بسم الله الرحمن الرحيم
لن يرحم التاريخ من يفرط أو يخون

أقسى شيء أن تطعن الأمة من رجالها وأبناء جلدتها، فما أشدها من طعنة، وما أبشعها من نكسة، وما أقساها من محنة .. إنها الخيانة القبيحة بكل صورها التي لعنتها كل الشرائع السماوية والقوانين الأرضية، وكفى بالخائن إثما أنه ابتاع دنياه بسوء السيرة وآخرته بغضب الرحمن.
قال الراغب الأصفهاني: الخيانة والنفاق واحد إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتبارا بالدين: ثم يتدخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر (1)
وقال ابن الجوزي: الخيانة التفريط فيما يؤتمن الإنسان عليه، ونقيضها الأمانة (2)
وقال المناوي: الخيانة هي التفريط في الأمانة، وقيل هي مخالفة الحق بنقض العهد (3)
ومن معاني كلمة الخيانة في القرآن:
- ( المعصية ): قال تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} [البقرة: 187] قال ابن قتيبة: تخونونها بالمعصية (4)
- ( نقض العهد ): قال تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58].
- ( ترك الأمانة ): قال تعالى: {ولا تكن للخائنين خصيما} [النساء: 105] نزلت في طعمة بن أبيرق كان عنده درع فخانها.
- ( المخالفة في الدين ): قال تعالى: { كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما} [التحريم: 10].
- ( الزنا ): قال تعالى: {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} [يوسف:52] (5)
ولقد ورد لفظ الخيانة في سورة الأنفال في ثلاث آيات قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } [الأنفال: 27], وقال: { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين } [الأنفال: 58]، وقال: { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم } [الأنفال:71] وفي كل آية يرد اللفظ مرتين، وهو ما لم يحدث في أي سورة من سور القرآن، ودلالة هذا التكرار تفيد الانتباه لأهمية الأمر خاصة أن سورة الأنفال هي سورة الجهاد والقتال، ولقد بدأت السورة بأول معركة للمسلمين ألا وهي غزوة بدر وهو ما يلفت النظر للحذر من الخيانة التي تكونه خاصة في المعارك.
إن الإسلام يكره الخيانة، ويحتقر الخائنين الذين ينقضون العهود، ومن ثم لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة .. إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ، ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة، فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة .. وليس مسلما من يبرر الوسيلة بالغاية، فهذا المبدأ غريب على الحس الإسلامي والحساسية الإسلامية: لأنه لا انفصال في تكوين النفس البشرية وعالمها بين الوسائل والغايات .. إن الشط الممرع لا يغري المسلم بخوض بركة من الوحل: فإن الشط الممرع لابد أن تلوثه الأقدام الملوثة في النهاية .. من أجل هذا كله يكره الله الخائنين ويكره الله الخيانة (6)
وقال تعالى: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور } [الحج:38] صرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة بأنه لا يحب كل خوان كفور، والخوان والكفور كلاهما صيغة مبالغة، والمقرر في علم العربية أن نفي المبالغة في الفعل لا يستلزم نفي أصل الفعل، وعلى هذه القاعدة العربية المعروفة فإن الآية قد صرحت بأن الله لا يحب المبالغين في الكفر والمبالغين في الخيانة، ولم تتعرض لمن يتصف بمطلق الخيانة ومطلق الكفر من غير مبالغة فيهما، ولا شك أن الله يبغض الخائن مطلقا والكافر مطلقا، وقد أوضح جل وعلا ذلك في بعض المواضع، فقال في الخائن { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين } [الأنفال:58] وقال في الكافر: { قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } [آل عمران:32] (7) وقال القاسمي: وصيغة المبالغة فيهما لأنه في حق المشركين وهم كذلك، ولأن خيانة الله وكفران نعمته لا يكون حقيرا بل هو أمر عظيم (8)
قال صلى الله عليه وسلم:
- ( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ) (9)
- ( أَرْبَعُ خلالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا ) (10)
- ( اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئس البطانة ) (11)
- ( ... وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبعا لا يتبعون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك ... ) (12)
- ( حرمة نساء المجاهدين على القاعدين، كحرمة أمهاتهم. وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم، إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟ ) (13) أي ما تظنون في رغبته في أخذ حسناته والاستكثار منها في ذلك المقام، أي لا يبقى منها شيئا إن أمكنه.
- ( خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ــ قَالَ عِمْرَانُ لا أَدْرِى أَذَكَرَ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ــ قَالَ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ ) (14)
- ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) (15)
- ( لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة ) (16)
- ( إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: ألا هذه غدرة فلان بن فلان ) (17)
- ( لواء الغادر يوم القيامة عند استه ) (18)
من شرفات التاريخ
كم كانت الخيانة خنجرا مسموما غرس في ظهر هذه الأمة فعانت أشد المعاناة من الذين باعوها وخانوها فضلا عن أعدائها، ولعل أشهر ما في ذاكرة التاريخ من صور الخيانة حادثة سقوط بغداد ودخول التتار على يد الخائن ابن العلقمي وكان وزيرا للخليفة العباسي المستعصم بالله.
يقول عنه ابن كثير: محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن أبي طالب، الوزير مؤيد الدين أبو طالب ابن العلقمي وزير المستعصم البغدادي، وخدمه في زمان المستنصر، أستاذ دار الخلافة مدة طويلة، ثم صار وزير المستعصم وزير سوء على نفسه وعلى الخليفة وعلى المسلمين، مع أنه من الفضلاء في الإنشاء والأدب وكان خبيثا رديء الطوية على الإسلام وأهله، وقد حصل له من التعظيم والوجاهة في أيام المستعصم ما لم يحصل لغيره من الوزراء، ثم مالأ على الإسلام وأهله الكفار هولاكو خان حتى فعل ما فعل بالإسلام وأهله (19)
ويذكر ابن كثير أن الوزير ابن العلقمي قبل دخول التتار بغداد كان يجتهد في صرف الجيش وإسقاط أسهمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام الخليفة المستنصر قريبا من مائة ألف مقاتل، منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يتبق سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم ضعف الحال وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعا أن يزيل السنة بالكلية وأن يظهر البدعة وأن يقيم خليفة من الفاطميين وأن يبيد العلماء المفتين (20)
قال ابن كثير: كان أول من برز إلى التتار هو، فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هلاكو خان لعنه الله، ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكو خان حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسا، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأنزل الباقون عن مراكبهم ونهبت وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدي هلاكو، فسأله عن أشياء كثيرة، فيقال إنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت، ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته خوجة نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئا كثيرا من الذهب والحلي والمصاغ والجواهر والأشياء النفيسة، وقد أشار أولئك الملأ وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة، وقال الوزير: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاما أو عامين ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك، وحسنوا له قتل الخليفة، فلما عاد الخليفة إلى هولاكو أمر بقتله، ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقميي والمولى نصير الدين الطوسي، وكان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الألموت وانتزعها من أيدي الإسماعيلية.
وكان النصير وزيرا لشمس الشموس ولأبيه من قبله علاء الدين بن جلال الدين وكانوا ينسبون إلى نزار بن المستنصر العبيدي، وانتخب هولاكو النصير ليكون في خدمته كالوزير المشير فلما قدم هولاكو وتهيب من قتل الخليفة هون عليه الوزير ذلك، فتقلوه رفسا وهو في جوالق لئلا يقع على الأرض شيء من دمه، خافوا أن يؤخذ بثأره فيما قيل لهم، وقيل بل خنق ويقال بل أغرق، فالله اعلم، فباءوا بإثمه وإثم من كان معه من سادات العلماء والقضاة والأكابر والرؤساء والأمراء وأولى الحل والعقد ببلاده.
ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش وقني الوسخ وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون ــ إلى أن قال ـــ وعادت بغداد بعدما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس وهم في خوف وجوع وذلة وقلة (21)
رسالة إلى كل خائن
«الجزاء من جنس العمل، وفي التاريخ عبرة لمن يعتبر» قال -صلى الله عليه وسلم-: ( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب، وإن أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا ) (22)
فهذا هو الوزير ابن العلقمي الخائن يقول عنه ابن كثير: ثم حصل له بعد ذلك من الإهانة والذل على أيدي التتار الذين مالأهم وزال عنه ستر الله، وذاق الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، وقد رأته امرأة وهو في الذل والهوان وهو راكب في أيام التتار برذونا وهو مرسم عليه، وسائق يسوق به ويضرب فرسه، فوقفت إلى جانبه وقالت له: يا ابن العلقمي هكذا كان بنو العباس يعاملونك ؟ فوقعت كلمتها في قلبه وانقطع في داره إلى أن مات كمدا وغما وضيقا وقلة وذلة، وقد سمع بأذنيه ورأى بعينيه من الإهانة من التتار والمسلمين ما لا يحد ولا يوصف، وتولى بعده ولده الخبيث ثم أخذه الله أخذ القرى وهي ظالمة سريعا (23)
وقال الذهبي في ترجمة ( المنتصر بالله ) الخليفة العباسي: ورد عنه أنه قال في مرضه، ذهبت يا أماه منى الدنيا والآخرة، عاجلت أبي فعوجلت، وكان يتهم بأنه واطأ على قتل أبيه، فما أمهل، وجلس مرة للهو، فرأى في بعض البسط دائرة فيها فارس عليه تاج، وحوله كتابة فارسية، فطلب من يقرأ، فأحضر رجل فنظر فإذا فيها ... فقطب وسكت وقال: لا معنى له، فألح المنتصر عليه، قال: فيها أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز: قتلت أبي فلم أمتع بالملك سوى ستة أشهر، قال: فتغير وجه المنتصر وقام.
قال جعفر بن عبد الواحد: قال لي المنتصر: يا جعفر: لقد عوجلت فما أذني بأذني، ولا أبصر بعيني.
وقال عنه الذهبي أيضا: تحيلوا ــ أي الأتراك ــ إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار عند مرضه فأشار بفصده، ثم فصده بريشة مسمومة فمات منها. ويقال إن ابن طيفور نسي ومرض وافتصد بتلك الريشة فهلك (24) والجزاء من جنس العمل

الهوامش
(1) المفردات في غريب القرآن – للراغب الأصفهاني مادة خون (2) نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي 281 (3) فيض القدير للمناوي 2/415 (4) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 478 (5) انظر (نزهة الأعين النواظر) لابن الجوزي 281-283 و (التصاريف) لابن سلام 178 (6) الظلال ص 1542 (7) أضواء البيان للشنقيطي ج5 ص 264 بتصرف (8) محاسن التأويل للقاسمي ج11-12 ص 28 (9) متفق عليه البخاري ـ الفتح 1/33 ومسلم 1/59 عن أبي هريرة -رضي الله عنه- (10) البخاري رقم 2471 عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- (11) رواه أبو داود رقم 1547 عن أبي هريرة وقال الألباني في صحيح أبي داود رقم 1368: حديث حسن (8/263-3354) وقال محقق جامع الأصول 4/357: حسن (12) رواه مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي رقم 2865 (13) رواه مسلم عن بريدة -رضي الله عنه- رقم 4727 (14) رواه البخاري عن عمران بن الحصين رقم 2049 كتاب الشهادات ومسلم رقم 2535 (15) رواه مسلم عن معقل بن يسار رقم 142 (16) البخاري – الفتح 6/3188 عن عبد الله ومسلم 1738 واللفظ له (17) رواه الطيالسي وأحمد عن أبي سعيد وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 2149 (18) رواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق عن معاذ وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 5108 (19) البداية والنهاية ج13 ص 2002 بتصرف (20) البداية والنهاية ج13 ص 200 بتصرف(21) البداية والنهاية ج13 ص 2003 بتصرف (22) رواه الطبراني عن أبي بكرة (صحيح) انظر حديث رقم: 5705 في صحيح الجامع (23) البداية والنهاية ج13 ص 2005 (24) سير أعلام النبلاء للذهبي 12/43-45

د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com