( ليس المشكلة فيما تقوله القيادة ... المشكلة في واقعية ما تقوله القيادة ).

كم من جلسات واجتماعات وتخطيطات ووضع الجداول والأدوار والمقترحات وعرض الأفكار والرؤى ... بشأن وضع برنامج للدعوة إلى الله تعالى ....
وبعد التشاور والاجتماع يتبين الآتي :
تدريس منهج علمي على ثلاث مراحل .... الأولى : مادة كذا وكذا وكذا وكذا .... ، والمرحلة الثانية .... والمرحلة الثالثة ...
وضع منهج دعوي ... ومنهج للخطابة ... ومنهج لإلقاء الدروس والمحاضرات .....
ثم بعد ذلك تأتي مرحلة التطبيق : بالنسبة للمدرسة موعدها يوم كذا وكذا وكذا ... من الساعة كذا إلى الساعة كذا ...
لا بد أن يلتزم المدرسين والطلاب بمواعيد المدرسة ... ولكن كيف يلتزم هؤلاء بهذه المواعيد ؟
لا بد أن نتكلم بأمر واقعيّ ... أيتركون وظائفهم وأشغالهم وكلياتهم ويجلسون لهذه المدرسة أم ماذا ؟
لا بد أن تكون مواعيد هذه المدرسة في أوقات العطلات والإجازات ( يومي الخميس والجمعة حتى تستمر قدرا أكبر ) أما أن نقول المدرسة في يوم السبت والثلاثاء بعد العصر إلى العشاء ... ثم نجد إقبالا ضعيفا عليها ... ونقول : ما الذي حصل لماذا لا يأتي الناس ؟
وبالنسبة للمادة المُدَرّسة مادة الفقه مثلاً ... تجد الشيخ يقرأ الكتاب كأن الطلاب لا يعرفون أن يقرؤوا هذا الكتاب ، ولا يُحضّر لذلك ، لأن عنده درساً في المكان الفلاني ومحاضرةً في المكان الفلاني ... فكيف يكون هذا طلبا للعلم ... ؟
ثم بعد مرور شهر أو نحوه يتكلم الطلاب فيقول أحدهم : لا يناسبني هذا الموعد ، والآخر يقول : لا يناسبني هذا الموعد ... فتجد نصفهم ينسحب بحجة المواعيد ... وفي النهاية تجد المدرس ينسحب هو أيضا ...
ثم تُنسى هذه البرامج والخطط وتغلب العشوائية على الدعوة ، ثم تمر السنة والسنتين وتعاود القيادة الجلسات والاجتماعات والتخطيط ووضع الجداول والأدوار والمقترحات وعرض الأفكار والرؤى مرة أخرى ... بشأن وضع برنامج للدعوة إلى الله تعالى ... ثم تضع برنامجاً علمياً ودعوياً وتربوياً ... ثم يحدث كما حدث من قبل ... ثم تدور الدعوة في فلك هذه الدائرة ونحسب أننا قدمنا شيئاً للدعوة ... وتمرّ السنين وتهدر الأموال والطاقات ونحسب أننا بذلك ننطلق بالدعوة ... وإنما بذلك نؤخرها ونعوقها ونرجعها إلى الوراء بشكل مقبول وباعتذارات وهمية ...
إذن المشكلة ليست في وضع الخطط والبرامج ... ولكن المشكلة في المطبقين لهذه البرامج والأفراد الموجّه لهم هذا التطبيق ...
ولكن هذه المشكلة ليست موجودة في الدعوة الفردية والدروس والمحاضرات واللقاءات للمشائخ والدعاة إلى الله تعالى وطلبة العلم الذين يشرحون كتاباً بموعدٍ أسبوعي في مسجد من المساجد ... تجدهم بارك الله فيهم يحافظون عليه كل أسبوع ولا يغيبون عنه إلا للضرورة ... فيستمرون بذلك سنين طويلة ... قد يغيب المرء عنهم سنين ثم يذهب إليهم في موعدهم ويجدون أنهم ما زالوا ثابتين عليه ثبتنا الله وإياهم .
وعلى الجانب الآخر يبرع أهل الضلال في ضلالهم من المغنين والفاسقين فيقيمون لأنفسهم الحفلات والألبومات بنظام محكم قلّما يفعله الدعاة إلى الله تعالى ...
وما الذي نستفيده من هذه المدرسة ... هل لتضاف إلى أعمال الدعوة أن الدعوة الفلانية نجحت في تخريج دفعات ودفعات علمية ... أم لتعليم الناس الخير والذي يأتي بعد ذلك هو فضل من الله ....
وقد يشرح عالمٌ صفحة من كتاب في الفقه أو التفسير أو الحديث .... ويستفيد منه السامع الاستفادة الكاملة ... ما لا يفعله الذي يدرّس في مدرسة ويكون ملتزما بمواعيد وبفترة زمنية لينهي الكتاب المطلوب شرحه ...
فلا بد للأمر من مرونة ونظرة جديدة للتدريس ... فمن كان من أهل العلم لديه القدرة على المحافظة على درس أسبوعي في كتاب معين استعين به ... والصواب في المدارس الشرعية أن تكون في يومي الخميس والجمعة فهما يومان يمكن لدى الكثيرين من الناس التفرغ فيهما أمر يسير ...
والذي أراه أن لا يتقدم للتدريس في المدارس الشرعية إلا أهل العلم فقط ... وإن تنزل الأمر وضاق فعلى الآخذين عن أهل العلم فقط ... وإلا لكان الدرس الفقهي والحديثي وغيره حصة قراءة لا غير ...
فإذا انعدم أهل العلم أو الآخذين عن أهل العلم تفرغهم للتدريس في مدرسة شرعية ... فالذي أراه أن لا تقام المدرسة الشرعية ... ويكون هذا تقصير من القيادة أنها تركت نفسها ولم تؤسس وتخطط لمن يتحمل المسئولية لمن بعدها ... هذا وتكتفي القيادة بدروس أهل العلم الأسبوعية ... وتنوعها فدرس في الحديث ، ودرس في الفقه ، ودرس في التفسير ...
فإن أبت القيادة إلا أن تستعين بغير المؤهلين للتعليم ... فإنها وضعت نفسها عرضة للسخرية من الآخرين والخطورة البالغة في إفتاء هؤلاء المتصدرين بغير علم ... فالعلم يؤخذ عن الأكابر ... أو حتى عمن تعلمه عنهم ...
فكم من مدرسة على مراحل عدة درّس فيها أناس ليسوا بأهل للعلم لم يستفد الجالسين فيها شيئا إلا الانتهاء من الكتاب ، والتكلم في مسائل أضرت بالمشائخ والعلماء بل وحتى على الدعوة ... كان حلّ كل ذلك كلمة واحدة بسيطة من عالم ربانيّ .
ـ إذن لا بد للقيادة من أن تضع الخطط والبرامج حسب إمكانات أفرادها الدعوية والعلمية وتكون مرنة في وضعها وليست أكاديمية ... فتتنازل عن أشياء لأنها مع التجربة لم تؤتي أكلها ، وتضع أشياء معاصرة للواقع .
فبذلك تضع برامج واقعية سهلة التطبيق ، جذابة ، مقبولة ...
وقبل كل ذلك لا بد من النزول إلى الناس والاحتكام بهم فنخبرهم بأننا منهم إلا أننا نخاف عليه ... فنأتيهم ونعطيهم أوقاتنا ... قبل أن نطلب منهم أن يأتون إلينا ويعطونا أوقاتهم ...
فبعد ذلك إذا علّقْنَا منشورا بدروس أو بمحاضرات أو بلقاءات عرفونا واطمأنوا إلينا وأعطونا أوقاتهم ...
لعل في الأمر كفاية على السادة القادة ... وأتمنى أن يعيروا أبصارهم لهذه اللفتة ... فما فعلتُ ذلك إلا لنصيحتهم ... وفقهم الله وبارك فيهم وحفظهم ....