غربة البيان

في هذه الحقبة من الدهر الذي نعيشه,والذي غدت الغربة فيه طابعا لها ودليلا عليها,بات العربي الذي أحب لغته وعشق لحنها في غربة خاصة به لا يدركها إلا من استعذب العربية وطرب لعزف وترها.

فبعد أن كانت الفصاحة أصلا في العرب ثم تلاشت حتى اندثرت,بقي هناك من لم يزل فصيحا بقلمه وفناناً بأدبه,يسمو بأهل العربية الخالصة إلى عالم رحب لا يعرفه سوى العربي.


واهاً لهذه اللغة التي غاب قوادها ومات أربابها,ممن كانوا ملء الأسماع إلى وقت قريب,يذودون عن حياضها حبا لها وولهاً بها.

لن أضيق واسعا وأحلم بالجاحظ وأبي حيان,فهؤلاء رحلوا منذ أمد طويل طويل,ولكني أبكي ثلاثمائة مليون عربي لم يخرج بينهم من يعيد لنا أدب الفطاحل ممن كانوا فخرا للعربية آخر الدهر,ونبراساً لكل متلذذ بلغته مفتخر بها.

واهاً على زمن صار أدباؤه من أبناء الشوارع ومشجعوهم من الشارع!! فلا لغة ولا بيان, ولا جمال ولا جلال,إن هي إلا لغة سوقية لا تفرق بين كاتبها,هل هو بائع أغنام أم معلم غلمان!!!

من لنا بعد الطنطاوي وذكرياته,والزيا ورسالته,والمنفل طي ونظراته,والرافع وراياته؟
من لنا بعد هؤلاء,يجلو لنا بريقا فقدناه وجمالا دفناه؟
من لنا بعد هؤلاء,يعيد للمحابر قيمتها وللمنابر رونقها؟
من لنا بعد هؤلاء’ينفث في روع لغتنا ليبني منها أحرفا من ذهب وأدبا من قصب؟
من لنا بعدهم يعيدنا إلى جنة اللغات ولغة الجنان,لنحيا مع البلاغة دهراً آخر وعمرا مديدا,نروض فيه مع أدب السماء الذي الذي لا يمطر غير السناء؟

أين الأب الذي يهدينا ولدا أديبا؟
أين المدرسة التي تكافؤنا بفارس من فرسان الأقلام؟
بل أين كلياتنا العربية التي ملئت بها جامعاتنا عن هذه القضية؟

إن اللغة لا تقوى إلا بأدبائها,ويوم كان للعربية أدباء كان لها شأن وأي شأن!
أما عندما تكاسلت الأمة عن ولادة أديب واحد ينهض بها وينفض غبارها,فلا عجب حينها أن تراها لغة ثقيلة على أبنائها,رغم علو كعبها الذي عرفه الشرق والغرب,ودان لها بالسبق بين اللغات.

إنها غربة لا يعيشها إلا من عاش مع أولئك القوم,وقرأ كتبهم وذاق أدبهم,أما من ولد على رطانة القنوات وأعجمية الصحف,فلن يبكيها إلا بعد أن يبكي (نتنياهو) قتل طفل فلسطيني!!!

وما برحت أقلب الصحف وأسمع الخطب وأشتري الكتب,علِي أعثر على الفردوس المفقود,في عربي يبزُ الأدباء ويهز البلغاء,فلا أرى إلا رديء القول مع رديء الرأي!!
فأفر معها إلى مكتبتي,حيث الرجال الذين كانوا هم الرجال,في هذا المضمار الذي مات أربابه ورحل أبطاله.

ورغم تكراري لما كتبوه وإعادتي لما سطروه,إلا أنني أجد في كل مرة جمالا جديدا وأدبا ساميا,ترتقي معه نفسي إلى معارج الروح,حيث البيان الذي يعجز عن عن مثله لسان وعن مدحه إنسان..

لا تستفهموا,فهكذا يكون البيان,ولا يكون إلا هكذا!!!


منصور الشهري

( حامل لواء العربية وخادمها بإذن الله)