ما يحدث في الآونة الأخيرة ، في البلدان العربية ، من تشاحنات ، وتجاذبات ، و أفعال وردود أفعال ، وتنافر ، وتدابر ، وشحناء ، وبغضاء ، ليندى له الجبين ، ويئن له الفؤاد ، ويحبس له النفس ، حسرة وألم .

كيف لأمة دينها الإسلام ودستورها وقانونها الكتاب والسنة ، كيف لها أن يعلق في صدور المنتمين لها شئ من تلك الأكدار والأقذار !! ، إلا أن يكون هناك فتور في الأخذ بالنورين ، وتراخياً في شأن الاقتداء والاهتداء ؛ عياذاً بالله . نعم ما نعيشه اليوم من تحولات ، في الساحة العربية ، والتي أفرزها تجاذب ، وتنافس ، على الحكم والنفوذ ، نتيجة رياح تغيير ، الله أعلم بمصدرها ومنشئها ، والتي أفرزت بدورها ما نراه في واقعنا ، من تفرق ، وتشرذم ، وتكتل ، وتحزب ، وكل يدعي وصلاً لليلى .. ، في ظل ثورات تكاد أن تكون في كل شئ لمن عايشها ؛ ثورات وإن أطاحت بزعامات ، وقيادات ، إلا أنها وفي الوقت نفسه ، خلقت كثيرا من الفوضى ، في النسيج الاجتماعي ، والأواصر الإنسانية ، وغيرها ، والتي مثلت ثمناً باهظا ، لأجل ولادة ما يسمى بالربيع العربي . وبصرف النظر ، عن مدى مشروعية الربيع ، باعتباره نتاج ثورات ؛ فإنه قد أصبح واقعاً معاشاً ، واقع لوحظ فيه نسبية عجز المنتصر في إدارته ، ورصدت فيه أيضاً نسبية خور الخاسر في تقبله ، فبدأ يظهر فيه الانتقام ، وتبلور فيه الكيل بالمثل ، وطغت فيه الاتهامات ، وأصبح الحذر ، والتربص ، وسوء الظن ، والكيد ، والمكر ، طابع عام لكثيرٍ من التصرفات . والحق أن ذلك نتيجة طبيعية لعدم مراعاة الفرقاء لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأحداث ، وعدم استشعار هدية صلى الله عليه وسلم ، في النصر ، والظفر ، والمصيبة ، والربح ، والخسارة ، والتمكين وعدمه ، ... الخ . نعم لقد قاد التراخي ، من قبل الفرقاء ، في الاقتداء بالسنة ، قاد ذلك إلى خلق ما نحسه ونشعر به من مآسٍ . ومن هنا فلا بد من توجيه نداءات ، نداءات ملؤها الحب والشفقة ، نداءات يتضح منها الحرص على الجرة من الكسر .
أيها الفرقاء :ـ ، إن في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ما يدعو المنتصر إلى التواضع ، ولين الجانب ، وعدم التعالي ، ولا أدل على ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم لكفار قريش يوم الفتح ، بعد أن مكنه الله من رقابهم : قال لهم ـ اذهبوا فأنتم الطلقاء .. ـ ، .

يا لها من أخلاق وآداب ، تواضع في عزة ، وعفو عند المقدرة ، وتسامح عند تمكين ، لقد عفا النبي صلى الله عليه وسلم على كفار قريش ، وهم من هم في الكفر ، والجحود ، والضلال ، والغدر ، والأذى ، والمكر ، والخديعة . نعم عفا عنهم ، فكان الأثر بالغاً ، فأصبحوا بعد ذلك من أشد المدافعين والمناصرين للإسلام .
أيها الفرقاء:ـ ليكن انتصار البعض انتصاراً للكل ، لا يشمت بعضكم من بعض ، ولا يشوه بعضكم سيرة بعض ، دعوا التنابذ ، و التحاسد ، وكفوا عن الاستهزاء ، والسخرية ، وليٌحفظ للسلف ايجابياته ، عسى أن يحفظ اللاحق ايجابيات الخلف ، ولا تتصفوا بصفة أهل النار ( كلما دخلت أمة لعنة أختها ) ، ولا ينتقم الخلف من سلفه ، وليرض السلف بواقع التغيير ، وليقبل بسنة ( وتلك الأيام ) ، وليعلم الكل أنهم في سفينة واحدة في وسط بحر متلاطم الأمواج إذ الجميع مسئول عن سلامتها .


أيها الفرقاء:ـ إذا كان لا بد من الخلاف والاختلاف ، فليكن ذلك مقيد بضوابط الشرع ، مخطوم بآدابه وأخلاقه ، ولتدفعوا عنكم الأهواء ، وحظوظ النفوس ، وكونوا كما قال الشاعر : ـ

نلملم ما تشتت في ربانا
ونصنع قوة بعد الشتات
كتبه / ياسر شعبين
yassershobin@gmail.com