سلسلة وقفات
الوقفة الثالثة.... ليس من الدين

أخي في الله دقق في هذه الكلمات جيدا وانظر الى الخلل المنهجي الذي يقع فيه الكثير من طلبة العلم في التعامل مع المخالفين من اهل السنة واهل البدعة

يقول شيخ الإسلام ((كل ما أوجب فتنة وفرقة فليس من الدين سواء كان قولا او فعلا ولكن المصيب العادل عليه أن يصبر عن الفتنة ويصبر على جهل الجهول وظلمه إن كان غير متأول وأما إن كان ذاك أيضا متأولا فخطؤه مغفور له وهو فيما يصيب به من أذى بقوله أو فعله له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور له وذلك محنة وابتلاء في حق ذلك المظلوم ( الاستقامة 1/ 37 )

(( لا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر فالفتنة إما من ترك الحق وإما من ترك الصبر فالمظلوم المحق الذي لا يقصر في علمه يؤمر بالصبر فإذا لم يصبر فقد ترك المأمور وإن كان مجتهدا في معرفة الحق ولم يصبر فليس هذا بوجه الحق مطلقا لكن هذا وجه نوع حق فيما أصابه فينبغي أن يصبر عليه وإن كان مقصرا في معرفة الحق فصارت ثلاثة ذنوب أنه لم يجتهد في معرفة الحق وأنه لم يصبه وأنه لم يصبر))(الاستقامة 1/39)
مجموع الفتاوى (20/ 32)
((فَكُلُّ عِبَادَةٍ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يُنْهَى عَنْهَا. ثُمَّ إنْ عَلِمَ أَنَّهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَفَعَلَهَا اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مَأْمُورٌ بِهَا وَكَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَشْرُوعِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الشِّرْكِ فَهَذَا الْجِنْسُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مَأْمُورٌ بِهِ لَكِنْ قَدْ يَحْسَبُ بَعْضُ النَّاسِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ. وَهَذَا لَا يَكُونُ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّبِعَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا وَهَذِهِ لَا يَكُونُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لَكِنْ قَدْ يَفْعَلُهَا بِاجْتِهَادِ مِثْلِهِ: وَهُوَ تَقْلِيدُهُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ وَاَلَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوهُ لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ يَنْفَعُ؛ أَوْ لِحَدِيثِ كَذِبٍ سَمِعُوهُ. فَهَؤُلَاءِ إذَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ بِالنَّهْيِ لَا يُعَذَّبُونَ وَأَمَّا الثَّوَابُ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثَوَابُهُمْ أَنَّهُمْ أَرْجَحُ مِنْ أَهْلِ جِنْسِهِمْ وَأَمَّا الثَّوَابُ بِالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ فَلَا يَكُونُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ.))
شرح العقيدة الأصفهانية (ص: 198)
(( وعلى هذا فالمتأول الذي أخطأ في تأويله في المسائل الخبرية والأمرية وإن كان في قوله بدعة يخالف بها نصّا أو إجماعا قديما وهو لا يعلم أنه يخالف ذلك بل قد أخطأ فيه كما يخطئ المفتي والقاضي في كثير من مسائل الفتيا والقضاء باجتهاده؛ يكون أيضا مثابا من جهة اجتهاده الموافق لطاعة الله تعالى غير مثاب من جهة ما أخطأ فيه وإن كان معفوّا عنه، ثم قد يحصل فيه تفريط في الواجب أو اتباع لهوى يكون ذنبا منه، وقد يقوى فيكون كبيرة وقد تقوم عليه الحجة التي بعث الله عز وجل بها رسله ويعاندها مشاقّا للرسول من بعد ما تبين له الهدى متبعا غير سبيل المؤمنين فيكون مرتدّا منافقا أو مرتدّا ردة ظاهرة، فالكلام في الأشخاص لا بد فيه من هذا التفصيل،))
مجموع الفتاوى (4/ 109)
(( بَلْ طَالِبُ الْعِلْمِ يَجْتَهِدُ فِي طَلَبِهِ مِنْ طُرُقِهِ. وَلِهَذَا سُمِّيَ مُجْتَهِدًا كَمَا يُسَمَّى الْمُجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا مُجْتَهِدًا ))
فعلى طالب العلم أن يفهم أن المخالف في دين الله تعالى حاله بين أمرين بين مخالف لصريح نص صحيح أو اجماع صحيح تكون مخالفته من باب الخطأ أولجهله بماخالف أو متأول فيما يسوغ فيه التأويل وبين صاحب هوى ومتأول في غير مايسوغ فيه التأويل فالأول إن بذل وسعه واجتهد في معرفة الحق وكان استدلاله من طريق معتبر شرعا فهذا مأجور أجرا واحدا وهو أجر الإجتهاد وخطؤه مغفور له وأما من اجتهد لمعرفة الحق من غير طريق الشرع إن أخطأ أو أصاب فهو آثم في كلا الحالتين لأنه أتى الشيء من غير بابه وهذا حال أهل الكلام والعقليات الذين يصادمون النصوص بآرائهم وعقولهم ،ففرق بين من خالف فوقع في بدعة أو كفر وهو عقده الإيمان بالله وطاعة رسوله ومعروفة سيرته في تحريه الحق وبيانه والدعوة إليه ويستدل بالطرق المعتبره شرعا وبين من يستدل بأدلة ليست من الكتاب والسنة ولا طريق معتبر آخر ، فهذا ضلال وتيه وصاحبه قد يبدع أو يفسق وقد يكفر..ولذلك فرق أهل السنة في الحكم على من وقع في كفر أو بدعة فلم يبدعوا العلماء المشهود لهم بالخير وتحري معرفة الحق كابي حنيفة والنووي وابن حجر ومن شابههم من المتقدمين والمتأخرين في باب الصفات والإيمان وغيرها لكن بدعوا الجعد والجهم وعمرو بن عبيد وابن عربي وابن سبعين وابن ابي دؤاد بل قد كفروا بعض هؤلاء. وقد يكون التأويل والجهل في حق مستدل عذرا من التكفير وليس عذرا من التأثيم .
فقد قال شيخ الاسلام في كتابه النبوات (( وأمّا أهل البدع: فهم أهل أهواء وشبهات، يتّبعون أهواءهم فيما يُحبّونه ويُبغضونه، ويحكمون بالظنّ والشبه؛ فهم يتّبعون الظنّ وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. فكلّ فريقٍ منهم قد أصّل لنفسه أصلَ دينٍ [صنعه] ؛ إمّا برأيه وقياسه الذي يُسمّيه عقليّات؛ وإمّا بذوقه وهواه الذي يُسمّيه ذوقيّات؛ وإمّا بما يتأوّله من القرآن، ويُحرّف فيه الكلم عن مواضعه، ويقول إنّه إنّما يتّبع القرآن كالخوارج وإمّا بما يدّعيه في الحديث والسنّة ويكون كذباً وضعيفاً كما يدّعيه الروافض؛ من النصّ والآيات. وكثيرٌ ممّن يكون قد وضع دينه برأيه أو ذوقه يحتجّ من القرآن بما يتأوّله على غير تأويله، ويجعل ذلك حجّة لا عمدة، وعمدته في الباطن على رأيه، كالجهميّة والمعتزلة في الصفات والأفعال، بخلاف مسائل الوعد والوعيد؛ فإنّهم قد يقصدون متابعة النصّ.
فالبدع نوعان: نوعٌ كان قصد أهلها متابعة النصّ والرّسول، لكن غلطوا في فهم النصوص، وكذّبوا بما يُخالف ظنّهم من الحديث ومعاني الآيات؛ كالخوارج، وكذلك الشيعة المسلمين، بخلاف من كان منافقاً زنديقاً يُظهر التشيّع، وهو في الباطن لا يعتقد الإسلام. وكذلك المرجئة قصدوا اتباع الأمر والنهي، وتصديق الوعيد مع الوعد.
ولهذا قال عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وغيرهما إنّ الثنتين وسبعين فرقة أصولها أربعة: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والقدريّة))
إذن المخالف في اجتهاده قد يبغي على صاحب الحق فيكون الحال أن الباغي يؤجر من وجه ويغفر له خطؤه من وجه آخر والمظلوم يكون الواجب عليه الصبرعلى مايصيبه من جراء هذه المخالفة التي وقع فيها الباغي أو الجهول وعليه بالتقوى في معاملته له أو معاقبته فالعاقبة للمتقين فهو في منحة الأجر ومحنة الصبر وإذا لم يصبر ولم يتق كان آثما وقد يأثم المرء لعدم الإجتهاد في معرفة الحق ولعدم إصابته له وعدم الصبر عليه وهذا لا يحسن فهمه وتطبيقه إلا القليل من طلبة العلم وإذا لم يقابل خطأ المتأول تأويلا سائغا بطريقة العلم والعدل فيعتقد أنه مأجور في خطئه وعليه بيان الحق من غير تعدي وتشكيك بالنوايا وإلا حصلت الفتنة ويكون قد حاد عن الصراط المستقيم في تعامله مع المخالف وقارف الإثم ،فليس له إلا أن يعرف الحق ويصبر عليه فهو مأمور بهما
وقال في كتابه((الاستقامة (1/ 31)
(( ثمَّ إِنَّه من مسَائِل الْخلاف مَا يتَضَمَّن أَن اعْتِقَاد أَحدهمَا يُوجب عَلَيْهِ بغض الآخر ولعنه أَو تفسيقه أَو تكفيره أَو قِتَاله فَإِذا فعل ذَلِك مُجْتَهدا مخطئا كَانَ خَطؤُهُ مغفورا لَهُ وَكَانَ ذَلِك فِي حق الآخر محنة فِي حَقه وفتنة وبلاء ابتلاه بِهِ
وَهَذِه حَال الْبُغَاة المتأولين مَعَ أهل الْعدْل سَوَاء كَانَ ذَلِك بَين أهل الْيَد والقتال من الْأُمَرَاء وَنَحْوهم أَو بَين أهل اللِّسَان وَالْعَمَل من الْعلمَاء والعباد وَنَحْوهم وَبَين من يجمع الْأَمريْنِ
وَلَكِن الِاجْتِهَاد السائغ لَا يبلغ مبلغ الْفِتْنَة والفرقة إِلَّا مَعَ البغى لَا لمُجَرّد الِاجْتِهَاد))
((وَكَمَا قَدْ يَبْغِي بَعْضُ الْمُسْتَنَّةِ إمَّا عَلَى بَعْضِهِمْ وَإِمَّا عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ بِزِيَادَةِ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَهُوَ الْإِسْرَافُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِمْ: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا})). مجموع الفتاوى 14/ 483
وقد حصل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الإبتلاء ما حصل في قتاله يوم الجمل وصفين وناله من الخوارج بغي وقتال وهم من هم من الفرق الضالة الذين فال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ....لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ...شر قتيل تحت أديم السماء )) قاتلهم هذا الخليفة الراشد جميعهم فهو في الجمل وصفين لم يغنم مال ولم يسب ذرية ولم يجهز على جريح ولم يتبع مدبرا ولم يقتل اسيرا ولم يمنعه هذا الحال والقتال أن يقول فيهم (( إخواننا بغوا علينا )) ((طهرتهم السيوف )) وصلى على قتلى الفريقين ، وقال في الخوارج مع ظلمهم له وخروجهم عليه وتكفيره كما جاء في مصنف ابن ابي شيبة وفي تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (2/ 543)
عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ عَلِيٍّ حِينَ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ فَقِيلَ لَهُ: أَمُشْرِكُونَ هُمْ؟ قَالَ: «مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا» ، فَقِيلَ: مُنَافِقُونَ؟ قَالَ: «الْمُنَافِقُون َ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا» ، قِيلَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: «قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا فَقَاتَلْنَاهُم ْ»
وهاك هذا الموقف لشيخ الإسلام ....فهذا أحد خصومه وهو البكري الصوفي رد على ابن تيمية- عندما كتب في مسألة الإستغاثة- ببغي وظلم فكفره وأباح دمه وسعى في قتله وإيذائه فضربه الغوغاء وآذوه فما كان منه إلا موقف الكبراء كبراء العلم والنفس ...طلب منه تلامذته أن يدافعوا عنه فأبى وهاك الحوار الذي بينهم دار
"وقال له بعضهم: يا سيدي قد جاء خلف من الحسينية لو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا فقال لهم الشيخ: لأي شيء؟ قالوا: لأجلك فقال لهم: هذا ما يجوز قالوا: فنحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس فقال لهم: هذا ما يحل ... فلما أكثروا في القول قال لهم، إما أن يكون الحق لي أولكم أو لله: فإن كان الحق لي
فهم في حل وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني وافعلوا ما شئتم وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء وإن شاء فقالوا له: هذا الذي فعلوا بك هل هو حلال؟ قال: هذا الذي فعلوه قد يكونوا مثابين عليه مأجورين فيه، قالوا: فتكون أنت على الباطل، وهم على الحق، كيف تقول إنهم يؤجرون على ذلك؟ فقال: ما الأمر كما تزعمون فإنهم قد يكونوا مجتهدين مخطئين، ففعلوا ذلك باجتهادهم، والمجتهد المخطئ له أجر"


فهل يتخيل منا أحد الموقف على حقيقته يُضرب وهو الذي لم يُرى مثله ولم يرى مثل نفسه فيقول إنهم مأجورون ....ألله أكبر ألله أكبر ألله أكبر... يالعظمة هذا الدين ويالعظمة أتباعه العالمين العاملين الصادقين

ومواقف غيرها كثيرة له ولغيره من العلماء .


اللهم صلي على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم