فقه النهوض
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: فقه النهوض

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    1,434

    افتراضي فقه النهوض

    بقلم: د. محمد هشام راغب

    يراود حلم النهضة الإسلامية عقول وقلوب المسلمين على امتداد القرنين الأخيرين، ولا يقتصر هذا على العلماء والدعاة والمصلحين، وإنما هو حلم عامة المسلمين؛ حتى إنهم ليتعلقون بأي حدث له رائحة النهضة ولو كان عبارة عن إسلام لاعب كرة قدم، أو تصريح مجامل لمسئول غربي يشهد بعظمة الإسلام، أو إحصاء يسجل ميل الناس لتسمية مواليدهم بأسماء الصحابة والتابعين.

    إن التعلق بهذه الإشارات يعكس قوة التعلق بحلم النهضة الإسلامية، ويعكس في الوقت نفسه حالة الإحباط التي تضخم مثل هذه الإشارات وتنفخ فيها من روح الأمل.
    لقد حفلت الفترة الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين برؤى عظيمة لمشروع النهضة الإسلامية، وظهر رواد لهذه النهضة المأمولة في الهند وإيران والشام وتركيا والجزيرة العربية ومصر والجزائر والمغرب، ولقد حاول هؤلاء الرواد الأكابر أن يقدموا مشروعًا متكاملًا لنهوض الأمة، وحاولوا قراءة الواقع الذي يعيشونه، وكان المأمول (ولا يزال) تقديم مشروع واضح للنهضة تصب فيه الجهود المختلفة وتتكامل وتتكاتف نحو هدف واحد.

    لقد كان المأمول (ولا يزال) أن يوفر مشروع النهضة مظلة لكل مسلم يريد أن يساهم ولو بساعة من عمره أو بشيء يسير من ماله، فيجد لمساهمته وعاء محددًا وواضحًا، وأن تكون المظلة أيضًا لكل عالم أو داع إلى الله فلا يكون كلامه عشوائيًّا، أو دعوته مجرد خواطر شخصية، وإنما جزء من مشروع محدد الملامح، مشروع يتسع للحركات الإسلامية المختلفة لتتعاون من خلاله.
    إن احتياج الأمة لمشروع النهضة يُضرب له مثل جميل، بقرية أصابها القحط والجدب فجاءها خبير فاهم ونصحهم بأن يحفروا بئرًا عمقها عشرون مترًا فينبع الماء، فهبَّ أهل القرية لنجدتها وأخذ كل منهم يحفر بئرًا، فحفروا مائة بئر عمق كل منها متر واحد، فلم يحصلوا على نقطة ماء.

    تصور معي خطيب جمعة يجتمع أمامه مئات من المصلين وعنده العلم وفنون الدعوة، ولكنه كل أسبوع يختار موضوعًا بحسب مزاجه الشخصي (وخذ مثالًا على ذلك أهم مساجد المسلمين الحرمين الشريفين، هل ترى في الدعوة فيها خطة محكمة؟ أو مشروعًا محددًا؟)، وتصور معي داعيًا متخصصًا في التاريخ الإسلامي، يقص على الناس سيرة الأولين لا ليخدم بها مشروعًا محددًا، ولكن فقط للتغني بأمجاد السلف ودغدغة مشاعر المسلمين، وربما يكون بعض ما يختاره لهم سببًا في إحباطهم ويأسهم.
    ثم تصور معي فقيهًا يجتهد في وضع القواعد الفقهية لحركة إسلامية منطلقًا في ذلك من فقه التمكين دون النظر لفقه الواقع، بل ربما يكون مغيبًا عن الواقع بالكلية فيخاطب الناس بالعزائم، ويشدد عليهم في الرخص، ويسرب إليهم شعور الارتياب تجاه أسباب المدنية والقوة.
    ثم تصور معي أخيرًا رجلًا أو جماعة تفرغت لمقاومة الهيمنة الغربية السياسية وأخذت تلاحق أشكال الاستعمار الثقافي والاقتصادي، دون أن تنتبه لإزالة قابلية الأمة الآن لهذا الاستعمار وإقبالها عليه؛ إن مشروعًا للنهضة واضح الملامح سيجمع هذا الشتات ويوظف هذه الطاقات ويدفعها باتجاه واحد.

    إن الحركات الإصلاحية المختلفة التي بدأت منذ أكثر من قرن تكاد تشترك كلها في أربعة ملامح أساسية:
    1ـ الاعتماد على سند شرعي محكم النصوص.
    2ـ فقه الواقع.
    3ـ الإصغاء إلى التاريخ لاستنباط سنن الله تبارك وتعالى من خلاله.
    4ـ جماعية الحركة.

    إن أي مشروع للنهضة يحتاج أن تتوازن فيه هذه الملامح، دون أن يطغى بعضها على بعض أو يعطل بعضها بعضًا، ومن التجارب المفيدة في هذا الشأن ما وقع للإصلاحي الكبير الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله الذي كرَّس زهرة حياته العلمية والحركية لمشروع واعد للنهضة ينشغل بقضية الإصلاح والتربية والتعليم والتقدم المادي والتمدن والشأن العام للأمة الإسلامية، ولكنه تحت وطأة الواقع ومرارته والأحداث العاصفة التي أدت إلى انهيار الخلافة وإلغائها واندلاع الحرب العالمية الأولى, وسلسلة المعاهدات السرية بين الدول الكبرى من سايكس بيكو إلى وعد بلفور، ثم مؤتمر لوزان، وانقضاض القوميين الأتراك على الإصلاحيين العرب، وقيام الحركة الكمالية في تركيا, التي عطلت معاهدة سيفر, وتزامن هذا مع قمع وفشل الثورات الأهلية في مصر وليبيا والمغرب وسوريا, وإحكام أوروبا سيطرتها الاستعمارية على هذه الأقطار وغيرها من الأقطار العربية والإسلامية، ثم بروز المشروع السعودي الثاني بقيادة الملك عبد العزيز.

    كل هذا التغير الحاد الذي عصف بالواقع الذي تعامل معه طويلًا الشيخ محمد رشيد رضا وأحسن قراءته، أدى به الشعور المحبط إلى الانكماش والتراجع، وإلى شبه التخلي عن مشروعه الإصلاحي الكبير، وانحاز بعد ذلك للمدرسة السلفية العلمية؛ حيث انصرفت عنايته بالكلية لدراسة السنة والنهل منها لاجتهاداته الفقهية.

    إننا في لحظتنا الراهنة أمة قد أصابها ضعف شديد ولكنها لم تمت، والأهم من ذلك أنها أمة تريد أن تنهض من جديد، ورغبتها في النهضة رغبة أكيدة ومتأصلة، إننا أشبه برجل طال به القعود ويريد أن ينهض، وجسمه ومفاصله وعضلاته لا تطاوعه بسهولة، فنهوضه يتطلب رفقًا بهذه الأعضاء ومعرفة بالأسلوب الأمثل لطريقة نهوضه، وإلا ترنح وفقد توازنه وسقط وتمنى أن لو ظل قاعدًا كما كان، نهوضنا يحتاج لفقه النهوض يستنبط من ينابيع شرعنا خطى الهداية، ويقرأ الواقع قراءة واعية، قراءة من يريد التعامل معه، هذا الفقه المنشود يرسم للأفراد والجماعات أولوياتها حتى لا يدب الخلاف في كل حين داخل المؤسسة الإسلامية نفسها على مفهوم واحد يجرهم إلى مشاكل معقدة، وهي مشاكل غالبًا ما يكون سببها فهم الواقع وفهم ملامح النهوض وأسباب السقوط وعدم الإصغاء إلى التاريخ.


