التلبية، معاني وأحكام.


قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ ارْفَعْ صَوْتَك بِالْإِهْلَالِ فَإِنَّهُ شِعَارُ الْحَجِّ) [1].

حكم التلبية:
- اختلف العلماء في وجوب التلبية وكيفيتها فذهب أهلالظاهر إلى وجوب التلبية منهم داود وغيره.
- وقال سائر أهل العلم ذلك من سنن الحج وزينته وكان مالكيرى على من ترك التلبية من أول إحرامه إلى آخر حجه دما يهريقه.
- وكان الشافعي وأبو حنيفة لا يريان عليه شيئا وإن كانقد أساء عندهم.[2]


(قالَ ابْنُالْمُنِيرِ : وَفِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّلْبِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إكْرَامِ اللَّهِتَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إنَّمَا كَانَبِاسْتِدْع َائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.)أ.ه [3].


الفاظ التلبية :
ورد في صحيح مسلم قال عبد الله بن عمر: أَن تَلْبِيَة رَسُول الله، صلىالله عَلَيْهِ وَسلم: (لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، لَا شريك لَك لبيْك، إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَكوَالْملك، لَا شريك لَك).
قَالَ: وَكَانَ عبد الله بن عمر يزِيد فِيهَا: [لبيْك لبيْك، لبيْك وَسَعْديك، وَالْخَيْربيديك ، لبيْك وَالرغْبَاء إِلَيْك وَالْعَمَل].
وكره مالك الزِّيَادَة فِيهَا على تَلْبِيَة رَسُول الله، صلى اللهعَلَيْهِ وَسلم،.
وَرُوِيَ عَنهُ أَنه: لَا بَأْس أَن يُزَاد فِيهَا مَا كَانَ ابْن عمريزِيدهُ.
وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِي ّ وَمُحَمّد بن الْحسن، لَهُ أَن يزِيدفِيهَا مَا شَاءَ وَأحب.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد وَأَبُو ثَوْر: لَا بَأْس بِالزِّيَادَةِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَالشَّافِعِ ي: إِن زَاد فِي التَّلْبِيَة شَيْئا من تَعْظِيم الله تَعَالَى فَلَابَأْس إِن شَاءَ الله، وَأحب إِلَيّ إِن يقْتَصر.
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ، فِي قَول: لَا يَنْبَغِي أَن يُزَادفِيهَا على تَلْبِيَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَذْكُورَة، وَإِلَيْهِذهب الطَّحَاوِيّ وَاخْتَارَهُ، وَقد زَاد جمَاعَة فِي التَّلْبِيَة، مِنْهُم:ابْن عمر، وَمِنْهُم أَبوهُ عمر بن الْخطاب، زَاد هَذِه الزِّيَادَة الَّتِيجَاءَت عَن ابْنه عبد الله بن عمر، وَلَعَلَّ عبد الله أَخذهَا من أَبِيه،فَإِنَّه ُ رَوَاهَا عَنهُ كَمَا هُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ، وَمِنْهُم ابْن مَسْعُود،فَروِي َ عَنهُ أَنه لبّى، فَقَالَ: لبيْك عدد الْحَصَى وَالتُّرَاب.
وروى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث جَابر، قَالَ: أهلَّ رَسُولالله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر التَّلْبِيَة، قَالَ: وَالنَّاس يزِيدُونَ:ذَا المعارج، وَنَحْوه من الْكَلَام وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسمعفَلَا يَقُول لَهُم شَيْئا.[2]


التلبية في اللغة تأتي بمعنى: الإقامة، أي: إقامة على طاعة الله، وتأتيبمعنى: إجابة النداء، كأن تنادي: يا زيد! فيقول: لبيك، أي: أنا سامع مجيب مستعدلما تأمرني به.
- يقول العلماء: (لبيك) إجابة لنداء، وأين هذاالنداء الذي يلبيه الحاج عند إهلاله بالنسك؟
قالوا: هناك نداء سابق وهو ما جاء في قول الله سبحانهوتعالى لإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {وَأَذِّنْ فِيالنَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج:27] ، ولما بنى إبراهيم البيت أمره الله أن يناديفي الناس: (إن الله قد ابتنى لكم بيتاً فحجوه، فقال: يا رب! وأين سيبلغ ندائي؟قال: عليك النداء وعلينا البلاغ، فصعد أبا قبيس ونادى وقال: أيها الناس! إن اللهقد ابتنى لكم بيتاً فحجوه) ، فأبلغ الله سبحانه وتعالى بقدرته هذا النداء لجميعالخليقة إلى يوم القيامة، فقد بلغ الصوت للحاضرين آنذاك، وللأشخاص في الذراري فيأصلاب الآباء قبل أن يوجدوا، فشمل كل أجيال بني آدم، وقالوا: من لبى مرةً حج مرة،ومن لبى أكثر حج أكثر.
ومجيء الإنسان إلى الميقات وإعلانه: لبيك اللهم لبيك،عبارة عن إجابة لذلك الدعاء الذي دعاهم به إبراهيم عليه السلام لحج بيت اللهالحرام، وفي قول الحاج أو المعتمر: لبيك اللهم لبيك، تكرارللتأكيد.
وقوله: (لا شريك لك لبيك) ، هذه هيعقيدة التوحيد التي خلق الله الخليقة من أجلها ليعبدوه ويوحدوه.
(لا شريك لك) رد على أهل الجاهلية، فقد كانوا يقولون في حجهم: لبيكاللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فهم يعترفون بأنهشريك صغير، وأنه مملوك لله، ولكن ذلك لم ينفعهم، فجاءت التلبية تخلص العبادة للهوحده: (لبيك لا شريك لك) لا في هذا الحج ولا في غيره.
وقول: (إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)
أي أن :موجب التوحيد وعدم الشريك هو أن الحمد والنعمةلك، والحمد يكون لكمال الممدوح لذاته.


(إن الحمد) أي: الكمال الذاتي، (والنعمة) : التي نعيش بها ونرجوهافي الدنيا أو في الآخرة هي لله.
وما دام الكمال لله فلا نعبد غيره، وما دامت النعمة كلهالله فلا نطلب من غير الله شيئاً؛ بل نتوجه إلى الله بكليتنا بدون شراكة في ذلك.


والملك كله لله، إذاً الخير والشر لا يكون إلا بقضاء الله وقدره، فلاتخشى في دنياك أحداً؛ لأن النعمة التي ترجوها عند الله، والشر الذي تتقيه وتخشاهلا يأتيك إلا بقضاء الله؛ فلا وجود لمن ترجوه أو تخشاه إلا الله، وبهذا تكون بدايةالناسك تجديد العهد بربه إيماناً وتصديقاً ورضاً، ويظهر شعار الحج بهذا النشيدالمبارك: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك) ، أي: في ذلك كله، فهذا هو معنى الإهلال.
ولذلك كان شعارالإسلام لأعظم ركن وهو الصلاة يبدأ بالتكبير والتهليل.
وحينما تسمع: الله أكبر، توقن بأن الله أكبر مما أنت فيهمهما كان، فلا يمنعك ولا يؤخرك عن إجابة المنادي (حي على الصلاة) ؛ لأن الله أكبرمما أنت مشغول به، أو مما تسعى إليه..[4]


تأملات حول معاني التلبية :
- في التلبية من كليات العقيدة ما يشير إلىالحكمة من اختيارها شعاراً وذكراً في هذا الموسم العظيم لهذا الجمع العظيم.
- التلبية إجابة دعوة الله لخلقه حين دعاهمإلى بيته، فالملبي مستسلم منقاد، مستجيب مقيم على الطاعة.
- في التلبية توحيد الله سبحانه، وإفرادهبالعبادة ، ونفي الشريك عنه، فيها من حمد الله والاعتراف بنعمه ما يورث طمأنينةً فيالنفس، ويفيض بالأمن والأمل والرضا والتفاؤل.
- في التلبية الإقرار بالملك لله وحده، فهوسبحانه الملك المتصرف.
- إن التلبية نداءٌ للملأ الأعلى ليتجردالحجيج كلهم من المادية وطغيانها، ويعلنوا المساواة التامة والأخوة الكاملة، لافرق بين حدودها وألوانها وأجناسها ولغاتها أمام خالقها الواحد الأحد، فكلهم لآدموآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم.[6] .


ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــ
[1] ] رواه ابْن حبَان فِي«صَحِيحه» من رِوَايَة خَلاد بن السَّائِب أَيْضا عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ،عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَاالْوَجْه أَيْضا قَالَ (التِّرْمِذِيّ عقيب حَدِيث) خَلاد، عَن أَبِيه: هَذَاحَدِيث حسن صَحِيح. [البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرحالكبير/ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري(المتوفى: 804هـ)/حققه: مصطفى أبو الغيط وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال/6/ 154].


[2]انظر عمدة القارئ شرح صحيح البخاري /أبومحمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العينى(المتوفى: 855هـ) دار إحياء التراث العربي – بيروت/باب التلبية /9/173.


[3] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد/أبو عمريوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ)/حققه:مصطفى بن أحمد العلوي , محمد عبد الكبير البكري/17/240.


[4]حاشية العدويعلى شرح كفاية الطالب الرباني/ أبو الحسن, علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي(نسبة إلى بني عدي، بالقرب من منفلوط) (المتوفى: 1189هـ)
يوسف الشيخ محمد البقاعي/1/523.


[5] شرح بلوغ المرام/عطية بنمحمد سالم (المتوفى : 1420هـ)/دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية.




[6] دروس للشيخ صالح بن حميد/د صالح بن عبد الله بنحميد/دروس صوتيةقام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية.