آداب طالب العلم
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 54
3اعجابات

الموضوع: آداب طالب العلم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي آداب طالب العلم

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،، وبعد: فان طلب العلم من أفضل القربات الى الله عز وجل، والعلم هو ميراث النبوة، من أخذه أخذ بحظ وافر، وكفى لأهل العلم فضلا وشرفا أن قال الله تعالى فيهم: ( شهد الله أنه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم )آل عمران:18.
    وقال تعالى:( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )المجادلة:11.
    وقال تعالى: ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر أولوا الألباب )الزمر:9.
    وما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الاستزادة من شيئ قط الا من العلم، قال تعالى: ( وقل رب زدني علما )طه:114.
    بل في حالة الحرب وقتال المشركين أمر الله عز وجل طائفة بترك القتال لطلب العلم، قال تعالى: ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)التوبة:122.
    وبين الله تعالى فضل العلماء فقال تعالى: ( انما يخشى الله من عباده العلماء )فاطر:28.
    وقال صلى الله عليه وسلم: كما في "سنن أبي داود" و"مسند أحمد" وصححه الألباني{ من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وان الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وان العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وان فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وان العلماء ورثة الأنبياء، وان الأنبياء لم يورثوا دينارا ولادرهما، ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر }.
    وفي "الصحيحين" عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
    }.
    الى غير ذلك مما ورد في فضل العلم وأهله.
    وقد اهتم علماؤنا في القديم والحديث بذكر آداب طالب العلم الذي سيكون فيما بعد قدوة للناس وأسوة لهم.
    ونحن ان شاء الله تعالى سنذكر طرفا من هذه الآداب في سلسلة متوالية، وستكون على النحو التالي:
    أولا: أهميةالاخلاص لطالب العلم.
    ثانيا:طهارة الباطن، وسكينة الظاهر.
    ثالثا: أكل الحلال.
    رابعا: مجانبة الشبع.
    خامسا: التدرج في الطلب. سادسا: اختيار الشيخ. سابعا: الأدب مع الشيخ. ثامنا: التثبت في الفتيا. تاسعا: حفظ الوقت. عاشرا: العمل بما يعلم.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الدعوة الى الله

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    10,881

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد طه شعبان مشاهدة المشاركة

    وقد اهتم علماؤنا في القديم والحديث بذكر آداب طالب العلم الذي سيكون فيما بعد قدوة للناس وأسوة لهم.
    جزاك الله خيرًا يا أخ محمد ، ولو بدأت بوضع أهم الكتب التي صنفت في هذا الباب لكان ذلك حسنًا ومفيدًا من وجهة نظري.
    أو على الأقل ضع رابطًا أو أكثر موجود على الشبكة في منتديات ومواقع أهل السنة جمع صاحبه قائمة بتلك الرسائل والمؤلفات ، وفقك الله وأعانك .
    قال أبو عبدِ الله ابنِ الأعرابي:
    لنا جلـساء مـا نــمَلُّ حـدِيثَهم *** ألِبَّاء مأمونون غيبًا ومشهدا
    يُفيدوننا مِن عِلمهم علمَ ما مضى *** وعقلًا وتأديبًا ورأيا مُسدَّدا
    بلا فتنةٍ تُخْشَى ولا سـوء عِشرَةٍ *** ولا نَتَّقي منهم لسانًا ولا يدا
    فإن قُلْتَ أمـواتٌ فلـستَ بكاذبٍ *** وإن قُلْتَ أحياءٌ فلستَ مُفَنّدا


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    بارك الله فيكم يا فضيلة الشيخ علي،وجزاكم خيرا على هذه النصائح

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،، فهذه هي الحلقة الثانية من آداب طالب العلم، ونتكلم فيها عن الاخلاص وأهميته لطالب العلم. الاخلاص قال تعالى:{من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} (الشورى: ٢٠)، وقال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} (الإسراء: ١٨ – ١٩).

    فـيجب على طالب العلم أنْ يصحح النية في طلب العلم؛ "فالنية هي ركن العمل وأساسه، وإذا تخللها خلل أو دخن؛ فإنَّ العمل يعتريه من الخلل والدخن بقدر ما يعتري النية".
    ويحسن القصد، ويُوحِّد الوُجهة، ويطهر القلب، وينقي السَّريرة من الأخلاق الرديئة؛ مثل: الغل، والحسد، والرياء، والسمعة، والعُجب، والبَطَر، والفخر، والخيلاء، والتنافس في الدنيا، والمباهاة بها، والتزين للناس، وحب المدح بما لم يفعل، وغيرها من الأمراض التي تنافي الإخلاص؛ وذلك بأن يدفع عن نفسه تلك الآفات أولًا بأول، وألَّا يجعلها تستشري في قلبه، وتستحكم فيه، ويستعين بالله عز وجل في ذلك.
    وذلك لأن العلم عبادة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، بل هو من أفضل العبادات؛ وكم له من فضل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا؛ سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ. وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».
    وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
    وكفى أهل العلم فضلًا وشرفًا أن ذكرهم الله عز وجل مع من شهدوا له سبحانه بالوحدانية؛ قال تعالى: {شهد الله أنه لا اله الا هو والملائكه وأولوا العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم} (آل عمران: ١٨).
    قال ابن جماعة رحمه الله: "بدأ سبحانه بنفسه، وثنى بالملائكة، وثلث بأهل العلم، وكفاهم ذلك شرفًا وفضلًا وجلالةً ونبلًا".
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
    وقال قتادة: "باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه وصلاح من بعده، أفضل من عبادة حول".
    قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "وآكدُ ما يُتطوَّعُ به من العبادات البَدنية: الجِهَاد.
    وقيل: العِلْم.
    والصَّحيح: أنه يختلف باختلاف الفاعل؛ وباختلاف الزَّمن، فقد نقول لشَخصٍ: الأفضلُ في حَقِّك الجِهادُ، والآخرُ: الأفضلُ في حَقِّكِ العِلْم، فإذا كان شُجاعاً قويًّا نشيطاً؛ وليس بذاك الذَّكيِّ؛ فالأفضلُ له الجِهاد؛ لأنه أَليقُ به. وإذا كان ذكيًّا حافظاً قويَّ الحُجَّة؛ فالأفضلُ له العِلْم، وهذا باعتبار الفاعل.
    وأما باعتبار الزَّمن؛ فإننا إذا كُنَّا في زمن تَفَشَّى فيه الجهلُ والبِدعُ، وكَثُرَ مَنْ يُفتي بلا عِلم؛ فالعِلمُ أفضلُ من الجهاد، وإنْ كُنَّا في زمن كَثُرَ فيه العُلماءُ؛ واحتاجتِ الثُّغور إلى مرابطين يدافعون عن البلاد الإسلامية؛ فهنا الأفضل الجهاد. فإنْ لم يكن مرجِّحٌ، لا لهذا ولا لهذا؛ فالأفضلُ العِلم.
    قال الإمام أحمد: العِلمُ لا يَعْدِلُهُ شيء لِمَنْ صَحَّت نيَّتُهُ. قالوا: كيف تصحُّ النيَّةُ؟ قال: ينوي: يتواضع، وأن يرفع الجهل عن غيره. وهذا صحيح؛ لأنَّ مَبْنَى الشَّرعِ كُلِّه على العِلم، حتى الجهاد مَبْنَاهُ على العِلم، ويدلُّ لهذا قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يرجعون} (التوبة: ١٢٢)؛ فَنَفَى الله أَنْ يَنْفِر المسلمون كلُّهم إلى الجهاد، ولكن يَنْفِرَ طائفةٌ ويبقى طائفةٌ لتتعلَّم؛ حتى إذا رجع قومُهم إليهم أخبروهم بما عندهم من الشَّرع، ولكن يجب في الجهاد وفي العِلم تصحيحُ النِّيَّةِ؛ وإخلاصُها لله عزّ وجل، وهو شرطٌ شديدٌ؛ أعني: إخلاصَ النِّيَّة، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: شَرْطُ النِّيَّةِ شَديد؛ لكنه حُبِّبَ إليَّ فجمعتُه، ولكن لا شك أن نيته صالحة بدليل أنه صار إمامًا للمسلمين".
    فالحاصل: أنَّ العلم عبادة –كما علمتَ- بل هو من أفضل العبادات.
    والله يأمر بإخلاص العبادة له، فيقول:{وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} (البينة: ٥).
    وحُسن النية في طلب العلم: أنْ يقصد به وجه الله تعالى، والعمل به، وإحياء الشريعة، ونصر السنة، وقمع البدعة، وتنوير قلبه، وتزكية نفسه، وتحلية باطنه، والقرب من الله تعالى، والتعرض لما أَعَدَّ لأهله من رضوانه، وعظيم فضله، وجزيل ثوابه.
    قال سفيان الثوري –رحمه الله: ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من نيتي.
    وعنه أيضًا: ما نعلم شيئًا أفضل من طلب العلم بنية.
    وقال ابن المبارك –رحمه الله: "رُبَّ عملٍ صغيرٍ تُكثِّره النية، ورُبَّ عملٍ كبير تُصغِّره النية".
    ولا يقصد به الأغراض الدنيوية؛ من تحصيل الرياسة، والجاه، والمال، ومباهاة الأقران، وتعظيم الناس له، وتصديره في المجالس ونحو ذلك؛ فيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
    قال أبو يوسف رحمه الله: يا قوم أريدوا الله بعلمكم، فإني لم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح. أهـ.
    فإذا كانت نية طالب العلم أن يشتهر اسمه، وأن يرتفع ذكره، وأن يكون مبجلا كلما حلَّ ورحل، لا همَّ له إلا ذلك؛ فقد أدخل نفسه مداخل خطيرة.
    واعلم أخي طالب العلم –حفظك الله ورعاك من الرياء والسمعة- أنَّ الرياء نوعان:
    أحدهما: لا يريد بطاعته إلا الناس.
    والثاني: أن يريد الناس وربَّ الناس.
    وكلاهما محبط للعمل.
    فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
    وفي رواية ابن ماجه: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ؛ فَمَنْ عَمِلَ لِي عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ».
    وَعَنْ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ -وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ».
    والعلم عبادة من العبادات، وقربة من القربات، فإن خَلُصت فيه النية، وحَسُنت الطوية؛ قُبِل وزُكِيَ، ونمتْ بركته، وإنْ قُصِد به غير وجه الله تعالى حَبط وضاع، وذهبت بركَتُه، وتَحققت خسارته.
    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
    وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ».
    وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الثلاثة الذين يقضى عليهم أول الناس: «وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ؛ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ: كَذَبْتَ؛ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ».
    فالتكذيب هنا لا يعود على قوله: «تعلمت.. وعلَّمت.. وقرأت..»، لا؛ بل حدث هذا فعلًا، ولكنه يعود على قوله: «فيك»؛ أي: لا أريد إلا وجهك، فبيَّن ربُّ العزة أنَّ هذا المرائي كان يريد أوجهًا أخرى: «ليقال... فقد قيل...».
    وكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا حدَّث بهذا الحديث أغشي عليه من شدة الخوف.
    فاللهم سلِّم سلِّم، وصحح نياتنا، وحسِّن مقاصدنا، وطهِّر قلوبنا.
    فالرياء –أخي الحبيب- داء، ومن أدويته الفكر بأنَّ الخلق كُلُّهم لا يقدرون على نفعه بما لم يقضه الله له، ولا على ضُرّه بما لم يقدره الله تعالى عليه، فَلِمَ يُحبِط عمله، ويضر دينه، ويشغل نفسه بمراعاة من لا يملك له في الحقيقة نفعًا ولا ضرًّا؟! مع أن الله تعالى يطلعهم على نيته وقُبحِ سريرته؛ كما صحَّ في الحديث: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ».
    وليحذرْ طالبُ العلمِ مِنَ المفاخرة به أو المجادلة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ؛ فَهُوَ فِي النَّارِ».
    وقال ابن الجوزي رحمه الله في ((تلبيس إبليس)): "ومن تلبيس إبليس عَلَى الفقهاء: أن جلَّ اعتمادهم عَلَى تحصيل علم الجدل يطلبون بزعمهم تصحيح الدليل عَلَى الحكم والاستنباط لدقائق الشرع وعلل المذاهب، ولو صحت هذه الدعوى منهم لتشاغلوا بجميع المسائل وإنما يتشاغلون بالمسائل الكبار؛ ليتسع فيها الكلام فيتقدم المناظر بذلك عند الناس فِي خصام النظر، فَهَمُّ أحدهم ترتيب المجادلة والتفتيش عَلَى المناقضات طلبًا للمفاخرات والمباهاة، وربما لم يعرف الحكم فِي مسألة صغيرة تعم بِهَا البلوى".
    وليحذرْ طالب العلم من إرادة الدنيا بعلمه؛ فقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي رِيحَهَا.
    وهذه طائفة من أخبار السلف رحمهم الله تبين مدى إخلاصهم في أعمالهم وعباداتهم، وشدة حرصهم على ذلك -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى:
    عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيْزٍ؛ سَمِعَ فَضَالَةَ بنَ عُبَيْدٍ - وَقُلْتُ لَهُ: أَوْصِنِي - قَالَ: "خِصَالٌ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ؛ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْرِفَ وَلاَ تُعْرَفَ، فَافْعَلْ، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَسْمَعَ وَلاَ تَكَلَّمَ، فَافْعَلْ، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَجْلِسَ وَلاَ يُجْلَسَ إِلَيْكَ، فَافْعَلْ".
    قَالَ مُطَرِّفُ بنُ عَبْدِ اللهِ: "لأَنْ أَبِيْتَ نَائِماً وَأُصْبِحَ نَادِماً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَبِيْتَ قَائِماً وَأُصْبِحَ مُعْجَبًا".
    عَنْ سُرِّيَّةٍ لِلرَّبِيْعِ: "أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الدَّاخِلُ، وَفِي حَجْرِهِ المُصْحَفُ، فَيُغَطِّيْهِ".
    عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: "كَانَ أَبُو وَائِلٍ إِذَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ يَنْشِجُ نَشِيْجًا، وَلَوْ جُعِلَتْ لَهُ الدُّنْيَا عَلَى أَنْ يَفْعَلَهُ وَأَحَدٌ يَرَاهُ، مَا فَعَلَهُ".
    عَنِ المُسَيَّبِ بنِ رَافِعٍ، قَالَ: "قِيْلَ لِعَلْقَمَةَ: لَوْ جَلَسْتَ فَأَقْرَأْتَ النَّاسَ وَحَدَّثْتَهُم؟ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يُوْطَأَ عَقِبِي، وَأَنْ يُقَالَ: هَذَا عَلْقَمَةُ. فَكَانَ يَكُوْنُ فِي بَيْتِهِ يَعلِفُ غَنَمَهُ، وَيَقُتُّ لَهُم".
    وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: "اكْتُمْ حَسنَاتِكَ كَمَا تَكتُمُ سَيِّئَاتِكَ".
    عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: "كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي لَيْلَى يُصَلِّي، فَإِذَا دَخَلَ الدَّاخِلُ نَامَ عَلَى فِرَاشِهِ".
    وَعَنْ نَافِعِ بنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: "مَنْ شَهِدَ جِنَازَةً لِيَرَاهُ أَهْلُهَا، فَلاَ يَشْهَدْهَا".
    وعن عُبَيْدِ اللهِ بنِ أَبِي جَعْفَرٍ -وَكَانَ أَحَدَ الحُكَمَاءِ- قَالَ: "إِذَا كَانَ المَرْءُ يُحَدِّثُ فِي مَجْلِسٍ، فَأَعْجَبَه الحَدِيْثُ، فَلْيُمْسِكْ، وَإِذَا كَانَ سَاكِتاً، فَأَعْجَبَه السُّكُوتُ، فَلْيَتَحَدَّثْ ".
    عَنْ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ، قَالَ: "كَانَ أَيُّوْبُ فِي مَجْلِسٍ، فَجَاءتْهُ عَبْرَةٌ، فَجَعَلَ يَمْتَخِطُ وَيَقُوْلُ: مَا أَشَدَّ الزُّكَامَ!".
    وَعَنِ ابْنِ وَاسِعٍ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبكِي عِشْرِيْنَ سَنَةً، وَامْرَأَتُهُ مَعَهُ لاَ تَعْلَمُ".
    قال الصوري: "اعمَلْ للهِ، فَإِنَّهُ أَنفَعُ لَكَ مِنَ العَمَلِ لِنَفْسِكَ".
    وعن سَهْلِ بنِ مَنْصُوْرٍ، قَالَ: "كَانَ بِشْرٌ يُصَلِّي فَيُطوِّلُ، وَرَجُلٌ وَرَاءهُ يَنْظُرُ، فَفَطِنَ لَهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: لاَ يُعجِبُكَ مَا رَأَيْتَ مِنِّي، فَإِنَّ إِبْلِيْسَ قَدْ عَبْدَ اللهَ دَهْراً مَعَ المَلاَئِكَةِ".
    وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدَوَيْه: "سَمِعْتُ الفُضَيْلَ يَقُوْلُ: تَرْكُ العَمْلِ مِنْ أَجلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالعَمْلُ مِنْ أَجلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَالإِخْلاَصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللهُ مِنْهُمَا".
    قال ابْنُ وَهْبٍ: "سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُوْلُ: مَا تَعلَّمْتُ العِلْمَ إِلاَّ لِنَفْسِي، وَمَا تَعلَّمتُ لِيَحْتَاجَ النَّاسُ إِلَيَّ، وَكَذَلِكَ كَانَ النَّاسُ".
    قال نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ، سَمِعْتُ ابْنَ المُبَارَكِ يَقُوْلُ: "مَا رَأَيْتُ أَحَداً ارْتَفَعَ مِثْلَ مَالِكٍ، لَيْسَ لَهُ كَثِيْرُ صَلاَةٍ وَلاَ صِيَامٍ، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ لَهُ سَرِيْرَةٌ".
    قَالَ يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ اللَّيْثَ يَقُوْلُ: "كَتَبتُ مِنْ عِلْمِ ابْنِ شِهَابٍ عِلْماً كَثِيْرًا، وَطَلَبتُ رُكُوبَ البَرِيْدِ إِلَيْهِ إِلَى الرُّصَافَةِ، فَخِفتُ أَنْ لاَ يَكُوْنَ ذَلِكَ للهِ، فَتَرَكتُهُ".
    وعن أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: "لاَ يُحسِنُ عَبْدٌ فِيْمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ، إِلاَ أَحْسَنَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ العِبَادِ، وَلاَ يُعوِّرُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ، إِلاَّ عَوَّرَ فِيْمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ العِبَادِ، لَمُصَانَعَةُ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَيسرُ مِنْ مُصَانَعَةِ الوُجُوْهِ كُلِّهَا، إِنَّكَ إِذَا صَانَعْتَهُ مَالتِ الوُجُوْهُ كُلُّهَا إِلَيْكَ، وَإِذَا اسْتفسَدْتَ مَا بَيْنَهُ، شَنِئَتْكَ الوُجُوْهُ كُلُّهَا".
    عَنْ نَافِعِ بنِ جُبَيْرٍ: "أَنَّ سَلْمَانَ الْتَمَسَ مَكَاناً يُصَلِّي فِيْهِ. فَقَالَتْ لَهُ عِلْجَةٌ( هي المرأة الأعجمية): الْتَمِسْ قَلْباً طَاهِراً، وَصَلِّ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ: فَقُهْتِ".
    عَنْ أَبِي عَمْرٍو بنِ حَمْدَانَ: "أَنَّهُ كَانَ يُفضِّلُ أَبَا يَعْلَى المَوْصِلِيَّ عَلَى الحَسَنِ بنِ سُفْيَانَ، فَقِيْلَ لَهُ: كَيْفَ تُفَضِّلُهُ وَمُسنَدُ الحَسَنِ أَكْبَرُ، وَشُيُوخُهُ أَعْلَى؟ قَالَ: لأَنَّ أَبَا يَعْلَى كَانَ يُحَدِّث احتسَابًا، وَالحَسَنُ بنُ سُفْيَانَ كَانَ يُحَدِّثُ اكتسَابًا".
    قَالَ الشاطبي: "لاَ يَقرَأُ أَحَدٌ قصيدتِي هَذِهِ إِلاَّ وَيَنْفَعُهُ الله؛ لأَنَّنِي نَظمتُهَا للهِ".
    وَعَنِ ابْنِ وَارَةَ: "أَنَّهُ سَمِعَ سُلَيْمَانَ الهَاشِمِيَّ يَقُوْلُ: رُبَّمَا أُحَدِّثُ بِحَدِيْثٍ وَاحِدٍ، وَلِي نِيَّةٌ، فَإِذَا أَتَيْتُ عَلَى بَعْضِهِ، تَغَيَّرَتْ نِيَّتِي، فَإِذَا الحَدِيْثُ الوَاحِدُ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّاتٍ".
    وَقَالَ ابن المبارك: "رُبَّ عَمَلٍ صَغِيْرٍ تُكَثِّرُهُ النِّيَّةُ، وَرُبَّ عَمَلٍ كَثِيْرٍ تُصَغِّرُهُ النِّيَّةُ".
    "وَلَمَّا خَرَجَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ حَسَنٍ، لَزِمَ بَيْتَه إِلَى أَنْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ، وَكَانَ أَمِيْرُ المَدِيْنَةِ الحَسَنُ بنُ زَيْدٍ يُجْرِي عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ كُلَّ شَهْرٍ خَمْسَةَ دَنَانِيْرَ، وَقَدْ دَخَلَ مَرَّةً عَلَى وَالِي المَدِيْنَةِ، فَكَلَّمَه، وَهُوَ عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ عَلِيٍّ عَمُّ المَنْصُوْرِ، فَكَلَّمَه فِي شَيْءٍ. فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ عَلِيٍّ: إِنِّيْ لأَرَاكَ مُرَائِيًا. فَأَخَذَ عُوْداً، وَقَالَ: مَنْ أُرَائِي؟! فَوَاللهِ لَلنَّاسُ عِنْدِي أَهَوْنُ مِنْ هَذَا".
    "قال أَبُو عَبْدِ اللهِ الأَنْطَاكِيُّ: اجْتَمَعَ الفُضَيْلُ وَالثَّوْرِيُّ، فَتَذَاكَرَا فَرَقَّ سُفْيَانُ، وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُوْنَ هَذَا المَجْلِسُ عَلَيْنَا رَحْمَةً وَبَرَكَةً. فَقَالَ لَهُ الفُضَيْلُ: لَكِنِّي يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أَخَافُ أَنْ لاَ يَكُوْنَ أَضَرَّ عَلَيْنَا مِنْهُ، أَلَسْتَ تَخَلَّصْتَ إِلَى أَحْسَنِ حَدِيْثِكَ، وَتَخَلَّصْتُ أَنَا إِلَى أَحْسَنِ حَدِيْثِي، فَتَزَيَّنْتَ لِي، وَتَزَيَّنْتُ لَكَ؟ فَبَكَى سُفْيَانُ، وَقَالَ: أَحْيَيْتَنِي، أَحْيَاكَ اللهُ". وَقَالَ الفَيْضُ: قَالَ لِي الفُضَيْلُ: لَوْ قِيْلَ لَكَ: يَا مُرَائِي، غَضِبْتَ، وَشَقَّ عَلَيْكَ، وَعَسَى مَا قِيْلَ لَكَ حَقٌّ، تَزَيَّنْتَ لِلدُّنْيَا، وَتَصَنَّعتَ، وَقَصَّرْتَ ثِيَابَكَ، وَحَسَّنْتَ سَمْتَكَ، وَكَفَفْتَ أَذَاكَ، حَتَّى يُقَالَ: أَبُو فُلاَنٍ عَابِدٌ، مَا أَحْسَنَ سَمْتَهُ، فَيُكْرِمُوْنَك َ، وَيَنْظُرُونَكَ ، وَيَقْصِدُونَكَ ، وَيَهْدُوْنَ إِلَيْكَ، مِثْل الدِّرْهَمِ السُّتُّوقِ( هو الدرهم الرديء الزيف الذي لا خير فيه)، لاَ يَعْرِفُه كُلُّ أَحَدٍ، فَإِذَا قُشِرَ، قُشِرَ عَنْ نُحَاسٍ". وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    الحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،، فهذه هي الحلقة الثالثة من آداب طالب العلم، ونتكلم فيها عن أدب مهم لطالب العلم ألا وهو:


    طهارة الباطن وسكينة الظاهر


    فينبغي لطالب العلم أن يكون في مظهره سنيًّا ملتزمًا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا.
    وفي باطنه تقيًّا؛ فالتقوى طريق العلم؛ قال تعالى:{واتقوا الله ويعلمكم الله} (البقرة: ٢٨٢)؛ فعلى طالب العلم دوام مراقبة الله في السر والعلانية، والمحافظة على خوفه في جميع حركاته وسكناته، وأقواله وأفعاله؛ فإنه أمين على ما أُودع من العلوم، وما مُنح من الحواس والفهوم، قال الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} (الأنفال: ٢٧)، وقال تعالى:{بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون} (المائدة: ٤٤).
    فعلى طالب العلم أن يطهر باطنه وظاهره من الأخلاق الرديئة، ويعمره بالأخلاق المرضية؛ فمن الأخلاق الرديئة: الغل، والحسد، والبغي، والغضب لغير الله تعالى، والغش، والكبر، والرياء، والعُجْب، والسمعة، والبخل، والخبث، والبَطر، والطمع، والفخر، والخيلاء، والتنافس في الدنيا، والمباهاة بها، والمداهنة، والتزين للناس، وحب المدح بما لم يفعل، والعمى عن عيوب النفس، والانشغال عنها بعيوب الخلق، والحمية، والعصبية لغير الله، والرغبة والرهبة لغيره، والغيبة والنميمة والبهتان، والكذب والفحش في القول، واحتقار الناس ولو كانوا دونه؛ فالحذر الحذر من هذه الصفات الخبيثة، والأخلاق الرذيلة؛ فإنها باب كل شر، بل هي الشر كله.
    وينبغي أيضًا لطالب العلم أن يكون:في عقيدته سلفيًّا مجتنبًا لعقائد أهل البدع؛ من أصحاب الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الرديَّة؛ مثل: الأشعرية، والمعتزلة، والجهمية، والقدرية، والجبرية، وغيرهم من أهل الأهواء والبدع، الذين خالفو السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة؛ فشأن العقيدة عظيم، وأمرها جليل؛ فالسلوك في الغالب ثمرة لما يحمله الإنسان من فكر، وما يعتقده من معتقد، وما يدين به من دين.
    والانحراف في السلوك إنما هو ناتج عن خلل في المعتقد، ثم إن العقيدة هي الإيمان، وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا؛ فإذا صحت العقيدة حسنت الأخلاق تبعًا لذلك؛ فالعقيدة الصحيحة تحمل صاحبها على مكارم الأخلاق؛ من صدق، وكرم، وحلم، وشجاعة، ونحو ذلك.
    كما أنها تردعه، وتزُمُّه عن مساوئ الأخلاق؛ من كذب، وشح، وطيش، وجهل، ونحوها.
    ويكون أيضا في حركاته متبعًا، وفي أفعاله مقتفيًا.
    مما كتب مالك إلى الرشيد –رحمهما الله: إذا علمت علما فليُر عليك أثره، وسكينته، وسمته، ووقاره، وحلمه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» .
    وقال عمر رضي الله عنه: "تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار". ويكون للبدع مجتنبًا، وللمخالفات منكرًا؛ وذلك لأن العلم إذا لاقى أرضًا خصبة نما وترعرع، واستوى على سوقه، وآتى ثماره، وإذا لاقى أرضًا قاسية صلدة، أو سبخة رخوة، لم يكن له كبير فائدة، ولا كثير نفع.
    فلا شك أن ملازمة الطاعات واجتناب المعاصي من أعظم الأسباب المعينة على حفظ العلم، وبركته، وعدم ذهابه؛ قال تعالى:{واتقوا الله ويعلمكم الله} (البقرة: ٢٨٢).
    وروي عن الشافعي رحمه الله أنه قال:
    شَكَوتُ إِلى وَكيعٍ سوءَ حِفظي
    فَأَرشَدَني إِلى تَركِ المَعاصي

    وَأَخبَرَني بِأَنَّ العِلمَ نورٌ
    وَنورُ اللَهِ لا يُهدى لِعاصي

    وقال الخطيب البغدادي رحمه الله: يجب على طالب العلم أن يتجنب اللعب والعبث، والتبذل في المجالس، والسخف والضحك والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح؛ فكثرة المزاح والضحك تضع من القدر، وتزيل المروءة.
    فعلى طالب العلم أيضًا أن يجتنب اللعب والعبث، وكذا المزاح والضحك؛ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ(جمع لهاه، وهي: اللحمة المعلقة أعلى الحنك)، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ.
    قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "والوقار: هو هيئة يتصف بها العبد يكون وقورًا بحيث إذا رآه من رآه يحترمه ويعظمه، والسكينة هي عدم الحركة الكثيرة وعدم الطيش، بل يكون ساكنًا في قلبه وفي جوارحه وفي مقاله.
    ولاشك أن هذين الوصفين (الوقار والسكينة) من خير الخصال التي يمن الله بها على العبد؛ لأن ضد ذلك أن يكون الإنسان لا شخصية له، ولا هيبة له، وليس وقورًا ذا هيبة بل هو مهين قد وضع نفسه ونزلها.
    وكذلك السكينة ضدها أن يكون الإنسان كثير الحركات كثير التلفت، لا يرى عليه أثر سكينة قلبه ولا قوله ولا فعله، فإذا مَنَّ الله على العبد بذلك فإنه ينال بذلك خلقين كريمين، وضد ذلك أيضًا العجلة أن يكون الإنسان عجولًا، لا يتحرى ولا يتأنى، ليس له هم إلا القيل والقال اللذان نهى عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان ينهى عن القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال.
    فإذا كان الإنسان ليس متأنيًّا ولا متثبتًا في الأمور حصل منه زلل كثير، وأصبح الناس لا يثقون في قوله، وصار عند الناس من القوم الذين يرد حديثهم، ولا ينتفع به.
    ثم قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى في قوله تعالى:{وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (الفرقان: ٦٣):{وعباد الرحمن}: الذين من الله عليهم بالرحمة ووفقهم للخير هم الذين يمشون على الأرض هونًا؛ يعني إذا رأيت أحدهم رأيت رجلًا في مشيته وقار بدون أن يعجل عجلة تقبح.
    قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: "وقال سعيد بن العاص لابنه: "اقتصد في مزاحك، فالإفراط فيه يذهب بالبهاء، ويجريء عليك السفهاء، وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخالطين. ولكن الاقتصاد فيه صعب جدًّا لا يكاد يوقف عليه، ولذلك تحرج عنه أكثر الحكماء حتى قيل: المزاح مسلبة للبهاء، ومقطعة للإخاء، وفعل لا ينتج إلا الشر.
    وأما الضحك فمن خصائص الإنسان، وذلك أنه يكون من التعجب، والتعجب لا يكون إلا عن فكرة، وبالفكرة يميز الإنسان عن البهائم والاقتصاد فيه، ومعرفة ما يحسن منه عسير كما هو في المزاح.
    وقال صلى الله عليه وسلم: إياك وكثرة الضحك فإنها تميت القلب.وقيل: تورث النسيان، وقيل: كثرة الضحك من الرعونة، وحكي عن عيسى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إن اللَّه تعالى يبغض المضحاك من غير عجب، والمشاء إلى غير أرب.
    وأما إيراد المضحكات على سبيل السخف فنهاية القباحة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِبُ؛ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ».
    وقال الإمام مالك رحمه الله: "إن حقًّا على طالب العلم أن يكون له وقار وسكينة، وأن يكون متبعًا؛ لأثر من قبله".
    وقال الشافعي رحمه الله: "ليس العلم ما حُفظ، العلم ما نفع".
    قال ابن جماعة -رحمه الله- معلقًا على هذا الكلام للشافعي: "ومن ذلك دوام السكينة والوقار، والخشوع والورع، والتواضع لله والخضوع".
    "والتواضع في حقيقته هو بذل الاحترام، والعطف، والمجاملة لمن يستحق ذلك.
    فالتواضع دليل على كبر النفس، وعلو الهمة، وهو سبيل لاكتساب المعالي، والترقي في الكمالات، فهو خلق يرفع من قدر صاحبه، ويكسبه رضا أهل الفضل ومودتهم، ويبعثه على الاستفادة من كل أحد، وينأى به عن الكبر والتعالي".
    نكتفي بهذا القدر ومع الأدب الثالث في الحلقة القادمة ان شاء الله تعالى. وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،، فمع أدب ثالث من آداب طالب العلم ألا وهو:
    أكل الحلال
    فإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين؛ فقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا اني بما تعملون عليم}(المؤمنون: ٥١)، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ان كنتم اياه تعبدون} (البقرة: ١٧٢). قال النووي رحمه الله تعالى: "المراد بالطيبات: الحلال. وَفِيهِ: أَنَّ الْمَشْرُوب وَالْمَأْكُول وَالْمَلْبُوس وَنَحْو ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون حَلَالًا خَالِصًا لَا شُبْهَة فِيهِ. وقد أمر عامة المؤمنين بأكل المال الطيب، وترك ما دون ذلك من المحرمات أو ما شبهة فيه.

    وطالب العلم أولى بالاعتناء بذلك من غيره؛ لأن طلبة العلم هم ورثة الأنبياء، ولأنه سيكون–فيما بعد- للناس قدوة وإمامًا، والمرءُ إذا صار قدوة طولب بما لا يطالب به غيره، ولأن المؤمن يحتاج إلى الدعاء وإلى قبوله من الله عز وجل، وحاجة طالب العلم إلى ذلك أشد؛ لأنه يحتاج دائمًا إلى دعاء الله عز وجل وسؤاله التوفيق، والسداد في طريق العلم وطلبه، ومن المعلوم أن أكل الحلال من الأسباب الرئيسة في قبول الدعاء، وإنَّ آكل الحرام لا يستجاب دعاؤه؛ كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»... ثُمَّ ذَكَرَ «الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!».
    فـعلى طالب العلم أن يأخذ نفسه بالورع في جميع شأنه، ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولباسه، ومسكنه، وفي جميع ما يحتاج إليه، هو وعياله؛ ليستنير قلبه، ويصلح لقبول العلم ونوره والنفع له.
    لأن القلب هو أداة الفهم؛ قال تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها} (الأعراف: ١٧٩)، فالقلب هو أداة الفهم لدى الإنسان، والقلب هو أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وأكل الحلال من أهم أسباب صلاح القلب؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؛ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
    قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وَفِيهِ تَنْبِيه عَلَى تَعْظِيم قَدْر الْقَلْب، وَالْحَثّ عَلَى صَلَاحه، وَالْإِشَارَة إِلَى أَنَّ لِطِيبِ الْكَسْب أَثَرًا فِيهِ. وَالْمُرَاد الْمُتَعَلِّق بِهِ مِنْ الْفَهْم الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّه فِيهِ".
    فعلى طالب العلم أن يتحرى الحلال.
    ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعًا مهما أمكنه التورع، ولم تلجئه حاجة، أو يجعل حظه الجواز، بل يطلب الرتبة العالية، ويقتدي بمن سلف من العلماء الصالحين في التورع عن كثير مما كانوا يفتون بجوازه.
    عن هشام بن حسان: "تَرَكَ مُحَمَّدٌ بن سيرين أَرْبَعِيْنَ أَلْفاً فِي شَيْءٍ مَا يَرَوْنَ بِهِ اليَوْمَ بَأْسًا".
    وَقَالَ هِشَامُ بنُ حَسَّانٍ: "كَانَ مُحَمَّدٌ بن سيرين يَتَّجِرُ، فَإِذَا ارْتَابَ فِي شَيْءٍ، تَرَكَهُ".
    وعَنْه أيضًا: "أَنَّ ابْنَ سِيْرِيْنَ اشْتَرَى بَيْعاً مِنْ مَنُوْنِيَا(منونيا: قرية من قرى نهر الملك ولها ذكر في أخبار الفرس)، فَأَشْرَفَ فِيْهِ عَلَى رِبْحِ ثَمَانِيْنَ أَلْفًا، فَعَرَضَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ، فَتَرَكَهُ. قَالَ هِشَامٌ: مَا هُوَ -وَاللهِ- بِرِبًا".
    قال مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ: "سَأَلْتُ الأَنْصَارِيَّ عَنْ سَبَبِ الدَّيْنِ الَّذِي رَكِبَ مُحَمَّدَ بنَ سِيْرِيْنَ حَتَّى حُبِسَ؟ قَالَ: اشْتَرَى طَعَاماً بِأَرْبَعِيْنَ أَلْفًا، فَأُخْبِرَ عَنْ أَصْلِ الطَّعَامِ بِشَيْءٍ، فَكَرِهَهُ، فَتَرَكَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، فَحُبِسَ عَلَى المَالِ، حَبَسَتْهُ امْرَأَةٌ، وَكَانَ الَّذِي حَبَسَهُ مَالِكُ ابنُ المُنْذِرِ".
    عَنْ مَيْمُوْنِ بنِ مِهْرَانَ، قَالَ: "قَدِمْتُ الكُوْفَةَ، وَأَنَا أُرِيْدُ أَنْ أَشْتَرِيَ البَزَّ، فَأَتَيْتُ ابْنَ سِيْرِيْنَ بِالكُوْفَةِ، فَسَاوَمْتُهُ، فَجَعَلَ إِذَا بَاعَنِي صِنْفاً مِنْ أَصْنَافِ البَزِّ، قَالَ: هَلْ رَضِيْتَ؟ فَأَقُوْلُ: نَعَمْ. فَيُعِيْدُ ذَلِكَ عَلَيَّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلَيْنِ، فَيُشْهِدُهُمَا ، وَكَانَ لاَ يَشْتَرِي وَلاَ يَبِيْعُ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ الحَجَّاجِيَّةِ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ وَرَعَهُ، مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ حَاجَتِي أَجِدُهُ عِنْدَهُ إِلاَّ اشْتَرَيْتُهُ، حَتَّى لَفَائِفَ البَزِّ"(البز: الثياب).
    قَالَ مالك رحمه الله: "وَكَانَ القَاسِمُ بن محمد قَلِيْلَ الحَدِيْثِ، قَلِيْلَ الفُتْيَا، وَكَانَ يَكُوْنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ المُدَارَاةُ فِي الشَّيْءِ، فَيَقُوْلُ لَهُ القَاسِمُ: هَذَا الَّذِي تُرِيْدُ أَنْ تُخَاصِمَنِي فِيْهِ هُوَ لَكَ، فَإِنْ كَانَ حَقّاً، فَهُوَ لَكَ، فَخُذْهُ، وَلاَ تَحْمَدْنِي فِيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِي، فَأَنْتَ مِنْهُ فِي حِلٍّ، وَهُوَ لَكَ".
    وعن عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: "أَكَلَ مَعْمَرٌ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ فَاكِهَةً، ثُمَّ سَأَلَ، فَقِيْلَ: هَدِيَّةٌ مِنْ فُلاَنَةٍ النَّوَّاحَةِ. فَقَامَ، فَتَقَيَّأَ. وَبَعَثَ إِلَيْهِ مَعْنٌ - وَالِي اليَمَنِ - بِذَهَبٍ، فَرَدَّهُ، وَقَالَ لأَهْلِهِ: إِنْ عَلِمَ بِهَذَا غَيْرُنَا، لَمْ يَجْتَمِعْ رَأْسِي وَرَأْسُكِ أَبَدًا".
    وعن بَقِيَّةَ، قَالَ: "دَعَانِي إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَدْهَمَ إِلَى طَعَامِه، فَأَتَيْتُهُ، فَجَلَسَ، فَوَضَعَ رِجْلَه اليُسْرَى تَحْتَ أَلْيَتِه، وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَوَضَعَ مِرْفَقَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ جِلْسَةُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَجْلِسُ جِلْسَةَ العَبْدِ، خُذُوا بِسْمِ اللهِ. فَلَمَّا أَكَلْنَا، قُلْتُ لِرَفِيْقِه: أَخْبِرْنِي عَنْ أَشدِّ شَيْءٍ مَرَّ بِكَ مُنْذُ صَحِبْتَه. قَالَ: كُنَّا صِيَاماً، فَلَمْ يَكُنْ لَنَا مَا نُفطِرُ عَلَيْهِ، فَأَصْبَحْنَا، فَقُلْتُ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَنْ نَأْتِيَ الرَّسْتَنَ(الرستن: بليدة بين حماة وحمص)، فَنكْرِي أَنْفُسَنَا مَعَ الحَصَّادِيْنَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاكْتَرَانِي رَجُلٌ بِدِرْهَمٍ. فَقُلْتُ: وَصَاحِبِي؟
    قَالَ: لاَ حَاجَةَ لِي فِيْهِ، أَرَاهُ ضَعِيْفًا. فَمَا زِلتُ بِهِ حَتَّى اكْتَرَاهُ بِثُلُثَيْنِ، فَاشْتَرَيتُ مِنْ كِرَائِي حَاجَتِي، وَتَصَدَّقتُ بِالبَاقِي، فَقرَّبتُ إِلَيْهِ الزَّادَ، فَبَكَى، وَقَالَ: أَمَّا نَحْنُ فَاسْتَوفَيْنَا أُجُورَنَا، فَلَيْتَ شِعْرِي أَوَفَّيْنَا صَاحِبَنَا أَم لاَ؟ فَغضِبتُ، فَقَالَ: أَتَضْمَنُ لِي أَنَّا وَفَّيْنَاهُ، فَأَخَذتُ الطَّعَامَ، فَتصَدَّقتُ بِهِ".
    قَالَ الحَسَنُ بنُ الرَّبِيْعِ: "لَمَّا احْتُضِرَ ابْنُ المُبَارَكِ فِي السَّفَرِ، قَالَ: أَشْتَهِي سَوِيْقًا. فَلَمْ نَجِدْه إِلاَّ عِنْدَ رَجُلٍ كَانَ يَعْمَلُ لِلسُّلْطَانِ، وَكَانَ مَعَنَا فِي السَّفِيْنَةِ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: دَعُوْهُ. فَمَاتَ وَلَمْ يَشْرَبْهُ".
    وكان علي بن الفضيل يَحْمِلُ عَلَى أَبَاعِرَ لأَبِيْهِ، فَنقصَ الطَّعَامُ الَّذِي حملَهُ، فَحُبِسَ عَنْهُ الكِرَاءُ، فَأَتَى الفُضَيْلُ إِلَيْهِم، فَقَالَ: "أَتفعلُوْنَ هَذَا بِعَلِيٍّ، فَقَدْ كَانَتْ لَنَا شَاةٌ بِالكُوْفَةِ أَكَلَتْ شَيْئاً يَسِيْراً مِنْ علفِ أَمِيْرٍ، فَمَا شرِبَ لَهَا لَبَنًا بَعْدُ. قَالُوا: لَمْ نَعْلَمْ يَا أَبَا عَلِيٍّ أَنَّهُ ابْنُكَ.
    قال ابْنُ عُيَيْنَةَ: قَالَ لِي ابْنُ شُبْرُمَةَ: "عَجَباً لِهَذَا الرَّازِيِّ! عَرَضتُ عَلَيْهِ أَنْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ مائَةَ دِرْهَمٍ فِي الشَّهرِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: يَأْخُذُ المُسْلِمُوْنَ كُلُّهُم مِثْلَ هَذَا؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَلاَ حَاجَةَ لِي فِيْهَا".
    وَقَالَ أَبُو يَحْيَى صَاعِقَةُ: "قَدِمَ زَكَرِيَّا بنُ عَدِيٍّ، فَكَلَّمُوا لَهُ مَنْ يَسْتَعْمِلُه عَلَى قَرْيَةٍ فِي الشَّهرِ بِثَلاَثِيْنَ دِرْهَماً، فَرَجَعَ بَعْدَ شَهْرٍ، وَقَالَ: لَيْسَ أَجِدُنِي أَعمَلُ بِقَدَرِ الأُجْرَةِ. وَاشْتَكَتْ عَيْنُهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِكُحْلٍ، قَالَ: أَنْتَ مِمَّنْ يَسْمَعُ الحَدِيْثَ مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَه".
    قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَسْرُوْقٍ: "قَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبِي يَعُوْدُنِي فِي مَرَضِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَةِ، عِنْدَنَا شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يَبُرُّنَا بِهِ المُتَوَكِّلُ، أَفَأَحُجُّ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَإذَا كَانَ هَذَا عِنْدَكَ هَكَذَا، فَلِمَ لاَ تَأْخُذُ مِنْهُ؟ قَالَ: لَيْسَ هُوَ عِنْدِي حَرَامٌ، وَلَكِنْ تَنَزَّهْتُ عَنْهُ".
    وعن صالح بن أحمد قَالَ: "جَاءتَنِي حُسْنُ، فَقَالَتْ: قَدْ جَاءَ رَجُلٌ بِتِلِّيسَةٍ(وعاء من الخوص) فِيْهَا فَاكِهَةٌ يَابسَةٌ، وَبِكِتَابٍ. فَقُمْتُ، فَقَرَأْتُ الكِتَابَ، فَإِذَا فِيْهِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أَبضَعتُ لَكَ بِضَاعَةً إِلَى سَمَرْقَنْدَ، فَرَبِحتُ، فَبَعَثتُ بِذَلِكَ إِلَيْكَ أَرْبَعَةَ آلاَفٍ وَفَاكهَةً أَنَا لَقطتُهَا مِنْ بُستَانِي وَرِثتُه مِنْ أَبِي. قَالَ: فَجَمَعتُ الصِّبْيَانَ، وَدَخلنَا، فَبكيتُ، وَقُلْتُ: يَا أَبَةِ، مَا تَرِقُّ لِي مِنْ أَكلِ الزَّكَاةِ؟ ثُمَّ كَشفَ عَنْ رَأْسِ الصِّبْيَةِ، وَبَكَيْتُ. فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ عَلِمتَ؟ دَعْ حَتَّى أَسْتخيرَ اللهَ اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ، قَالَ: اسْتخرتُ اللهَ، فَعَزمَ لِي أَنْ لاَ آخُذُهَا. وَفَتحَ التَّلِّيسَةَ، فَفَرَّقهَا عَلَى الصِّبْيَانِ، وَكَانَ عِنْدَهُ ثَوْبٌ عُشَارِيٌّ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى الرَّجُلِ، وَرَدَّ المَالَ".
    وقال محمد بن إسماعيل البخاري: "مَا تولَّيْتُ شِرَاءَ شَيْءٍ وَلاَ بَيْعَهُ قَطُّ. فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ وَقَدْ أَحلَّ اللهُ البيعَ؟ قَالَ: لِمَا فِيْهِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقصَانِ وَالتخليطِ، فَخشيتُ إِنْ تولّيتُ أَنْ أَستوِي بغَيرِي. قُلْتُ: فَمَنْ كَانَ يَتَوَلَّى أَمرُكَ فِي أَسفَارِكَ وَمُبَايَعَتِكَ ؟ قَالَ: كُنْتُ أُكْفَى ذَلِكَ".
    وعَنْ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَاصِمٍ: "سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عَاصِمٍ يَقُوْلُ: وَصَلَ إِلَيَّ مُنْذُ دَخَلْتُ إِلَى أَصْبَهَانَ مِنْ دَرَاهم القَضَاء زِيَادَة عَلَى أَرْبَع مائَة أَلْف دِرْهَم، لاَ يُحَاسبنِي الله يَوْمَ القِيَامَةِ أَنِّي شَرِبتُ مِنْهَا شربَة مَاء، أَوْ أَكَلتُ مِنْهَا، أَوْ لَبست".
    وقال أيضًا: "لَمَّا كَانَ مِنْ أَمر العَلَوِيّ بِالبَصْرَةِ مَا كَانَ، ذَهَبَتْ كُتُبِي، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَأَعدتُ عَنْ ظهر قلبِي خَمْسِيْنَ أَلف حَدِيْث، كُنْت أَمُرُّ إِلَى دُكَّانَ البَقَّال، فكُنْتُ أَكتبُ بضوءِ سِرَاجِه، ثُمَّ تَفَكَّرْت أَنِّي لَمْ أَستَأَذن صَاحِب السِّرَاج، فَذَهَبتُ إِلَى البَحْر فَغَسَلْتُه، ثُمَّ أَعدتُه ثَانيًا".
    قال أَبُو عَلِيٍّ هَارُوْنُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ: "إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ لَمَّا دَخَلَ بَغْدَاد، وَكَانَتْ مَعَهُ بِضَاعَةٌ يتقوَّتُ مِنْهَا، فَسرقت فَأَفضَى بِهِ الحَالُ إِلَى بيعِ ثِيَابِهِ وَكُمَّي قَمِيصِهِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصدقَائِه: تنشَطُ لتَأَدِيْب بَعْضِ وَلد الوَزِيْر أَبِي الحَسَنِ عبيد اللهِ بنِ يَحْيَى بنِ خَاقَان؟ قَالَ: نَعَمْ. فَمَضَى الرَّجُل، فَأَحكَمَ لَهُ أَمره، وَعَاد فَأَوصَلَه إِلَى الوَزِيْرِ بَعْدَ أَنْ أَعَاره مَا يلبَسُهُ، فَقرَّبه الوَزِيْر وَرفعَ مَجْلِسه، وَأَجرَى عَلَيْهِ عَشْرَة دَنَانِيْر فِي الشَّهْرِ، فَاشترطَ عَلَيْهِ أَوقَاتَ طلبه لِلْعِلم وَالصَّلوَات وَالرَّاحَة، وَسأَل إِسلافَهُ رِزْقَ شَهْر، فَفَعَل، وَأدخل فِي حُجْرَة التَّأَدِيْب، وَخَرَجَ إِلَيْهِ الصَّبيّ - وَهُوَ أَبُو يَحْيَى - فَلَمَّا كتَّبه أَخَذَ الخَادِمُ اللَّوْحَ، وَدخلُوا مُسْتَبْشِرين، فَلَمْ تبقَ جَارِيَةٌ إِلاَّ أَهدتْ إِلَيْهِ صينيةٌ فِيْهَا درَاهُمُ وَدنَانير، فردَّ الجَمِيْع وَقَالَ: قَدْ شُورطتُ عَلَى شَيْءٍ، فَلاَ آخُذُ سِوَاهُ. فَدَرَى الوَزِيْر ذَلِكَ، فَأدخلته إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هَؤُلاَءِ عبيدٌ وَهُم لاَ يملكُون فعظُم ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ".
    وَكَانَ ابن عقدة يُؤدِّب ابْن هِشَامٍ الخَزَّاز، فَلَمَّا حَذَقَ الصَّبيُّ وَتعَلَّمَ، وَجَّه إِلَيْهِ أَبُوْهُ بدنَانير صَالِحَة، فَرَدَّهَا فَظَنَّ ابْنُ هِشَام أَنَّهَا اسْتُقِلَّت، فَأَضْعَفَهَا لَهُ، فَقَالَ: "مَا رَدَدْتُهَا اسْتِقْلاَلاً، وَلَكِنْ سَأَلَنِي الصَّبيُّ أَنْ أُعَلِّمَهُ القُرْآن، فَاخْتَلَطَ تعلِيمُ النَّحْوِ بتعلِيمِ القُرْآن، وَلاَ أَستَحِلّ أَنْ آخذ مِنْهُ شَيْئاً، وَلَوْ دَفَعَ إِلَيَّ الدُّنْيَا".
    قال أَبُو القَاسِمِ بنُ عَلاَّنَ الوَاسِطِيُّ: "لَمَّا أَصَابَ أَبَا الحَسَنِ الكَرْخِيّ الفَالِج(الفالج: شلل يصيب أحد شقي الجسم طولا) فِي آخِرِ عُمُرِهِ، حَضَرْتُهُ، وَحَضَرَ أَصْحَابُه: أَبُو بَكْرٍ الدَّامَغَانِيّ ُ، وَأَبُو عَلِيٍّ الشَّاشِي، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ البَصْرِيّ، فَقَالُوا: هَذَا مَرَضٌ يحتَاجُ إِلَى نَفَقَة وَعِلاج، وَالشَّيْخ مُقِلٌّ وَلاَ يَنْبَغِي أَن نَبذُلَه لِلنَّاسِ. فَكَتَبُوا إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَة بنِ حَمْدَان، فَأَحسّ الشَّيْخُ بِمَا هُم فِيْهِ، فَبَكَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ لاَ تجعلْ رِزْقِي إِلاَّ مِنْ حَيْثُ عَوَّدتَنِي. فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُحْمَل إِلَيْهِ شَيْءٌ. ثُمَّ جَاءَ مِنْ سَيْف الدَّوْلَة عَشْرَة آلاَف دِرْهَم، فتُصدِّق بِهَا عَنْهُ".
    قَالَ أَبُو القَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ: "أَرْسَلَ بَعْضُ الوزَرَاء إِلَى أَبِي الحَسَنِ بنِ رَزْقُوَيْه بِمَالٍ، فَرَدَّهُ توَرُّعًا".
    قال أَسَعْد بن زِيَادٍ: "كَانَ شَيْخُنَا الدَّاوُوْدِيّ بَقِيَ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً لاَ يَأْكُل لحماً، وَقْتَ تَشْوِيْشِ التُّرُكْمَان، وَاختلاَطِ النَّهْبِ، فَأَضرَّ بِهِ، فَكَانَ يَأْكُلُ السَّمك، وَيُصطَادُ لَهُ مِنْ نَهْرٍ كَبِيْر، فَحُكِي لَهُ أَن بَعْض الأُمَرَاء أَكل عَلَى حَافَّة ذَلِكَ النَّهْر وَنُفِضَتْ سُفرتُه وَمَا فَضل فِي النَّهْرِ، فَمَا أَكل السَّمك بَعْد"؛ مخافة أن يكون السمك قد أكل منه.
    قَالَ السَّمْعَانِيّ: "دَخَلَ أَبُو إِسْحَاقَ يَوْماً مَسْجِداً ليتغدَّى، فَنَسِيَ دِيْنَارًا، ثُمَّ ذَكَرَ، فَرَجَعَ، فَوَجَده، فَفَكَّر، وَقَالَ: لَعَلَّهُ وَقَعَ مِنْ غَيْرِي، فَتركه".
    وأحق من اقتُدي به في ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث لم يأكل التمرة التي وجدها في الطريق خشية أن تكون من الصدقة مع بُعد كونها منها.
    فَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنْ صَدَقَةٍ لَأَكَلْتُهَا».
    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا».
    قال النووي رحمه الله: "وَفِيهِ اِسْتِعْمَال الْوَرَع ; لِأَنَّ هَذِهِ التَّمْرَة لَا تَحْرُم بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَال ; لَكِنَّ الْوَرَعَ تَرْكُهَا".
    وروى الإمام أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ نَائِمًا فَوَجَدَ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِهِ؛ فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا، ثُمَّ جَعَلَ يَتَضَوَّرُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَفَزِعَ لِذَلِكَ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ؛ فَقَالَ: «إِنِّي وَجَدْتُ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِي فَأَكَلْتُهَا؛ فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ».
    وقد جمع ابن حجر رحمه الله تعالى بين الأحاديث القائلة بعدم أكله التمرة وهذا الحديث بقوله: "وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَدُّد، وَأَنَّهُ لَمَّا اِتَّفَقَ لَهُ أَكْل التَّمْرَة كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيث وَأَقْلَقَهُ ذَلِكَ صَارَ بَعْد ذَلِكَ إِذَا وَجَدَ مِثْلَهَا مِمَّا يُدْخِلُ التَّرَدُّدَ تَرَكَهُ اِحْتِيَاطًا، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي حَالَة أَكْله إِيَّاهَا كَانَ فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ وَفِي حَال تَرْكِهِ كَانَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ".
    وروى البخاري رحمه الله حديث أنس المتقدم في ((صحيحه))، وبوب عليه باب: ((ما يتنزه من الشبهات)).
    قال ابن حجر رحمه الله: "وَالنُّكْتَة فِي ذِكْرِهِ هُنَا مَا فِيهِ مِنْ تَعْيِينِ الْمَحَلِّ الَّذِي رَأَى فِيهِ التَّمْرَةَ وَهُوَ فِرَاشُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَأْكُلْهَا وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْوَرَعِ".
    ولأنَّ أهل العلم يُقتدى بهم، ويؤخذ عنهم، فإذا لم يستعملوا الورع فمن يستعمله؟!.
    قَالَ الْغَزَّالِيُّ: "الْوَرَع أَقْسَام، وَرَع الصِّدِّيقِينَ وَهُوَ تَرْك مَا لَا يُتَنَاوَل بِغَيْرِ نِيَّةِ الْقُوَّةِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَوَرَع الْمُتَّقِينَ وَهُوَ تَرْكُ مَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَكِنْ يُخْشَى أَنْ يَجُرَّ إِلَى الْحَرَامِ، وَوَرَع الصَّالِحِينَ وَهُوَ تَرْك مَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ اِحْتِمَال التَّحْرِيم بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ مَوْقِعٌ".
    قال يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ:
    "المَالُ يَذْهَبُ حِلُّهُ وَحَرَامُهُ

    يَوْمًا وَتَبْقَى فِي غَدٍ آثَامُهُ

    لَيْسَ التَّقِيُّ بِمُتَّقٍ لإِلَهِهِ

    حَتَّى يَطِيْبَ شَرَابُهُ وَطَعَامُهُ

    وَيَطِيْبَ مَا يَحوِي وَتَكْسِبُ كَفُّه

    وَيَكُوْنَ فِي حُسْنِ الحَدِيْثِ كَلاَمُهُ

    نَطَقَ النَّبِيُّ لَنَا بِهِ عَنْ رَبِّهِ

    فَعَلَى النَّبِيِّ صَلاَتُهُ وَسَلاَمُهُ
    نكتفي بهذا القدر، ومع الأدب الرابع في الحلقة القادمة ان شاء الله تعالى. وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،،فهذا هو اللقاء الخامس من لقاءات (آداب طالب العلم)، ونتكلم في هذا اللقاء عن الأدب الرابع من آداب طالب العلم، وهو أمر في غاية الأهمية لطالب العلم؛ ألا وهو: مجانبة الشبع قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: "الغذاء ضربان: أحدهما: ما لا يستغنى عنه في تربية البدن كالطعام الذي به يتغذى والماء الذي به يروى، والإنسان إذا تناول من ذلك مقدارًا لا يمكن التبلغ بأقل منه على ما يجب وكما يجب فهو معذور، بل مشكور ومأجور، وعلى هذا ما روي عند أكل الصالحين تنزل الرحمة، وحقه أن يتناوله تناول مضطر عالم بقذارة مآله، وأن يرى إدخاله في نفسه كدخول المستراح، ويتحقق أن نسبة الإنسان إلى الثمار والفواكه نسبة الجعل إلى الروث، فلو نطق الشجر لقال لك: أنت تأكل فضالتي كما يأكل الجعل فضالتك، والخنزير إذا استطاب لفاظة الإنسان فما هو إلا كاستطابتنا لفاظة الشجر، وبهذا تعلم أن شرف المطعم والمشرب بالإضافة لا بالإطلاق، فألقِ يا إنسان عن مناكبك الدثار وجَلِّ البصيرة،واستعمل الاعتبار تجد صدق ما قلت. ومن تناول من الطعام أكثر من ذلك كره له طبًّا وشرعًا؛ أما طبًّا: فيدل عليه قول الشاعر

    فإن الداء أكثر ما تراه

    يكون من الطعام أو الشراب

    وأما شرعا: فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ: فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ»، وفي لفظ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ الْآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ غَلَبَتْ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ: فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ».
    وذاك أن امتلاء البطن مقوٍ للشهوة، وقوة الشهوة داعية للهوى، والهوى أعظم جند للشيطان، ومن آثر هواه وانتشر في بدنه حل في كل عضو منه جزء بقدر وسعه له فَكَثَّر جنود الشيطان، والشيطان إذا تسلط على الإنسان سباه من ربه وصرفه عن بابه، وقد قيل لحكيم: ما بالك مع كبرك لا تتفقد بدنك وقد انهد؟ فقال: لأنه سريع المرح فاحش الأشر، فأخاف أن يجمع بي فيورطني، ولأن أحمله على الشدائد أحب إلي من أن يحملني على الفواحش.
    والضرب الثاني من المطعم: ما يستغنى عنه ولو توهمناه مفقودًا لم يختل بافتقاده البدن، وأعظمه ضررًا المسكر".
    ثم قال رحمه الله تعالى: "فإن قيل فقد قال تعالى:{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} (الأعراف: ٣٢)، فلم يخص من الحلال قدرًا دون قدر ولا جنسًا دون جنس، قيل: الطَّيب التام الطِّيْب هو الذي جمع اللذة والنفع والفضيلة، وذلك هو القدر المتبلغ به على ما يجب وكما يجب، ألا ترى كيف ذم من لم يكن ذلك قصده، فقال تعالى:{ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}(الحجر: ٣)، وقال تعالى:{والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم}(محمد: ١٢).
    ومن الدلالة على خسة كثرة الأكل: ادعاء العامة الاستغناء بالقليل، وقلة وجود المفتخر بكثرة الأكل، وقد قيل: من كانت همته ما يدخل بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه، وقد استحسن قول الشاعر:
    فإنك مهما تعط بطنك سؤله

    وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حَسْبُ الْآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ غَلَبَتْ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ»،وقال صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ»؛ فنبه في الخبرين أنه لا يستحب للإنسان إلا الأكل في سبع بطنه، وهو ما ذكره من اللقيمات، وذلك دون عشر لقيمات؛ لأن جمع القلة بالألف والتاء لما دون العشرة، ثم رخص لمن غلب عليه النهم أن يبلغ إلى ثلث بطنه، فحصل من ذلك أن أكل المؤمن في اليوم ينبغي أن يكون سبع بطنه أو ثلث بطنه".
    قال ابن جماعة: "فإن زاد على ذلك فالزيادة إسراف خارج عن السنة، وقد قال الله تعالى:{وكلوا واشربوا ولاتسرفوا}(الأعراف:٣١).
    قال بعض العلماء: جمع الله بهذه الكلمات الطب كله".
    فـينبغي لطالب العلم أن يخفف من المطعم والمشرب؛ لأن البطن إذا امتلأ تبلَّد الذِّهن، وكسل الجسم، وقلَّ الحفظ، ونقص الفهم.
    "فمن رام الفلاح في العلم وتحصيل البغية منه مع كثرة الأكل والشرب والنوم فقد رام مستحيلاً في العادة".
    "ولم يُر أحد من الأولياء والأئمة العلماء يصف شاكرًا، أو يوصف بكثرة الأكل ولا حُمد به، وإنما تُحمد كثرة الأكل من الدواب التي لا تعقل، بل هي مرصدة للعمل".
    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم والبطنة؛ فإنها ثقل في الحياة، نتن في الممات.
    وقال لقمان لابنه: يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة.
    وقد قيل: من شبع دخل عليه ست آفات:
    1- فقد حلاوة المناجاة.
    2- تعذر حفظ الحكمة.
    3- حرمان الشفقة على الخلق.
    4- ثقل العبادة.
    5- زيادة الشهوات.
    6- كثرة التردد على الخلاءات.
    وقال محمد بن واسع رحمه الله: "مَنْ قَلَّ طعامه فَهِمَ وأفهم، وصفا ورقَّ، وإنَّ كثرة الطعام لتُثقل صاحبها عن كثير مما يريد".
    والذهن الصحيح أشرف من تبديده وتعطيله بالقدر الحقير من طعام يؤول أمره إلى ما قد عُلِم، ولو لم يكن من آفات كثرة الطعام والشراب إلا الحاجة إلى كثرة دخول الخلاء لكان ينبغي للعاقل اللبيب أن يصون نفسه عنه.
    وقال عمرو بن قيس رحمه الله: إياكم والبطنة؛ فإنها تقسي القلب.
    وقال الشافعي رحمه الله: "الشبع يُثقل البدن، ويُزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة.
    وقال سحنون رحمه الله: لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع.
    نكتفي بهذا القدر، ومع الأدب الخامس في الحلقة القادمة_ إن شاء الله تعالى_ وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،، فهذا هو اللقاء السادس من لقاءات (آداب طالب العلم)، ونتكلم فيه عن الأدب الخامس من آداب طالب العلم، ألا وهو: البداية في طلب العلم، والتدرج فيه. فإن الله عز وجل هو الذي فطر الإنسان، وهو أعلم بما يصلحه ويرشده ويهديه، وهو سبحانه (الرب)؛ أي: الذي يتولى التربية والرعاية والكلاءة والحفظ، ومن تمام التربية في البشر أن الله جعلها في الإنسان متدرجة؛ منذ نعومة الأظفار حتى الورود على القبر؛ فالصبي قبل احتلامه مأمور أبواه بتعليمه الصلاة –مثلًا- من غير إجبار منفِّر، ولا إخلال يؤدي إلى التفريط، وهو في كل ذلك مرفوع عنه القلم، حتى إذا احتلم أصبح الأمر جدًّا لا هزلَ فيه، ولو أُلزم بالصلاة إلزامًا من قبل أن يميز لكان الأمر مدعاة للمشقة والحرج.

    وقد أخذ الله سبحانه وتعالى هذه الأمة بهذه السنة الكونية؛ سنَّة التدرج من بدء أمرها، وكأنها كانت وليدًا ينمو، حتى إذا تمَّ تمامُها، أُعلمت أنها أمة مبلِّغة للبشر إلى يوم الدين، وأنها أمة شاهدة على من سبقها من الأمم؛ لأنها أمة خاتمة.
    وقد تدرج دين الله عز وجل في تربية هذه الأمة كما تدرج في تربية الفرد، فأخذها باللطف والشفقة، حتى إذا ثابت القلوب إلى الدين أعلمت بما يحل ويحرم مما ألفته النفس قبل؛ لأن مفارقة المألوف من غير يقين يُعضِّدُ أمرٌ شديد المشقة على النفوس، ثقيل الوطأة على القلوب.
    عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ! وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُوَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ؛ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا. وَلَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا؛ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا. لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ:{بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}(القمر: ٤٦)، وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ. قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ.
    قال الحافظ ابن حجر رحه الله: "قَوْله: (حَتَّى إِذَا ثَابَ) بِالْمُثَلَّثَة ِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة أَيْ رَجَعَ. قَوْله: (نَزَلَ الْحَلَال وَالْحَرَام) أَشَارَتْ إِلَى الْحِكْمَة الْإِلَهِيَّة فِي تَرْتِيب التَّنْزِيل، وَأَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد، وَالتَّبْشِير لِلْمُؤْمِنِ وَالْمُطِيع بِالْجَنَّةِ وَلِلْكَافِرِ وَالْعَاصِي بِالنَّارِ، فَلَمَّا اِطْمَأَنَّتْ النُّفُوس عَلَى ذَلِكَ أُنْزِلَتْ الْأَحْكَام، وَلِهَذَا قَالَتْ: وَلَوْ نَزَلَ أَوَّل شَيْء لَا تَشْرَبُوا الْخَمْر لَقَالُوا لَا نَدَعهَا. وَذَلِكَ لِمَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ النُّفُوس مِنْ النَّفْرَة عَنْ تَرْك الْمَأْلُوف".
    وقد كان من مقترحات الكفار أن ينزل القرآن جملة واحدة؛ فرد الله عز وجل عليهم مبينًا الحكمة في التنجيم –التفريق- فقال تعالى:{وقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا}(الفرقان: ٣٢ – ٣٣).
    وقال تعالى:{وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}(الإسراء: ١٠٦).
    قال القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى:{ونزلناه تنزيلا} (الإسراء: ١٠٦)مبالغة وتأكيد بالمصدر للمعنى المتقدم؛ أي: أنزلناه نجما بعد نجم، ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا.
    ومن الحكم العظيمة في سبب نزول القرآن منجمًا: التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علمًا وعملًا، وينضوي تحت هذا الإجمال أمور:
    أولها: تيسير حفظ القرآن على الأمة العربية؛ وهي أمة أمية، فلو نزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه، فاقتضت الحكمة العليا أن ينزله الله إليهم مفرَّقًا؛ ليسهل عليهم حفظه ويتهيأ لهم استظهاره.
    ثانيها: تسهيل فهمه عليهم.
    ثالثها: التمهيد لكمال تخليهم على عقائدهم السابقة، وعباداتهم الفاسدة، وعاداتهم المرذولة؛ وذلك بأن يُراضوا على هذا التخلي شيئًا فشيئًا، فكلما نجح الإسلام معهم في هدم الباطل، انتقل بهم إلى هدم آخر.. وهكذا يبدأ بالأهم ثم المهم؛ حتى انتهى بهم آخر الأمر عن تلك الأرجاس كلها، فطهرهم منها، وهم لا يشعرون بعنت ولا حرج.
    وقال الشيخ العلامة صالح آل شيخ حفظه الله: طلب العلم وتعليم العلم مهم، ورعاية التدرج فيه أهم، طلب العلم مهم أُغْدُ عالمًا أو متعلمًا، وأهم منه أن يكون ذلك التعلم والتعليم على وجه التدرج؛ ممتثلًا قول الله جل وعلا:{كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}(آل عمران: ٧٩)، قال أبو عبد الله البخاري في ((صحيحه)): "وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ.
    من المهم أن تطلب العلم؛ لكن أهم من ذلك أن تطلب العلم على تدرج، تأخذ المسألة فالمسألة، تأخذ الأولى فالأولى، تأخذ المرتبة ثم تصعد درجة إلى ما هو أصعب وهكذا، قال أبو شهاب الزهري فيما رواه ابن عبد البر في ((الجامع)) ورواه غيره: "من رام العلم جملة ذهب عنه جملة، لكن يُطلب العلم على مر الأيام والليالي".
    فلابد إن كنت من محبي العلم أن تسير في طلب العلم على التدرج، بالعناية بالمتون، والعناية بأوائل العلوم، ومن الخطأ إذا كنت لم تحسن الأوائل أن تذهب إلى الكتب المطولة وتذهب إلى اختلافات العلماء والأقوال في ذلك، هذا الإخلال بالتدرج يحجب عنك الوصول إلى مبتغاك في العلم.
    وتعليم العلم مهم، وأهم منه أن يجعل طالب العلم الذي يعلِّم العلم أو العالم الذي يعلم العلم درسه على قاعدة التدرج، يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ إذا علمتهم الألف والباء والتاء والثاء؛ فإنهم بعد ذلك سيتعلمون تركيب الجمل؛ يعني: إذا علَّمتهم المسائل الأولى في التوحيد، المختصرات فيه، المختصرات في العقيدة، المختصرات في الفقه، بعد ذلك سينتقلون إلى مرحلة أكبر، فيكون التدرج كبناء البناء شيئًا فشيئًا، وإذا جمعت للبناء عدته من جميع أصناف ما يحتاج إليه، ورسمت هذا على هذا دون تدرج؛ فإنك لا تصل إلى بغيتك، والله جل وعلا خلق السموات والأرض في ستة أيام.
    قال بعض أهل التفسير: ربنا جل وعلا قادر على أن يخلق ذلك وأعظم منه بكلمة، ولكن خلق ذلك في ستة أيام لحكم كثيرة؛ منها: أن يعلم خلقه الذين يشهدون هذا الملكوت أن الأمور العظام إنما تكون بالتدرج، وبرعاية الأمور، وبرعاية الشيء فالشيء.
    يطلب الناس العلوم وهي كثيرة، هذا تجده يطلب السيرة، وهذا يطلب الحديث، وذاك يعلم تفاصيل في مسألة ألف رسالة، بل رسائل في مسائل؛ لكنه لا يعلم مسائل التوحيد بأدلتها، لا يعلم مسائل عباداته التي يزاولها بأدلتها، فهذا فاته أن يراعي الأهم، نعم إنَّ طلب العلم مهم، وجميع العلوم المستحب منها والواجب كلها مهمة؛ لأنها من الشرع، ولكن العلم درجات والأهم يقدم على المهم.
    ولهذا نجد كثيرًا من طلاب العلم في هذا الوقت يقرأون كثيرًا، ولا يحصلون كثيرًا، يحصلون ماداموا قريبين من القراءة، لكن ما أسسوا العلم على أصوله؛ لأنه فاتهم الأهم وهو التدرج.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    فإذن هذه قاعدة؛ وهي: أن طلب العلم مهم، ولكن التدرج في طلبه أهم، وإن تعليم العلم مهم، ولكن التدرج في ذلك التعليم أهم.
    فـينبغي للطالب أن يراعي في هذا الباب أمرين:
    الأول: البداية.
    الثاني: طريقة التعلم.
    البداية:
    1- أنْ يبدأ بأهم العلوم، وأساسها، وهو كتاب الله تعالى؛ فيحفظه على يد شيخ متقن، ويجَوِّده، ويثَبِّته؛ حتى يتمكن منه.
    قال العلماء: أول العلم حفظ القرآن.
    وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل أصحاب القرآن وحملته أحاديث كثيرة منها:
    ما رواه أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
    صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ».
    وَعَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنْ النَّبِيِّ
    صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».
    وَعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: عَنْ النَّبِيِّ
    صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ».
    وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: عَنْ النَّبِيِّ
    صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا».
    وليعلم طالب العلم أن حفظ القرآن والعمل به مما يزيده رفعة وعلوًّا؛ كما ورد في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»، وحامل القرآن مقدَّم في الدنيا والبرزخ والآخرة؛ فتقديمه في الدنيا يشهد له قوله
    صلى الله عليه وسلم: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ...»، وأما تقديمه في البرزخ فيشهد له دفن النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين والثلاثة في القبر الواحد يوم أُحد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشرف على الدفن، فكانوا إذا جاءوا بالأموات قَدَّم النبي صلى الله عليه وسلم أكثرهم قرآنًا.
    وأما تقديمه وعلوه في الآخرة فيشهد له قوله
    صلى الله عليه وسلم: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا».
    فالقرآن فضلا عن كونه كتاب الله عز وجل، وكلامه المنزل على رسوله
    صلى الله عليه وسلم، وفضل حافظه وحامله ما قد علمت؛ فهو أيضًا المصدر التشريعي الأول؛ ومنه يستمد طالب العلم أدلته، ويقتبس حجته، فإنْ فاته حفظه وعزَّ عليه استظهاره، ضعُفت حجته، ونزلت مرتبته؛ فالقرآن هو الأصل، وهو البحر الذي يرتشف منه العلماء على اختلاف مشاربهم، وتنوع اتجاهاتهم.
    قال الخطيب البغدادي رحمه الله: "ينبغي لطالب العلم أن يبدأ بحفظ كتاب الله عز وجل؛ إذ كان أجل العلوم، وأولاها بالسبق والتقديم.
    وعن الوليد بن مسلم قَالَ: "كُنَّا إِذَا جَالَسْنَا الْأَوْزَاعِيَّ فَرَأَى فِينَا حَدَثًا، قَالَ: يَا غُلَامُ، قَرَأْتَ الْقُرْآنَ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اقْرَأْ:{يوصيكم الله في أولادكم}النساء11
    وَإِنْ قَالَ: لَا، قَالَ: اذْهَبْ، تَعَلَّمِ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُبَ الْعِلْمَ.
    وعن أبي هِشَامٍ الرِّفَاعِيَّ يَقُولُ: "كَانَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ إِذَا جَاءَهُ غُلَامٌ أَمْرَدَ اسْتَقْرَأَهُ، رَأْسَ سَبْعِينَ مِنَ الْأَعْرَافِ، وَرَأْسَ سَبْعِينَ مِنْ يُوسُفَ، وَأَوَّلَ الْحَدِيدِ، فَإِنْ قَرَأَهُ حَدَّثَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُحَدِّثْهُ.
    وقد ورد نحو هذا عن غير واحد من السلف رحمهم الله، وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "الأفضل لطالب العلم أن يحفظ كتاب الله؛ لأنه هو أصل الكتب، وأنفع الكتب، فيحفظ القرآن أولًا".
    وأيضا، فإن تكرار القراءة للقرآن يفتح آفاقًا من المعرفة لطالب العلم، فقد ذكر عباس بن عبد الدايم المصري الكناني عن شيخ ضرير أنه أوصاهم بوصايا؛ منها: وصيته لهم بكثرة القراءة؛ فقال: أكثر من قراءة القرآن، ولا تتركه؛ فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ؛ قال: فرأيت ذلك وجربته كثيرًا فكنت إذا قرأت كثيرًا تيسر لي من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لي.
    ومما يعين على حفظ القرآن:
    1- الإخلاص لله عز وجل، وأن يكون حفظه ابتغاء مرضاته، وأن يكون عونًا له على طاعة الله، وعلى تحصيل العلم؛ فهذه الجوارح هي أسباب التحصيل والحفظ، فإذا أخلص العبد النية لله أعانه على حفظ كتابه.
    2- قراءة تفسير ما تريد حفظه؛ فإن تَفَهُّم المعاني يعين على الحفظ.
    3- القيام بما يحفظ في صلاة الليل وترداد ذلك؛ لقوله
    صلى الله عليه وسلم: «إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نسيه».
    4- تكرار المراجعة في غير الصلاة أيضًا؛ لأنَّ القرآن يتفلت من صاحبه، بل هو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها، كما أخبر بذلك نبينا
    صلى الله عليه وسلم؛ وتفصيل هاتين الفقرتين كالآتي:
    - أن طالب العلم إذا حفظ صفحة من القرآن قرأها عشرين مرة نظرًا من المصحف، فتقوم العين بالتقاط صورة ضوئية للصفحة، فتُرسم في الذهن فلا ينساها بعد.
    - ويصلي بهذه الصفحة الصلوات الخمس والسنن حتى تثبت.
    - ويراجع صفحة من الماضي ويصلي بعد العشاء ركعتين بصفحتين، ويصلي اليوم الذي يليه ثلاث ركعات بثلاث صفحات، وهكذا... حتى يختم الجزء، ثم يبدأ الكرة.
    - فإذا حفظ جزءًا كاملا سجد لله شكرًا على هذه النعمة، وتوقف أسبوعًا كاملا يراجع هذا الجزء كل يوم ثلاث مرات، حتى يستظهره ويتقنه.
    5- أن يكون الحفظ بالتلقِّي؛ لأنك قد تخطئ في قراءة بعض الآيات فتحفظها كذلك.
    6- أن تكون القراءة أو الحفظ على نسخة واحدة؛ لأن الإنسان وهو يقرأ يتخيل موضع الآيات، فإذا اختلفت النسخ كان مدعاة إلى تشتيت الذهن؛ مما يؤدي إلى سوء الحفظ.
    7- أن يكون مقدار الحفظ قليلًا؛ ليكون أثبت لحفظه، قال أبو بكر بن عياش: "قرأت القرآن على عاصم بن أبي النجود، فكان يأمرني أن أقرأ عليه كل يوم آية لا أزيد عليها، ويقول: إنَّ هذا أثبت لك؛ فلم آمن أن يموت الشيخ قبل أن أفرغ من القرآن، فما زلت أطلب إليه حتى أذن لي في خمس آيات كل يوم".
    اليوم علم وغدًا مثله

    من نخب العلم التي تلتقط

    يحصِّل المرء بها حكمة

    وإنما السيل اجتماعُ النقط

    8- ثم ليحذر من أراد حفظ القرآن وحفظ العلم من المعاصي؛ فمن آثارها نسيان العلم والحفظ؛ قال الضحاك: ما تعلم أحد القرآن فنسيه إلا بذنب، ثم قرأ:{وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}(الشورى: ٣٠)، ثم قال: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن.
    وقال بشر بن الحارث: إن أردت أن تلقن العلم فلا تعصِ.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    ثم ينتقل إلى السنة بعد فراغه من حفظ كتاب الله حفظًا متقنًا.
    فيحفظ فيها مختصرًا جامعًا لأحاديث صحيحة؛ مثل: ((اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان))، أو ((مختصر صحيح البخاري))، أو ((مختصر صحيح مسلم))
    أو ((بلوغ المرام)) للحافظ ابن حجر العسقلاني.
    فإن كان ضعيف الهمة فليقتصر على حفظ ((عمدة الأحكام)) للحافظ عبد الغني المقدسي.
    3- ثم ينتقل إلى علم التوحيد، فيحفظ فيه مختصرًا نافعًا جامعًا لعقيدة أهل السنة والجماعة؛ مثل: ((العقيدة الطحاوية))، أو ((الواسطية))، أو ((البداية في العقيدة)) للشيخ وحيد بالي حفظه الله، فإن كان ذا ميل للنظم؛ فليحفظ ((سُلَّم الوصول)) للشيخ أحمد حكمي رحمه الله.
    4- ثم ينتقل إلى علم الفقه؛ فيحفظ فيه مختصرًا نافعًا جامعًا لما أجمعت عليه الأمة؛ مثل رسالة ((الإجماع)) لابن المنذر رحمه الله، أو رسالة لما اتفق عليه جمهور الأمة ((الدرر البهية)) للشوكاني رحمه الله، أو كتاب ((بداية المتفقه))، للشيخ وحيد حفظه الله.
    5- ثم ينتقل إلى السيرة النبوية؛ فيحفظ فيها مختصرًا نافعًا مثل: ((الفصول في اختصار سيرة الرسول
    صلى الله عليه وسلم)) لابن كثير رحمه الله، أو ((جوامع السيرة)) لابن حزم رحمه الله أو ((الخلاصة البهية في ترتيب أحاديث السيرة النبوية)) للشيخ وحيد بالي حفظه الله.
    6- ثم ينتقل إلى اللغة العربية؛ فيحفظ فيها مختصرًا جامعا لقواعدها؛ مثل: ((شذور الذهب)) لابن هشام رحمه الله أو ألفية ابن مالك.
    فإن كان قاصر الهمة فليقتصر على حفظ ((المقدمة الأجُرُّومية)).
    ثم يحفظ مختصرًا في مصطلح الحديث؛ مثل: ((نخبة الفِكَر)) لابن حجر رحمه الله، أو ((البداية في علم مصطلح الحديث)) للعبد الفقير كاتب هذه السطور
    أو ((ألفية السيوطي)) أو ((ألفية العراقي))، أو نظم ((لغة المحدث)) للشيخ طارق بن عوض الله حفظه الله، فإن كان ذا همة ضعيفة فعليه بالبيقونية.
    8- ثم يحفظ مختصرًا في أصول الفقه؛ مثل: ((الورقات)) للجويني رحمه الله تعالى، أو ((البداية في أصول الفقه)) للشيخ وحيد حفظه الله.
    ثم عليه بعد أن يفرُغ من حفظ مختصر في كل فن؛ حفظًا متينًا متقنًا، أن يدرس شرحًا لهذا المتن المختصر على يد شيخ حاذق متخصص في هذا الفن، ولا ينتقل من فنٍّ إلى آخر حتى يتقنه ويتثبت منه.
    كما عليه أن يبدأ بالأهم فالمهم؛ فيبدأ أولًا بعلم التفسير؛ كي يفهم معاني كلام الله عز وجل، تبدأ بـ((أيسر التفاسير)) تقرأ كل يوم تفسير خمس آيات مع حفظ معاني الكلمات.
    ثم بعد ذلك تنتقل إلى علم العقيدة، فهو من أجَلِّ العلوم، إن لم يكن أجلها؛ إذ هو متعلِّق بذات الله عز وجل.
    فتقوم بدراسة شرح على ما حفظته من متون في هذا العلم، تقرأه، على شيخ حاذق فعندك شرح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله على الواسطية، وكذلك شرح الشيخ الفوزان، وشرح الشيخ عبد العزيز الراشد رحمة الله تعالى عليهم.
    وأما الطحاوية فلها أكثر من شرح؛ أفضلها شرح الشيخ صالح آل شيخ حفظه الله، وشرح الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله؛ فهما أيسر للمبتدئ من شرح ابن أبي العز الحنفي، ثم يثني بعد ذلك بشرح ابن أبي العز رحمه الله.
    وأما سُلَّم الوصول؛ فشرحها الماتع ((معارج القبول)) لناظمها الشيخ حافظ أحمد الحكمي رحمه الله.
    ثم تنتقل بعد ذلك إلى علم الفقه، فتدرس فيه شرحًا لما حفظته من متون هذا العلم؛ مثل ((الدراري المضية شرح الدرر البهية)) للعلامة الشوكاني رحمه الله، أو ((الروضة الندية شرح الدرر البهية)) للعلامة صديق حسن خان رحمه الله، أو ((سبل السلام شرح بلوغ المرام)) للعلامة الصنعاني رحمه الله، أو شرح العلامة ابن عثيمين على ((عمدة الأحكام))، وكذلك شرح الشيخ البسام رحمه الله.
    أما بداية المتفقه فله شرحان: ((روضة المتنزه شرح بداية المتفقه)) للشيخ أيمن بن موسى حفظه الله، والشرح الآخر للشيخ إبراهيم بن فتحي حفظه الله. وفي أصول الفقه:(الهداية شرح البداية في أصول الفقه))، للعبد الفقير، و((غاية المأمول شرح البداية في الأصول)) لفضيلة الشيخ أيمن موسى.
    ثم ينتقل بعد ذلك إلى السيرة النبوية، يبدأ بـ((الخلاصة البهية)) فيحفظ المتن ويتقنه، ثم يقرأ شرحها ((الأغصان الندية))، للعبد الفقير، ثم ينتقل إلى ((سيرة الرسول
    صلى الله عليه وسلم)) للشيخ محمود المصري حفظه الله، ثم ينتقل إلى ((الرحيق المختوم في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم)) للمباركفوري رحمه الله تعالى، ثم يقرأ ((هذا الحبيب يا محب)) لأبي بكر الجزائري رحمه الله تعالى، ثم ((السيرة النبوية)) للصلابي حفظه الله تعالى.
    وفي اللغة يحفظ ((المقدمة الأجرومية))، ثم يقرأ عليها ((شرح الشيخ ابن عثيمين على الأجرومية))، ثم يقرأ كتاب ((النحو الواضح)) لعلي الجارم ومصطفى أمين، ثم يشرع في حفظ الألفية وشروحها.
    وفي مصطلح الحديث ((نزهة النظر شرح نخبة الفكر)) للحافظ ابن حجر رحمه الله، وهي مشروحة أيضًا شرحًا ماتعًا لشيخنا فضيلة الشيخ طارق بن عوض الله حفظه الله، وله شرح أيضًا على ((البيقونية))، وشرح على منظومته ((لغة المحدث)) وهو شرح نافع ماتع، و((تيسير مصطلح الحديث)) للشيخ الطحان، ثم ((سلسلة تيسير دراسة الأسانيد)) لعمرو عبد المنعم سليم، وهناك شرح الشيخ محمد محيي عبد الحميد على ((ألفية السيوطي)).

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    فإذا جمع من كل علم بطرف، وتعلَّق من كل فن بسبب، فليختر له علمًا يتخصص فيه، ويواصل، ويبحث فيه {ولكل وجهة هو موليها}(البقرة: ١٤٨).
    طريقة التعلم:
    1- أن تهتم بالحفظ في بداية الطريق فهو الأساس.
    فقد رغَّب النبي
    صلى الله عليه وسلم الأمة في الحفظ؛ فقال في خطبة الوداع: «فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لمن سمع مقالته وحديثه فحفظه فبلَّغه كما سمعه؛ دعا له بالنضارة وهي النعمة والبهجة؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ بَلَّغَهَا عَنِّي؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».
    وكان العلماء من سلف هذه الأمة في الحفظ بمقام عالٍ، لا يدانيهم فيه أحد من علماء الأمم السالفة؛ فحفظوا على الأمة حديث نبيها وسنته
    صلى الله عليه وسلم، وحضُّوا من بعدهم على الحفظ.
    ومما يدل على منزلة الحفظ ما حدث للشيخ أبي حامد الغزالي
    –رحمه الله- فقد سافر إلى جُرجان وقرأ على كثير من علمائها وهو صغير، فكان يكتب تعليقات أستاذه في الفقه، والفوائد التي أخذها منه، وجمعها في كراريس سماها ((التعليقة))، وقد كان يريد الاكتفاء بالكتابة دون الحفظ، غير أن هذا الإهمال لقَّنه درسًا قاسيًا حيث قُطعت عليه الطريق وهو في طريق عودته إلى طوس، وأخذ قُطَّاع الطرق جميع ما كان مع القافلة، بما فيه المخلاة –أي الحقيبة- التي كان فيها تعليقته.
    وقد حكى الغزالي هذه الحادثة فقال: فتبعتهم فالتفت إليَّ كبيرهم، وقال: ويحك! ارجع وإلا هلكت. فقلت: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن تردَّ عليَّ تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به. فقال لي: وما هي تعليقتك؟ فقلت: كتب في تلك المخلاة هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها؛ فضحك وقال: كيف تدَّعي أنك عرفت علمها وقد أخذناها منك فتجرَّدت من معرفتها وبقيت بلا علم؟! ثم أمر بعض أصحابه فسلَّم لي المخلاة.
    قال: فقلت: هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به أمري، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علَّقته، وصرتُ بحيث لو قُطع عليَّ الطريق لم أتجرد من علمي.
    فعلى طالب العلم أن يحفظ العلوم؛ فإنَّ الحفظ –ولاسيما في الصغر- كالنقش في الحجر.
    وأخرج الخطيب رحمه الله بسنده عن عبد الرزاق قال: كلُّ علم لا يدخل مع صاحبه الحمَّام فلا تعتبره علمًا.
    ومقصد عبد الرزاق –رحمه الله- أن يقول: إن العلم هو ما وعته الذاكرة فاستغنت به عن الكتب والأسفار، وأصبحتْ رموزه منقوشة على لوح الذاكرة، ومحفورة على صفحة القلب؛ كما قال الشافعي رحمه الله في هذا المعنى:
    عِلمي مَعي حَيثُما يَمَّمتُ يَنفَعُني

    قَلبي وِعاءٌ لَهُ لا بَطنُ صُندوقِ

    إِن كُنتُ في البَيتِ كانَ العِلمُ فيهِ مَعي

    أَو كُنتُ في السوقِ كانَ العِلمُ في السوقِ

    وأخرج الخطيب أن هذين البيتين لبشار.
    وأخرج الخطيب رحمه الله بسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: إنما يحفظ الرجل على قدر نيته.
    قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في معرض كلامه عن الحفظ وأهميته: "كثيرًا من طلبة العلم تجده يحفظ مسائل كثيرة، لكن ما عنده أصل، لو تأتيه مسألة واحدة شاذة عما كان يحفظه ما استطاع أن يعرف لها حلًا، لكن إذا عرف الضوابط والأصول استطاع أن يحكم على كل مسألة جزئية من مسائله؛ ولهذا فأنا أحثُّ إخواني على معرفة الأصول والضوابط والقواعد؛ لما فيها من الفائدة العظيمة، وهذا شيء جربناه وشاهدناه مع غيرنا، على أن الأصول هي المهم، ومنها حفظ المختصرات، وقد أراد بعض الناس أن يمكروا بنا فقالوا لنا: إن الحفظ لا فائدة فيه، وإنَّ المعنى هو الأصل، ولكن الحمد لله أنه أنقذنا من هذه الفكرة، وحفظنا ما شاء الله أن نحفظ من متون النحو وأصول الفقه والتوحيد؛ وعلى هذا فلا يستهان بالحفظ، فإنَّ الحفظ هو الأصل، فالحفظ مهم لطالب العلم حتى إن كان فيه من الصعوبة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن تكونوا ممن اهتدوا بطريقة سلفنا الصالح، وأن يجعلنا من الهداة المهديين، إنه جواد كريم".
    ويقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله: فهل من عودة إلى أصالة الطلب في دراسة المختصرات المعتمدة، لا على المذكرات، وفي حفظها لا على الاعتماد على الفهم فحسب، حتى ضاع الطلاب فلا حفظ ولا فهم.
    ويعلق الشيخ ابن عثيمين رحمه الله على عبارة الشيخ بكر فيقول: "أي علم بلا حفظ يزول سريعًا، وكانوا زمان يعيبون علينا يقولون: لا تتعب نفسك في حفظ المتن، وعليك بالفهم الفهم، لكن وجدنا أننا ضائعون إذا لم يكن عندنا حفظ، وما انتفعنا والله إلا بما حفظنا من المتون، ولولا أنَّ الله نفعنا بذلك لضاع علينا علم عظيم.
    فلا تغتر بمن يقول: الفهم؛ ولهذا الدعاة القائلون بالفهم لو سألتهم أو ناقشتهم لوجدتهم ضحلاء، ليس عندهم علم".
    2- إياك والتفرع من البداية؛ فإنه عطب؛ أي: لا تترك المسائل الأصلية، وتنشغل بالمسائل الفرعية في بداية الطريق، فعليك بحفظ أصول كل علم وضوابطه قبل أن تدخل في جزئياته ومفرداته.
    3- لا تنتقل من علم إلى علم حتى تضبطه، وهذا يختلف من شخص إلى آخر حسب قريحته وذكائه وجده وجلده، فمنهم من يبدأ بعلم واحد مع القرآن؛ كالتوحيد، ومنهم من يبدأ بعلمين مع القرآن؛ كالتوحيد والحديث، ومنهم من يبدأ بثلاثة؛ كالتوحيد والحديث والفقه... وهكذا.
    ثم على الطالب ألا ينتقل إلى كتاب في نفس الفن حتى يتقن الكتاب الأول، وهكذا حتى يستطيع أن يخطو للأمام بخطوات ثابتة.
    4- أنْ تتدرج داخل العلم الواحد؛ فتبدأ بالأسهل، فالمتوسط، فالعالي، وإياك والقفز فإنه مهلكة.
    وقد تقدم نقل كلام أهل العلم في التدرج وأهميته.
    5- ألا تنشغل عن القرآن بغيره في بداية الطريق.
    قال الشافعي رحمه الله:
    كُلُّ العُلومِ سِوى القُرآنِ مَشغَلَةٌ

    إِلّا الحَديثَ وَعِلمَ الفِقهِ في الدينِ

    6- ألَّا تعتمد على نفسك في التعلُّم والتأصيل؛ فإنه مزلة قدم، وعثران فهم، ولكن عليك بالدراسة على أهل العلم؛ كما كان السلف رحمهم الله يفعلون.
    وقد قيل: من دخل في العلم وحده؛ خرج وحده.
    ومن الوسائل العصرية سماع شروح الكتب المسجلة للعلماء المتقنين؛ فإنها تزيل إشكالات وتوضح المبهمات.
    ومن الوسائل العصرية أيضا أن يذاكر الطالب ويعين ما يشكل عليه، ثم يتصل بأحد العلماء فيسألهم.
    ومن الوسائل العصرية أيضا متابعة العلماء الذين يشرحون بعض الكتب على القنوات الفضائية أو على مواقع شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)؛ فهذا كله أفضل من أن يعتمد الطالب على نفسه في الطلب.
    وهناك طريق التعلم عن بُعد والمتابعة عبر الهاتف، وقد أنشأ فضيلة الشيخ وحيد بن بالي مركزًا لذلك للطلاب المجتهدين، يعطيهم منهجًا ويتابعهم عبر الهاتف أسبوعيًّا، فيمكنك أن تدخل على موقع (فضيلة الشيخ وحيد عبد السلام بالي: http://www.waheedbaly.com) وتتقدم بطلب ليتم لك ذلك.
    وكذلك هناك قسم خاص للأخوات يعطيهن الشيخ منهجًا، ويحولهن على مدرسات يتابعنهن عبر الهاتف.
    وكلما انتهى الطالب من مادة أعطاه فيها إجازة، ثم نقله إلى كتاب أعلى.
    7- لا تبدأ بالكتب التي تجمع الأقوال والاختلافات حتى لا تشوش ذهنك في بداية الطلب.
    وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    4,571

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    بارك الله فيك يا شيخ محمد ونفع الله بك
    ((إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً))

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    وفيك بارك يا أبا مريم

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    4,571

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    في هذا الرابط أحد المواضيع على المجلس التي يوجد بها كتب عن العلم وآداب طالب العلم

    ((إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً))

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،، فهذا هو اللقاء السابع من لقاءات(آداب طالب العلم)، ونتكلم فيه عن الأدب السادس من آداب طالب العلم، ألاوهو: (اختيار الشيخ) فالأصل في التعلم هو الدراسة على الشيوخ، والتتلمذ على يد العلماء، وقراءة الكتب على المتقنين، فيوضحون للطالب غوامضها، ويقربون بعيدها، وييسرون مشكلها، فيفهمها على وجهها.
    قيل لأبي حنيفة رحمه الله: في المسجد حلقة ينظرون في الفقه. فقال: ألهم رأس؟ قالوا: لا. قال: لا يفقه هؤلاء أبدًا.
    قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "ولهذا قيل: من كان دليله كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه.
    أما من أخذ عن عالم فإنه يستفيد فائدتين عظيمتين:
    الفائدة الأولى: قصر المدة.
    الفائدة الثانية: قلة التكلف.
    وفيه فائدة ثالثة: هي أنَّ ذلك أحرى بالصواب؛ لأن هذا الشيخ عالم متعلم مرجع، فيعطيك الشيء ناضجًا، وإن كان عنده شيء من الأمانة فإنه يمرنه على المراجعة والمطالعة.
    أما من اعتمد على الكتب فإنه لابد أن يكرس جهوده ليلًا ونهارًا، ثم إذا طالع الكتب التي يقارن فيها بين أقوال العلماء فسيقت أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء من يدله على أنَّ ذلك أصوب؟ يبقى متحيرًا.
    ولهذا نرى أن ابن القيم رحمه الله عندما يناقش قولين لأهل العلم في
    ((زاد المعاد)) أو في ((إعلام الموقعين)) إذا ساق أدلة هذا القول وعلله؛ تقول: هذا هو القول الصواب، ولا يجوز العدول عنه بأي حال من الأحوال، ثم ينقض ويأتي بالقول المناقض ويأتي بالأدلة وعلله، فتقول: هذا هو الصواب".
    وما ظهر من التمزق الفكري، والتشتت الدعوي، والانقسام الحركي إلا بعد ظهور طلاب الكتب، وتلاميذ الصحف، فأصبحت ترى الفهم الأعوج، والفتاوى الشاذة، والتعالم المقيت، والجرأة على العلماء بغير دليل رشيد، ولا فهم سديد.
    ورحم الله الشافعي إذ يقول: من تفقه مِن بطون الكتب ضيَّع الأحكام.
    فإذا تبين هذا فعلى طالب العلم أن يختار الأعلم والأورع والأسنَّ.
    قال إبراهيم النخعي رحمه الله: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته، وإلى صلاته، وإلى حاله ثم يأخذون عنه.
    وعن محمد بن سيرين رحمه الله: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
    وليأخذ كل علم من أهله، ولو رحل إليه، وقطع المفاوز للجلوس بين يديه.
    قال ابن المسيب رحمه الله: "إِنْ كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد".
    وعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ مَكْحُوْلاً يَقُوْلُ: "طُفْتُ الأَرْضَ كُلَّهَا فِي طَلَبِ العِلْمِ".
    قَالَ خُزَيْمَة بن عَلِيٍّ المَرْوَزِيّ: "سَقَطَتْ أَصَابِعُ عُمَرَ الرَّوَّاسِي فِي الرِّحلَة مِنَ البَرْدِ".
    قَالَ البَاطِرْقَانِي : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ يَقُوْلُ: "طُفت الشَّرقَ وَالغربَ مرَّتين".
    قَالَ ابْنُ طَاهِر: "رحلتُ مِنْ مِصْرَ لأَجْل الفَضْلِ بن المُحب صَاحِب الخفَّاف، فَلَمَّا دَخَلتُ، قَرَأْتُ عَلَيْهِ فِي أَوّلِ مَجْلِسٍ جزئِين مِنْ حَدِيْثِ السَّرَّاج، فَلَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ حَلاَوَةً، وَاعتقدتُ أَنَّنِي نلتُهُ بِلاَ تَعبٍ، لأَنَّه لَمْ يَمْتَنِع عَلِيَّ، وَلاَ طَالبنِي بِشَيْءٍ، وَكُلُّ حَدِيْث مِنَ الجُزء يُسَاوِي رحلَة".
    قَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ: "سَمِعْتُ أَبَا الفَتْح بنَ أَبِي الفَوَارِس يَقُوْلُ: لَوْ رَحَلَ رَجُلٌ مِنْ خُرَاسَان لِيَسْمَعَ كَلِمَةً مِنْ أَبِي الحَسَنِ الحَمَّامِي أَوْ مِنْ أَبِي أَحْمَدَ الفَرَضِيّ، لَمْ تَكُنْ رِحْلَتُهُ عِنْدنَا ضَائِعَةً".
    قَالَ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بنُ مَحْمُوْدٍ: "سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ بنَ المُقْرِئِ يَقُوْلُ: طِفْتُ الشَّرقَ وَالغربَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ".
    قَالَ الحَاكِمُ: "سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ مَشَايِخِنَا يَذكُرُوْنَ عَنِ الأَرْغِيَانِيّ ِ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَعْلَم مِنْبَراً مِنْ مَنَابِرِ الإِسْلاَمِ بَقِيَ عَلَيَّ لَمْ أَدخُلْهُ لِسَمَاعِ الحَدِيْثِ".
    ولكم لاقى هؤلاء الأئمة من المصاعب والمتاعب والشدائد في سبيل طلب العلم والرحلة إليه؛ حتى تعلموا رحمهم الله وعلموا مَن خلفهم، فحفظ الله عز وجل بهم الدين، ووالله لولا أن الله عز وجل حفظ الدين بهؤلاء الأئمة العظام لضيَّعه أمثالنا.
    فلقد روي عن بعضهم أنه كانت تمر عليه الأيام والليالي –في أثناء الرحلة- فلا يجد طعاما يطعمه، وعن بعضهم أنهم كانوا يبيعون كسوتهم من أجل النفقة، بعدما انقطعت نفقتهم، وحتى إِنَّ بعضهم كان يؤجِّر نفسه وهو في الطريق حمالًا من أجل النفقة، ناهيك عمَّا كانوا يقابلونه من قُطَّاع طريق، أو ريح شديدة وغير ذلك.
    وليس أدل على ذلك مما حكاه ابن أبي حاتم عن أبيه –رحمهما الله تعالى- أنه قال: "بَقِيْتُ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ بِالبَصْرَةِ، وَكَانَ فِي نَفْسِي أَنْ أُقِيْمَ سَنَةً، فَانْقَطَعَتْ نَفَقَتِي، فَجَعَلْتُ أَبِيْعُ ثِيَابِي حَتَّى نَفِدَتْ، وَبَقَيْتُ بِلاَ نَفَقَةٍ، وَمَضَيْتُ أَطُوْفُ مَعَ صَدِيْقٍ لِي إِلَى المَشْيَخَةِ، وَأَسْمَعُ إِلَى المَسَاءِ، فَانْصَرَفَ رَفِيْقِي، وَرجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَجَعَلْتُ أَشْرَبُ المَاءَ مِنَ الجُوْعِ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ، فَغَدَا عَلَيَّ رَفِيْقِي، فَجَعَلْتُ أَطُوْفُ مَعَهُ فِي سَمَاعِ الحَدِيْثِ عَلَى جُوْعٍ شَدِيْدٍ، وَانصَرَفْتُ جَائِعاً، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ، غَدَا عَلَيَّ، فَقَالَ: مُرَّ بِنَا إِلَى المَشَايِخِ. قُلْتُ: أَنَا ضَعِيْفٌ لاَ يُمْكِنُنِي. قَالَ: مَا ضَعْفُكَ؟ قُلْتُ: لاَ أَكْتُمُكُ أَمْرِي، قَدْ مَضَى يَوْمَان مَا طَعمتُ فِيْهِمَا شَيْئًا. فَقَالَ: قَدْ بَقِيَ مَعِيَ دِيْنَارٌ، فَنِصْفُهُ لَكَ، وَنَجْعَلُ النِّصْفَ الآخَرَ فِي الكِرَاءِ، فَخَرَجْنَا مِنَ البَصْرَةِ، وَأَخَذْتُ مِنْهُ النِّصْفَ دِيْنَار".
    وحكى أيضًا ابن أبي حاتم عن أبيه في مقدمة
    ((الجرح والتعديل)) تحت باب: ((ما لقي أبي من المقاساة في طلب العلم من الشدة)) أنه قال: "لما خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري صرنا إلى الجار وركبنا البحر، وكنا ثلاثة أنفس أبو زهير المروزي شيخ، وآخر نيسابوري فركبنا البحر، وكانت الريح في وجوهنا فبقينا في البحر ثلاثة أشهر، وضاقت صدورنا، وفني ما كان معنا من الزاد وبقيت بقية فخرجنا إلى البر فجعلنا نمشي أيامًا على البر حتى فني ما كان معنا من الزاد والماء، فمشينا يومًا وليلة لم يأكل أحد منا شيئا، ولا شربنا، واليوم الثاني كمثل، واليوم الثالث، كل يوم نمشي إلى الليل فإذا جاء المساء صلينا وألقينا بأنفسنا حيث كنا، وقد ضعفت أبداننا من الجوع والعطش والعياء، فلما أصبحنا اليوم الثالث جعلنا نمشي على قدر طاقتنا فسقط الشيخ مغشيًّا عليه؛ فجئنا نحركه وهو لا يعقل، فتركناه ومشينا أنا وصاحبي النيسابوري قدر فرسخ أو فرسخين، فضعفت وسقطت مغشيًّا عليَّ، ومضى صاحبي وتركني، فلم يزل هو يمشي إذ بصر من بعيد قومًا قد قربوا سفينتهم من البر، ونزلوا على بئر موسى عليه السلام، فلما عاينهم لوح بثوبه إليهم فجاءوه معهم الماء في إداوة، فسقوه وأخذوا بيده فقال لهم: الحقوا رفيقين لي قد ألقوا بأنفسهم مغشيًّا عليهم؛ فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي، ففتحت عيني فقلت: اسقني. فصب من الماء في ركوة أو مشربة شيئًا يسيرًا فشربت، ورجعت إلى نفسي، ولم يروني ذلك القدر؛ فقلت: اسقني. فسقاني شيئا يسيرا وأخذ بيدي؛ فقلت: ورائي شيخ مُلْقًى، قال: قد ذهب إلى ذاك جماعة، فأخذ بيدي وأنا أمشي أجر رجلي ويسقيني شيئا بعد شئ حتى إذا بلغت إلى عند سفينتهم وأتوا برفيقي الثالث الشيخ وأحسنوا إلينا أهل السفينة، فبقينا أيامًا حتى رجعت إلينا أنفسنا، ثم كتبوا لنا كتابًا إلى مدينة يقال لها: راية. إلى واليهم وزودونا من الكعك والسويق والماء؛ فلم نزل نمشي حتى نفد ما كان معنا من الماء والسويق والكعك فجعلنا، نمشي جياعًا عطاشًا على شط البحر، حتى وقعنا إلى سلحفاة قد رمى به البحر مثل الترس، فعمدنا إلى حجر كبير فضربنا على ظهر السلحفاة فانفلق ظهره، وإذا فيها مثل صفرة البيض، فأخذنا من بعض الأصداف الملقى على شط البحر فجعلنا نغترف من ذلك الاصفر فنتحساه حتى سكن عنا الجوع والعطش، ثم مررنا وتحملنا حتى دخلنا مدينة الراية، وأوصلنا الكتاب إلى عاملهم، فأنزلنا في داره وأحسن إلينا، وكان يقدم إلينا كل يوم القرع ويقول لخادمته: هاتي لهم باليقطين المبارك. فيقدم إلينا من ذاك اليقطين مع الخبز أيامًا؛ فقال واحد منا بالفارسية: ألا تدعو باللحم المشؤوم؟ وجعل يسمع الرجل صاحب الدار، فقال: أنا أحسن بالفارسية؛ فإن جدتي كانت هروية فأتانا بعد ذلك باللحم، ثم خرجنا من هناك وزودنا إلى أن بلغنا مصر".
    وعن عبد الرحمن قال: سمعت أبي يقول: "أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ: لم أزل أحصى حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته، ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد، فما لا أحصي كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحرين من قرب مدينة صلا إلى مصر ماشيًا، ومن مصر إلى الرملة ماشيًا، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى طرسوس، ثم رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بقي عليَّ شيء من حديث أبي اليمان فسمعت، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشيًا، كل هذا في سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة أجول سبع سنين".
    فاعرف هذا –أخي طالب العلم- والزمه؛ فإنه سنة ماضية، وطريقة سلفية، وبها تخَرَّج السلف الكرام، وتفقه العلماء العظام، فعض عليها بالنواجذ.
    قال ابن جماعة رحمه الله: ينبغي لطالب العلم أنْ يقدم النظر، ويستخير الله فيمن يأخذ عنه العلم، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه.
    قال بعضهم: ذهبت لأحمد بن حنبل لا لآخذ عنه العلم، ولكن لآخذ من سمته.
    وليكن –إن أمكن- ممن كملت أهليته، وتحققت ثقته، وظهرت مروءته، وعُرفت عفته، واشتهرت صيانته، وكان أحسن تعليمًا، وأجود تفهيمًا.
    فلا يلتمس العلم عند الأصاغر؛ فإنه من أشراط الساعة.
    ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقص في ورع، أو دين، أو عدم خُلُق جميل.
    قال تعالى:{
    إنما يخشى الله من عباده العلماء}(فاطر28؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر.
    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
    «اللَّهُمَّ إِنِّيأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا».
    والعلم النافع هو الذي يورث صاحبه خشوعًا وإيمانًا وتقوى.
    فعن سفيان الثوري أنه قال: إنما يُتعلم العلم ليُتقى به، وإنما فُضِّل العلم على غيره؛ لأنه يُتقى به الله.
    وقال أبو الأسود الدؤلي وقيل: المتوكل الليثي:
    يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ

    هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ


    تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا

    كيما يَصحّ بِهِ وَأَنتَ سَقيمُ


    وَتَراكَ تُصلِحُ بالرشادِ عُقولَنا

    أَبَداً وَأَنتَ مِن الرَّشادِ عَديمُ


    فابدأ بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها

    فَإِذا اِنتَهَت عَنهُ فأنتَ حَكيمُ


    فَهُناكَ يُقبَلُ ما تَقولُ وَيَهتَدي

    بِالقَولِ منك وَينفَعُ التعليمُ


    لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ

    عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ


    وليحذر طالب العلم من التتلمذ على يد مبتدع؛ فإنه سبب انحراف وطريق ضلال.
    وليحذر طالب العلم من التتلمذ على يد مبتدئ؛ فإنه مضلة فَهْم، ومزِلَّة قدم.
    وليحذر طالب العلم من التتلمذ على يد متعالم؛ فإنه يجرؤه على العلماء، ويبغِّض إليه الفقهاء، وينكِّس له العلوم، ويقلِّبُ له الأمور، فلا يخرج من عنده بعلم وأدب، ولا بخلُق ولا ورع، فيخسر الدنيا والآخرة؛ ذلك هو الخسران المبين.
    وليحذر الطالب مِنَ التتلمذ على يد مشهور بين الناس بالعلم وهو ضعيفه، ومعروف بينهم بالفقه وهو فاقده؛ فإنه يعطيك من العلم أحرفًا، ومن الفقه أوجهًا، فلا يجمع لك بين أصل وفرع، ولا بين دلالة ولا دليل، إنما هي مسائل مبعثرة، وقضايا متناثرة، فتتشعب عليك الأمور، وتصعُب عليك الأمور، فترفعك نجاد، وتحطُّك وهاد، فبينما أنت تظن أنك قد قطعت في العلم شوطًا، وألقيت في الساحة سهمًا؛ إذا بك تراوح مكانك، وتسير محلك، فاحذر! فإن العمر قصير، والعلم غزير. وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم


  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،، فهذا هو اللقاء الثامن من لقاءات(آداب طالب العلم)، ونتكلم فيه عن الأدب السابع من آداب طالب العلم ألا وهو:
    الأدب مع الشيخ

    فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: جَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَبْطَأَ الْقَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ
    صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا».
    وفي رواية: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
    صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا».
    وفي لفظ:
    «وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا».قال النووي رحمه الله: "باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم عَلَى غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم".
    قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى شارحًا للحديث: "يريد المؤلف ـ رحمه الله ـ بالعلماء علماء الشريعة الذين هم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن العلماء ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، فإن النبي صلى عليه وسلم توفي عن بنته فاطمة وعمه العباس ولم يرثوا شيئاً؛ لأن الأنبياء لا يورثون إنما ورثوا العلم.
    فالعلم شريعة الله فمن أخذ بالعلم؛ أخذ بحظ وافر من ميراث الأنبياء.
    وإذا كان الأنبياء لهم حق التبجيل والتعظيم والتكريم، فلمن ورثهم نصيب من ذلك، أن يبجل ويعظم ويكرم، فلهذا عقد المؤلف رحمه الله لهذه المسألة العظيمة باباً؛ لأنها مسألة عظيمة ومهمة.
    وبتوقير العلماء توقر الشريعة؛ لأنهم حاملوها، وبإهانة العلماء تهان الشريعة؛ لأن العلماء إذا ذلوا وسقطوا أمام أعين الناس؛ ذلت الشريعة التي يحملونها، ولم يبق لها قيمة عند الناس، وصار كل إنسان يحتقرهم ويزدريهم فتضيع الشريعة".
    وهنا يجدر بنا أن نوجه نصيحة لإخواننا هؤلاء الذين أدمنوا الكلام في أهل العلم، وأصبح ديدنهم تجريح المشايخ والعلماء، حتى إنهم تركوا الانشغال بالعلم وطلبه، وقصروا هممهم وطاقاتهم في هذا الأمر، فأصبحوا وإن قرأوا لا يقرؤون إلا في تلك المسائل التي خالفهم فيها غيرهم؛ ليتعلَّموها ويجادلوا بها إخوانهم، وقد تكون هذه المسائل –بل غالبًا ما تكون- أعلى من مرحلتهم التي هم عليها في طلب العلم؛ وبالتالي تكون أكبر من فَهمهم، فيكونون بذلك قد وقعوا في ثلاثة محاذير:
    1- فوات شرط الإخلاص عليهم؛ لأنهم تعلموا وقرأوا لا لله، لكن للمراء والمجادلة.
    2- وقوعهم في الغيبة والنميمة والبهتان؛ لتكلُّمهم في أعراض إخوانهم من أهل العلم.
    3- فوات فائدة التدرج –على أهميتها- عليهم؛ لأنهم قرأوا في مسائل لم يصلوا إليها.
    فهؤلاء نقول لهم: أما آن لكم أن تدعوا التطاول على أهل العلم والعلماء، أما آن لكم أن تعرفوا لأهل العلم فضلهم، أما آن أن يسعنا ما وسع سلفنا الصالح عليهم رحمة الله.
    أما علمتم أن العالم أو الشيخ إذا وافقت أصوله وقواعده أصول أهل السنة والجماعة وقواعدهم، ثم هو أخطأ -في بعض المسائل- في التطبيق أنه لا يُبَدَّع بهذا، بل يُعدُّ هذا من أخطائه التي لا تنفك عنه أو عن غيره باعتباره بشرًا.
    أما علمتم أن الصواب قد يكون مع من خالفتموهم وتكلمتم فيهم من أهل العلم دونكم أنتم.
    ثم أما علمتم أن من تتكلمون فيهم اليوم من أهل العلم قد عاصروا علماءنا المعتبرين؛ أمثال الشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين عليهم رحمة الله تعالى جميعًا، وما تكلَّم أحد من هؤلاء العلماء فيمن تكلَّمتم أنتم فيهم.
    أما علمتم أنكم بطعنكم فيهم اليوم تتهمون –وأنتم لا تشعرون- هؤلاء العلماء الأجلاء عليهم رحمة الله؛ إما بالجهل وإما بالتقصير!!
    وذلك أنكم بطعنكم في هؤلاء المشايخ مع معاصرتهم لهؤلاء العلماء وعدم طعنهم فيهم لا تخرجون عن أحد أمرين:
    1- إما أنكم تزعمون أنهم لم يستطيعوا تمييز ما عليه هؤلاء من خطأ وميزتموه أنتم وعرفتموه دون هؤلاء العلماء؛ فهذا اتهامهم بالجهل!! وحاشاهم ذلك.
    2- وإما أنكم تزعمون أنهم علموا وسكتوا؛ وهذا اتهامهم بالتقصير وعدم النصح للمسلمين!! وحاشاهم ثم حاشاهم ذلك؛ فهم العلماء الربانيون الذين طالما نصحوا للأمة، بل إنهم أوقفوا حياتهم في سبيل ذلك.
    وأخيرًا أيها الإخوة، عليكم بترك ما أنتم عليه والاتجاه إلى العلم النافع والاشتغال بما ينفعكم وينفع المسلمين، فإني لا أرى ما أنتم فيه إلا تلبيسًا من إبليس؛ حيث صور لكم أنكم في معرض النصح للأمة، ولو أنعمتم النظر لوجدتم أنكم غارقون في البهتان والغيبة والنميمة.
    فنسأل الله لنا ولكم الهداية، وبالله العصمة والتوفيق.
    كما أننا ننكر على إخواننا الذين يلتزمون بأقوال المشايخ؛ حتى وصلوا لدرجة التقديس؛ فالقاعدة تقول: إنه لا إفراط ولا تفريط، والتقديس والعصمة إنما هي للكتاب والسنة فحسْب، فمنهج أهل السنة والجماعة هو الوسطية.
    وكان السلف عليهم رحمة الله أشد الناس توقيرًا لشيوخهم، ومعرفة لفضل علمائهم؛ فقد {صلى زيد بن ثابت رضي الله عنه على جنازة، ثم قُربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس، فأخذ بركابه، فقال له زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله
    صلى الله عليه وسلم. فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء.
    وعن المغيرة قال: كنا نهاب إبراهيم النخعي كما يُهاب الأمير.
    وعن أيوب قال: كان الرجل يجلس إلى الحسن ثلاث سنين، فلا يسأل عن شيء هيبة له.
    وعن إسحاق الشهيد قال: كنت أرى يحيى بن سعيد القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة بالمسجد؛ فيقف بين يديه علي بن المديني، والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيره يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم، إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحد منهم: اجلس. ولا يجلسون هيبة له وإعظامًا.
    ويقال: إن الشافعي رحمه الله عوتب على تواضعه للعلماء؛ فقال:
    أُهينُ لَهُم نَفسي فهم يكرمونها
    وَلن تُكرَمَ النَفسُ الَّتي لا تُهينا

    وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيُّ، قَالَ: "مَا كَانَ إِنْسَانٌ يَجْتَرِئُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُ كَمَا يُسْتَأْذَنُ الْأَمِيرُ".
    وقَالَ ابْنُ الْخَيَّاطِ يَمْدَحُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ:
    يَدَعُ الْجَوَابَ فَلَا يُرَاجَعُ هَيْبَةً
    وَالسَّائِلُونَ نَوَاكِسُ الْأَذْقَان

    نُورُ الْوَقَارِ وَعِزُّ سُلْطَانِ التُّقَى
    فَهُوَ الْمُهِيبُ وَلَيْسَ ذَا سُلْطَانِ"

    وَقَالَ أحمد بن حنبل لخلف: "لَا أَجْلِسُ إِلَّا بَيْنَ يَدَيْكَ، أُمِرْنَا أَنْ نَتَوَاضَعَ لِمَنْ نَتَعَلَّمَ مِنْهُ".
    وعن الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ، يَقُولُ: "كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنَ الرَّجُلِ الْحَدِيثَ، كُنْتُ لَهُ عَبْدًا مَا حَيِيَ، فَكُلَّمَا لَقِيتُهُ سَأَلْتُهُ عَنْهُ".
    2- على طالب العلم أن يُجِلَّ شيخه، ويستر عيبه، ويدعو له؛ فإن ظهر خطأ الشيخ لا يجادله أمام الناس، وإنما يخلو به ويقول: أشكل عليَّ كذا، فأرجو أن توضحه لي، ويذكر له ما وصل إليه علمه بنوع من الأدب، لكي ينشرح له صدره، وينفتح له قلبه، ويدعو في نفسه لشيخه بأن يُلهم الصواب، فإن لم يرُق له جواب شيخه فلا يشهر به، ولا يطعن فيه؛ فلعله من الخلاف السائغ.
    3- على طالب العلم ألا يخاطب شيخه باسمه، ولا يذكره في غيبته إلا مقرونا بما يشعر توقيره؛ كقوله: قال الشيخ، أو: قال شيخنا حفظه الله، أو: قال الأستاذ... وهكذا.
    قال ابن جماعة رحمه الله: "وينبغي أن لا يخاطب شيخه بتاء الخطاب ولا كافه، ولا يناديه من بُعْدٍ؛ بل يقول: يا سيدي، ويا أستاذي.
    وقال الخطيب: يقول: أيها العالم، وأيها الحافظ، ونحو ذلك، وما تقولون في كذا، وما رأيكم في كذا.. وشبه ذلك، ولا يسميه في غيبته أيضًا باسمه إلا مقرونًا بما يشعر بتعظيمه؛ كقوله: قال الشيخ أو الأستاذ كذا. وقال شيخنا. أو قال حجة الإسلام. أو نحو ذلك".
    قال حماد بن زيد: قدم علينا حجاج، وهو ابن أرطاة، وله إحدى وثلاثون سنة، فرأيت عليه من الزحام ما لم أرَ على حماد بن أبي سليمان. قال حماد: فرأيت عنده يونس بن عبيد، ومطرًا الوراق، وداود بن أبي هند جثاة يقولون: يا أبا أرطاة: ما تقولون في كذا؟ ما تقولون في كذا؟. فما نادوه باسمه بل كنوه تبجيلًا له.

    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    4- وعلى الطالب أن يصبر على جفوة تحدثُ من شيخه، أو سوء خُلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته، بل يعتذر إليه، ويجعل العُتْبَ عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، وأنفع للطالب في دنياه وآخرته. وقد قيل: مَنْ لم يصبر على ذلِّ التعلم بقي عمره في عماية الجهل، ومن صبر عليه آل أمره إلى عزِّ الدنيا والآخرة.
    قال الشافعي رضي الله عنه: "قيل لسفيان بن عيينة: إن قومًا يأتوك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا أو يتركوك؟ فقال للقائل: هم حمقى إذًا مثلك، إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي".
    وقال أبو يوسف رحمه الله: "خمسة يجب على الإنسان مداراتهم: وعد منهم: العالم ليقتبس من علمه".
    اِصبِر عَلى مُرِّ الجَفا مِن مُعَلِّمٍ
    فَإِنَّ رُسوبَ العِلمِ في نَفَراتِهِ

    وَمَن لَم يَذُق مُرَّ التَعَلُّمِ ساعَةً
    تَذَرَّعَ ذُلَّ الجَهلِ طولَ حَياتِهِ

    وَمَن فاتَهُ التَعليمُ وَقتَ شَبابِهِ
    فَكَبِّر عَلَيهِ أَربَعاً لِوَفاتِهِ

    5- وليحذر طالب العلم أشدّ الحذر أن يماري أستاذه؛ فإن المراء شر كله، وهو مع شيخه وقدوته أقبح، وهو سبب للحرمان من كثير من العلم.
    قال ميمون بن مهران رحمه الله: لا تمارِ من هو أعلم منك، فإن فعلت خَزَّن عنك علمه، ولم يضره شيئًا.
    وعن الزهري رحمه الله قال: كان سلمة يماري ابن عباس؛ فحرم بذلك علمًا كثيرًا.
    قال ابن جريج: لم أستخرج الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به.
    6- وإذا نبه الشيخ على دقيقة من أدب، أو نقيصة صدرت منه، وكان يعرفها من قبل، فلا يظهر أنه كان عارفًا بها وغفل عنها، بل يشكر الشيخ على إفادته ذلك، واعتنائه بأمره.
    فإن كان له في ذلك عذر، وكان إعلام الشيخ به أصلح فلا بأس به، وإلا تركه، إلا أن يترتب على ترك بيان العذر مفسدة فيتعين إعلامه به.
    7- إذا جاء الطالب فألفى الشيخ نائمًا؛ فلا ينبغي له أن يستأذن عليه، بل يجلس ينتظر استيقاظه، أو ينصرف إن شاء.
    قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كان يبلغني الحديث عن الرجل، فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح عليَّ من التراب، فيخرج فيقول: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك؟ ألا أرسلت إليَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك فأسأله عن الحديث.
    8- وينبغي لطالب العلم أن يتأدب في أثناء الدرس؛ فلا يسبق الشيخ بشرح مسألة، أو جواب سؤال.
    "ولا يظهر معرفته به، أو إدراكه له قبل الشيخ؛ فإن عرض الشيخ عليه ذلك ابتداءً والتمسه منه فلا بأس، وينبغي أن لا يقطع علي الشيخ كلامه؛ أيّ كلام كان، ولا يسابقه فيه، ولا يساويه؛ بل يصبر حتى يفرغ الشيخ من كلامه ثم يتكلم، ولا يتحدث مع غيره والشيخ يتحدث معه أو مع جماعة المجلس.
    وليكن ذهنه حاضرًا في جهة الشيخ؛ بحيث إذا أمره بشيء، أو سأله عن شيء، أو أشار إليه لم يحوجه إلى إعادته ثانيًا؛ بل يبادر إليه مسرعًا، ولم يعاوده فيه أو يعترض عليه بقوله: فإن لم يكن الأمر كذا".
    ولا يكثر من العبث أو الالتفات.
    قال الشافعي رحمه الله: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحًا رقيقًا هيبة له لئلا يسمع وقعها.
    وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له.
    وأخرج الخطيب بسنده عن أحمد بن سنان القطان قال: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يُتحدث في مجلسه، ولا يُبرى فيه قلم، ولا يتبسم فيه أحد؛ فإن تُحدث أو برى قلم؛ صاح ولبس نعليه ودخل.
    وكان وكيع أيضًا في مجلسه كأنهم في صلاة، فإن أنكر مِنْ أمرهم شيئًا انتعل ودخل.
    وكان ابن نمير يغضب ويصيح، وكان إذا رأى من برى قلمًا تغيَّر وجهه.
    وعن عبد الرحمن بن عمر قال: ضحك رجل في مجلس عبد الرحمن بن مهدي فقال: من ضحك؟ فأشاروا إلى الرجل؛ فقال: تطلب العلم وأنت تضحك؟! لا حدَّثتكم شهرًا.
    9- قال ابن جماعة رحمه الله: على طالب العلم أن لا يدخل على الشيخ -في غير المجلس العام- إلا باستئذان، فإن استأذن ولم يؤذن له انصرف، ولا يزيد في الاستئذان فوق ثلاث طرقات.
    وذلك لحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أن النبي
    صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًافَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ».
    وليكن طرق الباب خفيفًا بأدب
    عن أنس بن مالك رضي الله عنه: إن أبواب النبي
    صلى الله عليه وسلم كانت تقرع بالأظافير.
    10- وقال أيضًا: ومتى دخل على الشيخ وعنده مَنْ يتحدث معه، فسكتوا عن الحديث، أو دخل والشيخ يصلي أو يذكر أو يكتب أو يطالع، فترك ذلك فليسلم ويخرج مسرعًا إلا أن يحثه الشيخ على المكث، وإذا مكث فلا يطيل إلا أن يأمره بذلك.
    11- وينبغي لطالب العلم أن يجلس بين يدي شيخه بتواضع وسكون، ويصغي إلى الشيخ ناظرًا إليه متعلقًا لقوله، ولا يلتفت من غير ضرورة، ولا يعبث بلحيته، أو فمه، أو أنفه، ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط ونحوه إلا بإذنه، ولا يكثر كلامه من غير حاجة، ولا يعتمد على يديه إلى ورائه أو جنبه إلا لحاجة.
    ولا يكثر التنحنح من غير حاجة، وإذا عطس خفض صوته، وستر وجهه بمنديل ونحوه.
    وإذا سمع الشيخ يذكر حكمًا في مسألة أو فائدة مستغربة، أو يحكي حكاية، أو ينشد شعرًا وهو يحفظ ذلك أصغى إليه كأنه يسمعه لأول مرة في حياته.
    وإذا ناول الشيخ كتابًا ناوله مفتوحًا على الموضع المراد، ولا يحذف إليه الشيء حذفًا.
    وإذا أخطأ الشيخ فلا يرده أمام الناس، وإنما ينفرد به، ويتلطف في الرد، فلا يقل: أخطأت، وإنما يقول له مثلًا: أشكل عليَّ كذا مع ورود حديث بكذا؛ فأرجو أن توضح لي ذلك. ونحو هذا.
    نكتفي بهذا القدر، وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،، فمع الأدب الثامن من آداب طالب العلم، ألا وهو: التثبت في الفتيا ينبغي لطالب العلم أن يعلم أن الفتوى في الدين مسئولية عظيمة، فعليه أن يدفعها عن نفسه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، صيانة لنفسه، وإبقاءً لدينه؛ فقد كان إمام الأنبياء، وصفوة الأتقياء، وأسوة الأولياء، وخلاصة الأصفياء، محمد صلى الله عليه وسلم إذا ورد عليه ما ليس عنده من ربه عِلْمٌ به توقَّف فيه حتى يأتيه من ربه به خبر.
    وكذلك كان أمين الوحي جبريل عليه السلام، والملائكة المكرمون، لا يتكلمون إلا فيما لهم به علم.
    أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) قَالَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ
    صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ قَالَ: فَقَالَ: «لَا أَدْرِي» فَلَمَّا أَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟» قَالَ: «لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ» فَانْطَلَقَ جِبْرِيلُ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ سَأَلْتَنِي أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: أَسْوَاقُهَا».
    فيا لله! ما أجلَّ مقام «لا أدري»!! فهذا هو النبي
    صلى الله عليه وسلم وهو من هو يجيب عن سؤال جبير بن مطعم رضي الله عنه: أي البلاد شر؟ بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا أدري»، وكذلك صنع أمين الوحي جبريل عليه السلام، وما نطق في الإجابة بحرف حتى سأل ربه عز وجل.
    والملائكة المكرمون يتوقفون عند حدود ما عُلِّموا لا يتقدمون، فإنهم لما سألهم ربهم عز وجل:{فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم}(البقرة: ٣١ – ٣٢).
    فأي ضير على الرجل إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: لا أعلمه؟! أو عن أمر لا يدريه أن يقول: لا أدريه؟! وإمامه في ذلك رسول الله
    صلى الله عليه وسلم، وجبريل عليه السلام والملائكة المكرمون، والتزام الأصحاب رضي الله عنهم هذا النهج لا يفترون عن الأخذ به، ولا عنه يحيدون، ولا يتكلَّفون ما لا يحسنون، ولا يتجملون بما لا يملكون.
    قال ابن جماعة رحمه الله: "واعلم أن قول المسئول: (لا أدري) لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة، بل يرفعه؛ لأنه دليل عظيم على عظم محله، وقوة دينه، وتقوى ربه، وطهارة قلبه، وكمال معرفته، وحسن تثبته".
    ولهذا كله كان السلف عليهم رحمة الله تبارك وتعالى هم أخوف الناس من الفتيا، وأبعدهم عنها، روى أيوب عن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن آية، فقال: أيُّ أرض تقلني، وأي سماء تظلني؟ وأين أذهب؟ وكيف أصنع إذا أنا قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله به؟
    وعَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ مَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَكْفِيَهُ صَاحِبُهُ الْفَتْوَى».
    وقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَدْرَكْتُ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ
    صلى الله عليه وسلم، يَسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا هَذَا إِلَى هَذَا، وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْأَوَّلِ.
    وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي، ثُمَّ قَالَ: وَابَرْدَهَا عَلَى الْكَبِدِ: سُئِلْتُ عَمَّا لَا أَعْلَمُ، فَقُلْتُ: لَا أَعْلَمُ.
    وَعَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَسُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَلَمَّا ذَهَبَ الرَّجُلُ، أَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَنِعْمَ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ لَمَا لَا يَدْرِي: لَا أَدْرِي.
    وعن عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، ثُمَّ أَتْبَعَهَا، فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا ظُهُورَنَا لَكُمْ جُسُورًا فِي جَهَنَّمَ، أَنْ تَقُولُوا أَفْتَانًا ابْنُ عُمَرَ بِهَذَا.
    وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من أفتى الناس في كل ما يُسأل عنه فهو مجنون.
    وعن مَالِكٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «إِذَا أَخْطَأَ الْعَالِمُ أَنْ يَقُولَ لَا أَدْرِي، فَقَدْ أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ.
    وعن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ –أيضًا- أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُوَرِّثَ جُلَسَاءَهُ مِنْ بَعْده لَا أَدْرِي، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي أَيْدِيهِمْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ، إِذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَمَّا لَا يَدْرِي، قَالَ: لَا أَدْرِي.
    وعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: (لَا أَدْرِي) نِصْفُ الْعِلْمِ.
    وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: كِتَابٌ نَاطِقٌ، وَسُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، وَلَا أَدْرِي.
    وسئل القاسم بن محمد بن أبي بكر عن شيء فقال: لا أحسنه. فقال له السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك. فقال القاسم –وهو أحد الفقهاء المشهورين-: لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه. فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم. فقال القاسم: والله لأنْ يُقطع لساني أحب إليَّ من أن أتكلم بما لا علم لي به.
    وسئل مالك عن مسألة فقال: لا أدري. فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة؛ فغضب وقال ليس في العلم خفيف، أما سمعت قول الله تعالى:{إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}(المزمل: ٥)؟
    فالعلم كله ثقيل؛ خاصة ما يسأل عنه يوم القيامة.
    قال عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُسْأَلُ عَنِ الشَّيْءِ، فَيَتَكَلَّمُ وَإِنَّهُ لِيَرْعَدُ.
    وقال سفيان ابن عيينة: أجسر الناس على الفتوى أقلهم علمًا.
    وسئل الشعبي رحمه الله عن شيء؛ فقال: لا أدري. فقيل: ألا تستحي من قولك: لا أدري وأنت فقيه العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستحِ حين قالت:{سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم}(البقرة: ٣٢).
    وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: العجلة في الفتوى نوع من الجهل.
    وعن أَبِي مُصْعَبٍ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ.
    وَقَالَ الهَيْثَمُ بنُ جَمِيْلٍ: سَمِعْتُ مَالِكاً سُئِلَ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ مَسْأَلَةً، فَأَجَابَ فِي اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ مِنْهَا بِـ: لاَ أَدْرِي.
    وَعَنْ خَالِدِ بنِ خِدَاشٍ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى مَالِكٍ بِأَرْبَعِيْنَ مَسْأَلَةً، فَمَا أَجَابَنِي مِنْهَا إِلاَّ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ.
    وعن يُونُس بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ آلَةِ الْفُتْيَا مَا جَمَعَ فِي ابْنِ عُيَيْنَةَ أَسْكَتَ عَنِ الْفُتْيَا مِنْهُ.
    قال خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ أَيُّوبَ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ شَيْءٍ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَيُّوبُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا أَرَاكَ فَهِمْتَ، قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا لَكَ لَا تُجِيبُنِي؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُ. قَالَ مَالِكٌ: وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ.
    قال خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ قَالَ: سُئِلَ أَيُّوبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: دُلَّنِي عَلَى مَنْ يَدْرِي، فَقَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي، وَلَا أَدْرِي مَنْ يَدْرِي.
    قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: سَأَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: تَقُولُ لَا أَدْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَبَلِّغْ مَنْ وَرَاءَكَ أَنِّي لَا أَدْرِي.
    قال الْمُبَرِّدُ: قَالَ بَعْضُ الْأَوَائِلِ: لَقَدْ حَسُنَتْ عِنْدِي لَا أَدْرِي، حَتَّى أَرَدْتُ قَوْلَهَا فِيمَا أَدْرِي.
    قال أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْتَفْتَى، فَيُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: لَا أَدْرِي.
    قَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعَ: مَنْ أَنِفَ مِنْ قَوْلِ لَا أَدْرِي تَكَلَّفَ الْكَذِبَ.
    قال أَبُو الصَّلْتِ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ قَالَ: وَاللَّهِ، إِنْ كَانَ مَالِكٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ كَأَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
    قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّكُمْ تَسْتَفْتُونَنَ ا اسْتِفْتَاءَ قَوْمٍ كَأَنَّا لَا نَسْأَلُ عَمَّا نُفْتِيكُمْ بِهِ.
    عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَوْلَا الْفَرَقُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَضِيعَ الْعِلْمُ مَا أَفْتَيْتُ أَحَدًا، يَكُونُ لَهُ الْمَهْنَأُ وَعَلَيَّ الْوِزْرُ.
    حَدَّثَ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ: أَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ الرَّجُلُ فَيَسْأَلُهُ عَنِ الشَّيْءِ، فَيُخْبِرُهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ فِي إِثْرِهِ مَنْ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ، فَيَقُولُ لَهُ: إِنِّي قَدْ عَجِلْتُ فَلَا تَقْبَلْ شَيْئًا مِمَّا قُلْتُ لَكَ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيَّ، قَالَ: وَكَانَ قَلِيلًا مَنْ يُفْتِي مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ كَمَنْ لَا يَخْشَاهُ.
    قَالَ مَالِكٌ: كُنْتُ أُسْأَلُ وَأَنَا حَدَثُ السِّنِّ، فَمَرَرْتُ بِمَجْلِسِ الْأَنْصَارِ فِيهِ عُمَرُ بْنُ خَلْدَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، فَقَالَ: تَعَالَ يَا مَالِكُ: إِذَا سُئِلْتَ عَنْ شَيْءٍ فَتَفَكَّرْ فِيهِ، فَإِنْ وَجَدْتَ لِنَفْسِكَ مَخْرَجًا فَتَكَلَّمْ، وَإِلَّا فَاسْكُتْ.
    وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود جُلُوسًا وَهُوَ مُضْطَجِعٌ بَيْنَنَا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ قَاصًّا عِنْدَ أَبْوَابِ كِنْدَةَ يَقُصُّ وَيَزْعُمُ أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكُفَّارِ وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ -وَجَلَسَ وَهُوَ غَضْبَانُ-: يَا أَيَّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ، مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِمَا يَعْلَمُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ
    صلى الله عليه وسلم:{قل ما أسألكم عليه أجرا وما أنا من المتكلفين}(ص: ٨٦ ).
    عن حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سُئِلَ الْقَاسِمُ يَوْمًا عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. ثُمَّ قَالَ: مَا كُلُّ مَا تَسْأَلُونَا عَنْهُ نَعْلَمُ، وَلَوْ عَلِمْنَا مَا كَتَمْنَاكُمْ، وَلَا حَلَّ لَنَا أَنْ نَكْتُمَكُمْ.
    قال مَالِكٌ: أَتَى الْقَاسِمَ أَمِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ الْقَاسِمُ: إِنَّ مِنْ إِكْرَامِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ أَنْ لَا يَقُولَ إِلَّا مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ.
    قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَمْلأَ أَلْوَاحِي مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: لاَ أَدْرِي، لَفَعلْتُ.
    واعلم أخي –حفظك الله وهداك إلى الخير والصواب- أنَّ العلماء –رحمهم الله تعالى- قد اشترطوا شروطًا يلزم توافرها فيمن أراد أن يتصدر للفتيا وإفتاء الناس، وجميع من تقدم ذكرهم من السلف عليهم رحمة الله وتورعهم عن الفتيا إنما توفرت فيهم هذه الشروط، بل وبقدر زائد عنها، ورغم ذلك كان تورعهم عن الفتيا كما قد رأيت، فكيف بمن هو دونهم بكثير؛ بل ولا يدانيهم من قريب أو بعيد.
    قال الخطيب البغدادي: "بَابُ ذِكْرِ شُرُوطِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى".
    ثم قال رحمه الله:
    "1- أَوَّلُ أَوْصَافِ الْمُفْتِي الَّذِي يَلْزَمُ قَبُولُ فَتْوَاهُ: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ.
    2- ثُمَّ يَكُونُ عاقلاً؛ لأَنَّ القَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنِ المَجْنُونِ لِعَدَمِ عَقْلِهِ.
    3- ثُمَّ يَكُونُ عَدْلًا ثِقَةً، لِأَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْفَاسِقَ غَيْرُ مَقْبُولِ الْفَتْوَى فِي أَحْكَامِ الدِّينِ، وَإِنْ كَانَ بَصِيرًا بِهَا، وَسَوَاءً كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْفَتْوَى.
    4- ثُمَّ يَكُونُ عَالِمًا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَعِلْمُهُ بِهَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِأُصُولِهَا وَارْتِيَاضٍ بِفُرُوعِهَا.
    وَأُصُولُ الْأَحْكَامِ فِي الشَّرْعِ أَرْبَعَةٌ:
    أَحَدُهَا: الْعِلْمُ بِكِتَابِ اللَّهِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ مَعْرِفَةُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ: مُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا، وَعُمُومًا وَخُصُوصًا، وَمُجْمَلًا وَمُفَسَّرًا، وَنَاسِخًا وَمَنْسُوخًا.
    وَالثَّانِي: الْعِلْمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ
    صلى الله عليه وسلم الثَّابِتَةِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَطُرُقِ مَجِيئِهَا فِي التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ، وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَى سَبَبٍ أَوْ إِطْلَاقٍ.
    وَالثَّالِثُ: الْعِلْمُ بِأَقَاوِيلِ السَّلَفِ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، لِيَتَّبِعِ الْإِجْمَاعَ، وَيَجْتَهِدْ فِي الرَّأْيِ مَعَ الِاخْتِلَافِ.
    وَالرَّابِعُ: الْعِلْمُ بِالْقِيَاسِ الْمُوجِبِ، لِرَدِّ الْفُرُوعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا إِلَى الْأُصُولِ الْمَنْطُوقِ بِهَا، وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، حَتَّى يَجِدَ الْمُفْتِي طَرِيقًا إِلَى الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ النَّوَازِلِ، وَتَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، فَهَذَا مَا لَا مَنْدُوحَةُ لَلْمُفْتِي عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِخْلَالُ بِشَيْءٍ مِنْهُ".
    ثم ذكر الخطيب رحمه الله بعض الآثار عن السلف رحمهم الله تدل على ذلك؛ فقال رحمه الله:
    عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: "لَا يُفْتِي النَّاسَ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ قَدْ عَرَفَ نَاسِخَ الْقُرْآنِ وَمَنْسُوخَهُ، أَوْ أَمِيرٌ لَا يَجِدُ بُدًّا، أَوْ أَحْمَقُ مُتَكَلِّفٌ.
    وقَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُفْتِي فِي دِينِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلًا عَارِفًا بِكِتَابِ اللَّهِ: بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَبِمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ ، وَتَأْوِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ، وَمَكِّيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ، وَفِيمَا أُنْزِلَ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيرًا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ
    صلى الله عليه وسلم، وَبِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَيَعْرِفُ مِنَ الْحَدِيثِ مِثْلَ مَا عَرَفَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَكُونُ بَصِيرًا بِاللُّغَةِ، بَصِيرًا بِالشِّعْرِ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ، وَيَسْتَعْمِلُ مَعَ هَذَا الْإِنْصَافَ، وَقِلَّةَ الْكَلَامِ، وَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا مُشْرِفًا عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَيَكُونُ لَهُ قَرِيحَةٌ بَعْدَ هَذَا، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيُفْتِيَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ وَلَا يُفْتِي.
    قال صَالِحٌ -يَعْنِي ابْنَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ- لِأَبِيهِ: مَا تَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُسْأَلُ عَنِ الشَّيْءِ فَيُجِيبُ بِمَا فِي الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ بِعَالِمٍ بِالْفُتْيَا؟ قَالَ: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إِذَا حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى الْفُتْيَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالسُّنَنِ، عَالِمًا بِوُجُوهِ الْقُرْآنِ، عَالِمًا بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ، وَإِنَّمَا جَاءَ خِلَافُ مَنْ خَالَفَ لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السُّنَّةِ، وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِصَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا.
    وعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: قِيلَ لَهُ: مَتَى يُفْتِي الرَّجُلُ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْأَثَرِ، بَصِيرًا بِالرَّأْيِ.
    وعن يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ سُئِلَ: مَتَى تُحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفْتِيَ قَالَ: إِذَا كَانَ بَصِيرًا بِالرَّأْيِ، بَصِيرًا بِالْأَثَرِ".
    ثم قال الخطيب رحمه الله: "قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ: قَوِيَّ الِاسْتِنْبَاطِ جَيِّدَ الْمُلَاحَظَةِ، رَصِينَ الْفِكْرِ، صَحِيحَ الِاعْتِبَارِ، صَاحِبَ أَنَاةٍ وَتُؤَدَةٍ، وَأَخا اسْتَثْبَاتٍ، وَتَرْكِ عَجَلَةٍ، بَصِيرًا بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، مَسْتَوْقِفًا بِالْمُشَاوَرَة ِ، حَافِظًا لِدِينِهِ، مُشْفِقًا عَلَى أَهْلِ مِلَّتِهِ، مُوَاظِبًا عَلَى مُرُوءَتِهِ، حَرِيصًا عَلَى اسْتِطَابَةِ مَأْكَلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَوَّلُ أَسْبَابِ التَّوْفِيقِ، مُتَوَرِّعًا عَنِ الشُّبُهَاتِ، صَادِفًا عَنْ فَاسِدِ التَّأْوِيلَاتِ ، صَلِيبًا فِي الْحَقِّ، دَائِمُ الِاشْتِغَالِ بِمَعَادِنِ الْفَتْوَى، وَطُرُقِ الِاجْتِهَادِ، وَلَا يَكُونُ مِمَّنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ، وَاعْتَوَرَهُ دَوَامُ السَّهَرِ، وَلَا مَوْصُوفًا بِقِلَّةِ الضَّبْطِ، مَنْعُوتًا بِنَقْصِ الْفَهْمِ، مَعْرُوفًا بِالِاخْتِلَالِ ، يُجِيبُ بِمَا لَا يَسْنَحُ لَهُ، وَيُفْتِي بِمَا يَخْفَى عَلَيْهِ..."
    ثم قال رحمه الله: "وَفِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَصْلُحُ أَنْ يُفْتِيَ تَنْبِيهٌ عَلَى مَنْ لَا تَجُوزُ فَتْوَاهُ".
    ثم قال رحمه الله: "فَمِنْ شَرْطِ الْمُفْتِي النَّظَرُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ إِلَّا بِمُلَاقَاةِ الرِّجَالِ، وَالِاجْتِمَاعِ مَعَ أَهْلِ النِّحَلِ وَالْمَقَالَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَمُسَاءَلَتِهِ مْ، وَكَثْرَةِ الْمُذَاكَرَةِ لَهُمْ، وَجَمْعِ الْكُتُبِ، وَدَرْسِهَا، وَدَوَامِ مُطَالَعَتِهَا".
    قلت: "قال الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَنَا أَسْمَعُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ مِنَ الْحَدِيثِ حَتَّى يُمْكِنَهُ أَنْ يُفْتِيَ؟ يَكْفِيهِ مِائَةُ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا. قِيلَ: مِائَتَا أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا. قِيلَ: ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا. قِيلَ: أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا. قِيلَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ: أَرْجُو".
    قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: عَجِبْتُ مِمَّنْ يُفْتِي فِي مَسَائِلَ الطَّلاَقِ، يَحْفَظُ أَقَلَّ مِنْ مائَةِ أَلْفِ حَدِيْثٍ.
    وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    Exclamation رد: آداب طالب العلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،، فمع الأدب التاسع من آداب طالب العلم ألا وهو: (حفظ الوقت) ليعلم طالب العلم أن الوقت رأس ماله، وأنه لا يصل إلى ما يرجوه من الحفظ والتحصيل إلا باستغلاله، والحفاظ عليه، وليكن أشحَّ بوقته من البخيل بماله، فما حفظ الحفاظ، ولا فقه الفقهاء، ولا علم العلماء إلَّا بحفظ أوقاتهم.

    فهذا المحدث الشهير ((عبيد بن يعيش)) شيخ البخاري ومسلم يقول: أقمتُ ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل، وكانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث.
    وهذا الإمام سليم الرازي شيخ الشافعية في زمانه: كان يحاسب نفسه على الأوقات حسابًا شديدًا، حتى لا يدع وقتًا يمر بلا فائدة، قال عنه المؤمل بن الحسن: رأيت سليمًا حض عليه القلم، فإلى أنْ قطه –أي: براه وحسنه- جعل يحرك شفتيه فعلمت أنه يقرأ في أثناء إصلاحه القلم لئلا يمضي عليه زمان وهو فارغ.
    وهذا الخطيب البغدادي رحمه الله كان لا يمشي إلا وفي يده جزء يطالعه، حفاظًا على وقته.
    وهذا أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي رحمه الله يقول عن نفسه: لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري؛ حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح فلا أنهض، إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عمر الثمانين أشد مما كنتُ أجد وأنا ابن عشرين سنة.
    وقَالَ مُوْسَى بنُ إِسْمَاعِيْلَ التَّبُوْذَكِيّ ُ: لَوْ قُلْتُ لَكُم: إِنِّيْ مَا رَأَيتُ حَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ ضَاحِكاً، لَصَدَقْتُ، كَانَ مَشْغُوْلاً، إِمَّا أَنْ يُحَدِّثَ، أَوْ يَقْرَأَ، أَوْ يُسبِّحَ، أَوْ يُصَلِّيَ، قَدْ قَسَّمَ النَّهَارَ عَلَى ذَلِكَ.
    ومن صور الحفاظ على الوقت، وعدم تضييعه: المبادرة إلى طلب العلوم في الشباب، فإنَّ هذا الوقت من العمر وقت القوة، والهمة، والعزيمة،
    قال ابن جماعة رحمه الله: يبادر –أي: طالب العلم- شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل، ولا يغتر بخدع التسويف والتأمل، فإنَّ كل ساعة تمضي من عمره، لا بدل لها، ولا عوض عنها.
    وقال الزرنوجي: فيغتنم أيام الحداثة وعنفوان الشباب، كما قيل:
    بقدر الكد تُعطى ما تروم

    فمن رام المنى ليلًا يقوم

    وأيام الحداثة فاغتنمها
    ألا إنَّ الحداثة لا تروم

    ومنها: تنظيم الأوقات في طلب العلوم، وترتيبها مع كل علم، وبما يعود بالنفع الكثير على الطالب؛ قال ابن جماعة رحمه الله: أنْ يقسم أوقات ليله ونهاره، ويغتنم ما بقي من عمره، فإنَّ بقية العمر لا قيمة له.
    ومنها: ترك فضول الصحبة، والخروج إلى الطرقات والأسواق؛ فمثل هذه المجالس ضرها أقرب من نفعها؛ ولذا وجب الاحتراز منها، فأقلُّ أضرارها ضياع وقت جالسيها، وعدم حصول المنفعة لهم من وراء جلستهم؛ لكثرة ما يكون فيها من لغو وغلط.
    ومنها: ترك فضول النوم، فلا ينال منه إلا ما يحتاج إليه.
    قال ابن جماعة: أنْ يقلل نومه ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، ولا يزيد في نومه في اليوم والليلة على ثمان ساعات، وهو ثلث الزمان، فإن احتمل حاله أقل منها فعل.
    ومنها: ترك فضول الاهتمام بتحصيل المباحات من أكل وشرب ووطء؛ فإنه منفقة للوقت، سواء في التحصيل أو في تهيئة أسبابها.
    فعليك أخي طالب العلم –حفظك الله ورعاك ودلك إلى كل خير- بدوام الحرص على الازدياد بملازمة الجد، والاجتهاد، والمواظبة على وظائف الأوراد من العبادة، والاشتغال والإشغال قراءةً وإقراءً ومطالعةً وفكرًا وتعليقًا وحفظًا وبحثًا.
    ولا تُضيع شيئًا من أوقات عمرك في غير ما هو بصدده من العلم والعمل إلا بقدر الضرورة من أكل أو شرب أو نوم أو استراحة لملل أو أداء حق زوجة أو زائر، أو تحصيل قوت، وغيره مما يحتاج إليه، أو لألم أو غيره مما يتعذر معه الاشتغال؛ فإن بقية عمر المؤمن لا قيمة له ومن استوى يوماه فهو مغبون.
    وكان بعضهم لا يترك الاشتغال لعروض مرض خفيف، أو ألم لطيف، بل كان يستشفي بالعلم، ويشتغل بقدر الإمكان؛ كما قيل:
    إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ
    ونترك الذكرَ أحياناً فننتكسُ

    وذلك لأن درجة العلم درجة وراثة الأنبياء، ولا تُنال المعالي إلا بشق الأنفس، وفي ((صحيح مسلم)) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حِفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحِفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» .
    قال المتنبي:
    تُريدينَ لُقيانَ المَعالي رَخيصَةً
    وَلا بُدَّ دونَ الشَهدِ مِن إِبَرِ النَحلِ

    وكما قيل:
    لا تحسبِ المجدَ تَمْراً أنت آكله
    لن تبلغَ المجد حَتَّى تَلْعَق الصَّبِرا

    واعلم _بارك الله فيك_ أن القليل إذا ضُمَّ بعضه إلى بعض صار كثيرًا، فلا تحقرنَّ من العلم شيئا، وإن كان قليلًا؛ كما قيل:
    اليوم شيء وغدًا مثله
    منْ نُخب العلمِ التي تُلتقط

    يحصِّل المرء بها حكمه
    وإنما السيل اجتماع النقط

    وهذا ابن الجوزي رحمه الله يقول:
    ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل من القول والعمل.
    ويقول يحيى بن القاسم: كان ابن سكينة عالمًا عاملًا، لا يضيع شيئًا من وقته، وكنا إذا دخلنا عليه يقول: لا تزيدوا على (سلام عليكم... مسألة)؛ وذلك لكثرة حرصه على المباحثة وتقرير الأحكام.
    وقال الربيع: "لم أرَ الشافعي رضي الله عنه آكلًا بنهار ولا نائمًا بليل؛ لاشتغاله بالتصنيف.
    وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,195

    افتراضي رد: آداب طالب العلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،، فهذا هو الأدب العاشر من آداب طالب العلم، ألا وهو: (العمل بما يعمل) قال الخطيب البغدادي رحمه الله: "ثُمَّ إِنِّي مُوصِيكَ يَا طَالِبَ الْعِلْمِ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ فِي طَلَبِهِ، وَإِجْهَادِ النَّفْسِ عَلَى الْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ شَجَرَةٌ وَالْعَمَلَ ثَمَرَةٌ، وَلَيْسَ يُعَدُّ عَالِمًا مَنْ لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِهِ عَامِلًا.

    وَقِيلَ: الْعِلْمُ وَالِدٌ وَالْعَمَلُ مَوْلُودٌ، وَالْعِلْمُ مَعَ الْعَمَلِ، وَالرِّوَايَةُ مَعَ الدِّرَايَةِ.
    فَلَا تَأْنَسْ بِالْعَمَلِ مَا دُمْتَ مُسْتَوْحِشًا مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا تَأْنَسْ بِالْعِلْمِ مَا كُنْتَ مُقَصِّرًا فِي الْعَمَلِ وَلَكِنِ اجْمَعْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قَلَّ نَصِيبُكَ مِنْهُمَا.
    وَمَا شَيْءٌ أَضْعَفُ مِنْ عَالِمٍ تَرَكَ النَّاسُ عِلْمَهُ لِفَسَادِ طَرِيقَتِهِ، وَجَاهِلٍ أَخَذَ النَّاسُ بِجَهْلِهِ لِنَظَرِهِمْ إِلَى عِبَادَتِهِ وَالْقَلِيلُ مِنْ هَذَا مَعَ الْقَلِيلِ مِنْ هَذَا أَنْجَى فِي الْعَاقِبَةِ إِذَا تَفَضَّلَ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ، وَتَمَّمَ عَلَى عَبْدِهِ النِّعْمَةَ، فَأَمَّا الْمُدَافَعَةُ وَالْإِهْمَالُ وَحُبُّ الْهُوَيْنَى وَالِاسْتِرْسَا لُ، وَإِيثَارُ الْخَفْضِ وَالدَّعَةِ وَالْمَيْلِ مَعَ الرَّاحَةِ وَالسَّعَةِ، فَإِنَّ خَوَاتِمَ هَذِهِ الْخِصَالِ ذَمِيمَةٌ، وَعُقْبَاهَا كَرِيهَةٌ وَخِيمَةٌ، وَالْعِلْمُ يُرَادُ لِلْعَمَلِ كَمَا الْعَمَلُ يُرَادُ لِلنَّجَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ قَاصِرًا عَنِ الْعِلْمِ، كَانَ الْعِلْمُ كَلًّا عَلَى الْعَالِمِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ عَادَ كَلًّا، وَأَوْرَثَ ذُلًّا، وَصَارَ فِي رَقَبَةِ صَاحِبِهِ غَلًّا.
    قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْعِلْمُ خَادِمُ الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ غَايَةُ الْعِلْمِ، فَلَوْلَا الْعَمَلُ لَمْ يُطْلَبْ عِلْمٌ وَلَوْلَا الْعِلْمُ لَمْ يُطْلَبْ عَمَلٌ، وَلَأَنْ أَدَعَ الْحَقَّ جَهْلًا بِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهُ زُهْدًا فِيهِ.
    وَقَالَ سَهْلُ بْنُ مُزَاحِمٍ: الْأَمْرُ أَضْيَقُ عَلَى الْعَالِمِ مِنْ عَقْدِ التِّسْعِينَ، مَعَ أَنَّ الْجَاهِلَ لَا يُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ، لَكِنَّ الْعَالِمَ أَشَدُّ عَذَابًا إِذَا تَرَكَ مَا عَلِمَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ، قَالَ الشَّيْخُ: وَهَلْ أَدْرَكَ مِنَ السَّلَفِ الْمَاضِينَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى إِلَّا بِإِخْلَاصِ الْمُعْتَقَدِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالزُّهْدِ الْغَالِبِ فِي كُلِّ مَا رَاقَ مِنَ الدُّنْيَا. وَهَلْ وَصَلَ الْحُكَمَاءُ إِلَى السَّعَادَةِ الْعُظْمَى إِلَّا بِالتَّشْمِيرِ فِي السَّعْيِ، وَالرِّضَى بِالْمَيْسُورِ، وَبَذْلِ مَا فَضَلَ عَنِ الْحَاجَةِ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ؟ ...
    وَكَمَا لَا تَنْفَعُ الْأَمْوَالُ إِلَّا بِإِنْفَاقِهَا، كَذَلِكَ لَا تَنْفَعُ الْعُلُومُ إِلَّا لِمَنْ عَمِلَ بِهَا، وَرَاعَى وَاجِبَاتِهَا فَلْيَنْظُرِ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ، وَلْيَغْتَنِمْ وَقْتَهُ، فَإِنَّ الثَّوَاءَ قَلِيلٌ وَالرَّحِيلَ قَرِيبٌ، وَالطَّرِيقَ مَخُوفٌ، وَالِاغْتِرَارَ غَالِبٌ، وَالْخَطَرَ عَظِيمٌ، وَالنَّاقِدَ بَصِيرٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى بِالْمِرْصَادِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَعَادُ {
    فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرة}(الزلزلة: ٧ – ٨).
    عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
    «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْعُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟».
    وفي رواية ابْنِ مَسْعُودٍ: عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
    «لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ؟».
    قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "تَعَلَّمُوا تَعَلَّمُوا فَإِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا".
    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: "مَثَلُ عِلْمٍ لَا يُعْمَلُ بِهِ كَمَثَلِ كَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ".
    وعن سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: "الْعِلْمُ كُلُّهُ دُنْيَا، وَالْآخِرَةُ مِنْهُ الْعَمَلُ بِهِ".
    وعنه قال: "النَّاسُ كُلُّهُمْ سُكَارَى إِلَّا الْعُلَمَاءُ، وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ حَيَارَى إِلَّا مَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ".
    وقال: "الدُّنْيَا جَهْلٌ وَمَوَاتٌ إِلَّا الْعِلْمَ، وَالْعِلْمُ كُلُّهُ حُجَّةٌ إِلَّا الْعَمَلَ بِهِ، وَالْعَمَلُ كُلُّهُ هَبَاءٌ إِلَّا الْإِخْلَاصَ، وَالْإِخْلَاصُ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ حَتَّى يُخْتَمَ بِهِ".
    قال عَبَّاسُ بْنُ أَحْمَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{
    والذين جاهدوا فينالنهدينهم سبلنا}(العنكبوت: ٦٩) الْآيَةُ. قَالَ: "الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ نَهْدِيهِمْ إِلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ".
    قَالَ يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ: "فِي الدُّنْيَا طُغْيَانَانِ: طُغْيَانُ الْعِلْمِ وَطُغْيَانُ الْمَالِ، وَالَّذِي يُنْجِيَكَ مِنْ طُغْيَانِ الْعِلْمِ الْعِبَادَةُ، وَالَّذِي يُنْجِيَكَ مِنْ طُغْيَانِ الْمَالِ الزُّهْدُ فِيهِ".
    قال أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدُ: "مَتَى أَرَدْتَ أَنْ تُشَرَّفَ بِالْعِلْمِ وَتُنْسَبَ إِلَيْهِ وَتَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ تُعْطَى الْعِلْمَ مَا لَهُ عَلَيْكَ، احْتَجَبَ عَنْكَ نُورُهُ وَبَقِيَ عَلَيْكَ رَسْمُهُ وَظُهُورُهُ، ذَلِكَ الْعِلْمُ عَلَيْكَ لَا لَكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ يُشِيرُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ، فَإِذَا لَمْ تَسْتَعْمِلِ الْعِلْمَ فِي مَرَاتِبِهِ رَحَلَتْ بَرَكَاتُهُ".
    وعن أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرُّوذْبَارِيّ َ يَقُولُ: "مَنْ خَرَجَ إِلَى الْعِلْمِ يُرِيدُ الْعِلْمَ لَمْ يَنْفَعْهُ الْعِلْمُ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى الْعِلْمِ يُرِيدُ الْعَمَلَ بِالْعِلْمِ نَفَعَهُ قَلِيلُ الْعِلْمِ".
    وعنه يَقُولُ: "الْعِلْمُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ، وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ يُوَرِّثُ الْفَهْمَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ".
    وعن مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ يَقُولُ: "مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِلْعَمَلِ كَسَرَهُ عَلِمُهُ، وَمَنْ طَلَبَهُ لِغَيْرِ الْعَمَلِ زَادَهُ فَخْرًا".
    وعَنْ مَطَرٍ قَالَ: "خَيْرُ الْعِلْمِ مَا نَفَعَ وَإِنَّمَا يَنْفَعُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ مَنْ عَلِمَهُ ثُمَّ عَمِلَ بِهِ، وَلَا يَنْفَعُ بِهِ مَنْ عَلِمَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ".
    وقَالَ أَبُو قِلَابَةَ،: "إِذَا أَحْدَثَ اللَّهُ لَكَ عِلْمًا فَأَحْدِثْ لَهُ عِبَادَةً، وَلَا يَكُنْ إِنَّمَا هَمُّكَ أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ النَّاسَ".
    وعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: "هِمَّةُ الْعُلَمَاءِ الرِّعَايَةُ، وَهِمَّةُ السُّفَهَاءِ الرِّوَايَةُ".
    وعن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: "هَتَفَ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ، وَإِلَّا ارْتَحَلَ".
    وقَالَ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: "لَا يَزَالُ الْعَالِمُ جَاهِلًا بِمَا عَلِمَ حَتَّى يَعْمَلَ بِهِ، فَإِذَا عَمِلَ بِهِ كَانَ عَالِمًا".
    وقال أيضًا: "إِنَّمَا يُرَادُ مِنَ الْعِلْمِ الْعَمَلُ، وَالْعِلْمُ دَلِيلُ الْعَمَلِ".
    وقال أيضًا: "عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا، فَإِذَا عَلِمُوا فَعَلَيْهِمُ الْعَمَلُ".
    وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: "عِلْمٌ بِلَا عَمَلٍ كَشَجَرَةٍ بِلَا ثَمَرَةٍ".
    وَقَالَ أَيْضًا: "عِلْمُ الْمُنَافِقِ فِي قَوْلِهِ، وَعِلْمُ الْمُؤْمِنِ فِي عَمَلِهِ".
    وقال يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنُ حَلْبَسَ الْجُبْلَانِيُّ : "تَقُولُ الْحِكْمَةُ: تَبْتَغِينِي ابْنَ آدَمَ وَأَنْتَ وَاجِدُنِي فِي حَرْفَيْنِ: تَعْمَلُ بِخَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَتَذَرُ شَرَّ مَا تَعْلَمُ".
    وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: "إِنَّمَا أَخَافُ أَنْ يَكُونَ، أَوَّلَ مَا يَسْأَلُنِي عَنْهُ رَبِّي أَنْ يَقُولَ: قَدْ عَلِمْتَ فَمَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ".
    وعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: "الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ بِمَنْزِلَةِ الصَّفَا إِذَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْقَطْرُ زُلِقَ عَنْهُ".
    قال الْأَوْزَاعِيُّ : "أُنْبِئْتُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: وَيْلٌ لِلْمُتَفَقِّهِ ينَ لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ، وَالْمُسْتَحِلّ ِينَ الْحُرُمَاتِ بِالشُّبُهَاتِ".
    وعن مَعْرُوف بْنِ فَيْرُوزَ الْكَرْخِيِّ يَقُولُ: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَتْحَ لَهُ بَابَ الْعَمَلِ، وَأَغْلَقَ عَنْهُ بَابَ الْجَدَلِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا فَتْحَ لَهُ بَابَ الْجَدَلِ، وَأَغْلَقَ عَنْهُ بَابَ الْعَمَلِ".
    وأنشد مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِي ُّ لِبَعْضِهِمْ:
    اعْمَلْ بِعِلْمِكَ تَغْنَمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ
    لَا يَنْفَعُ الْعِلْمُ إِنْ لَمْ يَحْسُنِ الْعَمَلُ

    وَالْعِلْمُ زَيْنٌ وَتَقَوَى اللَّهِ زِينَتُهُ
    وَالْمُتَّقُونَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِمْ شُغُلُ

    وَحُجَّةُ اللَّهِ يَا ذَا الْعِلْمِ بَالِغَةٌ
    لَا الْمَكْرُ يَنْفَعُ فِيهَا لَا وَلَا الْحِيَلُ

    تَعَلَّمِ الْعِلْمَ وَاعْمَلْ مَا اسْتَطَعْتَ بِهِ
    لَا يُلْهِيَنَّكَ عَنْهُ اللَّهْوُ وَالْجَدَلُ

    وأنشد بعضهم:
    إِذَا الْعِلْمُ لَمْ تَعْمَلْ بِهِ، كَانَ حُجَّةً
    عَلَيْكَ، وَلَمْ تُعْذَرْ بِمَا أَنْتَ حَامِلُ

    فَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَبْصَرْتَ هَذَا فَإِنَّمَا
    يُصَدِّقُ قَوْلَ الْمَرْءِ مَا هُوَ فَاعِلُ

    وأنشد أَبُو الْفَضْلِ الرِّيَاشِيُّ رحمه الله تعالى:
    مَا مَنْ رَوَى عِلْمًا، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ
    فَيَكُفَّ عَنْ وَتْغِ الْهَوَى، بَأَدِيبِ

    حَتَّى يَكُونَ بِمَا تَعَلَّمَ عَامِلًا
    مِنْ صَالِحٍ فَيَكُونُ غَيْرَ مَعِيبِ
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •