اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابوالعبدين البصري مشاهدة المشاركة
سلسلة: درك البصيرة للنجاة من الفتن الخطيرة (5)
النّعم
بين العقوبة و الفقدان



بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فإن العقوبات على القلوب والأبدان من العدل الإلهي عند انعقاد أسبابها من الذنوب والسيئات. ومن الفقه في ذلك معرفة أن من العقوبات تفويت منافع النعم، فإن وجود النعمة مفرغة من نفعها – عند التحقيق – يصيرها معدومة، مفقودة .


فإن الأصل أن كل نعمة – دينية أو دنيوية – تكون مقتضية لمنفعتها؛ فمن شكرها واستعملها فيما خلقت له، فهي نعمة أخرى موجبة لاستدامتها، وحفظها، وزيادتها ، كما قال – تعالى - :{ولئن شكرتم لأزيدنكم}. فالشكر – كما قيل - : "قيد النعم الموجودة، وصيد النعم المفقودة " .


فمن لم يقم بشكر النعمة – معرفة ونسبة واستعمالاً – فإنه مستحق لزوالها بالكلية أو زوال نفعها . وهو لون من ألوان العقوبات العادلة .


فكل من اُنعم عليه بنعمة، وفاته مقصودها فهو معاقب .


وَمِنْ الْعَجَائِبِ وَالْعَجَائِبُ جَمَّةٌ .... قُرْبُ الشِّفَاءِ وَمَا إلَيْهِ وُصُولُ
كَالْعيسِ فِي الْبَيْدَاءِ يَقْتُلُهَا .... الظَّمَا وَالْمَاءُ فَوْقَ ظُهُورِهَا مَحْمُولُ



وفوات مقصود النعم الدينية – علماً وعملاً – من أعظم العقوبات، وذلك بالإعراض عنها، وترك الاستفادة منها .


فمن النعم وجود عالم في البلد، فهو كما قيل : "العالم في البلد كالعين العذبة". فإذا كان أهل البلد عطشا ، والعين عذبة صالحة، لكن أهلها لا يردون عليها فلا شك أنها عقوبة .


ومنه قوله – تعالى – {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ }. فجعل توليهم عن الوحي، والإعراض عنه مع وجوده عقوبة أوجبتها بعض الذنوب .


ومن الذنوب التي أوجبت الإعراض عن العلماء : التسلط الفكري بسياط الإرهاب القسري إرضاء لشخص أو جماعة. فقد كان يعيش كثير من حملة الدعوة في كثير من البلدان تحت ضغط مهيمن على القلوب – تصوراً وإرادةً – أوجبته مفاهيم دخيلة في تحديد مفهوم السلفية – إثباتاً ونفياً - . فنشأت تحرزات قمعية، وتحفظات قهرية تحكم التوجه الدعوي العام – عند كثيرين- أدى إلى إقصاء مبطن لكثير من العلماء والدعاة . فوت علينا كثيرا من المنافع الدينية الشرعية .


حتى هيئ الله – تعالى – بفضله كتائب العلم والعدل، فشنوا الغارة على عساكر التقليد فكسروا هذا التصور الظالم، وبددوا الظلام القاتم بالرفق والعلم والرحمة والحلم .

وهذا الانتصار لابد له من حفظ لمقصوده ؛ إذ مقصد كل جهاد (لساني أو سناني) إعلاء كلمة الله – تعالى – على ما سواها. وحفظ المقاصد من باب حفظ النعم، فالنعمة تحفظ بحفظ المقصود منها.


وجعل الدين كله لله – تعالى – هو جماع كل قول و عمل شرعي، ومزاحمة هذا المقصد بالحظوظ النفسية يفوت منافعه وثماره، ويوجب الفتنة أو دوامها . (فالإخلاص) أعظم حائل بين العبد والفتن، كما قال – تعالى - : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} .


قال ابن القيم – رحمه الله - : " فناقض بين كون الفتنة، وبين كون الدين كله لله فكل منهما يناقض الآخر ".[إغاثة اللهفان: 2/158].


فالإخلاص يدفع الفتن ويرفعها، ونقصه موجب لها بحسبه . ونقصان الإخلاص ناشئ من وجود المزاحم من الحظوظ .


والمتأمل في أحوال كثير من المناظرين، والرادين على المخالفين يجدهم إنما يناظرون ويردون لحظوظ نفوسهم، وكما قال ابن القيم – رحمه الله - : " وأكثر الناس لا يصلح لهم هذا لأنهم إنما يعبدون الله على الحظوظ".[مدارج السالكين:1/360].


فتجد بعض المختلفين لا ينشط للكتابة والبحث إلا فيما هو من باب الرد والمناظرة، وما أشبه ذلك من تتبع الزلات، والإلزامات . دون تحقيق المسائل العلمية والعملية بالبراهين الشرعية .


فيطغى على بحثه، وكتابته ذكر المخالف وتتبع مثالبه، وجمع معايبه لما في ذلك من تحقيق حظه وشفاء غيظه ...
وهذا الموضع (معترك المقاصد) فليس كل حظ مذموماً، ففرق بين حظ يؤازر الأمر الشرعي، وبين حظ يزاحمه ويدافعه لمنافاته لحق الله – تعالى - توحيداً وإخلاصاً .


قال ابن القيم – رحمه الله - : "والتحقيق فيه : أن الحظ نوعان:


(حظ يزاحم الأمر)، (وحظ يؤازر الأمر؛ فينفذه) ،
فالأول: هو المذموم .


والثاني: ممدوح، وتناوله من تمام العبودية. فهذا لون وهذا لون ".[مدارج السالكين:1/361].


وجملة القول: أن حفظ النعم بحفظ المنفعة والمقصد منها؛ لأن الأشياء تكون تامة بحقائقها لا بمجرد صورها . فكم من قانع بصورة لا حقيقة لها ، كسراب يحسبه الضمآن ماءً {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} . والعاصم الله .


أعده
أبو زيد العتيبي
4/ذي الحجة/1433

..............................