إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ، وسلم تسليماً كثيرا .
فضل يوم عرفة


- في يوم عرفة أتم الله لنا الدين :

قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } المائدة : 3 .

فال ابن كثير في تفسيره : " وقال الإمام أحمد: حدثنا جعفر بن عون, حدثنا أبو العميس عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين, إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت, لاتخذنا ذلك اليوم عيداً.
قال: وأي آية ؟
قال: قوله {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي}
فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم, والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عشية عرفة في يوم جمعة, ورواه البخاري .

ولفظ البخاري عند تفسير هذه الاَية من طريق سفيان الثوري, عن قيس, عن طارق قال:
قالت اليهود لعمر: و الله إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً.
فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت, وأين أنزلت, وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنزلت: يوم عرفة, وأنا والله بعرفة . "

وقال : " وقال ابن جرير: حدثنا أبو بكر, حدثنا قبيصة, حدثنا حماد بن سلمة عن عمار هو مولى بني هاشم: أن ابن عباس قرأ {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}
فقال يهودي: لو نزلت هذه الاَية علينا, لاتخذنا يومها عيداً,
فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد, ويوم جمعة. "

وظاهر قول ابن عباس أن يوم عرفة هو يوم عيد ، ويؤيده قول النبي –صلى الله عليه وسلم : " يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام ، وهي أيام أكل وشرب " صحيح على شرط مسلم قاله الألباني في إرواء الغليل -

وأثر ابن عباس أشار الشيخ أحمد شاكر في مقدمة عمدة التفسير إلي صحته ، وصحح أثر ابن عباس –رضي الله عنه- الشيخ الألباني في تخريج مشكاة المصابيح .


يوم العتق من النار :

روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، إنه ليدني، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء " .

وذكر ابن رجب في اللطائف : " فيعتق الله من النار من وقف بعرفة و من لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم من شهد الموسم منهم و من لم يشهده لا شتراكهم في العتق و المغفرة يوم عرفة و إنما لم يشترك المسلمون كلهم في الحج كل عام رحمة من الله و تخفيفا على عباده فإنه جعل الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام و إنما هو في كل عام فرض كفاية بخلاف الصيام فإنه فريضة كل عام على كل مسلم فإذا كمل يوم عرفة و أعتق الله عباده المؤمنين من النار اشترك المسلمون كلهم في العيد عقب ذلك و شرع للجميع التقرب إليه بالنسك و هو إراقة دماء القرابين فأهل الموسم يرمون الجمرة فيشرعون في التحلل من إحرامهم بالحج و يقضون تفثهم و يوفون نذورهم و يقربون قرابينهم من الهدايا ثم يطوفون بالبيت العتيق و أهل الأمصار يجتمعون على ذكر الله و تكبيره و الصلاة له. "

في صيامه تكفير للسنة الماضية :

أخرج مسلم عن أبي قتادة الأنصاري –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- سئل عن صوم يوم عرفة فقال : " يكفر السنة الماضية والباقية " .

وسئل الشيخ العلامة ابن باز عن فضيلة صيام يوم عرفة فقال :
السؤال: ما هي فضيلة من صام يوم عرفة؟
الجواب: من صام يوم عرفة له أجر عظيم، ثبت عن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - أن الله يكفر بصوم يوم عرفة السنة التي قبلها والسنة التي بعدها، يعني بشرط اجتناب الكبائر كما بينه الأحاديث الأخرى.

وسئل الشيخ العلامة ابن عثيمين عن تكفير صيام يوم عرفة للكبائر فقال :

السؤال: أحسن الله إليكم هل صيام يوم عرفة مكفر للكبائر؟
الجواب: ظاهر قول الرسول صلى الله عليه وسلم إنه: "يكفر السنة التي قبله والتي بعده "، أنه يكفر الكبائر لكن كثير من العلماء رحمهم الله قالوا إنه لا يكفر الكبائر لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما لم تغشى الكبائر"، قالوا فإذا كانت الصلاة المفروضة وهي أفضل أعمال البدن لا تكفر إلا إذا ترك الكبائر فغيرها من باب أولى وعلى هذا فنقول صيام يوم عرفة يكفر السنة التي قبله والتي بعده بالنسبة للصغائر فقط أما الكبائر فلا بد فيها من توبة مستقلة.


إن الله تعالى يباهي بأهل عرفات أهل السماء :

وعند أحمد في "مسنده" وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً. " - صححه الألباني في صحيح الجامع –

قال ابن عبد البر: "وهذا يدلّ على أنهم مغفور لهم؛ لأنه لا يباهي بأهل الخطايا والذنوب إلا من بعد التوبة والغفران" التمهيد (1/120) - عبد المحسن بن محمد القاسم- أسرار الحج – خطبة - .

أفضل الدعاء دعاء هذا اليوم :

قال –صلى الله عليه وسلم- : " خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمدُ وهو على كل شيء قدير " . - سنن الترمذي: كتاب الدعوات، باب: في دعاء يوم عرفة (3585) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وقال: "حديث غريب"، وله شواهد من حديث علي وأبي هريرة رضي الله عنهما. قال الألباني في السلسلة الصحيحة (1503:"وجملة القول: أن الحديث ثابت بمجموع هذه الشواهد، والله أعلم.-
قال ابن عبد البر في التمهيد : "دعاءُ يوم عرفة مُجابٌ كلُّه في الأغلب"التمهيد 6/41. -- عبد المحسن بن محمد القاسم- أسرار الحج – خطبة - .

هل فضل الدعاء في يوم عرفة خاص بالحجيج فقط أم للحجيج وغيرهم :
سئل فضيلة الشيخ الدكتور صالح الفوزان سؤالا ما نصه :
هل إجابة الدعاء وفضل الدعاء في يوم عرفة - يا شيخ صالح، خاص للحجاج أم أنه يعم الغير؟
فكان الجواب :
الدعاء يوم عرفة عام للحجاج وغيرهم لكن الحجاج على وجه أخص لأنهم في مكان فاضل وهم متلبسون بالإحرام وواقفون بعرفة فهم يعني يتأكد الدعاء في حقهم والفضل في حقهم أكثر من غير الحجاج وأما بقية الناس الذين لم يحجوا فإنهم يشرع لهم الدعاء والاجتهاد بالدعاء في هذا اليوم ليشاركوا إخوانهم الحجاج في هذا الفضل والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "خير الدعاء دعاء عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، فالدعاء مشروع في يوم عرفة للحاج ولغيره لكنه في حق الحاج آكد وأفضل لما هو متلبس به من المناسك ولما هو فيه من المكان العظيم الفاضل وأما الزمان وفضل الزمان فيشترك فيه الحجاج وغير الحجاج وأما المكان فيختص به الحجاج وهو الوقوف بعرفة.
وسئل أيضا :
فضيلة الشيخ صالح، بالنسبة للدعاء المأثور لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير هل هو في يوم عرفة هل هو خاص بالحجيج فقط أم أن غير الحجيج يرددون ذلك؟
فأجاب :
كما ذكرنا في الجواب أن هذا عام للحجاج ولغيرهم إلا أنه للحجاج آكد من غيرهم لأن الحجاج كما ذكرنا في عرفة متلبسون بالإحرام فهم أرجى في قبول الدعاء وآكد وغيرهم يشاركهم في هذا الأمر ولهذا يسن صيام يوم عرفة لغير الحجاج لمن هم في الآفاق يصومون هذا اليوم لأنه يوم فاضل ويشتغلون بالذكر بذكر الله والدعاء والاستغفار فيه.
>>>> يتبع >>