بقلم أ. د: الخشوعي الخشوعي محمد


أستاذ الحديث بجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار علماء الجمعية الشرعية

عن أبِى ذرٍّ قال: "قلت يا رسول اللَّه! أَلا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذرٍّ إنك ضعيف، وإنها أمانةٌ، وإنّها يومَ القيامة خزي وندامةٌ، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها" "1".
في هذا الحديث الشريف يبين الرسول صلى الله عليه وسلم واجب الإمام أو الحاكم نحو رعيته، كما يبين صلى الله عليه وسلم مدى المسئولية الملقاة على عاتق كل فرد نحو الذين ولاه الله أمرهم.



ويشمل الحديث هنا الإمام أو الحاكم: سواء كان رئيسًا للدولة، أو وزيرًا، أو محافظًا أو رئيسًا لجامعة، أو أي إنسان أسند إليه إدارة أي عمل من الأعمال، عظم هذا العمل أو صغر، حتى يدخل في ذلك الرجلُ في بيته والمرأة في بيتها، فالكل مسئول كل على قدره، وبقدر الإمكانات المتاحة له.


عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ فِي أهله وهو مسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعية فِي بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع فِي مال سيده ومسئول عن رعيته" "2".


والإمام أو الحاكم أو المسئول الذي يريده الإسلام لينعم الناس في ظله ويفوز برضا الله تعالى والجنة هو الحاكم العادل، وعدل الحاكم لا ينشأ من فراغ، وإنما هو بعد توفيق الله تعالى ثمرة لتربية إيمانية أخلاقية سلوكية، ولنصح البطانة الصالحة التي ترشده إلى الخير وتعينه عليه، تبتغى بذلك رضا الله تعالى والجنة، وجهاد مستمر للنفس البشرية وشياطين الإنس والجن الذين يغرونه بما تهوى النفس وتشتهي، تغريه بالظلم والفساد والانحراف؛ وذلك كله يحقق له ذاتيته ويشعره بلذة الحكم، وما أدراك ما لذة الحكم؟ كما يحقق له المكاسب المادية، وتعود على بطانة السوء بما يشتهون؛ لأنه إن رتع رتعوا، وإن عف عفوا.


ونأتي الآن للكلام عن بعض واجبات الحاكم المسلم:



فعلى الإمام أو الحاكم أن يحافظ على شعبه الذي ولاه الله تعالى أمره، وأن يعلم أنه سيُسأل عنهم أمام الله تعالى يوم القيامة، ويتحقق ذلك بالآتي:
1ـ المحافظة على دين الله تعالى:


يجب على الحاكم أن يحافظ على دين الله، وأن يصونه ويرعاه بكل الوسائل، فإن اعتدى أحد على دين الله تعالى أدبَّه بما يستحق ويزجره حتى يرتدع وينزجر هو وغيره من أصحاب النفوس المريضة، وقد يصل الأمر بالحاكم أن يقتل المعتدي على دين الله إن استحق ذلك، وهو إذ يفعل ذلك إنما يقوم بواجبه الذي أوجبه الله تعالى عليه وخوَّله له منصبه، كما يقوم بحماية القانون الذي تحتكم إليه الدولة، فالدين ليس بأقل من القانون، وفي الوقت نفسه يمنع الفتنة العامة التي قد تنشأ عندما تتهاون الدولة وتترك المعتدين على دين الله دون عقاب رادع، فعند ذلك يثور المؤمنون من أجل دينهم الذي أهين واعتُدِيَ عليه، ولم يجد المعتدي من يزجره ويمنعه، وهذا أمر طبيعي لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيه أو يمنعه بحال من الأحوال، فغيرة المؤمن على دينه لا تقل عن غيرته على نفسه وعرضه وماله ووطنه، بل هي أعظم من ذلك.



2ـ المحافظة على الآداب العامة:


يجب على الحاكم أن يحافظ على الآداب العامة، فلا يترك أحدًا يجاهر بالمعصية، بل يضرب بيد من حديد على المجاهرين بالمعاصي الخارجين على آداب المجتمع المعتدين على حريات الناس وإنسانيتهم، والحاكم إذ يقوم بذلك إنما يوفر الجو العام الطاهر العفيف النظيف الذي لا تُرى فيه المنكرات ولا تُشَم لها رائحة، ويظل المجتمع يتهيب الجريمة، وهو بذلك يحافظ على المجتمع بأسره من الانزلاق إلى الرذيلة، وبخاصة ضعاف النفوس الذين لا قدرة لهم على مقاومة الشر أو الشهوات، وهم مع الغالبية العظمى، فإن عاشوا وسط المستقيمين استقاموا وإن عاشوا وسط الفاسدين حاكَوْهم وفسدوا، وهذه الطائفة من الناس تمثل غالبية الشعب.



3ـ رعاية مصالح الأمة:


يجب على الحاكم أن ينهض بشعبه علميًّا وثقافيًّا وصناعيًّا وزراعيًّا واجتماعيًّا، إلى غير ذلك، وإنما يتحقق ذلك بالاستعانة بأصحاب الخبرات الأمناء الناصحين في كل تخصص؛ لتواكب الزيادة السكانية زيادة متوازية في موارد الدولة المتعددة في التعليم والبحث العلمي والصناعة والزراعة وغير ذلك؛ ليوفر لكل إنسان حياة كريمة يتحقق فيها الحد الأدنى الذي يحفظ للإنسان كرامته وإنسانيته، ويصون أفراد المجتمع من البطالة التي تؤدى بهم إلى اليأس والإحباط، الذي يؤدي بدوره إلى فقدان الولاء والانتماء للبلد الذي أهملهم، فلم يوفر لهم حد الكفاية فضلًا عن العيش الكريم الذي يجعل الإنسان يعمل، بل ويبدع لمصلحة بلده الذي أكرمه، كما أن ذلك يؤدي إلى ارتفاع نسبة الجريمة في المجتمع، فكل يبحث لمشكلته عن حل، وقد يرى من لا عمل له الحل في ارتكاب الجرائم من سرقة أو رشوة أو تجسس على دولته لمصلحة العدو، أو غير ذلك من الجرائم التي تحقق له الثراء العاجل، وقد تحمله البطالة حملًا على الانتحار؛ لأنه لا يجد حاجته الضرورية فضلًا عن الحياة الكريمة، وفي الوقت نفسه يرى من يرتع في النعيم، وقد يكون أقل منه قدرة وذكاءً.
فعلى الحاكم أن ينصح لرعيته بكل الوسائل.




4ـ تولية أصحاب الخبرة والعلم الأمناء:


يجب على الحاكم ألا يولِّى على عمله إلا صاحب الخبرة والعلم في تخصصه، وصاحب الدين والخلق الذي يتقى الله في عمله والعاملين معه، ويجعل هذا هو المقياس الذي على أساسه يختار القيادات، فلا يقدم صاحب الولاء الجاهل الذي لا دين له ولا أخلاق، وكل ما لديه أنه يجيد فن التزلف والتملق والمداهنة، وعادة من هذا حاله أنه يفتقد الخبرة العلمية والعملية والأخلاقية، وإنما أجاد ما أجاد ليكمل نقصه وليصل إلى مراده وغايته من النهب والسرقة؛ ليحقق لنفسه ما يريد بأي وسيلة، وإن أدى ذلك إلى الخراب؛ فهو لا يعبأ إلا بنفسه، ويستبعد أصحاب الخبرة والمعرفة حتى لا ينكشف عواره، فإن وجود أصحاب الخبرة والمعرفة بجوار من لا خبرة له تجعل أصابع الاتهام تشير إليه وتعرف الناس بجهله لقربهم منه، ولو لم يتكلم أحد، بل إن الجاهل لا يكتفي بإبعاد أصحاب الخبرة، بل يعمل جاهدًا على إقصائهم بكل وسيلة حتى لا تتكدر نفسه برؤيتهم، وهو بذلك يكون قد خان رعيته. وهذا يؤدى بدوره إلى الخراب الذي يسبق قيام الساعة؛ عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" "3".



5ـ محاسبة الوزراء والقيادات:


يجب على كل مسئول أن يحاسب من ولَّاهم أولًا بأول، فإن وجد عوجًا قوَّمه وأصلحه إن كان قابلًا للإصلاح، وإن لم ينصلح عزله بعد المحاسبة والجزاء، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون.
ولا يجوز أن يترك الأخطاء تتراكم حتى تستعصي على العلاج، أو لا يبحث لها عن علاج أصلًا، إن عليه أن يربى فيهم روح المسئولية، فلا يترك أيديهم مطلقة في أمور الناس يفعلون ما يشاءون من ظلم وإفساد وتضييع لحقوق الناس؛ لانشغالهم بأنفسهم، وبجمع الثروات بأي وسيلة، والاستيلاء على المال العام وظلم العباد.



6ـ الاستماع إلى الرعية، و البحث لمشاكلهم عن حلول:


يجب على الحاكم أن يستمع إلى رعيته ليتعرف على أحوالهم ويبحث لمشاكلهم عن حلول، ولا يحتجب عنهم احتجابًا يحول دون وصول أخبارهم إليه ترفعًا عليهم، وقد ينقل له خاصته خلاف الواقع ليوهموه أن الأمن مستتب، وأن الناس يعيشون في رغد من العيش، وقد يفسدون ما بينه وبين الرعية مداهنة له وإيهامًا له أنهم حريصون عليه، يسعون في تأمينه والمحافظة على ملكه؛ ليحققوا لأنفسهم منافع مادية، وليتسلقوا على أكتاف الشعب؛ ليصلوا إلى ما يريدون، خاصة إذا أوهموا الحاكم أنهم الحامون لملكه من الزوال؛ فإنهم سيأخذون ما يشاءون، ويفعلون ما يريدون بالشعب.



7ـ استشارة أهل الحل والعقد:



على الحاكم أن يستشير أهل الحل والعقد والخبرة في كل تخصص، فيما ليس لله تعالى فيه حكم شرعي، ولا يجوز له أن يستأثر برأيه؛ ليرى الحاكم بأعين من يستشيرهم لا بعينيه وحده، وعند ذلك يكون رأيهم إلى الصواب أقرب، ولتتحمل الأمة معه المسئولية.
فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستشير أصحابه فيما ليس لله فيه نص كتاب.
قال الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِن اللَّهِ لِنْتَ لَهُم وَلَو كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُم وَاسْتَغْفِر لَهُم وَشَاوِرْهُم في الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي نَ} [آل عمران: 159]
وسمى القرآن الكريم سورة من سوره باسم سورة "الشورى" وقد وصف الله تعالى فيها المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِم وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُم شُورَى بَيْنَهُم وَمِمَّا رَزَقْنَاهُم يُنْفِقُونَ} [الشورى :38].
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: "ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم" "4".
والشورى ملزمة للحاكم أو من يقوم مقامه (وليست معلمة) كما ذهب إلى ذلك جمع من العلماء.



8ـ أجر الحاكم العادل:


ولما كان عدل الحكام شاقًّا على النفس البشرية؛ لأن الحاكم توافرت له أسباب الظلم والطغيان والسلطان والمال، وانصياع الناس له، ونزولهم على رأيه، ينفذون ما يريد رغبةً في دنياه، كما أن عدله يفوِّت عليه وعلى ذويه ومن حوله كثيرًا من المنافع المادية، وكل هذا يدعوه إلى الطغيان والظلم، إذا لم يوجد إيمان صحيح يهذب النفس ويقومها.
كما أن الثمار الناشئة عن عدل الحكام عظيمة؛ فبصلاحه وعدله ينصلح العباد وتحيا البلاد، وكما قالوا: "الناس على دين ملوكهم".
لذلك أُثر عن بعض السلف أنه قال: "لو كانت لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للحاكم؛ فبصلاحه وعدله تصلح الرعية".
لذلك وعد الإسلام الحاكم العادل بالأجر العظيم الذي لا يوصف؛ فهو أول من يظلل في ظل عرش الرحمن يوم القيامة والناس في عرقهم على قدر أعمالهم، كما يغبطهم الأنبياء والشهداء على مكانتهم ومنزلتهم؛ لأن العدل من الأئمة نادر، فلا يقوى عليه إلا الموفقون.
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سبعة يظلهم اللَّه في ظلّه يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل ...." "5".
عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المقسطِين عند اللَّه على منابر من نور عن يمِين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" "6".



9ـ الحاكم مسئول أمام الأمة في الدنيا:


الحاكم ليس معصومًا من الخطأ؛ لذلك وجب على الأمة أن تنصحه وتراقبه وتحاسبه إن أخطأ، ويعزل إن ارتكب ما يستوجب العزل.
عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: للَّه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" "7".
قال أبو بكر الصديق يوم أن بويع بالخلافة: "أيها الناس وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، القوى فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوى عندي حتى آخذ الحق له".



ولما كانت مسئولية الحاكم عظيمة في الدنيا والآخرة لما ينشأ عنها من مصالح، إن كان أهلًا لذلك، وكان موفقًا، ولما ينشأ عنها من مفاسد إن كان على خلاف ذلك؛ فقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإمارة عامة، وحذر العاجز عن إدارة الأمور؛ مبينًا ما يترتب على ذلك من مساءلة أمام الله تعالى، وأن الإنسان إن لم يكن أهلًا لذلك وتقدم لتحمل المسئولية، أو لم يقم بواجبه فمصيره الخزي والندامة.
عن أبي ذر قال: "قلت: يا رسول اللَّه ألا تستعملنِي؟ قال: فضرب بيده على منكِِبي ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزىٌ وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها" "8".
عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما من أمير عشرة إلا جيء بِِه يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يطلقه الحق أو يوبِقه، ومن تعلم القرآن ثم نسيه لقي اللَّه وهو أجذم" "9"
عن أبى هريرة أن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أمير عشرة إلاَ يؤتى به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه أطلقه الحق أو أوثقه" "10".


ـــــــــــــــ ــــ
"1" أخرجه مسلم.
"2" أخرجه الإمام البخاري.
"3" أخرجه البخاري.
"4" أخرجه الترمذي.
"5" أخرجه البخاري ومسلم.
"6" أخرجه مسلم.
"7" أخرجه مسلم.
"8" أخرجه مسلم.
"9" أخرجه أحمد.
"10" أخرجه الدارمي.