    أول ملامح أي مشروع للنهضة هو فقه صحيح للنهوض يُحسن النظر في الشرع، ويحسن استنباط الأحكام الفقهية التي تضبط وتحكم هذا المشروع المنشود؛ إن كل مشروع سابق فاشل أو حركة إسلامية منحرفة، كان وراءها فقه قاصر وفقهاء قاصرون.
    إن البحث عن مظلة فقهية توحد الجهود الإسلامية ويرضى بها الأفراد والدعاة والحركات الإسلامية إنما يعتمد في الأساس على مستوى الفقهاء الذين يتم اعتمادهم، لقد آن الأوان أن تجتمع الأمة على أسماء محددة أو هيئات فقهية محددة تقتصر عليها إصدار الفتاوى والأحكام في المسائل الكبرى مثل الجهاد، وأنظمة الحكم، وأولويات مصارف الزكاة، والأعمال التي تنضوي تحت مصرف (في سبيل الله) والانتخابات، وقضايا المرأة، ومناهج تطبيق الشريعة، وأما المسائل الأخرى الحياتية والتي تخص العبادات الفردية والمعاملات الشخصية، فالأمر فيها أوسع، والناس يحتاجون فيها لأعداد كافية من المفتين يتواصلون معهم ويبثون لهم تساؤلاتهم ومشاكلهم.

    اختيار وتحديد الفقهاء المنوط بهم إصدار "كتاب أبيض" للأحكام والضوابط الفقهية التي ترسم خارطة طريق فقهية، ليس بدعًا من الأمر، بل هكذا كان الحال عند سلفنا في القرون الفاضلة وما بعدها؛ ففي عصر الصحابة ومع توافر العلم والفقه فيهم حيث كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقهم علمًا، وكان فقههم العظيم قد ورثوه من خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم مباشرة من غير واسطة، إلا أن المبرزين من فقهائهم كان عددهم محدودا جدًّا، وكان المكثرون في الفتوى سبعة: عمر بن الخطاب, وعلي بن أبي طالب, وعبد الله بن مسعود, وعائشة أم المؤمنين, وزيد بن ثابت, وعبد الله بن مسعود, وعبد الله بن عباس, وعبد الله بن عمر, رضي الله عنهم جميعًا.

    قال محمد بن حزم: "ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سِفْر ضخم"، ثم كانت بالإضافة لهم مجموعة أخرى نُقل عنهم عدد محدود من الفتاوى وهؤلاء هم: أبو بكر الصديق, وأم سلمة, وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري, وأبو هريرة, وعثمان بن عفان, وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير, وأبو موسى الأشعري, وسعد بن أبي وقاص, وسلمان الفارسي, وجابر بن عبد الله, ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم.

    يقول ابن القيم رحمه الله: "فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير جدًّا"، أي أن من نقل عنهم الفتيا كانوا حوالي عشرين صحابيًّا فقط، وغيرهم لم يرو عنهم إلا المسألة والمسألتان".
    وفي عصر التابعين بعدهم، وبرغم الأحداث السياسية العاصفة والدامية التي مرت بالمسلمين ومزقت شملهم خاصة بعد مقتل علي بن أبي طالب، وتصالح الحسن بن علي مع معاوية رضي الله عنهم حقنًا لدماء المسلمين، واجتمعت لمعاوية أقطار البلاد الإسلامية كلها، ولقب بأمير المؤمنين وسمي عام 41 بعام الجماعة (لاجتماع الناس على معاوية وهو أول الملوك)، ثم ظهرت منازعة الشيعة لابنه يزيد، وراسلت الحسن بن علي على منازعة يزيد في الأمر، وبعد قتل الحسين رضي الله عنه اشتدت الفرقة بين الشيعة وبني أمية، وظهرت هناك أحزاب سياسية مناوئة للحكم الأموي، ومن أهم تلك الفرق: الشيعة والخوارج.

    وكانت النشأة السياسية للشيعة والخوارج سببًا أصيلًا في انحراف فقههم، ولكن العجيب أن الأمة برغم هذه الأحداث المزلزلة، استطاعت أن تجمع كلمتها الفقهية حول نفر قليل من علماء التابعين في كل مركز من حواضر الإسلام؛ ففي المدينة المنورة برز مصطلح "فقهاء المدينة السبعة" وهم الذين انتهى لهم العلم والفتيا فيها بعد وفاة معظم الصحابة, وهم الفقهاء السبعة الذين اتخذهم عمر بن عبد العزيز (عندما كان والي المدينة) مستشاريه فيما يعرض له من أمور، وهم: عروة بن الزبير، سعيد بن المسيب، القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، خارجة بن زيد بن ثابت، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، وسليمان بن يسار مولى أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.
    وفي مكة آلت الفتيا لمجاهد بن جبر، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وأبي الزبير محمد بن مسلم.

    وفي الكوفة اجتمع أهلها على علقمة بن قيس النخعي، ومسروق بن الأجدع الهمداني، وعبيدة بن عمر السلماني المرادي، والأسود بن يزيد، وشريح بن الحارث الكندي، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، والشعبي.
    وفي البصرة كان أبو العالية والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقتادة بن دعامة السدوسي. وكانت الفتيا في الشام لعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وأبي أدريس الخولاني، وابن ذؤيب، ومكحول, ورجاء بن حيوة الكندي، وعمر بن عبد العزيز.
    وفي مصر: كان أبو الخير مرثد بن عبدالله اليزني، ويزيد بن أبي حبيب، وفي اليمن طاووس بن كيسان، ووهب بن منبه، ويحيى بن أبي كثير رحمهم الله تعالى جميعًا.

    وفي عصر تابعي التابعين ومع الاتساع الهائل لرقعة العالم الإسلامي شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، برز أئمة الفقه واتفقت الأمة قاطبة على رءوسهم الأربعة الأئمة المتبوعين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد تواترت أخبار كثيرة عن هذا القبول والاعتماد لهم من مشارق الأرض ومغاربها في زمنهم؛ فهذا أبو حنيفة يقول عنه مالك الإمام الثاني‏‏ ‏"‏رأيت رجلًا لو كلمته في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته‏،‏‏‏‏ والمعنى لو قلت له: أثبت أن هذه السارية ذهبًا لأتى بحجج يقنعك بها،‏ وهذه مبالغة لوصف إقناعه وقوة حجته،‏ وقال فيه الشافعي أيضًا‏‏: ‏"‏الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة‏"‏، والإمام مالك ضُرِب به المثل في المرجعية حتى قيل: "لا يفتى ومالك في المدينة"، ولما بلغ الإمام أحمد خبر وفاة الشافعي حزن عليه حزنًا شديدًا وبكاه بكاءً مرًّا حتى أن ابنه عبد الله يقول له لما رأى من تأثره وبكائه‏‏ ‏"‏يا أبت‏!‏ أي رجل كان الشافعي‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ يا بني‏!‏ كان الشافعي كالشمس للدنيا، والعافية للبدن، فانظر هل لهذين من خلف أو عنهما من عوض‏؟!"‏،‏ ويقول أيضًا الإمام أحمد في صديقه الشافعي وأخيه وأستاذه:‏‏ ‏"‏ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه إلا عندما جالست الشافعي‏"‏‏، ويقول:‏‏ ‏"‏ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي واستغفر له‏،‏‏‏ والإمام أحمد بدوره هو إمام أهل السنة والجماعة في وقته بلا منازع، وبقي أستاذًا لكل من جاء بعده، وكان من بركاته وخيراته أساطين علم الحديث بعده‏‏ البخاري ومسلم وأبو داود.

    وفي كل العصور التالية كانت هناك مرجعيات فقهية واضحة للأمة، وظهر ذلك جليًّا في الأحداث الكبرى عند اجتياح التتار لديار الإسلام وإبان الحروب الصليبية ثم أيام الحملة الفرنسية، وأخيرا في مقاومة الاستعمار في العصر الحديث.
    إن هذه السنة قابلة للتكرار في عصرنا الحالي، وليس ببعيد أن نصبح عندنا في مصر فقيه واحد أو اثنان أو ثلاثة يجتمع عليهم المسلمون، ونفس الشيء في الجزيرة العربية، وفي الشام والعراق وشمال إفريقيا وفي شرق آسيا وغيرها، إن هذا ليس حلمًا خياليًّا، وإنما حاجة وضرورة قابلة للتطبيق إذا اتفقنا على السعي لها والمطالبة بها، والأمة فيها من العلماء الربانيين ما يكفي للنهوض بهذه الخطوة المصيرية.
    لقد عانينا طويلًا في عصرنا الحالي حيث لا مرجعية واضحة لأهل السنة، ولذلك وجدنا في أحداث كثيرة تعصف بالعالم الإسلامي وتترك المسلمين حيارى بلا رؤية فقهية واضحة يلتفون حولها ويبذلون جهودهم على ضوئها.

    يمكننا أن نتذكر أمثلة لهذا الأحداث التي تركت الأمة في حالة ارتباك وحيرة:
    • ظاهرة التكفير في السبعينيات.
    • معاهدتا الصلح بين مصر والأردن مع إسرائيل.
    • الحرب الإيرانية العراقية.
    • اغتيال الرئيس السادات.
    • الغزو العراقي للكويت.
    • حملات تحديد النسل.
    • الحريات العامة والانتخابات البرلمانية.
    • دعوة القوات الأمريكية والغربية لتحرير الكويت، وبناء قواعد دائمة لها في الخليج.
    • تغلغل التعليم الأجنبي وتدهور اللغة العربية.
    • ظاهرة ضعف الانتماء الوطني.
    • بروز تنظيم القاعدة.
    • اتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل.
    • أحداث 11 سبتمبر.
    • تدهور الموقف العربي الموحد لأدنى حالاته.
    • القضايا المالية المعاصرة: المصارف، وشركات التأمين، والأسواق المالية، وغيرها.
    • غزو العراق وأفغانستان.
    • الموقف من الانقسام الفلسطيني.
    • تزايد العداء ضد الإسلام والمسلمين في الغرب.
    ويمكننا أن نحصر حالات أخرى كثيرة مماثلة.

    إن غياب مرجعية فقهية واضحة ومقبولة فوت على الأمة مصالح كثيرة وزاد من حالة التراجع الجمعي، إن السعي للمطالبة وإيجاد مثل هذه المرجعية على أرض الواقع، لا يعتبر حلمًا بعيد المنال إذا تكون حوله رأي عام دافع متى اقتنعنا بخطورته وضرورته الملحة.


    إن غياب مرجعية فقهية واضحة ومقبولة فَوَّت على الأمة مصالح كثيرة وزاد من حالة التراجع الجمعي، إن السعي للمطالبة وإيجاد مثل هذه المرجعية على أرض الواقع لا يعتبر حلمًا بعيد المنال إذا تكون حوله رأي عام دافع متى اقتنعنا بخطورته وضرورته الملحة.

    وإن السؤال المهم في هذا هو: كيف يتم اختيار أو ترشيح هذه المرجعية؟ هل يُكتفى بالمؤسسات الرسمية كدور الإفتاء وهيئات كبار العلماء؟ أو يكون الأمر بالانتخاب من بين العلماء البارزين؟ أو يكون البحث عن آلية جديدة تضمن الطابع العالمي والدولي لهذا المرجعية؟ أو أن يكون الاهتمام بإرساء المبدأ أولًا حتى ولو على حساب قوة هذه المرجعيات، والتي ستتحسن فيما بعد؟
    أسئلة افتراضية عديدة تلوح في الذهن إزاء هذا المشروع الحلم.
    دعونا نبدأ من هذا المدخل: ما هي ملامح العالم الفقيه الذي نريده أن يكون في تلك المرجعيات الفقهية، بصرف النظر عن طريقة تكوينها؟
    ما هي المواصفات المطلوبة لشغل مكان في هذا الكيان الحساس الذي تتعلق به آمال عريضة؟

    هناك عدة مواصفات يمكن تبنيها:
    نقل أبو عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: "لا ينبغي للرجل أن ينصِّب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
    1ـ أن تكون له نيّة، فإن لم تكن له نيّة لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور.
    2ـ أن يكون له حلم ووقار وسكينة.
    3ـ أن يكون قويًّا على ما هو فيه وعلى معرفته.
    4ـ الكفاية "أي من العيش" وإلاّ مضغه الناس.
    5ـ معرفة الناس".

    هذا كلام نفيس للإمام أحمد يحتاج شيئًا من التأمل والفحص، وهي مواصفات ربما لا يتوقعها أكثر الناس؛ فقد جعل المستوى العلمي الشرعي مجرد خصلة واحدة من ضمن خمس خصال، واثنتين منها في دينه وخلقه وسلوكه وسمته، وخصلة تتعلق باستغنائه عن ما في أيدي الناس، والأخيرة درايته بالواقع الذي يعيش فيه.

    هذه مواصفات متوازنة، تعكس فهمًا دقيقًا لمسئولية الفتيا، وقد صدرها أولًا بنية المفتي، فإما أن يريد بفتواه إعلاء كلمة الله وإظهار دينه وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، أو يريد بفتواه أن يكون مسموع الكلمة مشهورًا بين الناس.
    وقد يقول قائل: نية العالم (وأي إنسان) في قلبه، لا نستطيع أن نحكم عليها، وهذا صحيح؛ ولكن نية العبد لها شواهد تكشف عنها في حياة الإنسان، خاصة لو كان بارزًا في الحياة العامة، تأمل في كبار العلماء، ألا ترى في أحوالهم ما يكشف عن حقيقة توجهاتهم؟، ومن هذه العلامات أن صاحب النية الطيبة يورثه الله محبة ومهابة في قلوب الناس، وصاحب النية الفاسدة يقذف الله في قلوب الناس بغضه وازدراءه، وهذه علامة لا تخيب.

    وأما اشتراط أن يكون المفتي له حلم ووقار وسكينة، فإنه شرط يدل على جلالة الإمام أحمد وعمق علمه؛ يقول ابن القيم في (إعلام الموقعين) عن هذا الشرط:
    "فليس صاحب العلم والفتيا إلى شيء أحْوَجَ منه إلى الحلم والسكينة والوقار؛ فإنها كسوة علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمه كالبدن العاري من اللباس، وقال بعض السلف: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم، و الناس ههنا أربعة أقسام: فخيارهم من أوتي الحلم والعلم، وشرارهم من عَدِمَهُما، الثالث من أوتي علمًا بلا حلم، الرابع عكسه؛ فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله، وضد الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات؛ فالحليم لا يستفزه البَدَوَات، ولا يستخفه الذين لا يعلمون، ولا يقلقه أهل الطيش والخفة والجهل، بل هو وَقُور ثابت ذو أناة يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور عليه ولا تملكه أوائلها، وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفه دواعي الغضب والشهوة؛ فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشر والصلاح والفساد، وبالحلم يتمكن من تثبيت نفسه عند الخير فيؤثره ويصبر عليه، وعند الشر فيصبر عنه؛ فالعلم يعرفه رشده، والحلم يثبته عليه.
    وإذا شئت أن ترى بصيرًا بالخير والشر لا صَبْرَ له على هذا ولا عن هذا رأيته، وإذا شئت أن ترى صابرًا على المشاق لا بصيرة له رأيته، وإذا شئت أن ترى من لا صبر له ولا بصيرة رأيته، وإذا شئت أن ترى بصيرًا صابرًا لم تكد، فإذا رأيته فقد رأيت إمام هدًى حقًّا فاستمسك بغَرْزِه، والوقار والسكينة ثمرة الحلم ونتيجته" ا هـ.

    وأما اشتراط الكفاية من العيش وإلاّ مضغه الناس، فواضح جدًّا في هذا الزمان؛ لأن حوائج الدنيا أذلت كثيرًا من العلماء وكسرت أعناقهم، وأكثر العاملين منهم بالمؤسسات الرسمية يستشعرون بضغط الحاجة، وأنهم ليسوا أحرارًا فيما يقولون أو يفتون؛ لأنهم ربما فقدوا وظائفهم وقوام عيشهم، وكثيرًا ما نسمع بعضهم يحتج بقول (خلينا نعيش)؛ إن العالِم إذا كان عنده ما يكفيه ويغنيه تحرر من ضغط لقمة العيش، وصار طليقًا في فكره وعلمه، وكانت له عزة ومهابة.
    إن شرط "معرفة الناس" شديد الصلة بفقه الواقع، إن من دعائم الفتيا أن يكون العالم شديد الصلة بالمجتمع الذي يعيش فيه ويفتي له، وإلا حكم على أشياء وعلاقات لا يعرفها، والحكم على أي شيء فرع من تصوره؛ لقد عانينا كثيرًا من علماء ومفتين، يقذفون بفتاواهم في قضايا معرفتهم بها محدودة أو منعدمة، أذكر أني سمعت عالمًا مشهورًا منذ سنوات يفتي بحرمة التصويت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر، وقد التقيت به في تلك الأيام ودار بيننا نقاش حول هذه المسألة، وكان في أول الأمر يرى أن من يصوت في هذه الانتخابات آثم آثم، وقد وجدت أن الرجل لا يكاد يعرف شيئًا عن ملابسات الحياة السياسية في مصر، وأن له تصورًا غاية في السذاجة عن أثر السياسة في المجتمع وفي الناس، إن معرفة أحوال المجتمع ضرورة للمفتي؛ لأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعادات والأعراف والأحوال، وذلك كله من دين الله.

    من المواصفات الضرورية الأخرى أن يكون المفتي معتدلًا وسطيًّا على مزاج الشرع، يقول الشاطبي في الموافقات تحديدًا لهذا المعنى المهم:
    "المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة؛ فإنه قد مر أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع؛ ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذمومًا عند العلماء الراسخين، وأيضًا فإن هذا المذهب كان المفهوم من شأن رسول الله وأصحابه الأكرمين.

    وقد رد عليه الصلاة والسلام التبتل، وقال لمعاذ بن جبل لما أطال بالناس في الصلاة: "أفَتَّان أنت يا معاذ؟!" وقال: "إن منكم مُنَفِّرين" وقال: "سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا"، وقال: "عليكم من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا"، وقال: "أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قل"، ورد عليهم الوصال، وكثير من هذا.

    وأيضًا فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل ولا تقوم به مصلحة الخلق، أما في طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضًا؛ لأن المستفتى إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة، وهو مشاهد، وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلك والأدلة كثيرة.
    فعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتيا بإطلاق مضادًّا للمشي على التوسط، كما أن الميل إلى التشديد مضاد له أيضًا، وربما فهم بعض الناس أن ترك الترخص تشديد فلا يجعل بينهما وسطًا، وهذا غلط.

    والوسط هو معظم الشريعة وأُمُّ الكتاب، ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء التام عرف ذلك، وأكثر من هذا شأنه من أهل الانتماء إلى العلم يتعلق بالخلاف الوارد في المسائل العلمية؛ بحيث يتحرى الفتوى بالقول الذي يوافق هوى المستفتي؛ بناء منه على أن الفتوى بالقول المخالف لهواه تشديد عليه وحرج في حقه، وأن الخلاف إنما كان رحمة لهذا المعنى، وليس بين التشديد والتخفيف واسطة، وهذا قلب للمعنى المقصود في الشريعة، وقد تقدم أن اتباع الهوى ليس من المشقات التي يترخص بسببها، وأن الخلاف إنما هو رحمة من جهة أخرى، وأن الشريعة حمل على التوسط لا على مطلق التخفيف، وإلا لزم ارتفاع مطلق التكليف من حيث هو حرج ومخالف للهوى، ولا على مطلق التشديد، فليأخذ الموفق في هذا الموضع حذره، فإنه مزلَّة قدم على وضوح الأمر فيه" ا هـ.
    أضف هذا الشرط للشروط الخمسة للإمام أحمد تجد عندك دعائم واضحة للفتيا، إذا توافرت في عالم كان مهيأً ومؤهلًا لأن يكون ضمن الكوكبة التي تمثل المرجعية الفقهية الضرورية لكل بلد، وللعالم الإسلامي.
    وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    30

    افتراضي رد: فقه النهوض

    مقالك جميل جدا اخى الفاضل : اتمنى ان تطلع على كتب ومحاضرات العلامة الأصولى عبد المجيد الشاذلى : أظنك ستجد مالا يتوفر عند الكثيرين

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •