاللَّهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ ارْفَعُوا إِلَىٰ رِحَالِكُمْ». فَقَالَ الْعَبَّاسُ بن عُبَادَةَ أخو بني سالم: يا رسول الله وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَىٰ أَهْلِ مِنًىٰ غَدًا بِأَسْيَافِنَا، فَقَالَ: «إنا لَمْ نؤمَرْ بِذَلِكَ»، فرحنا إلىٰ رحالنا فاضطجعنا، فلما أَصْبَحْنَا، أقبلت جُلَّةُ من قُرَيْشٍ فيهم الحارث بن هشام، فتىٰ شاب وعليه نعلان له جديدتان، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ إِلَىٰ صَاحِبِنَا لتَسْتَخْرِجُوه ُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وإنه وَاللَّهِ مَا مِنْ الْعَرَبِ أَحَدٌ أَبْغَضَ إِلَيْنَا أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِنْكُمْ، فَانْبَعَثَ مَنْ هُنَاكَ مِنْ قومنا من المشركين يَحْلِفُونَ لَهُمْ بِاللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَمَا فعلناه، فلما تثور القوم لينطلقوا قُلْتُ كَلِمَةً كَأَنِّي أُشْرِكَهم في الكلام: يَا أَبَا جَابِرٍ – يريد عبد الله بن عمرو- أَنْتَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا وكهل من كهولنا، لا تستطيع أَنْ تَتَّخِذَ مِثْلَ نَعْلَيْ هَذَا الْفَتَىٰ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَمِعَهَا الْحَارِثُ، فرَمَىٰ بِهِمَا إِلَيَّ، وقَالَ: وَاللَّهِ لتلبسنهما، فقَالَ أبو جَابِرٍ: مهلًا أَحْفَظْتَ لعمر الله الرجل – يقول: أخجلته- أردُدْ عليه نَعْلَيْهِ، فَقُلْتُ: لا وَاللَّهِ لَا أَرُدَّهُمَا، فقَالَـ: صُلْحٌإني لأرجو أن أسلبه([3]).

    ([1]) صحيح: أخرجه أحمد 3/32، 339- 340، الحاكم 2/624، 625، وصححه وأقره الذهبي.
    ([2]) الجُباجب: جمع جُبجب –بالضم- وهو المستوي من الأرض، وهي ههنا أسماء منازل بمنيً (نهاية).
    ([3]) صحيح: أخرجه ابن إسحاق، في «السيرة» 2/27، 33، أحمد 3/46، 462، ابن جرير الطبري في «تاريخه» 2/90، 93، وقال الألباني في تحقيق «فقه السيرة» (177): هذا سند صحيح.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    فأمر النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ أصحابه بالهجرة إلىٰ المدينة، وأقام صلى الله عليه وسلم ينتظر الإذن بالهجرة وحبس معه أبا بكر وعليًا، وقد رأىٰ النبي صلى الله عليه وسلم دار الهجرة في رؤية منامية أراها الله إياه؛ فكان ذلك وحيًا من الله وإيذانًا له صلى الله عليه وسلم بأن يأمر أصحابه بالهجرة لبدء مرحلة جديدة من الجهاد والدعوة في سبيل الله، عسىٰ أن تكون أفضل من سابقتها. عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ» –وَهُمَا الْحَرَّتَانِ- فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ وَرَجَعَ عامة مَنْ كَانَ هَاجَرَ بأَرْضِ الْحَبَشَةِ إلىٰ المدينة وَتَجَهَّزَ أبو بَكْرٍ قِبَل المدينة فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «عَلَىٰ رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي» فقَالَ أبو بَكْرٍ: وهَلْ تَرْجُوا ذَلِكَ بِأبي أَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَحَبَسَ أبو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ وهو الخبط أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ([1]). وعَنْ أبي مُوسَىٰ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «قَالَ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَىٰ أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَىٰ أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ»([2]). بداية الرحلة إلىٰ المدينة: بدأ الصحابة رضوان الله عليهم في الاستعداد والخروج إلىٰ المدينة المنورة، حيث علموا أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرؤيا لهم، إذن منه صلى الله عليه وسلم بالخروج([3]) فخرجوا. فكان أَوَّلُ مَنْ خرج مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَبِلَالٌ، وسعد، وعَمَّارُ بن يَاسِرٍثم خرج عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم([4]). وكان من أوائل المهاجرين أيضًا أبو سلمة وكان لخروجه قصة عجيبة تحكيها السيدة أم سلمة حيث تقول: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلىٰ المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقودُ بي بعيرَه، فلما رأته رجالُ بني الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهْط أبي سَلمَة، فقالوا: لا والله، لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا بنيّ سَلمَة بينهم حتىٰ خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو الْمُغيرَة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلىٰ المدينة. قالت: ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني. قالت: فكنت أخرج كل غَدَاة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتىٰ أُمْسِي، سنةً أو قريبًا منها، حتىٰ مرّ بي رجلٌ من بني عمّي، أحدُ بني الْمُغيرَة، فرأىٰ ما بي فرحمني، فقال لبني الْمُغِيرَة: ألا تُخْرجون هذه المسكينة! فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين وَلدها! قالت: فقالوا لي: الحَقي بزوجك إن شئتِ. قالت: وردّ بنو عبد الأسد إليّ عند ذلك ابني، قالت: فارتحلت بَعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معي أحد من خَلْقِ الله، قالت: فقلت: أَتبلَّغ بمن لقيت حتىٰ أقْدَم علي زوجي؛ حتىٰ إذا كنت بالتّنْعيم لَقِيتُ عثمانَ بن طلحة بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار؛ فقال لي: إلىٰ أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: فقلت أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قالت: فقلت: لا والله، إلا الله وبُنَيّ هذا. قال: والله مالك من مَتْرك، فأخذ بخطام البعير، وانطلق معي يَهْوِىٰ بي، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قط، أرىٰ أنه كان أكْرَمَ منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عَنِّي، حتىٰ إذا نزلت استأخر ببعيري، فحطّ عنه، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحىٰ إلىٰ شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرَّواح قام إلىٰ بعيري فقّدمه فَرَحَلَه، ثم استأخر عَنِّي، وقال: اركبي، فإذا ركبت واستويتُ علىٰ بعيري أتىٰ فأخذ بخطامه، فقاده، حتىٰ ينزل بي. فلم يزل يصنع ذلك بي حتىٰ أَقْدمني المدينة، فلما نظر إلىٰ قرية بني عمرو بن عوف بُقباء، قال: زوجك في هذه القرية –وكان أبو سلمة نازلاً بها- فادخليها علىٰ بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلىٰ مكة، قال: فكانت تقول: والله ما أعلم أهلَ بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آلَ أبي سَلمَة، وما رأيت صاحبًا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة([5]). وتأخر النبي صلى الله عليه وسلم وحبس معه أبا بكر – كما تقدم- وعليًا أيضًا ليؤدي الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يُخشىٰ عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته([6]).

    ([1]) صحيح: أخرجه البخاري (3905) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة، وأحمد 6/198.
    ([2]) صحيح: أخرجه مسلم (2272)، كتاب: الرؤيا، باب: رؤيا النبي.
    ([3]) ولذلك تقول السيدة عائشة في الحديث لما قال لهم النبي: «أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ...» تقول: فهاجر من هاجر قبل المدينة.
    ([4]) صحيح: أخرجه البخاري (3924، 3925)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: مقدم النبي وأصحابه إلىٰ المدينة.
    ([5]) أخرجه ابن إسحاق في «السيرة» 2/44، بسند متصل صرح فيه بالتحديث، قال: حدثني أبي إسحاق ابن يسار، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة، عن جدته أم سلمة به، وسلمة بن عبد الله قال عنه ابن حجر في «التقريب»: مقبول، ووثقه ابن حبان.
    ([6]) «سيرة ابن هشام» 2/55.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم


    السنة الأولىٰ من الهجرة
    في ربيع الأول من هذه السنة: هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلىٰ المدينة.
    حيث رد الله تعالىٰ كيد المشركين واستطاع النبي
    صلى الله عليه وسلم أن يخرج ومعه أبو بكر من مكة متوجهين إلىٰ المدينة لم يرهما أحد. وتعود بداية هذه الرحلة المباركة عندما كان أبو بكر جالسا في بيته وقت الظَّهِيرَةِ قَالَ له قَائِلٌ: هَذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أبي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ عائشة: فَجَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأبي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ»، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ»، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ»، قَالَ أبو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله إِحْدَىٰ رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «بِالثَّمَنِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُم َا أَحَثَّ الْجِهَازِ وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بنتُ أبي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَىٰ فَمِ الْجِرَابِ فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ، قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأبو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عبد الله بن أبي بَكْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّىٰ يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَىٰ عَلَيْهِمَا عَامِرُ بن فُهَيْرَةَ مَوْلَىٰ أبي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا حَتَّىٰ يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بن فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ([1]). وفي تلك الأثناء تفطَّن المشركون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر قد خرجا فأخذوا يبحثون عنهما في كل مكان حتىٰ وصلوا إلىٰ الْغَارِ وهما فيه، ثم قربوا منه بشدة حتىٰ إن أبا بكر رضي الله عنه سمع صرير أقدامهم حول الغار فرفع رأسه فَإِذَا هو بِأَقْدَامِ الْقَوْمِ فقال: يَا رسول الله لَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنَا، قَالَ: «اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ اثْنَانِ الله ثَالِثُهُمَا»([2]). ثم اسْتَأْجَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأبو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بني الدِّيلِ وَهُوَ مِنْ بني عبد بن عَدِيٍّ([3]) هَادِيَا خِرِّيتًا – وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ- قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بن وَائِلٍ السَّهْمِيِّ وَهُوَ عَلَىٰ دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَ ا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِ مَا صُبْحَ ثَلَاثٍ([4]). ثم انتظروا حَتَّىٰ قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ([5]). فانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بن فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ([6]). يقول أبو بكر رضي الله عنه: فأَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا حَتَّىٰ قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلَا الطَّرِيقُ فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ حَتَّىٰ رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي ظِلِّهَا ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ الله! وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَىٰ الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضْ الضَّرْعَ مِنْ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَىٰ فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ فَصَبَبْتُ عَلَىٰ اللَّبَنِ مِنْ الْمَاءِ حَتَّىٰ بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ فَشَرِبَ حَتَّىٰ رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟»، قُلْتُ: بَلَىٰ، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بن مَالِكٍ، قَالَ: وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنْ الْأَرْضِ([7])، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أُتِينَا فَقَالَ: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا»، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَارْتَطَمَتْ – ساخت- فَرَسُهُ إِلَىٰ بَطْنِهَا فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ، أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ فَادْعُوَا لِي فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ فَدَعَا الله فَنَجَا([8]). فلما نجا سراقة قصَّ علىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار قريش وأنهم جعلوا فيه الدِّيَةَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ منهِمْ ثم عَرَضْ علىٰ النبي صلى الله عليه وسلم الزَّادَ وَالْمَتَاعَ يقول سراقة: فَلَمْ يَرْزَآنِي، وَلَمْ يَسْأَلَانِي إِلَّا أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا، فَسَأَل سراقة النبي صلى الله عليه وسلم أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ فَأَمَرَ عَامِرَ بن فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ([9]). ثم وفىٰ سراقة بما وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم - حيث وعده أن يرد عنهما الطلب- فكان لَا يَلْقَىٰ أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا ههُنَا فَلَا يَلْقَىٰ أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ([10]). وكان من شأن سراقة أنه كان جالسا فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمه بني مُدْلِجٍ يقول سراقة: فأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّىٰ قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الْأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حَتَّىٰ أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّىٰ دَنَوْتُ مِنْهُمْ فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْهَا فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَىٰ كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الْأَزْلَامَ تُقَرِّبُ بِي حَتَّىٰ إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ وَأبو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ حَتَّىٰ بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ([11]) سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ فَوَقَفُوا فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّىٰ جِئْتُهُمْ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنْ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم([12]). ثم ذكر سراقة رضي الله عنه الحوار الذي دار بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم.

    ([1]) صحيح: أخرجه البخاري (3905)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة، وأحمد 6/198. لقنٌ ثقِف: أي حسن الاستماع لما يقال، الدلجة: السير أول الليل، المنيحة: الناقة، رسْل: لبن، خريتًا: دليلاً.
    ([2]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3922)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة، مسلم (2381)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر.
    ([3]) هو عبد الله بن أُريقط.
    ([4]) صحيح: أخرجه البخاري (3905)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة، أحمد 6/198.
    ([5]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3917)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة، مسلم (2009)، كتاب: الزهد، باب: في حديث الهجرة ويقال له حديث الرحل.
    ([6]) صحيح: أخرجه البخاري (3905)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة، أحمد 6/198.
    ([7]) أرض جلْدة: أي أرض صُلبة. (النهاية).
    ([8]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3917)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة، مسلم (2009)، كتاب: الزهد والرقائق، باب: في حديث الهجرة ويقال له حديث الرحل.
    ([9]) صحيح: أخرجه البخاري (3906)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة.
    ([10]) متفق عليه: انظر: التخريج قبل السابق.
    ([11]) دخان.
    ([12]) صحيح: أخرجه البخاري (3906)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    ثم مضىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقي في الطريق الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام فكسا الزبيرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض. ومرَّ النبيُ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ومولىٰ أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط علىٰ خيمتي أم معبد الخزاعية وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ثم تسقي وتطعم فسألوها لحمًا وتمرًا ليشتروا منها فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلىٰ شاة في كسر الخيمة فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد» قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم قال: «هل بها من لبن» قالت: هي أجهد من ذلك، قال: «أتأذنين لي أن أحلبها» قالت: بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها، فدعا بها رسول اللهصلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها وسمىٰ الله تعالىٰ ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت فاجترت فدعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه ثجًا حتىٰ علاه البهاء، ثم سقاها حتىٰ رويت وسقىٰ أصحابه حتىٰ رووا وشرب آخرهم حتىٰ أراضوا ثم حلب فيه الثانية علىٰ هدة حتىٰ ملأ الإناء، ثم غادره عندها ثم بايعها وارتحلوا عنها، فقل ما لبثت حتىٰ جاءها زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزالاً مخهن قليل، فلما رأىٰ أبو معبد اللبن أعجبه، قال: من أين لك هذا يا أم معبد والشاء عازب حائل ولا حلوب في البيت؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا قال: صفيه لي يا أم معبد ، قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزريه صعلة وسيم قسيم، في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي صوته صهل وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأباه من بعيد وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق فصلاً لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا تشنأه من طول ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به إن قال سمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلىٰ أمره، محفود محشود لا عابس ولا مفند، قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلىٰ ذلك سبيلاً، وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول:
    جزىٰ الله رب الناس خير جزائه


    رفيقين حلا خيمتي أم معبد

    هما نزلاها بالهدىٰ واهتدت به


    فقد فاز من أمسىٰ رفيق محمد

    فيا لـقصي ما زوىٰ الله عنكم


    به من فعال لا تجازىٰ وسؤدد

    ليهن أبا بكر سعادة جده


    بصحبته من يسعد الله يسعد

    وليهن بني كعب مقام فتاتهم


    ومقعدها للمؤمنين بمرصد

    سلوا أختكم عن شاتها وإنائها


    فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد

    ودعاها بشاة حائل فتحلبت


    عليه صريًا ضرة الشاة مزبد

    فغادره رهنًا لديها لحالب


    يرددها في مصدر بعد مورد([1])


    ثم مضىٰ النبي
    صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر فَالْتَفَتَ أبو بَكْرٍ فَإِذَا هُوَ بِفَارِسٍ قَدْ لَحِقَهُمْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هَذَا فَارِسٌ قَدْ لَحِقَ بنا فَالْتَفَتَ نَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ» فَصَرَعَهُ الْفَرَسُ ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ([2])، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله مُرْنِي بِمَا شِئْتَ قَالَ: «فَقِفْ مَكَانَكَ لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بنا» قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَىٰ نَبِيِّ الله صلى الله عليه وسلم وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ([3]). وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أشرف علىٰ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأبو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ وَنَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم شَابٌّ لَا يُعْرَفُ([4]) قَالَ: فَيَلْقَىٰ الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ، فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قَالَ: فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ([5]). وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَىٰ الْحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَ هُ حَتَّىٰ يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ فَلَمَّا أَوَوْا إِلَىٰ بُيُوتِهِمْ أَوْفَىٰ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَىٰ أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ([6]) لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَبَصُرَ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ([7]) يَزُولُ بِهِمْ السَّرَابُ([8]) فَلَمْ يَمْلِكْ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَىٰ صَوْتِهِ: يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ هَذَا جَدُّكُمْ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ([9]) فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَىٰ السِّلَاحِ فَتَلَقَّوْا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بِظَهْرِ الْحَرَّةِ([10]).

    ([1]) حسن: الحاكم 3/9، 10، وحسنه الألباني، تخريج «فقه السيرة» (179).
    ([2]) الحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل (نهاية).
    ([3]) صحيح: أخرجه البخاري (3911)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلىٰ المدينة، وقيل: هذا الفارس هو سراقة بن مالك فالقصة واحدة. والله أعلم.
    ([4]) أي من حيث الشيب، فالشيب كان قد دخل علىٰ أبي بكر دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الأكبر سنًا- يظهر كأنه شاب.
    ([5]) الحديث السابق.
    ([6]) الأطم: الحصن.
    ([7]) أي عليهم الثياب البيض.
    ([8]) قيل معناه ظهرت حركتهم للعين «فتح الباري».
    ([9]) جدكم: بفتح الجيم أي حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه (فتح).
    ([10]) صحيح: أخرجه البخاري (3906)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلىٰ المدينة.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    ثم عَدَلَ النبي صلى الله عليه وسلم بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّىٰ نَزَلَ بِهِمْ فِي بني عَمْرِو بن عَوْفٍ([1]) وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَقَامَ أبو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَامِتًا فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ حَتَّىٰ أَصَابَتْ الشَّمْسُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأَقْبَلَ أبو بَكْرٍ حَتَّىٰ ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ فَلَبِثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي بني عَمْرِو بن عَوْفٍ أربع عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَىٰ التَّقْوَىٰ وَصَلَّىٰ فِيهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم([2]). وصلىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة حين ارتحل من قباء إلىٰ المدينة، صلاها في طريقه ببني سالم، وهي أول جمعة صلاها وأول خطبة خطبها في الإسلام؛ حيث مكث النبي صلى الله عليه وسلم-كما تقدم- بقباء أربعة عشر يومًا بنىٰ خلالها مسجد قباء، ثم أراد النبي صلى الله عليه وسلم دخول المدينة المنورة، فخرج من بين أظهرهم يوم الجمعة، فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة([3]). و كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل إلىٰ بني النجار لما عقد العزم علىٰ التحرك من قباء إلىٰ المدينة فجاءوه متقلدي سيوفهم، حرسًا له صلى الله عليه وسلم. فلما أشرف حبيبنا صلى الله عليه وسلم علىٰ المدينة ليلاً استقبله أهلها استقبالاً حافلاً، وفرحوا بمقدمه عليهم ما لم يفرحوا بشيء مثله قط. يقول أنس بن مالك: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ لَعِبَتْ الْحَبَشَةُ لَقُدُومِهِ فَرَحًا بِذَلِكَ، لَعِبُوا بِحِرَابِهِمْ([4]) ويقول أَنَسُ بن مَالِكٍ: فأقام فيهم – أي: في بني عَمْرِو بن عَوْفٍ- أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَىٰ مَلَإِ بني النَّجَّارِ، قَالَ: فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ رَاحِلَتِهِ وَأبو بَكْرٍ رِدْفَهُ وَمَلَأُ بني النَّجَّارِ حَوْلَهُ([5])، فَقِيلَ فِي الْمَدِينَةِ: جَاءَ نَبِيُّ الله، جَاءَ نَبِيُّ الله([6]). فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ الله فَقَالَ: «أَنْزِلُ عَلَىٰ بني النَّجَّارِ أَخْوَالِ عبد الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ» فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ الله، يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ الله([7])، فَقَالَ النَبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ؟»، فَقَالَ أبو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نَبِيَّ الله هَذِهِ دَارِي وَهَذَا بَابِي، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا»، قَالَ: قُومَا عَلَىٰ بَرَكَةِ الله([8]). فَنَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في دار الصحابي الجليل خالد بن زيد أبي أيوب الأنصاري فأقام النبي صلى الله عليه وسلم فِي السُّفْلِ، وَأبو أَيُّوبَ فِي الْعِلْوِ، فَانْتَبَهَ أبو أَيُّوبَ لَيْلَةً فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَتَنَحَّوْا فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «السُّفْلُ أَرْفَقُ»، فَقَالَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْعُلُوِّ، وَأبو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم طَعَامًا فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقِيلَ لَهُ لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزِعَ وَصَعِدَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ» قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ أَوْ مَا كَرِهْتَ. قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُؤْتَىٰ([9]).

    ([1]) ومنازلهم بقباء، وهي علىٰ فرسخ من المسجد النبوي بالمدينة. والفرسخ: يزيد علىٰ 5كم.
    ([2]) الحديث السابق.
    ([3]) انظر: «سيرة ابن هشام» 2/62.
    ([4]) صحيح الإسناد: أخرجه أبو داود (4923)، كتاب: الآداب، باب: في النهي عن الغناء، قال الألباني: صحيح الإسناد.
    ([5]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3932)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة، مسلم (524)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: ابتناء مسجد النبي.
    ([6]) متفق عليه: واللفظ للبخاري (3911)، وهو في مسلم (524).
    ([7]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3917)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة، مسلم (2009)، كتاب: الزهد والرقائق، باب: في حديث الهجرة ويقال له حديث الرحل عن البراء، واللفظ لمسلم.
    ([8]) انظر التخريج قبل السابق.
    ([9]) صحيح: أخرجه مسلم (2053)، كتاب: الأشربة، باب: إباحة أكل الثوم، وأنه ينبغي لمن أراد خطاب الكبار تركه. وكذا ما في معناه، وأخرجه أحمد 5/415. قوله: وكان النبي يُؤتىٰ، أي يأتيه جبريل، فكره النبي أكل الثوم حتىٰ لا يؤذيه برائحته.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    وحينما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وكان راكبًا رَاحِلَتَهُ سَارَ بها حَتَّىٰ بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بن زُرَارَةَ فَقَالَ رَسُولُ الله حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: «هَذَا إِنْ شَاءَ الله الْمَنْزِلُ»، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَقَالَا: لَا بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ الله فَأَبَىٰ رَسُولُ الله أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّىٰ ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا ثُمَّ بناهُ مَسْجِدًا وَطَفِقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبِنَ فِي بنيَانِهِ وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ:
    هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ


    هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ


    وَيَقُولُ:
    اللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَهْ


    فَارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَه ْ([1])


    وكانت في هذه الأرض التي بنىٰ عليها المسجد قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَتْ فِيهِ خِرَبٌ، وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ فَأَمَرَ رَسُولُ الله بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً([2]). وكَانَ النبي
    صلى الله عليه وسلم قبل بناء المسجد يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ([3]). صفة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم: يقول عبد الله بن عمر: كان الْمَسْجِدَ عَلَىٰ عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ. فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أبو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَىٰ بنيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَىٰ جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ([4]) وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ([5]).

    ([1]) صحيح: أخرجه البخاري (3906)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلىٰ المدينة.
    ([2]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3932)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلىٰ المدينة، مسلم (524)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
    ([3]) التخريج السابق.
    ([4]) القَصَّةُّ: الجير المحروق.
    ([5]) صحيح: أخرجه البخاري (446)، كتاب: الصلاة، باب: بنيان المسجد. الساج: نوع من الخشب يُؤتىٰ به من الهند. وفعْلُ عثمان لا يقتضي الزخرفة إنما هو قام بتحسين المسجد فقط، وإلا فزخرفة المساجد وتشييدها والتباهي بها قد أتىٰ النهي عنه من قِبل النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. ويكفينا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود (448)، وصححه الألباني: «ما أمرتُ بتشييد المساجد» قال ابن عباس: لتُزخْرفنها كما زخرفت اليهود والنصارىٰ.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    وفي هذه السنة وهي السنة الأولى من الهجرة: أسلم حبر اليهود عبد الله بن سلام رضي الله عنه ويحكي عبد الله بن سلام رضي الله عنه بداية دخول الإسلام قلبه فيقول رضي الله عنه: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ»([1]). ثم أراد عبد الله بن سلام أن يتيقن من أمر النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ، مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَىٰ أَبِيهِ أَوْ إِلَىٰ أُمِّهِ؟ فقَالَ: «أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا»، قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَىٰ الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ([2])، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ الْوَلَدَ» قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّكَ رَسُولُ الله، قَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي فَجَاءَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّ رَجُلٍ عبد الله بن سَلَامٍ فِيكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَأَفْضَلُنَا وَابْنُ أَفْضَلِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عبد الله بن سَلَامٍ؟» قَالُوا: أَعَاذَهُ الله مِنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عبد الله، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، قَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَتَنَقَّصُوهُ، قَالَ: هَذَا كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ الله([3]).

    ([1]) صحيح: أخرجه أحمد 5/451، الترمذي (2485)، ابن ماجه (1334)، الحاكم 4/159، ابن أبي شيبة 8/536، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
    ([2]) زيادة كبد الحوت: هي القطعة الزائدة التي تكون معلقة في الكبد، وهي من ألذ الطعام.
    ([3]) صحيح: أخرجه البخاري (3938)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم امض لأصحابي هجرتهم» ومرْثيه لمن مات بمكة، أحمد 3/108، 189، وعبد بن حميد (1389).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    وفيها: بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلىٰ بناته وزوجته سودة بنت زمعة زيد بن حارثة، وأبا رافع فحملاهنَّ من مكة إلىٰ المدينة ما عدا زينب.
    وفيها: هاجر آل أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
    ولما رجع عبد الله بن أريقط الديلي إلىٰ مكة بعث معه رسول الله
    صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، زيد بن حارثه وأبا رافع مولىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليأتوا بأهاليهم من مكة، وبعثا معهم بحملين وخمسمائة درهم ليشتروا بها إبلاً من قُدَيْد، فذهبوا فجاءوا ببنتي النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وأم كلثوم، وزوجتيه سودة وعائشة، وأمها أم رومان وأهل النبي وآل أبي بكر، صحبة عبد الله بن أبي بكر([1]).
    وفي ربيع الآخر من هذه السنة: زِيْدَ في صلاة الحضر ركعتان وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين.
    عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: فَرَضَ الله الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ([2]). قال ابن جرير رحمه الله: وفي هذه السنة – يعني: السنة الأولىٰ من الهجرة- زِيْدَ في صلاة الحضر – فيما قيل- ركعتان، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين، وذلك بعد مقدم النبي
    صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر ربيع الآخر لمضيِّ اثنتيْ عشرة ليلة منه([3]).
    وفيها: ولد عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما وهو أول مولود للمهاجرين في الإسلام.
    عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعبد الله بن الزُّبَيْرِ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ([4]) فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءٍ فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ
    صلى الله عليه وسلم فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثُمَّ حَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ([5]). وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ عبد الله بن الزُّبَيْرِ، أَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَمْرَةً فَلَاكَهَا([6])، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ، فَأَوَّلُ مَا دَخَلَ بَطْنَهُ رِيقُ النَّبِيِّ ([7]).
    وفيها: ولد النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو أول مولد للأنصار بعد الهجرة.
    قال ابن كثير رحمه الله: فكان أول مولود ولد في الإسلام – يعني: عبد الله بن الزبير- من المهاجرين، كما أن النعمان بن بشير أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة ([8]).
    وفيها: تُوفِّي من الصحابة كُلْثوم بن الهدم، وأسعد بن زرارة رضي الله عنهما.
    قال ابن جرير رحمه الله: كان أول من توفي بعد مقدمه
    صلى الله عليه وسلم المدينة من المسلمين – فيما ذُكر- صاحب منزلهِ كلثوم بن الهدم، لم يلبث بعد مقدمه إلا يسيرًا حتىٰ مات، ثم توفي بعده أسعد بن زرارة، وكانت وفاته في سنة مقدمه، قبل أن يَفْرَغَ بناءُ المسجد، بالذُّبحة أو الشهقة([9]).

    ([1]) «البداية والنهاية» 3/234.
    ([2]) متفق عليه: أخرجه البخاري (350)، كتاب: الصلاة، باب: كيف فُرضت الصلوات في الإسراء، مسلم (685)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين وقصرها.
    ([3]) نقلاً عن «البداية والنهاية» 3/245.
    ([4]) أي مُقربٌ قد دنا وضعُها لولدها.
    ([5]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3909)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة، مسلم (2146)، كتاب: الآداب، باب: استحباب تحنيك المولود عند ولادته.
    ([6]) أي: مضغها.
    ([7]) صحيح: أخرجه البخاري (3910)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي وأصحابه إلىٰ المدينة.
    ([8]) «البداية والنهاية» 3/243.
    ([9]) «تاريخ الطبري» 2/8. قوله: صاحبُ منزله، حيث قيل أن النبي لما نزل بقباء نزل بمنزله.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    وفيها: شرع الأذان.
    فلما اطمأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين، واجتمع أمر الأنصار، استحكم أمر الإسلام، فقامت الصلاة، وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود، وفرض الحلال والحرام، وتبوأ الإسلام بين أظهرهم، وكان هذا الحي من الأنصار هم الذين تبوءوا الدار والإيمان، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين قدمها- إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها، بغير دعوة، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم- حين قدمها- أن يجعل بوقًا كبوق يهود الذي يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس، فنُحت يُضرب به للمسلمين للصلاة، فبينما هم علىٰ ذلك إذ رأىٰ عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، أخو بلحارث ابن الخزرج، النداء([1]). عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلمبالناقوس يُعْمل ليُضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي – وأنا نائم- رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله! أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعوا به إلىٰ الصلاة، قال: أفلا أدلك علىٰ ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلىٰ، فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أنَّ محمدا رسول الله، حي علىٰ الصلاة، حي علىٰ الصلاة، حي علىٰ الفلاح، حي علىٰ الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حي علىٰ الصلاة، حي الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحتُ، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بما رأيت، فقال: «إنها لرؤيا حقٍ إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فليؤذنْ به فإنه أندىٰ صوتًا منك». فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما أُريَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلله الحمد»([2]).


    ([1]) «سيرة ابن هشام» 2/70، 71.
    ([2]) صحيح: أخرجه أبو داود (499)، كتاب: الصلاة، باب: كيف الأذان، الترمذي (189)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في بَدْء الأذان، ابن ماجه (706)، كتاب: الأذان والسنة فيها، باب: بدء الأذان، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي

    وفي السنة الأولى من الهجرة: عقد النبي صلى الله عليه وسلم معاهدة مع اليهود بالمدينة. قال ابن القيم رحمه الله: ووادع رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن بالمدينة مِن اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابًا، وبادر جدهم وعالمهم عبد الله بن سلام، فدخل في الإسلام، وأبىٰ عامتهم إلا الكفر. وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وحاربه الثلاثة، فمنَّ علىٰ بني قينقاع، وأجلىٰ بن النضير، وقتل بني قريظة وسبىٰ ذريتهم، ونزلت سورة الحشر في بني النضير، وسورة الأحزاب في بني قريظة.اهـ([1]). وفيما يلي شروط هذه المعاهدة: 1- إنَّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. 2- وإنَّ يهود بني عوف([2]) أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم موالهيم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه([3]) وأثم فإنه لا يُوْتغ([4]) إلا نفسه وأهل بيته. 3- وإنَّ لِيهود بني النجار مثل ما لِيهود بني عوف. 4- وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف. 5- وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.6- وإن ليهود بني جُشم مثل ما ليهود بني عوف. 7- وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف. 8- وإن ليهود بن ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. 9- وإنَّ جَفْنة بطن من ثعلبة كأنفسهم([5]). 10- وإنَّ لبني الشُّطبة مثل ما ليهود بني عوف، وإنَّ البر دون الإثم([6]). 11- وإنَّ موالي ثعلبة كأنفسهم([7]). 12- وإنَّ بطانة يهود كأنفسهم([8]). 13- وإنه لا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنه لا ينحجز علىٰ ثأر جُرحٍ([9]). 14- وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم، وإن الله علىٰ أبرِّ هذا([10]). 15- وإنَّ علىٰ اليهود نفقتهم، وعلىٰ المسلمين نفقتهم، وإنَّ بينهم النصر علىٰ من حارب أهل هذه الصحيفة، وإنَّ بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم. 16- وإنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم([11]). 17- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين. 18- وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة([12]). 19- وإنَّ الجار كالنفس غير مضار ولا آثم([13]). 20- وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها([14]).21- وإنَّ ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو شجار يُخاف فساده فإنّ مردَّه إلىٰ الله وإلىٰ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنَّ الله علىٰ أتقىٰ ما في هذه الصحيفة وأبرِّه([15]). 22- وإنه لا تُجار قريش ولا من نصرها([16]). 23- وإنَّ بينهم النصر علىٰ من دهم يثرب([17]). 24- وإذا دُعُوا إلىٰ صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دُعُوا إلىٰ مثل ذلك، فإنَّ لهم ما علىٰ المؤمنين إلا من حارب في الدين علىٰ كل أُناس حصَّتهم من جانبهم الذي قِبلهم([18]). 25- وإنَّ يهود الأوس مواليهم وأنفسهم علىٰ مثل ما لأهل هذه الصحيفة وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب([19]) إلا علىٰ نفسه، وإنَّ الله علىٰ أصدق ما في هذه الصحيفة وأبرِّه. 26- وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإن الله جار لمن برَّ واتقىٰ، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ([20]).

    ([1]) «زاد المعاد» 3/58، 59.
    ([2]) بنو عوف قبيلة عربية، ولكنهم كانوا كجميع الأوس والخزرج تكون المرأة فيهم مقلاتٌ – أي لا يعيش لها ولد- فتجعل علىٰ نفسها إن عاش لها ولدٌ أن تهوَّده – أخرجه أبو داود (2682) وصححه الألباني- فمن ذلك تهوَّد بعضُ أبناء العرب وعاشوا بين قبائل اليهود.
    ([3]) فالذي تعدّىٰ حدود الله وارتكب إثما ينال عقابه لا يحول الكتاب دون ظالم ولا آثم.
    ([4]) يهلك.
    ([5]) الجفنة: وعاءُ الأطعمة، وجمعها جفان، ومنه قول الله تعالىٰ:{وجفان كالجواب}[سبأ: 13]، والبطن: أصلها الجارحة، ويطلقها العرب علىٰ فرع القبيلة، فالقبيلة الكبيرة يتفرع منها قبائل صغيرة تسمىٰ بطون، وإنما سُميت بذلك كناية علىٰ أنَّ جميع فروع القبيلة كالعضو الواحد، والجسد الواحد. والمعنىٰ: المبالغة في شدة تحريم أموال المعاهدين وأعراضهم، بأنه من استحل مثل هذا الشيء البسيط الزهيد، وهي جفنة الطعام، من بطن من بطون القبيلة، فكأنما انتهك حرمة جميع أشخاص القبيلة أنفسهم.
    ([6]) أي: إنَّ البر ينبغي أن يكون حاجزًا عن الإثم، والوفاء ينبغي أن يمنع من الغدر.
    ([7]) فحرمة عبيدهم كحرمة أحرارهم.
    ([8]) بطانة الرجل: صاحب سرِّه الذي يشاوره في أحواله. (نهاية).
    ([9]) منع هذا البند اليهود من الخروج من المدينة إلا بعد استئذان الرسول
    صلى الله عليه وسلم وهذا القيد علىٰ تحركاتهم ربما يستهدف بالدرجة الأولىٰ منعهم من القيام بنشاط عسكري كالمشاركة في حروب القبائل خارج المدينة مما يؤثر علىٰ أمن المدينة واقتصادها. «السيرة النبوية الصحيحة» د/أكرم العمري 1/290، 291. وإنه لا ينحجز علىٰ ثأر جرح: أي لا تُحْجَز القبيلة من الخروج إذا كان خروجها للثأر ولو كان هذا الثأر جُرحٌ. والله أعلم.
    ([10]) الفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غافل، فيقتله. (نهاية). ومنه قول النبي
    صلى الله عليه وسلم: «لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ» أخرجه أبو داود (2769)، وصححه الألباني. وإن الله علىٰ أبرِّ هذا: أي إن الله وحزبه المؤمنين علىٰ الرضا به. «تهذيب سيرة ابن هشام» عبد السلام هارون.
    ([11]) كان من عادات قبائل العرب – قبل الإسلام وبعده- التحالف فيما بينهم، فكانت تجتمع القبيلتان أو الثلاثة أو أكثر من ذلك فيتحالفون فيما بينهم علىٰ أن يكونوا كالقبيلة الواحدة، لا يعتدي بعضهم علىٰ بعض أولاً، ثم من أغار علىٰ قبيلة منهم فكأنما أغار علىٰ جميعهم، فعليهم نصر القبيلة التي أُغير عليها. فبين هذا البند أنه إذا ارتكب قوم من حلفاء أصحاب تلك الصحيفة إثما، فالإثم علىٰ الحلفاء، لا يتحمل أصحاب هذه المعاهدة إثم غيرهم من حلفائهم.
    ([12]) قد أعتبرت منطقة المدينة حرمًا بموجب هذا البند، والحرم هو مالا يحل انتهاكه، فلا يقتل صيده، ولا يقطع شجره، وحرم المدينة بين الحرَّة الشرقية والحرَّة الغربية وبين جبل ثور في الشمال وجبل عير في الجنوب، ويدخل وادي العقيق في الحرم، وبذلك أحلَّت هذه المادة الأمن داخل المدينة ومنعت الحروب الداخلية. «السيرة النبوية الصحيحة» 1/292.
    ([13]) أي من استجار بأحد من أصحاب هذه المعاهدة تكون حرمته كحرمتهم لا يضارُّ، ولكن لا يجار أحد ارتكب إثمًا أو ظلما لأحد.
    ([14]) أي إذا استجار أحدٌ فلا يُجارُ إلا بإذن أهله.
    ([15]) اعترف اليهود بموجب هذا البند بوجود سلطة قضائية عليا يرجع إليها سائر سكان المدينة بما فيهم اليهود، لكن اليهود لم يُلزموا بالرجوع إلىٰ القضاء الإسلامي دائمًا بل فقط عندما يكون الحدث أو الاشتجار بينهم وبين المسلمين، أما في قضاياهم الخاصة وأحوالهم الشخصية فهم يحتكمون إلىٰ التوراة ويقضي بينهم أحبارهم، ولكن إذا شاءوا فبوسعهم الاحتكام إلىٰ النبي
    صلى الله عليه وسلم، وقد خير القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم بين قبول الحكم فيهم أو ردهم إلىٰ أحبارهم{فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين}[المائدة: 42]. «السيرة النبوية الصحيحة» 1/291.
    ([16]) قد منع هذا البند اليهود من إجارة قريش أو نصرها، وكان النبي
    صلى الله عليه وسلم يستهدف التعرض لتجارة قريش التي تمر غربي المدينة في طريقها إلىٰ الشام، فلابد من أخذ هذا التعهد لئلا تؤدي إجارتهم لتجارة قريش إلىٰ الخلاف بينهم وبين المسلمين. «السيرة النبوية الصحيحة» 1/290.
    ([17]) دهم يثرب أي فاجأها بحرب، فيكون جميع من دخل في هذه المعاهدة حماة للمدينة.
    ([18]) امتدت المعاهدة بموجب هذا البند لتشمل حلفاء المسلمين وحلفاء اليهود من القبائل الأخرىٰ، إذ شرطت المادة علىٰ كل طرف مصالحة حلفاء الطرف الآخر لكن المسلمين استثنوا قريشًا (إلا من حارب في الدين) لأنهم كانوا في حالة حرب معهم. «السيرة النبوية الصحيحة» 1/292.
    ([19]) أي: يكسب إثمًا.
    ([20]) انظر: «سيرة ابن هشام» 2/66، 68، «السيرة النبوية الصحيحة» 1/282، 285.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

    وفي رمضان من هذه السنة: كانت سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه إلىٰ سِيف البحر.
    بداية الإذن بالقتال: فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأيده الله بنصره، بعباده المؤمنين الأنصار، وألف بين قلوبهم بعد العداوة والإِحَن التي كانت بينهم، فمنعته أنصارُ الله وكتيبةُ الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه وقدموا محبته علىٰ محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولىٰ بهم من أنفسهم، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا لهم من كل جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتىٰ قويت الشوكة، واشتد الجناح، فأذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم فقال تعالىٰ:{أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير}[الحج: 39]. وقد قالت طائفة: إن هذا الإذن كان بمكة، والسورة مكية وهذا غلط لوجوه: أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يتمكنون بها من القتال بمكة. الثاني: أن سياق الآية يدل علىٰ أن الإذن بعد الهجرة، وإخراجهم من ديارهم، فإنه قال:{الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله}[الحج: 40]، وهؤلاء هم المهاجرون. الثالث: قوله تعالىٰ:{هذان خصمان اختصموا في ربهم}[الحج: 19] نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر من الفريقين. الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله:{يا أيها الذين آمنوا}،والخطاب بذلك كله مدني، فأمَّا الخطاب بـ{يا أيها الناس} فمشترك. الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد وغيره، ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأمَّا جهاد الحجة، فأمر به في مكة بقوله:{فلا تطع الكافرين وجاهدهم به} أي: بالقرآن{جهادا كبيرا}[الفرقان: 52]، فهذه سورة مكية، والجهاد فيها هو التبليغ، وجهاد الحجة، وأما الجهاد المأمور به في سورة الحج فيدخل فيه الجهاد بالسيف. السادس: أن الحاكم روىٰ في «مستدركه» من حديث الأعمش عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما خرج رسول الله
    صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهْلِكُنَّ، فأنزل الله تعالى:{أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا}[الحج: 39] وهي أول آية نزلت في القتال، وإسناده علىٰ شرط الصحيحين، وسياق السورة يدل علىٰ أن فيها المكي والمدني، فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسول مكية، والله أعلم([1]). وكما هو معروف في فن الحرب أن الهجوم أقوىٰ وسائل الدفاع، وقريش مصممة علىٰ خوض المعركة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فلتكن المبادرة منه صلى الله عليه وسلم، ومن أجل هذا كانت السنة الأولىٰ كلها سنة هجوم علىٰ قوافل قريش، فلقد جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سرايا وكانت كلها لاعتراض عير قريش ما عدا واحدة كانت ردًا علىٰ هجوم قام به كُرْز بن جابر الفهري واستمرت هذه السرايا من رمضان السنة الأولىٰ للهجرة إلىٰ رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وكان قادة هذه السرايا جميعًا من المهاجرين، وكان لهذا معنىٰ خاص في هذه الحرب، فأصل العهد مع الأنصار هو حماية رسول الله صلى الله عليه وسلموصحبه في المدينة، وهذه السرايا تعرض للقوافل خارج المدينة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فلابد من تدريب شباب الدعوة علىٰ الحرب بعد أن أُمروا بكفِّ أيديهم خلال ثلاثة عشر عامًا من العهد المكي. ومن جهة ثالثة، فلابد أن تعرف قريش أن هؤلاء المهاجرين الفارِّين من اضطهادها في مكة ليسوا موطن ضعف وهوان، بل هم قوة مرهوبة ذات شوكة عليها أن تحسب ألف حساب قبل أن تفكر في مواجهتهم. ومن جهة رابعة، فعلىٰ قريش أن تذوق وبال أمرها لموقفها المشين من الدعوة وأن تتجرع مرارة هذا الموقف، فتعلم أن مصالحها وتجارتها صارت مهب الريح بعد أن سيطر المسلمون علىٰ شريان حياتها من خلال قوافلها إلىٰ الشام، حيث أصبحت رحلة الصيف عندها وخيمة العواقب([2]). ولتعلم أخي – حفظك الله- أنَّ غزوات المسلمين ضد المشركين لم تكن لحبهم سفك الدماء، أو لأن دين الإسلام دين قتل ودمار، كما يقول أعداء هذا الدين الحنيف من اليهود والنصارىٰ والملحدين إنما كانت لهذه الغزوات أسبابها المعلومة لدىٰ الجميع بما فيهم هؤلاء المفترين، ولكنهم جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلواً. وأهم هذه الأسباب: 1- منْعُ المشركين المسلمين من نشر دين الله الحق، فإن نشر دين الإسلام وإخراج الناس من عبادة العباد والأصنام إلىٰ عبادة رب الأنام، كانت مهمة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام التي ابتعثهم الله من أجلها، ولكنَّ المشركين لم يُخلُّوا بينهم وبين الدعوة، إنما حاربوهم وآذوهم، ولو تركوهم ما قاتلوهم. 2- الظلم الذي وقع علىٰ المسلمين من المشركين من هدم بيوتهم وأخذ أموالهم وإخراجهم من ديارهم ونحو ذلك. ولقد رأينا بأعيننا ماذا صنعت أمريكا لهدم مبنىً واحد من مبانيها، لقد ثارت ثورة عارمة وأقامت الدنيا ولم تقعدها من أجل ذلك المبنىٰ وأصبحت كالثور الهائج الذي يضرب يمينًا وشمالاً بلا وعيٍ، بل لك أن تعلم بأن مجموع من قتلتهم أمريكا من المسلمين بسبب هذا المبنىٰ فقط يفوق أضعاف أضعاف من قُتلوا في جميع الحروب التي لاقىٰ فيها النبي صلى الله عليه وسلم المشركين! إذن فمن الذي يستحق أن يُمنح لقب مصاصي الدماء أنحن أم هم؟! لا شك أنهم يُمنحونه عن جدارةٍ واستحقاقٍ. 3- الاستفزازات التي مارسها المشركون ضد المسلمين، فقد منعوا ضعفاءهم من الهجرة وحاولوا تقليب أهل المدينة علىٰ المسلمين وغير ذلك. سرية سيف البحر: وكان أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان علىٰ رأس سبعة أشهر من مُهَاجَرِه، وكان لواءً أبيض، وكان حامله أبو مَرْثَد كَنَّاز بن الحُصين الغَنَويّ حليف حمزة، وبعثه في ثلاثين رجلاً من المهاجرين خاصة، يعترض عيرًا لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل. فبلغوا سيف البحر([3]) من ناحية العِيص([4]) فالتقوا واصطَفُّوا للقتال، فمشىٰ مجديُّ بن عمرو الجهني – وكان حليفًا للفريقين جميعًا- بين هؤلاء وهؤلاء حتىٰ حَجَزَ بينهم ولم يقتتلوا([5]).

    ([1]) «زاد المعاد» 3/62، 64.
    ([2]) «المنهج الحركي للسيرة النبوية» 1/232، 233 أ/منير محمد الغضبان نقلا عن «سيرة الرسول» للشيخ/محمود المصري.
    ([3]) سيف البحر: ساحله.
    ([4]) قال أبو ذر: العيص هنا موضع، وأصل العيص منبت الشجر، وهو الأصل أيضًا.اهـ. وقال ياقوت عن ابن إسحاق: العيص: من ناحية ذي المروة علىٰ ساحل البحر بطريق قريش التي كانوا يأخذون منها إلىٰ الشام.اهـ. نقلاً من كلام الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد علىٰ هامش «سيرة ابن هشام».
    ([5]) «زاد المعاد» 3/146، 147.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •