خيانة النفس
وأثرها في دوام الفتن


أعدها
أبو زيد العتيبي

بسم الله الرحمن الرحيم

قال – تعالى - : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}الأحزاب: 72
إن الله – تعالى – خلق العباد مكلفين بحمل أمانة شرعه، وأصل حمل الأمانة يقوم على
العلم والعدل، فمن نقص علمه وصف بالجهل بحسبه، ومن نقص عدله وصف بالظلم بحسبه.
وبكثرة ظلمه وجهله – المعلن والخفي - يكون خواناً أثيماً، و { إِ
نَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا }[النساء: 107].

وخيانة النفس: هي نقصها للأمانة – علماً وعدلاً – بما تخفيه سراً من ترك الواجبات وفعل المحرمات القلبية والبدنية والمالية .
وفي لفظ الخيانة مدلول الخفاء والتستر عن المخون، فالنفس عندما تتصف بصفة الخيانة لا بد لها من ستر وإخفاء عمل صاحبها السيئ بتزيينه حتى توهمه فيراه حسناً.
وحقيقة خيانة النفس أنها تدعو صاحبها للعمل بمقتضى الجهل والهوى: {إِ
نْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ}النجم: 23 ، والجهل خلاف العلم ، والهوى خلاف العدل .
والعقل الفطري السليم يدعو للعمل بمقتضى العلم والعدل . فلا تزال النفس تدعو صاحبها لمخالفة مقتضى العقل، والعقل ينهاه عن ذلك، والغلبة للأقوى منهما.
ولكل مدد يمده بما يقهر به خصمه، فالشيطان يمد النفس الخوانة، والملك يمد العقل الفطري. والحافظ الله – تعالى - : {
وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً}النساء: 45
ومحل هذا الصراع قلب العبد، ففيه المعركة تدور، وأرضه دحض مزلة، موحشة مظلمة. إلا من عمره بالذكر والإيمان فعلى قدره يكون أنسه ونوره .
وأصل هذا الصراع ناشئ من الفتن التي تعرض على القلوب، فإذا حصلت الفتنة – خيرا أو شراً – تجاذبها العسكران: عسكر الشيطان، والنفس. وعسكر الملك والعقل .
فالعسكر الشيطاني يسعى لإفساد التصور والعمل؛ بإتباع الظن والهوى، والعسكر الرحماني يسعى لإصلاح العلم والعمل؛ بإتباع الهدى ودين الحق .
وفي خضم هذا العراك الدائر، وفي ضبابية الفتنة، تخون النفس صاحبها، بل تختانه. كما قال – تعالى - : {
يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ}النساء: 107
قال شيخ الإسلام – رحمه الله - : " قَالَ : اخْتَانَتْ وَلَمْ يَقُلْ خَانَتْ ؛ لِأَنَّ الِافْتِعَالَ فِيهِ زِيَادَةُ فِعْلٍ عَلَى مَا فِي مُجَرَّدِ الْخِيَانَةِ" (مجموع الفتاوى:14/442).
وهو ما يحصل منها من التعاضد مع عدو صاحبها، يتزيين الباطل وحضه عليه، وتصويره بصورة المرغوب فيه والمطلوب حتى يسكن إليه ويراه حسناً .
وعند استحكام الغفلة، واستتباع الهوى، وتخييم الجهل يصبح المعروف عنده منكراً، والمنكر معروفاً، والحق باطلاً، والباطل حقاً .
وهي مرحلة الافتتان التي يصبح الحاكم فيها على المفتون الجهل والهوى، وفيها تضيع الأمانة فلا
علم يهدي، ولا عدل يزكي .
فإن لم يتدارك ما فرط من عزمه بتوبة صادقة يلم بها شعث عسكره المهزوم – والموفق هو الله وحده – وإلا قاده عدوه إلى مقام المحامي والمجادل عن عساكر الشيطان: (
النفس الخوانة، وبني جنسها ممن يختانون أنفسهم)، ومنه تنشأ مرحلة: الحزبية بعقد التولي والتبري على الجهل والهوى في شخص أو مقالة أو جماعة .
قال شيخ الإسلام – رحمه الله -: " دل قوله – تعالى - :{
وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} [ النساء : 107 ]، أنه لا يجوز الجدال عن الخائن، ولا يجوز للإنسان أن يجادل عن نفسه إذا كانت خائنة؛ لها فى السر أهواء وأفعال باطنة تخفى على الناس، فلا يجوز المجادلة عنها" (مجموع الفتاوى:14/444- 445).
ومن علل القلوب التي يخفيها العبد وتكون موضع خيانة النفس:
الشهوة الخفية، من حب الشهوة والمال والرئاسة .
فتعمد النفس الخائنة إلى إثارتها وتهيجها، متوصلة لذلك بتزيينها برداء شرعي – وصاية على الدين أو حمية للمؤمنين أو غير ذلك - تتستر به عن ملاحظة أعين المخلصين إلا أن سريرته بادية في صفحات وجهه وفلتات لسانه.
وعند ذلك تدوم الفتنة، وتعظم المحنة، وتجر الأمة إلى صراع الحظوظ النفسية، والأغراض الشخصية – جهلاً وهوى - . وتضيع الأمانة في معترك الخيانة، والمعصوم من عصمه الله.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين .

4/ذي القعدة/1433