الدعوة الإسلامية والتحديات الراهنةو مبدأ الالتفاف حول العقبات و المخاطر

محمد بن حسن المبارك

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين ، نبينا محمد و على آله وصحبه أجمعين .

و بعد، فلا يخفى على أحد تزايد وتفاقم العقبات والمخاطر التي تواجه الدعوة الإسلامية لا سيما خارج العالم الاسلامي في هذه الأيام ، و خلال الظروف الراهنة التي نعيشها من تسلط غربي على كل ما يَمُتُّ إلى الاسلام بِصِلة ، و صدق الله عزو جل القائل في محكم كتابه :{و لايزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا }.{و ودُّوا لو تكفرون} .


و من المعروف للجميع أن الدعوة الاسلامية خارج العالم الاسلامي هي ـ في الغالب ـ حصيلة جهود فردية ، فلذلك فإنه يسهل على الحكومات الغربية تجميد نشاطاتها بأية حجة وتحت أي ذريعة .

ولذلك ينبغي على المهتمين بالدعوة الاسلامية مراجعة حساباتهم ، وإعادة جدولة أعمالهم ، بل و ربما ـ وفي بعض الأحيان ـتغيير الأماكن و البلدان التي يزاولون فيها نشاطاتهم الدعوية الإسلامية .و عند دراسة ديموغرافية و ايديولوجيات المجتمعات السكانية نجد أن أنسب مكان لتكثيف المناشط الدعوية الإسلامية هي

بلدان أمريكا الجنوبية (اللاتينية) ، وذلك لعدَّة أسباب :


1ـ يتحدث ثلثا مواطني دول أمريكا الجنوبية تقربيًا اللغة الأسبانية، فهي اللغة الرسمية في كل من كوبا
وجمهورية الدومينكان والمكسيك ومعظم أقطار أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية.

بينما يتحدث ثلث سكان أمريكا اللاتينية اللغة البرتغالية التي تعتبر اللغة الرسمية للبرازيل ، أي حسب جنسية الاستعمار
الذي تسوَّدَ المنطقة من قبلُ .ولذلك فإن تلك المجتمعات في منأى عن الحملات الإعلامية الغربية ضدَّ الاسلام والمسلمين ، كما أن عدم تحدث تلك القارة بالانجليزية كان و لا يزال سداً منيعاً في وجه الثقافة الأمريكية الشمالية العنصرية .


2ـ هذه الدول تعيش في حالة فوضى أمنية تامَّة ، و في بعض الأحيان تُحكم مٍِن قِبَل ائتلاف عصابات الرذيلتين
( شبكات تجارة المخدرات و الاتجار بالجنس ) ، ممَّا يجعل هذه المجتمعات في حاجة ماسَّة و تشوُّقٍ إلى دين سماوي يحميها من هذه
الأوبئة والسموم المهلكة ، وهذه الحاجة لا تلبيها بالطبع الديانة المسيحية المحرفة والمنحرفة التي تعتنقها تلك المجتمعات.



3ـ قد لا يعلم البعض أن أكبر مخزون للكراهية تجاه الولايات المتحدة يكمن في صدور مواطني المجتمعات الأمريكية الجنوبية ،
ولذلك نجد أنه خلال هجمات سبتمبر عام 2001 كان بعض مواطني تلك الدول يلبسون قمصاناً
تحمل صوراً لأعداء الولايات المتحدة الرسميين احتفالاً بتلك الهجمات .

و تتأصَّل هذه الكراهية في صدور الأمريكيين اللاتينيين نحو الولايات المتحدة لعدة أسباب ، من أهمها كون أمريكا هي التي تحمي وتسيطر على الحكومات الفاسدة التي تحكم دول امريكا اللاتينية ، وكثير من تلك الحكومات تزاول نشاطات محظورة من خلال شبكات من العصابات تمارس وتتجر في جميع النشاطات ذات الصلة .

ومن أوضح الأمثلة على ذلك الرئيس الكوبي فيدل كاسترو و الذي يتراشق عبارات العداء المستمر مع الولايات المتحدة منذ ثلاثين عاما تقريباً ، مع أنه قد تمَّ تدريبه في "نيفادا " بالولايات المتحدة على أيدي الاستخبارات الأمريكية العسكرية " cia" مع زميله الأرجنتيبني ؟ "تشي جيفارا"، و هذا المرتزق الأخير حين أنهى مهمته في "كوبا"انتقل ليقود الثوار في "بيـرو" ؟ حيث قضى نحبه هنالك ، ومع ذلك فإن الرئيس الكوبي يستضيف في بلاده كبرى قواعد الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية"جوانتا امو" ؟ و هي القاعدة الأمريكية "سيئة الذكر" التي أودعت فيها الولايات المتحدة أسرى حرب افغانستان .


4ـ تتميز دول أمريكا الجنوبية بارتفاع معدَّل السكان "الاكتظاظ السكاني" ، مِماَّ يساهم في انتشار الدعوة الإسلامية ويختصر كثيراً من الجهد .


5 ـ تتكون المجتمعات الأمريكية الجنوبية من خليط من عدَّة أجناس بشرية ، فهناك السكان الأصليون للقارة ، و هناك الأفارقة الذين كان يجلبون للبيع في أسواق النخاسة ، و هناك المستعمرون البرتغاليون و الأسبان ممَّا أضفى نوعاً من التعايش العرقي و عدم العنصرية ، و مِمَّا يجعل تلك البيئة مناسبة جداً للدعوة الإسلامية .


ـ إذن يجب توجيه الجهود الدعوية إلى تلك القارَّة البكر ، والمكتظة بالمجتمعات السكانية ، و ينبغي للجهات الدعوية
ـ الرسمية أو الفردية ـ إقامة دورات خاصَّة في اللغتين البرتغالية والأسبانية ـ
أو إقامة معاهد خاصة لهاتين اللغتين ـ ، مع التركيز على المصطلحات الدعوية ودراسة ديموغرافية وطبيعة تلك المجتمعات.


ـ و ينبغي كذلك الاستعانة ببعض الدعاة من بلدان المغرب العربي ، حيث أن بعض المغاربة يجيدون هاتين اللغتين لظروف
المجاورة لأسبانيا والبرتغال أو العمل فيهما، و ذلك بعد إعطائهم دوراتٍ علمية مكثفة في مناشط الدعوة الاسلامية ومفردات الثقافة الاسلامية ،

والله أعلم وصلى اله على نبينا محمد ، و على آله وصحبه أجمعين .