النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: إضاءة الحالك ببيان أن كثيراً مما يظن خلاف مذهب الإمام مالك ليس كذلك

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    131

    Lightbulb إضاءة الحالك ببيان أن كثيراً مما يظن خلاف مذهب الإمام مالك ليس كذلك

    إضاءة الحالك ببيان أن كثيراً مما يظن خلاف مذهب الإمام مالك ليس كذلك
    قال مالك : « إذا صح الحديث ، فهو مذهبي » .

    إنَّ الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ؛ ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيِّئات أعمالنا . من يهده الله ، فلا مضلّ له ؛ ومن يضلل ، فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله .
    ﭧ ﭨ ﭽ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ [ آل عمران : 102 ] .وقال جل شأنه ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ [ النساء : 1 ]. وقال أيضا ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ [ الأحزاب : 70-71 ] .
    أما بعد : فإنَّ أحسنَ الكلام كلام الله تعالى ، وخيرَ الهدي هديُ محمَّد × ؛ وشَرَّ الأمور محدثاتها ، وكُلَّ محدثة بدعة ، وكُلَّ بدعة ضلالة ، وكُلَّ ضلالة في النَّار .
    وبعدُ ؛ فإنَّ الله تعالى إذا أراد بمن شاء من عباده خيراً فَقَّههم في الدين ([1]) ، وآتاهم الحكمة ([2]) ، وأعمر قلوبهم باليقين .
    وإذا تحدَّثنا عن هذه الثُلَّة المباركة ، فلا شك أن إمام دار الهجرة : مالك بن أنس الأصبحي - رحمه الله وبَلَّل بالمغفرة ثراه - سيكون في طليعتها، وعلى رأس قائمتها .
    هذا الإمام الذي وُضع له القبول في الأرض ، والمحبة في قلوب الخلق. فانتفع بعلمه ملايين من المسلمين في مختلف الأمصار والأعصار، وأجمَعت الأمة على إمامته؛ فكان من ثمرته حَبران جليلان من أكثر أحبار هذه الأمة أتباعاً : تلميذه النَّجيب الإمام الشافعي ([3]) ، وتلميذ تلميذه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ([4]) .
    ومن أنعم النَّظر في مَذهَبَي هذين الإمامين ؛ رأى أنهما سارا على خطى مالك ، وأن الفتوى عندهما على مذهبه، إلا أن يضطرا لمخالفته ([5]) ؛ حيث يثبت في المسألة الأثر ، أو يكون فيها مسرح للنظر .
    وقديماً قيل :
    وَلَيسَ كُلُّ خِلاَفٍ جَاءَ مُعتبَرَاً إِلاَّ خِلاَفٌ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظـَــرِ
    وقد كانت هذه ولا تزال هي سنة العلماء العاملين من السَّابقين واللاَّحقين - من علمـاء المغرب والمشرق - على مر السنين .
    والإمام مالك إمام مُتَّبعٌ ليس في الفقه وحده ، بل وفي الحديث أيضا ؛ فقد قال الإمام الشافعي عنه : «إذا ذُكر العلماء، فمالك النجمُ» ؛ كأنه – رحمه الله – يُشير إلى قوله تعالى ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ [النحل: ١٦] . فمن أنعم النظر في دواوين الحديث المعتمدة كالصحيحين وغيرهما مما رتب على أبواب الفقه ، لم يُلفها إلا سائرة على خطى الموطأ ، شارحة له ، مُستدركة لما قد فاته .
    فلا جرم ، إذن ، أن تكون السنة شعار هذا الإمام الهُمام ، والأثر دثاره ؛ فلا تقع المخالفة منه لهما إلا باجتهاد سائغ، إما في الرواية وإما في الدراية ، ولا ينبغي أن يُظن بمثله غير ذلك .
    وعليه ؛ فقد أجريت القلم بهذه السطور ، ونبهت على مسائل - هي في الواقع غيضٌ من فيض - يَكثُر النَّكير من قِبل الجماهير على من عمل بها أو أفتى ، مع أنها من صميم مذهب الإمام مالك . وقد وَثَّقت بحثي هذا بالعزو إلى الموطَّأ ، والمُدَوَّنة ([6]) ، والرِّسالة ، ومختصر خليل وشروحها والحواشي عليها ، ومجموعة من تآليف كبراء الأئمة ممَّن تَفَقَّه على مذهب الإمام مالك . وأخليت المقام من التعليقات ، واكتفينا بالعزو إلى الأجزاء والصفحات حتى ينبعث من شاء من القراء إلى البحث والكشف ، ومراجعة أمهات الكتب .
    وقدمت لبحثي هذا بترجمة لإمام دار الهجرة ، ونجم العلماء : الإمام مالك - جزاه الله تعالى عن الإسلام وأهله خير الجزاء - . فإن عدداً كبيراً وجمهوراً غفيراً لم تطرق أسماعهم أخبار هذا الإمام إلا لماماً .
    هذا ؛ ونسأل الله تعالى أن يجعل هذه الكلمات كالغيث حيثما وقع نفع، وأن يكتب لنا بها رضوانه، وأن يجعلها لنا لا علينا .
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


    ([1]) كما في (( الموطأ )) (1599) من حديث معاوية بن أبي سفيان - رضي الله تعالى عنهما - قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من يرد الله به خيراً ، يفقهه في الدين » .
    راجع : (( التمهيد )) (23/78-85) ، و(( شرح الزرقاني )) (4/311-312)، و(( نوادر الأصول )) (4/58-66) ، (( فتح الباري )) (1/161-164) ، و(( فيض القدير )) (1/259،2/511،6/242-243) .

    ([2]) قال تعالى {يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} [البقرة : 269 ] . قال الإمام مالك : « الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له » . (( تفسير القرطبي )) (3/330) .

    ([3]) قال الإمام الشافعي : « مالكٌ مُعَلِّمي وعنه أخذت العلم » . (( السير )) (8/75) .

    ([4]) قال عبد السلام بن عاصم : « قلت لأحمد بن حنبل : رجل يحب أن يحفظ حديث رجل بعينه ؟ قال : يحفظ حديث مالك ! قلت: فرأي ؟ قال : رأي مالك ! » . (( السير )) (8/111) .

    ([5]) وهذه المخالفة ، وإن كانت في الظاهر مفارقة ، إلا أنها في الباطن عين الموافقة ؛ فقد كان الإمام مالك يقول : « كُلُّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويرد ، إلا صاحب هذا القبر - يعني : النبي صلى الله عليه وسلم - » .

    ([6]) أصل المدونة أسئلة سألها أسدٌ بن الفرات لابن القاسم - وهي المعروفة بـ : “الأسدية” -؛ فلما ارتحل سَحنون - بفتح السين وبضمها - بها عرضها على ابن القاسم فأصلح فيها كثيرا وأسقط .
    ثم رَتَّبها سُحنون وبَوَّبها واحتَجَّ لكثير من مسائلها بالآثار من مَروِيَّاته ، مع أن فيها أشياء لا ينهض دليلها بل رأي محض . وحكوا أن سَحنون في أواخر الأمر عَلَّم عليها وهَمَّ بإسقاطها ، وتهذيب المدونة ؛ فأدركته المَنِيَّة - رحمه الله - . فكُبَراء المَالِكية يَعرفون تلك المسائل ويُقَرِّرون منها ما قَدِروا عليه ويُوَهِّنون ما ضَعُف دليله .
    = وهي من أَجَلِّ الكتب في مذهب مالك ، ومن كنوز ما نقل كبار أصحاب مالك عنه ، وهي عند أصحاب مالك ككتاب (( الأم )) عند أصحاب تلميذه الشافعي ؛ لذلك اعتنى بها العلماء شرحاً وتهذيباً واختصاراً وتعليقاً .
    وانظر : (( السير )) (10/226،12/68) ، و(( أدب المفتي والمستفتي )) (ص83) ، و(( كشف الظنون )) (2/1644) .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    131

    افتراضي رد: إضاءة الحالك ببيان أن كثيراً مما يظن خلاف مذهب الإمام مالك ليس كذلك


    الإمام مالك في سطور
    نسبه :
    -=- هو شيخ الإسلام حجة الله إمام دار الهجرة العَلَم الحافظ فقيه الأمة : مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث أبو عبد الله الحِميَري ثم الأصبحي المدني التَّيمي القرشي - حليفهم - . وأمُّه هي عالية بنت شريك الأَزْدية .
    مولده :
    -=- ولد - على الأصح - في سنة ثلاث وتسعين ، عام موت أنس رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي المروة - موضع على ثمانية بُرُد من المدينة - . وقد ذكر غير واحد أنَّ أمه حملت به ثلاث سنين .
    نشأته :
    -=- نشأ في صَون ورفاهِيَّة وتجَمُّل ، في بيت علم وصلاح ؛ فقد كان جده من كبار علماء التابعين ، أخذ عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وطائفة .
    شيوخه :
    -=- طلب العلم وهو حَدَثٌ بُعَيد موت القاسم وسالم، وهو ابن بضع عشرة سنة . فأخذ عن : نافع وسعيد المقبري وعامر بن عبد الله بن الزبير وابن المنكَدِر وربيعة والزُّهري وعبد الله بن دينار وخَلق سواهم ، وتلا على نافع بن أبي نعيم .
    لا يُفتي إلا مالك :
    -=- تَأَهَّل للفُتيا وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة - وهو شَابٌّ طَرِيٌّ - ، بعد أن شَهِد له سبعون عالماً أنه أَهلٌ لذلك . فقصده طلبة العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعفر المنصور وما بعد ذلك ، وازدحموا عليه في خلافة الرشيد وإلى أن مات .
    قال ابن وهب : « حججت سنة ثمان وأربعين ومئة وصائح يصيح : " لا يُفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن الماجَشون " » .
    تلامذته :
    -=- وقد حَدَّث عنه جماعة من شيوخه وأقرانه ، فضلاً عن غيرهم ([1]) ؛ ومن أبرز الآخذين عنه : الزهري وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري والليث والشافعي ومحمد بن الحسن الشيباني .
    وآخر أصحابه موتاً راوي (( الموطأ )) أبو حذافة أحمد بن إسماعيل السَّهمي ، عاش بعده ثمانين عاما .
    شمائله :
    -=- كان من أحسن الناس وجهاً ، وأجلاهم عيناً ، وأنقاهم بَياضاً ، وأتَمَّهم طُولاً في جودة بدن . أشقر ، أصلع ، عظيم الهَامَة ، أبيض الرأس ، عظيم اللحية تامَّها تبلغ صدره ذات سعة وطول ، وكان ربما خَضَب بحِنَّاء ، وكان يأخذ آطار شاربه ولا يحلقه ، ويترك له سِبالَين طويلين .
    نَقِي الثَّوب رقيقه ، يُكثِر اختلاف اللَّبوس ؛ فيلبس البياض ، والثِّياب المَرْوِيَّة والعَدَنِيَّة الحِسان ، والسِّيجان، والطَّيلَسان . إذا اعتَمَّ جعل منها تحت ذقنه ويَسدِل طرفها بين كتفيه ، يَتَطَيَّب بالمِسك وغيره . أشبه شيء بالملوك في هيئته .
    وكان خاتمه الذي مات وهو في يده فَصُّه أسود حَجَري ، ونقشه : "حسبي الله ونعم الوكيل" ، وكان يلبسه في يساره وربما لبسه في يمينه .
    سلطان العلماء :
    -=- كان هذا الإمام من الكبراء السُّعداء والسادة العلماء ذا حِشمة وتَجَمُّل وعَبيد ودار فاخرة ونعمة ظاهرة ورِفعة في الدنيا والآخرة . كان يقبل الهدية ويأكل طَيِّباً ويعمل صالحاً .
    -=- وكان رجلا مَهيباً - تهابه السلاطين - نَبيلاً ، عزيز النَّفس ، صلباً في دين الله ، شُغله في بيته تلاوة القرآن الكريم .
    لا يخرج على طلبته إلا وقد لبِس من أحسن ثيابه واكتحل وتطيَّب وتطَهَّر . فإذا جلس على السَّرير وتَصَدَّر الحَلْقة، فكأنَّ على رؤوس الحاضرين الطير . مجلسه مجلس حِلم ووَقار ، ليس فيه شيء من المِراء واللَّغَط ولا رفع صوت .
    يقتصد في الجواب ، ويُجِلُّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُقِلُّ الرِّواية عنه . يَذُمُّ كثرة الفتيا ، ويُكثر من قول " لا أدري " ، ويَحُضُّ عليها ([2]) . ولا يُفتي حتى يقول : " لا حول ولا قوة إلا بالله " .


    يَدَعُ الجَوَابَ فَلاَ يُرَاجَعُ هَيْبَةً وَالسَّـائِلُـو نَ نَـوَاكِـسُ الأَذقَـانِ
    عِـزُّ الوَقَـارِ وَنُورُ سُلْطَانِ التُّقَى فَهْوَ المَهِيبُ وَلَيْسَ ذَا سُلطَانِ
    إمامته وثناء العلماء عليه :
    -=- وقد كان مالك إماما في كل شيء ، خبيراً بأحوال الرجال ، كثير التَّحري عن الرواة ، حافظاً مُجَوِّداً مُتقِناً - يَتَّقي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الياء والتاء ونحوهما - ، مُعَظَّماً من قِبَل علماء الأمصار والأئمة الكبار .
    قال ابن عُيَيْنَة : مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجة زمانه .
    وقال ابن مهدي : ما رأيت أحداً أَهيَبَ ، ولا أتمَّ عَقلاً من مالك ، ولا أشدَّ تقوى .
    وقال ابن سعد : كان ثِقةً ثبتاً حُجَّةً عالماً وَرِعاً .
    وقال الشافعي : إذا ذُكِر العلماء ، فمالكٌ النَّجم .
    وقال وُهَيب : إمام أهل الحديث مالك .
    وقال القطان : هو إمامٌ يُقتدى به .
    وقال ابن معين : مالك من حجج الله على خلقه .
    وقال بهلول بن راشد : ما رأيت أنزع بآية من مالك مع معرفته بالصحيح والسقيم .
    وقال ابن وهب : لولا مالك والليث لضللنا .
    وقال البخاري : أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر .
    وقال النسائي : أمناء الله على علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة: شعبة ، ومالك ، ويحيى القطان .
    وقال الذهبي : اتَّفق لمالك مناقب ما علمتها اجتمعت لغيره :
    - أحدها : طول العمر وعلو الرواية .
    - وثانيتها : الذهن الثاقب والفهم وسعة العلم .
    - وثالثتها : اتفاق الأئمة على أنه حجة صحيح الرواية .
    - ورابعتها : تجمعهم على دينه وعدالته واتباعه السنن .
    - وخامستها : تقدمه في الفقه والفتوى وصحة قواعده .
    درر من أقواله ونصائحه :
    -=- كان الإمام مالك من حكماء هذه الأمة ؛ وقد ترك جملة من الكلمات ؛ بها يحتج المنصفون ، وإليها في مناظراتهم يفزعون ، وعليها في دينهم يُعوِّلون .
    1- فتراه يحث على إبقاء العقائد على فِطرِيَّتها وصفائها .
    فيقول - رحمه الله ، وبلَّل بالمغفرة ثراه - :
    « الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، وبعضه أفضل من بعض » .
    « الله في السماء وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء » .
    « الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة » .
    « القرآن كلام الله وكلام الله منه وليس من الله شيء مخلوق » .
    « الناس ينظرون إلى الله عز وجل يوم القيامة بأعينهم » .
    قال ابن وهب : « سمعت مالكا يقول لرجل سأله عن القدر : نعم ! قال الله تعالى {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} [ السجدة : 13 ] » .
    قال ابن نافع وأشهب وأحدهما يزيد على الآخر : « قلت : يا أبا عبد الله {وجوه يومئذ ناظرة} ، ينظرون إلى الله ؟ قال : نعم بأعينهم هاتين ! قلت : فإن قوما يقولون ناظرة بمعنى منتظرة إلى الثواب ؟ قال : بل تنظر إلى الله ، أما سمعت قول موسى {رب أرني أنظر إليك} أتراه سأل مُحالاً ؟ قال الله {لن تراني} في الدنيا ، لأنها دار فناء . فإذا صاروا إلى دار البقاء ، نظروا بما يبقى إلى ما يبقى قال تعالى {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} » .
    2- وتراه يدعو إلى السنة ويحث على لزومها ويحذِّر من البدع على أشكالها :
    فيقول - رحمه الله ، وبلَّل بالمغفرة ثراه - :
    « سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها اتباع لكتاب الله واستكمال بطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها ، من اهتدى بها فهو مهتد ، ومن استنصر بها فهو منصور ، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا » .
    « لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها » .
    « السنة سفينة نوح ؛ من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك » .
    وقال ابن وهب : « سئل مالك عن الداعي يقول : يا سيدي ! ، فقال : يُعجبني دعاء الأنبياء : "ربنا ! ربنا ! " » .
    2- وتراه ينهى عن الجدل والمراء في الدين، ويأمر بالسير على سَنَن السَّالفين :
    فيقول - رحمه الله ، وبلَّل بالمغفرة ثراه - :
    « الجدال في الدين ينشئ المراء ويذهب بنور العلم من القلب ويقسي ويورث الضغن » .
    « أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبرائيل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله » .
    قال معن : « انصرف مالك يوما فلحقه رجل يقال له أبو الجويرية متهم بالإرجاء فقال : اسمع مني ! قال : احذر أن أشهد عليك ! قال : والله ما أريد إلا الحق ، فإن كان صوابا فقل به أو فتكلم ! قال : فإن غلبتني ؟ قال : اتبعني ! قال : فإن غلبتك ؟ قال : اتبعتك ! قال : فإن جاء رجل فكلمنا فغلبنا ؟ قال : اتبعناه ! فقال مالك : يا هذا ، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بدين واحد وأراك تتنقل !! » .
    قال الشافعي : « كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال : أما إني على بينة من ديني وأما أنت فشاك اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه » .
    4- وتراه يحض على العلم والتعلم ، ويرشد إلى الآداب التي ينبغي أن يكون عليها العالم :
    فيقول - رحمه الله ، وبلَّل بالمغفرة ثراه - :
    « العلم حيث شاء الله جعله ليس هو بكثرة الرواية » .
    « حق على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية . والعلم حسن لمن رزق خيره ، وهو قَسْمٌ من الله تعالى . فلا تمكن الناس من نفسك ؛ فإن من سعادة المرء أن يوفق للخير ، وإن من شقوة المرء أن لا يزال يخطئ . وذل وإهانة للعلم أن يتكلم الرجل بالعلم عند من لا يطيعه » .
    « كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه » .
    « إن الرجل إذا ذهب يمدح نفسه ذهب بهاؤه » .
    وكتب إليه عبد الله العمري يحضه على الانفراد والعمل وترك اجتماع الناس عليه في العلم ، فأجابه مالك بقوله : « إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر وقد رضيت بما فتح الله لي من ذلك وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه وأرجو أن يكون كلانا على خير ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم الله له والسلام » .
    كتبه ومؤلفاته :
    -=- أما تصانيفه ؛ فلو لم يكن له غير (( الموطأ )) ، لكفاه ذلك شرفاً ([3]) ؛ فإن كل من جاء بعده ، فعلى منواله نسج ، وطريقَه سلك وانتهج . وله مؤلف في النجوم ومنازل القمر ، ورسالة في الأقضية ، وأخرى في القدر كتبها إلى ابن وهب ، وثالثة إلى الليث في إجماع أهل المدينة .
    فأما ما نَقل عنه كبار أصحابه من المسائل والفتاوى والفوائد فشيء كثير ، ومن كنوز ذلك المدونة والواضحة وأشياء .
    -=- وقد كان هذا الإمام الهُمام صلباً في دين الله تعالى ؛ يصدع بكلمة الحق ، ولا يخاف في الله لومة لائم .
    ففي سنة ست - وقيل : سنة سبع - وأربعين ومائة امتُحِن - رحمه الله - بسبب فُتياه بعدم إجازة طلاق المُكرَه من قِبل بعض الولاة ([4]) ، فجُرِّد وضُرب بالسِّياط - ثلاثين ضربة أو أكثر - ([5]) ، وجُبِذت يده حتى انخلعت من كتفه - حتى كان لا يستطيع أن يرفع يديه ، ولا أن يُسَوِّيَ رداءه - . وارتُكِب منه أمر عظيم . ثم حُلق ، وحُمِل على بعير ؛ فقيل له : ناد على نفسك ! فقال : ألا من عرفني ، فقد عرفني . ومن لم يعرفني ؛ فأنا مالك بن أنس ، أقول : طلاق المكره ليس بشيء ! فلما بلغ ذلك الوالي ، قال : أدركوه ! أنزلوه ! ([6]) .
    وكان يقول « ضُرِبت فيما ضُرِب فيه محمد بن المنكدر وربيعة وابن المسيب ، ويذكر قول عمر بن عبد العزيز : « ما أغبط أحدا لم يصبه في هذا الأمر أذى ! » » .
    فلم يَزَل مالك بَعدُ في رِفعة من الناس وعُلُو وإعظام حتى كأنما كانت تلك الأسواط حَلياً حلي به -رحمه الله - إلى أن لَقِي ربه . فانقلبت المحنة منحة، وازداد الإمام بذلك عند الله تعالى وعند الناس كرامة ورفعة ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ [العنكبوت: ٦٩].-=- وفي ربيع الأول من السنة التاسعة والسبعين بعد المئة ، وافته المنِيَّة بالمدينة النبويَّة - التي أبى أن ينزل بغيرها أو يتخذ له وطناً سواها ([7]) - ؛ عن عُمْر يُناهز ستا وثمانين عاماً ، بعد أن تمرَّض أيَّاماً . ولما حضر أجله تَشَهَّد، ثم قال
    ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ[الروم:4] .تولى غسله ابنه يحيى وكاتبه حبيب ورجلان آخران وكفن في ثياب بيض - بلغ ثمنها خمسة دنانير - ، وصلي عليه في موضع الجنائز - بناء على وصيته - ، صلى عليه الأمير عبد الله بن محمد الهاشمي . ثم مشى أمام جنازته ، وحمل نعشه إلى البقيع وبها دُفِن ، بالقُرب من قبر نافع - إما القارئ ، وإما مولى ابن عمر - . ونزل في قبره جماعة .
    وقد خلَّف متاعاً كثيراً ، ومالا وفيراً . ورُئِيت له عدة منامات ، ورُثي بأبيات سائرات . فرحمه الله وأجزل مثوبته، وألحقه بالنبيئين والصديقين والشهداء والصالحين . آمين .

    ([1]) وعدد الرواة عنه يقارب ألفا وأربع مئة ، أفرد الذهبي أسماءهم في جزء كبير . انظر : (( السير )) (8/49) .

    ([2]) قال تلميذه ابن وهب : « لو شئت أن أملأ ألواحي من قول مالك لا أدري لفعلت » . (( السير )) (8/49) .

    ([3]) حيث أخذه عنه أمم لا يحصون ، وما زال العلماء قديما وحديثا لهم أتم اعتناء بروايته ومعرفته وتحصيله .
    وانظر : (( كشف المغطى في فضل الموطا )) للإمام الحافظ أبي القاسم ابن عساكر . تحقيق : محمد مطيع الحافظ .

    ([4]) وقد قيل فيمن ضربه وفي سبب ضربه غير ذلك ، إلا أن الذي ذكرناه ، هو الأشهر والذي عليه أكثر الرواه .

    ([5]) قال الداودي : « سمعته يقول حين ضرب : "اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون" » .

    ([6]) وإنما أمر بذلك ؛ لأن فيه تشهيراً بالفتيا ، وتعريفاً بصاحبها؛ فتكون أوقع في القلوب لجلالة القائل بها . وهكذا ينقلب السحر على الساحر !!

    ([7]) فعل ذلك امتثالا لوصية صاحبها عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية ؛ ففي (( السير )) (8/62-63) : « قدم المهدي فبعث إلى مالك بألفي دينار أو قال بثلاثة آلاف دينار ، ثم أتاه الربيع بعد ذلك فقال : إن أمير المؤمنين يحب أن تعادله إلى مدينة السَّلام ! فقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، والمال عندي على حاله !! » .

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •