وقفة ثانية مع كتاب فجر الأندلس، للدكتور حسين مؤنس
النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: وقفة ثانية مع كتاب فجر الأندلس، للدكتور حسين مؤنس

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    13

    افتراضي وقفة ثانية مع كتاب فجر الأندلس، للدكتور حسين مؤنس

    وقفة ثانية مع كتاب فجر الأندلس، للدكتور حسين مؤنس

    بقلم: أحمد الظرافي

    عناصر البحث:

    أولا: تمهيد: المستشرقون وتلامذتهم وكتابة تاريخ المسلمين في الأندلس

    ثانيا: كتاب فجر الأندلس للدكتور حسين مؤنس نموذجا

    وتحت هذا العنوان يتم مناقشة وتفنيد الشبهات التالية:

    1- أثر فتن العصبية على الفتوح في غالة " 102 - 112هـ"
    2- حقيقة إغراق يزيد وهشام ابني عبد الملك في العصبية
    3- من أغضب من؟!
    4- التوظيف المزدوج لذكرى معركة مرج راهط
    5- يزيد بن أبي مسلم كان قيسيا فصار يمنيا
    7- الحملة الشعواء على الكلبية اليمنية
    8- هشام بن عبد الملك وميوله العصبية المزاجية
    9- ابتداء الخصومة بين القيسية واليمنية في الأندلس
    10- سر اختيار عبيدة السلمي لعبد الرحمن الغافقي لولاية الأندلس
    11- عصبية ابن الحبحاب هل كانت للعرب أم للقيسبة؟!
    12- أمثلة أخرى من العبث بأنساب الأعلام والشخصيات

    أخيرا: هل كان حسين مؤنس يجهل أنساب القبائل العربية؟!

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    13

    افتراضي رد: وقفة ثانية مع كتاب فجر الأندلس، للدكتور حسين مؤنس

    أولا: تمهيد
    المستشرقون وتلامذتهم وكتابة تاريخ المسلمين في الأندلس



    أرسى المستشرقون، الذين كانت لهم الباع الطولى، في كتابة تاريخ الأندلس الإسلامي، أسسا، ومبادئ عامة، لكتابة هذا التاريخ، يتم بمقتضاها إبراز جانب الصراع العنصري والقبلي والطائفي والإقليمي، الذي دار بين المسلمين في هذا القطر بعد الفتح، على حساب الجوانب الأخرى الكثيرة المشرقة في هذا التاريخ، اللهم إلا جانب الحضارة المادية، لبرزوها وحديثها عن نفسها، ولأن الرقي المادي، ليس دليلا على الرقي الأخلاقي، وعلى سمو الجانب الروحي.

    ومن المعروف أن المستشرقين، هم الخصوم المحترفون للإسلام، وأهله. ومع ذلك، فقد جاء تلامذتهم، من المؤرخين العرب المعاصرين، فتهجوا نهجهم، واتبعوا مذاهبهم، ولم يفطنوا لأهدافهم الخبيثة، وأغراضهم الدنيئة، لتشويه التاريخ الإسلامي، ولهدفهم غير المعلن، وهو تحصين المجتمعات الغربية من الإسلام، وتنفيرهم منه.

    فصارت العادة المتبعة لكتابة تاريخ الأندلس الإسلامي، من قبل مؤرخينا العرب، أن يكون هناك فصل للصراع العربي البربري، وفصل آخر للصراع البلدي الشامي، وفصل ثالث للصراع القيسي اليمني. حتى أن أخبار هذه الصراعات القبلية العنصرية الإقليمية الدموية تغطي الجزء الأكبر من تاريخ الأندلس، في عهد الولاة ( 95-138هـ) .

    وللتأكد من ذلك يكفي الرجوع إلى كتاب ( تاريخ مسلمي أسبانية) بأجزائه الثلاثة للمستشرق الهولندي الشهير، رينهرت دوزي (-1883) ، أو كتاب ( تاريخ أسبانية الإسلامية )، لتلميذه المتتشرق الفرنسي ليفي بروفنسال، وهما من صنف المستشرقين المعتدلين والراسخين في معرفتهم بتاريخ الأندلس.

    بل يُعتبر دوزي، كما قال الأمير شكيب أرسلان، أوثق أوروبي كتب عن الأندلس. وقد نشر نصوصاً أندلسية كثيرة، بجانب عمله تكملة المعجمات العربية. فما بالك بغلاة المستشرقين وعلى رأسهم المستشرقون الأسبان المتعصبون.

    ففي كتاب دوزي " تاريخ مسلمي أسبانية" كلاما معناه أن بغض قيس لليمن، وبغض اليمن لقيس، هو أشدّ من بغض العرب للأمم الأعجمية . كما قال الأمير شكيب أرسلان في كتابه " تاريخ غزوات العرب في فرنسا ".

    ولا يخفى على كل ذي لب أن في هذا الكلام فرية مزدوجة، أو ذات شقين أحدهما بغض قيس ليمن والعكس. والثانية: "بغض العرب للأمم الأعجمية"، فكأن البغض هو الأصل في علاقة العرب بهذه الأمم، أو ما يسمى اليوم بـ "الآخر".

    فجاء تلامذتهم من المؤرخين العرب فنسجوا على هذا المنوال، وقد أكثروا من قصص وأخبار الصراعات بين القيسية واليمنية، حتى سودوا صفحات وصفحات، من تلك القصص والأخبار، بل لا تخلو من أخبار هذا الصراع صفحة من الصفحات.

    فصار أي وال يأتي لإدارة شئون الأندلس، لا بد أن يقفوا على أصله، لأنه بناء على ذلك الأصل، تتحدد التهمة، ويصدر الحكم، فإذا كان هذا الوالي قيسيا فهو يتعصب للقيسية، ويضطهد اليمنية، وإذا كان يمنيا فهو يتعصب لليمنية، ويضطهد القيسية، حسب نظريتهم .

    وإذا كان من هؤلاء أو أولئك، ولم يستطيعوا أن يدمغوه بالعصبية القبلية، اعتبروه حالة شاذة ونادرة واستثناء من القاعدة.

    وأما عندما يكون العامل يمنيا، وجاء من طرف قيسي أعلى سلطة منه، أو العكس، فإنهم يلجأون، إلى تبريرات سخيفة وواهية لتعليل ذلك، بل وقد يلحقوه في النسب بمن ولاه واستعمله، ولو تزويرا وتلفيقا، كما سنرى نماذج من ذلك لا حقا.

    أما الدافع لذلك فهو لكي لا تهتز نظريتهم، حول العداء المتأصل بين القيسية واليمنية، وأيضا لكي لا يتعارض ذلك مع التبويب لخطة الكتاب، أما أخوة الدين، فلا حديث عنها.

    ولأن الوقائع التاريخية لا تسير طبقا لذلك التبويب المدرسي الحدي ( الصراع بين القيسية واليمنية...الخ) صار هذا التبويب مدرجة إلى الكذب والتلفيق، والخلط في أسماء القبائل، كما سنرى، في هذه الوقفة مع كتاب ( فجر الأندلس ) للمؤرخ المعاصر الدكتور حسين مؤنس.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    13

    افتراضي رد: وقفة ثانية مع كتاب فجر الأندلس، للدكتور حسين مؤنس

    ثانيا: كتاب فجر الأندلس للدكتور حسين مؤنس نموذجا

    وتحت هذا العنوان يتم مناقشة وتفنيد الشبهات التالية:

    1- أثر فتن العصبية على الفتوح في غالة "102-112"

    قال الدكتور حسين مؤنس، في فصل (صراع العرب والبربر ) من كتابه الشهير ( فجر الأندلس ) متحدثا عن تدهور الأوضاع في المغرب والأندلس بعد وفاة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز :

    "...ولقد رأى الأندلس في الفترة بين سنتي 102 و 112 حكاما، لا تكاد تذكر لهم إلا اهتماما ظاهرا بالحروب وراء البرت وانصرافا ظاهرا إلى المنازعات العصبية العنيفة -1-".

    وإذا ما غضينا النظر، عن طبيعة الصراع الذي هو موضوع بحثه في هذا الفصل، وفيما إذا كان صراعا بين العرب والبربر، كما تم توصيفه من قبله، أم هو صراع بين الخوارج من البربر، وجيوش الخلافة، وركزنا الحديث على ما ورد في النص أعلاه، لأمكننا أن نقول إن حسين مؤنس يتحدث هنا عن الجهاد وراء جبال البرت، أي في غالة ( جنوب فرنسا حاليا )، كما لو أنه كان هدفا في حد ذاته، غير مرتبط بظروف المسلمين الداخلية، في الأندلس، وإمكانياتهم وأولوياتهم.

    وكأن اهتمام المسلمين الفاتحين بشئون الأندلس الداخلية، وتركيزهم على غرس شجرة الإسلام فيه، ليس من الجهاد.

    ومن وجهة نظره، التي يدل عليها كلامه السابق، أنه إذا لم يكن ثمة جهاد وراء جبال البرت، في هذه الفترة، فإن السبب في ذلك، هو "المنازعات العصبية العنيفة".

    وهذا طبعا، افتراض غير منطقي، وتعسف في التفسير، لاسيما مع عدم وجود شواهد أو وقائع محددة، تؤيد وجود تلك المنازعات العصبية، في تلك الفترة، لا عنيفة ولا غير عنيفة.

    مع أن النزاع وارد في أي وقت، فهذا من طبيعة البشر، والمسلمون غير معصومين، وإنما هم في النهاية بشر من جملة البشر، ولكن ليس بالضرورة أن يكون مرد ذلك النزاع للعصبية القبلية. هذا من جهة.

    ومن جهة أخرى، فإن ما قاله عن الانصراف عن الجهاد وراء جبال البرت في هذه الفترة، غير صحيح، ولا أظنني سأكون متجنيا عليه أو سأبعد عن الصواب، إن قلت، إنه إنما ذكر عدم الاهتمام بالجهاد وراء جبال البرت بين سنتي 102 و 112 ، لكي يخدم به فكرته، ويكسبها زخما من الإثارة، ألا وهي إبراز ما أطلق عليه " المنازعات العصبية العنيفة"، والتي هي موضوع حديثه في هذا الفصل، وكيف أن تلك المنازعات قد استغرقت كل الجهود في هذه الفترة،.

    أما طبقا لوقائع التاريخ، فإن هذه الفترة بالذات، شهدت قمة المد الإسلامي، في فرنسا، متمثلة في حملة عنبسة بن سحيم الكلبي، أمير الأندلس، بدءا من صفر سنة 103هـ، والذي توغل في فرنسا، حتى وصل إلى ضواحي باريس، قبل أن يستشهد في شعبان سنة 107هـ، ويلحق بسلفه المجاهد الكبير السمح بن مالك الخولاني، أمير الأندلس، الذي سبق له، أن استشهد تحت أسوار مدينة طلوشة ( تولوز )، في يوم عرفة سنة 102هـ.

    كما شهدت هذه الفترة أيضا حملة أمير الأندلس الهيثم بن عبيد الكلابي، في وادي ردونة - الرون - الواقع في جنوب شرقي فرنسا وذلك في عام 111هـ.

    وهناك حملات أخرى عديدة لم تذكرها مصادر التاريخ الإسلامي، إنما وردت أخبارها في المدونات اللاتينية التي ترجع لذلك العصر. وهي الحملات التي مهدت للحملة الكبرى التي قام بها، فيما بعد، أي في عام 114هـ، القائد الشهير والمجاهد الكبير عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي.

    نعم كان هناك منازعات عصبية في الأندلس، ولكنها حدثت في آخر عصر الولاة، وتحديدا في الثلث الأخير منه، أما في ثلثيه الأولين ومنهما الفترة التي يتحدث عنها حسين مؤنس، فلم يكن ثمة وجود لتلك المنازعات، على الأقل في الظاهر.

    صحيح أنه كان هناك تعدد في الولاة بعد استشهاد عنبسة بن سحيم الكلبي، سنة 107هـ، ولكن لم يذكر مؤرخو الأندلس، أن ذلك التعدد، وهو الذي يبني عليه المؤرخون المعاصرون استنتاجهم حول وجود تلك المنازعات العصبية.

    أقول أن مؤرخي الأندلس، لم يذكروا أن ذلك التعدد في الولاة، كان راجعا لفتن العصبية، مع العلم بأن هناك احتمالات كثيرة لذلك التعدد، وليس بالضرورة أن يكون مرده للخلافات العصبية.

    وكتابة وقائع التاريخ تحتاج إلى وثائق، ولا تبنى فقط على استنتاجات وافتراضات أو تأويلات، بل أن الشواهد الواردة في مصادر المؤرخين المسلمين عن هذه الفترة، تفيد العكس تماما، أي تتضمن الإشادة بأهل الأندلس، وتعلي من شأنهم وتمسكهم بعقيدتهم وحماسهم للجهاد.

    فهذا المؤرخ المغربي ابن عذاري المراكشي، صاحب كتاب ( البيان المغرب )، يصف حال المسلمين في الأندلس، في مستهل ولاية عنبسة بن سحيم الكلبي، فيقول:

    "وفي سنة 105هـ، خرج عنبسة غازيا للروم بالأندلس، وأهلها يومئذ خيار فضلاء، أهل نية في الجهاد، وحسبة في الثواب، فألح على الروم في القتال والحصار حتى صالحوه، وتوفي عنبسة في شعبان سنة 107هـ " -2-

    بل وحتى الدكتور حسين مؤنس نفسه، يعرف هذه الحقيقة تمام المعرفة، وتحدث عنها في كتابه الذي نحن بصدده، ومن ذلك قوله:

    "بيد أننا ينبغي أن نذكر أن المسلمين كانوا معنيين خلال هذا كله بالحروب وراء البرت، فقد استمرت جهودهم بعد مقتل السمح بن مالك الخولاني، ووصلت جيوش المسلمين في أيامهم إلى قريب من أفينيون، وكانت أربونة عاصمة الهيثم بن عبيد الكناني، يقيم فيها معظم وقته " -3-.

    علما بأن ولاية الهيثم كانت في عام 111هـ، وأما أربونة فقد كانت هي قاعدة المسلمين في ثغر غالة، وفيها كان يرابط المسلمون للجهاد، ومنها كانت تنطلق سراياهم إلى نواحي جنوب وجنوب شرقي فرنسا، واستمرت كذلك، لأكثر من أربعين عاما.

    ويقول حسين مؤنس، في مكان آخر، من كتابه المشار أعلاه مؤكدا على نفس تلك الحقيقة:
    "وكان جهد الولاة الأول – قبل اندلاع نيران الثورة البربرية، واشتداد منازعات العصبية – منصرفا إلى إتمام الفتح، ومواصلة الغزوات فيما وراء البرانس، وكان هذا هو عمل الولاة الأول، حتى نهاية ولاية عقبة بن الحجاج السلولي "-4- ( توفي عقبة في عام 123هـ )



    الهوامش:

    1- حسين مؤنس: فجر الأندلس، دراسة في تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الأموية (711- 756م )، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 1959، ص142.
    2- ابن عذاري المراكشي: البيان المُغْرب في أخبار الأندلس والمغرب ( 1/37)، تحقيق ومراجعة ج. س. كولان و إ. ليفي بروفسنال، دار الثقافة، بيروت، ص37. وكذا: المقري: نفح الطيب (1/235).، ت: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1968.
    3- فجر الأندلس، ص154.
    4- فجر الأندلس، ص 610- 611.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    13

    افتراضي رد: وقفة ثانية مع كتاب فجر الأندلس، للدكتور حسين مؤنس

    2-حقيقة إغراق يزيد وهشام ابني عبد الملك في العصبية

    ويستمر الدكتور حسين مؤنس، في وصف حال الدولة الأموية، بعد وفاة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز فيقول:

    " وكانت خلافة المسلمين إلى اثنين من أشد الأمويين إغراقا في العصبية القبلية، هما يزيد بن عبد الملك (101-105هـ)، وهشام بن عبد الملك (105-125هـ)، وفي عهدهما ظهر في البيت الأموي الانقسام والتفرق اللذان انتهيا بإضعاف البيت كله وذهاب ريحه -1-"

    كلامه هنا عن الإغراق في العصبية القبلية، يشعرك وكأنه يتحدث عن زعيمين قبليين من زعماء عصر الجاهلية، من أمثال حذيفة بن بدر الفزاري، وقيس بن زهير العبسي، صاحبي حرب داحس والغبراء الشهيرة، وليس عن خليفتين من خلفاء المسلمين، بغض النظر عن مميزات وعيوب كل منهما، وما له وما عليه.

    وهو يجعلك تعيش جو حرب داحس والغبراء فعلا عندما يسترسل في الحديث عن سياسة يزيد وهشام ابني عبد الملك في اختيار الولاة والقائمة بنظره على أساس العصبية القبلية، وتعصب الأول للمضرية، والثاني لليمنية، وانعكاس هذه السياسة على سياسة الولاة في الأمصار والولايات، وفي مقدمتها الأندلس، وإن كان الصراع القبلي، هنا أعم وأوسع وأفظع، فيقول حسين مؤنس متحدثا عن عواقب تلك السياسة وتداعياتها البعيدة الأثر على الإسلام والمسلمين:

    " هكذا أخذت عواصف العصبية تعصف بالدولة في القلب وفي الولايات، ولم يقتصر الأمر على العمال ورجال الدولة، بل تعداه إلى عامة الناس، لأن الجاليات العربية التي كانت قد هاجرت إلى الولايات واستقرت فيها لم تخرج عن أن تكون قيسية مضرية أو كلبية يمنية، فإذا كان العامل قيسيا حابى القيسية واضطهد اليمنية وآذاها، واشتبكت بينه وبينها الحروب، وإذا كان كلبيا عسف القيسية وأنزل بها من البلاء شيئا كثيرا. ومن هنا قامت الحروب بين العرب في الولايات، وتخضبت أراضي الدولة الإسلامية من خراسان إلى أقصى الأندلس بدماء العرب، وشغلتهم هذه الخلافات في كل ناحية عما هو أهم منها وأولى بالعناية من الأمور. ولم يشق بلد من بلاد المسلمين بهذه الخصومات كما شقي المغرب والأندلس. -2-

    الى آخر كلامه الذي يبعث على القشعريرة، والذي ينظر لتلك الفترة بمنظار محدب أسود، فيعطي لها صورة سيئة وشنيعة، وشديدة السواد وبالغة القتامة.

    واستطيع أن أجزم بأن ما قاله حول سياسة يزيد بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك فيه تجن كبير على الحقائق التاريخية، وبأنه هو الأشدّ إغراقا هنا، لكن ليس في العصبية القبلية، وإنما في المبالغة، والإثارة.
    وسنرى، بعد قليل، أن الشاهد، الذي أورده ليدلل به على عصبية يزيد بن عبد الملك للمضرية القيسية، يفيد عكس ما يرمي إليه تماما، وأنا هنا لا أدافع عن يزيد بن عبد الملك، ولكني أتحدث عن وقائع تاريخية من وجهة نظري كمسلم غير متأثر بأفكار المستشرقين – ازعم -.

    أما هشام بن عبد الملك، فهو من خيرة خلفاء بني أمية، بل من خيرة حكام المسلمين، عبر التاريخ، أحسبه والله حسيبه ولا أزكيه على الله. وهو يوصف بأنه آخر الخلفاء الكبار من بني أمية، يصفه السيوطي في ( تاريخ الخلفاء ) فيقول:

    " وكان هشام حازما عاقلا، وكان لا يُدخل بيت ماله مالا حتى يشهد أربعون قسامة: لقد أخذ من حقه، ولقد أعطى لكل ذي حق حقه -3-".


    الهوامش:


    1- فجر الأندلس، ص 142- 143.
    2- فجر الأندلس، ص 144.
    3- السيوطي: تاريخ الخلفاء، حققه: قاسم الشماعي ومحمد العثماني، دار القلم، بيروت، لبنان، ط1، 1406هـ / 1986، ص 281.


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    13

    افتراضي رد: وقفة ثانية مع كتاب فجر الأندلس، للدكتور حسين مؤنس

    3- من أغضب من؟!
    يدخل حسين مؤنس الآن في إيراد ما يعتبره شواهد، وأدلة دامغة، حول إغراق يزيد وهشام ابني عبد الملك، في العصبية القبلية، فيبدأ بالخليفة يزيد بن عبد الملك ( 101- 105هـ)، فيقول:

    " كان يزيد بن عبد الملك، مضري الميول: أغضب يزيد بن المهلب، وحاربه حتى قتله[1]".


    وبغض النظر عما إذا كان يزيد بن عبد الملك مضري الميول أم غير ذلك، فإن ما قاله حسين مؤنس هنا يتعارض مع وقائع التاريخ، فإن يزيد ابن المهلب، هو الذي أغضب الخلافة، بخروجه عن الطاعة، ومفارقته للجماعة. علما بأنه كان واليا على العراق وخراسان في عهد سليمان بن عبد الملك ، فعزله الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، وقبض عليه وحبسه، لعدم دفعه الخمس، من غنم كان قد غنمه من فتح كان قد قام به في شرقي الخلافة، في عهد سليمان، فألزمه عمر بن عبد العزيز، بدفع ذلك الخمس، فحاول التملص والاعتذار، فلم يقبل عمر عبد العزيز عذره، وهو الإمام العادل، الحاكم بكتاب الله وسنة رسوله، والمحتكم إليهما، لدرجة أنه أزمع على نفيه إلى جزيرة دهلك في جنوب البحر الأحمر، بين اليمن والحبشة، لأنه كان ينقم عليه أيضا ما كان فيه من زهو وتفاخر، إلا أن عمر عدل عن ذلك، لكي لا يستثير الأزد ( قوم يزيد بن المهلب )، واكتفى بحبسه في سجن حلب، درأ للفتنة، وحتى يؤدي ما عليه. ولما علم يزيد بن المهلب، باشتداد مرض عمر بن عبد العزيز في آخر خلافته، فر إلى العراق، وهناك رفع راية الخروج عن الخلافة، فبعث يزيد بن عبد الملك، الذي ولي الخلافة، بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، في رجب 101هـ، أخاه مسلمة لمقاتلته، ونشبت بينهما معركة كبيرة طاحنة، قتل فيها يزيد بن المهلب، مع من قتل من الطرفين، وتفرق أتباعه، ووأدت ثورته، وجنى على نفسه وعلى الكثير من أعوانه وأغلبهم من أخوته وعشيرته، وكان ذلك في موضع يسمى العقير، بالقرب من كربلاء، عام 102هـ.
    وعليه فإن محاربة يزيد بن عبد الملك ليزيد بن المهلب، وقتله، ليس لكون الأول مضري الميول، ولكون الثاني كان يمنيا أزديا. إنما لكون الثاني خرج عن الخلافة، وهذا خطأ كبير، لا يمكن تبريره، ولا تسامح فيه، ولا تقاعس أو تردد عن وضع حد له، ولو كان الخارج عن الخلافة، أخو الخليفة نفسه، لما تردد الخليفة، لحظة واحدة في محاربته وقتله. وحكم الشرع واضح في هذه المسألة.


    ------------------------------

    [1] فجر الأندلس، ص 143.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    13

    افتراضي رد: وقفة ثانية مع كتاب فجر الأندلس، للدكتور حسين مؤنس

    4- التوظيف المزدوج لذكرى معركة مرج راهط
    يتكىء المستشرقون وتلامذتهم من المؤرخين العرب المعاصرين، كثيرا على موقعتي "الحرة" عام 63هـ، و "مرج راهط" سنة 65هـ، وذلك للتأكيد، على تأصل العداء بين القيسية واليمنية، وامتداده إلى مختلف ولايات الدولة الإسلامية، ومنها الأندلس.

    ولذلك يلجأون لإعادة جذور الصراعات التي قامت في تاريخ المسلمين في الأندلس، في أواخر عصر الولاة، إلى هاتين المعركتين، وخاصة معركة مرج راهط، هذه الأخيرة التي لم تكن، في حقيقة الأمر، سوى معركة بين مشروعين سياسيين للخلافة، بعد أن شغر هذا المنصب بوفاة يزيد بن معاوية واعتزال ابنه معاوية بن يزيد عام 64هـ، وكان يمثل أحد المشروعين عبد الله بن الزبير، في الحجاز، ويمثل الآخر مروان بن الحكم، في الشام، وكلاهما قرشي مضري، وقد انتهت تلك المعركة، بانتصار أتباع مروان بن الحكم، وهزيمة أتباع ابن الزبير - وكلا الفريقين من عرب الشام.

    ومع ذلك يتم وصف هذه المعركة، من قبل المستشرقين وتلامذتهم، على أنها معركة بين القيسية واليمنية. ولكن الجديد هنا أن حسين مؤنس، يلجأ لتوظيف ذكرى هذه المعركة تارة لتبرير أحقاد اليمنية ضد القيسية، وتارة أخرى لتبرير أحقاد القيسية ضد اليمنية، وفي ذلك يقول:


    "وتعقب، أي يزيد بن عبد الملك، اليمنية بألوان الأذى حتى نفروا منه.. وامتلأت نفوسهم بالثورة عليه، وعادت إليهم أحقاد مرج راهط وتحركت في قلوبهم ثاراتها[1]".


    فكلامه هذا عجيب غريب، بل هو مع الأسف، تدليس واضح، إذ أن معركة مرج راهط – إذا سلمنا جدلا أنها كانت صراعا بين اليمنية والقيسية – كان النصر فيها لليمنية على القيسية. وكان القتلى فيها أكثرهم من القيسية، الذين دارت عليهم الرحى في ذلك اليوم المشئوم، فكيف تتحرك أحقادها في قلوب اليمنية ؟ وأي ثارات بقيت لهم يطلبونها عند المضرية، إذا كانوا هم المنتصرون فيها؟! وإذا كانت قد انتهت بمذبحة للقيسية وبمقتل زعيمهم [ الضحاك بن قيس الفهري] ؟

    على أن الدكتور حسين مؤنس، عندما يأتي للحديث، بعد ذلك، عن مظلومية القيسية في الأندلس، وما نالوه من الأذى والقهر على أيدي اليمنية الكلبية، ومدى حقدهم عليهم، ينسى كلامه السابق، أو يتناساه، فيعمد لكي يبرز جذور ذلك الحقد القيسي على اليمنية، لتوظيف ذكرى معركة مرج راهط، سيئة الذكر، نفسها، فيقول:


    "وكانت قيسية الأندلس موغرة الصدر، بطبعها لا تحتاج إلى من يحرك أحقادها، لأن الكثيرين من أفرادها كانوا ممن حضر حروب الزبيريين والمروانيين في المشرق، بل كان منهم من حضر مرج راهط، ورأى بعينه مصارع القيسية، وأفول نجمها بهزيمة الزبيريين، وكانوا ينتظرون الفرصة ليسووا حسابهم القديم مع اليمنية الكلبية[2]"


    أما بالنسبة للعداء بين قيس ويمن، والذي استفحل بعد معركة مرج راهط، وكون العرب قد حملوه معهم إلى مختلف الأقطار التي نزلوها في الفتوحات، كما يزعمون، فليس كما قالوا، ولذلك يرى المؤرخ الدكتور أحمد فكري، أن مظاهر هذا الصراع:


    " كانت قد هدأت، وأن رواسبه، قد ركدت في الوقت الذي قام فيه موسى بن نصير بحملته الكبرى في الأندلس، لأن الجيش الذي أعده ودخل به الجزيرة، كان مكونا على السواء من الفريقين القيسيين واليمنيين. ثم أنه وفد على الأندلس بعد ذلك كثير من الأعراب، ينتمون إلى هذا الفريق أو ذاك، وكان الوفاق، فيما يبدو، قائما دون شائبة بينهما[3].


    الهوامش
    [1] فجر الأندلس، ص 143.
    [2] فجر الأندلس، ص 151.
    [3]أحمد فكري: قرطبة في العصر الإسلامي، مؤسسة شباب الجامعة، الأسكندرية، 1983، ص16.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    13

    افتراضي رد: وقفة ثانية مع كتاب فجر الأندلس، للدكتور حسين مؤنس

    5- يزيد بن أبي مسلم كان قيسيا فصار يمنيا

    ويقول الدكتور حسين مؤنس، وحديثه لا يزال عن سياسة يزيد بن عبد الملك في اختيار الولاة:

    " وأقام على أفريقية يزيد بن أبي مسلم هذا، وكان من كبار القيسية، ولما قتل أقام مكانه بشر بن صفوان، وقوى جانب القيسية في بلاد الدولة الإسلامية كلها[1]"

    والسؤال: إذا كان هذا الوالي ( يزيد بن أبي مسلم ) من كبار القيسية، فهل هذا دليل على أن يزيد بن عبد الملك، كان متعصبا للقيسية المضرية؟! وماذا عن بقية ولاة الولايات الأخرى؟ مع العلم أنه بعد مقتل يزيد بن أبي مسلم والذي لم يلبث في الولاية سوى أشهر معدودة، ومن ثم تعيين بشر بن صفوان، بدلا عنه في ولاية المغرب، صارت ولايات الجناح الغربي للدولة الإسلامية، والممتدة من العريش في نهاية الحدود الشامية، إلى جنوب فرنسا، مرورا بمصر وأفريقية والمغرب والأندلس، كلها تحت حكم اليمنية، وهذا حدث في خلافة يزيد بن عبد الملك، وعن أمره.
    فكانت ولاية مصر تحت حكم حنظلة بن صفوان الكلبي،
    وكانت أفريقية تحت حكم أخيه بشر بن صفوان الكلبي،
    وكانت الأندلس وجنوب فرنسا، تحت حكم عنبسة بن سحيم الكلبي.
    فهل في هذا ما يدل على أن يزيد بن عبد الملك كان مضري الميول؟ أو يمكن لمؤرخ واع ومنصف أن يقول أنه قوى جانب القيسية في ولايات الدولة كلها؟

    ومع كل ذلك فياليت الدكتور حسين مؤنس، قد ثبت على قوله حول قيسية يزيد بن أبي مسلم.
    ذلك أننا ما أن نقلب هذه الصفحة، والصفحة التي بعدها، حتى نجده ينسبه للعصبية المضادة، أي يلبسه عباءة اليمنية، فيقول:

    " كانت ولاية يزيد بن أبي مسلم، وبشر بن صفوان في أفريقية كلبية يمنية صرفة، وقد عرف اليمنيون بإسرافهم في العصبية على الموالي في كل ناحية، وحسبنا من ذلك الإشارة إلى سياسة الحجاج وعسفه موالي فارس، وكان يزيد بن أبي مسلم، تلميذه وكاتبه فحسب أنه يستطيع أن يسير في البربر بسيرة الحجاج في أهل العراق وفارس، وأخذ يعسف البربر ويشتد في جمع أموالهم وسبي نسائهم[2]".

    فيا سبحان الله! الآن رجع يزيد بن أبي مسلم كلبيا، وقد كان قبل قليل من كبار القيسية.
    بيد أن هذا التناقض الصارخ سيتضح لنا، إذا عدنا إلى العنوان الفرعي، الذي جاء هذا الكلام الأخير تحته، وهو " فترة سيادة الكلبية اليمنية على أفريقية" هكذا قال "سيادة " وكأنهم كانوا دولة مستقلة، وليس عمالا تابعين للخليفة، صاحب الأمر والحل والعقد، في دمشق.

    لقد جعله في البداية من كبار القيسية، لكي يبرهن على سياسة يزيد بن عبد الملك المتعصبة للقيسية المضرية. فلما قتل يزيد بن أبي مسلم، وعين يزيد بن عبد الملك محله كلبيا يمنيا على ولاية المغرب، هو بشر بن صفوان، صير يزيد بن أبي مسلم يمنيا، وضم فترة ولايته القصيرة إلى ما أسماه " فترة سيادة الكلبية اليمنية.."
    وكأنه نسي كلامه السابق حول تعصب زيد بن عبد الملك، للمضرية وتقويته للقيسية في ولايات الدولة كلها، كما قال
    ومهما كان من أمر، فإن يزيد بن أبي مسلم، من الآن فصاعدا سيصير كلبيا يمنيا، بل ومتعصبا للكلبية اليمنية، وهذا ما يشير إليه حسين مؤنس ذاته، قال: بعد أن امتدح سياسة إسماعيل بن عبيد الله، بن أبي المهاجر، أثناء ولايته على المغرب ( 100- 101هـ):

    "وكان من سوء الحظ أن خليفته..لم يكن يقاربه في شيء من ذلك، بل كان رجلا يمنيا جافيا شديد العصبية، قليل الكياسة، هو يزيد بن أبي مسلم، كاتب الحجاج، ولاه يزيد بن عبد الملك، سنة 101هـ[3]".

    أما بالنسبة لسياسة يزيد بن أبي مسلم إزاء البربر، فليست بمحل بحث، لأن المصادر تذكر بالفعل بأنه كان ظلوما غشوما، وهو على أي حال، قد دفع حياته ثمنا لظلمه وسوء تصرفه.
    الهوامش:

    [1] فجر الأندلس، ص 143.

    [2] فجر الأندلس، ص 145.

    [3] فجر الأندلس، ص 158.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •