[SIZE=3.5]
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه 0

أما بعد: فلكمال علم الله وكمال حكمته ولكمال عدله ورحمته وأنه العليم الحكيم فـ ((لا يُسئل عما يفعل وهم يُسألون ))

سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون
وسبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون 0

يا أيها المسلم إ
ن كنت مؤمناً بأن الله عليم وحكيم وصبور وحليم ورحمن ورحيم ،

فاحذر أن تعترض عليه وتقول ((لماذا
لاينصرنا الله على الأعداء! ولماذا هذا حال الأولياء والأتقياء ! ولماذا كثر القتل فينا ونحن الموحدون! ولماذا

سلط الله علينا عدونا فهو يتحكم فينا ! وآخر يقول يا رب ماذا عملنا تحتك ! ويا رب أما ترى ما نحن فيه وتسمع ؟!
ولماذا لا يزلزل الله الأرض تحت أقدام الكافرين؟!)) هذا وغيره كثير من الكلام الذي ينبي عن جهل بأسماء الله وصفاته وأفعاله واعتراض على الحكيم العليم ، والمعترض على الله تعالى يكون من الكافرين والعياذ بالله، فالله تعالى لا يًسئل لكمال علمه ولكمال حكمته بل العبيد يُسألون لنقصهم وتقصيرهم 0

جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما رواه البخاري عن أبي هريرة (وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم)

فكيف بكلام فيه اعتراض على قدر الله وفعله نسأل الله تعالى العفو والمغفره0

أيها المسلم إن هذه الدنيا مهما تمتع بها أهلها وطالت أعمارهم وعلا جاههم وكثرت أموالهم أوطغوا وتجبروا وسفكوا دماء الأبرياء والأولياء فإنهم إلى زوال وهم عنها راحلون ولمتعتها ومتاعها تاركون ، لقد تنعم فرعون وطغى وكنز قارون المال وبغى، وأوذي موسى عليه السلام ومن معه ومن قبله أوذي نوح من قومه وكذلك لوط وهكذا الأنبياء مع أقوامهم فلمن كانت العاقبة؟ {فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }((والعاقبة للمتقين )) فالصبر صبر ساعة ثم يعقبه نعيم في الدنيا وفي القبر ويوم تقوم الساعة فلا تعجل أخي المسلم إنما هو البلاء

والإبتلاء ففرعون كان يذبح
الأبناء ويستحيي النساء تخيل أنه يذبح الوليد ما أن يخرج من بطن أمه أيُ قلب هذا القلب !! وقد استعبد قومه وقال لهم(( أنا ربكم الأعلى)) ولما كلمه موسى وأقام عليه الحجة وعلى الملأ كان الجواب والنتيجة{وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ }


{فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ }
فالله تعالى ما كان يغيب عنه شيء من أمر فرعون وملئه ينظر إلى فرعون وهو يذبح الأطفال فلم يعاجله بالعقوبة بل أملى له وهذه سنته في الظالمين يملي لهم فإذا أخذهم لم يفلتهم بل يذيقهم العذاب الأليم ثم إن الله تعالى لحكمة يعلمها هو وقد نعلمها وقد لا نعلمها قد يميت الظالم بلا عقوبة في الدنيا فلا تناله يد مظلوم أو يسلط عليه ظالم آخر. فيكون الله قد أخرها له في القبر ويوم يقوم الأشهاد فالله تعالى لم يكن ليخفى عليه أمر أنبيائه ورسله الذين قتلوا ولا أولياءه الذين أوذوا وعُذِّبوا وإن هذا الذي يصيب أهل الإسلام اليوم يعلمه الله وهو واقع بقدره {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ
تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ }
في الصحيحين أن عمر بن الخطاب دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه((وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وإن عند رجليه قرظا مصبوبا وعند رأسه أهب معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال(ما يبكيك) فقلت يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله فقال ( أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة 0))
يقول تعالى{أَفَرَأَي تَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } هذا المتاع الذي يتمتعونه وهذه اللذة التي يتلذذون بها وهذا العمر المديد كله يَحسَبُهُ يوم القيامة ساعات أو أيام{قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }

{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا }{يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً } ،

روى الإمام مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط ؟ هل مر بك شدة قط ؟ فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط 0)

فالمؤمنون لما ينتظرهم من خير ونعمة في العاجل والآجل أعظم مما يصيبهم من الأذى فهم في سجن فعما قريب يفرج عنهم ويلتقوا بأهلهم من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين وحسن أولئك رفيقا فقد روى الإمام مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)

فكل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة مكلف بفعل الطاعات الشاقة فإذا مات استراح من هذا وانقلب إلى ما أعد الله

تعالى له من النعيم الدائم والراحة الخالصة من المنغصات وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلته وتكديره بالمنغصات فإذا مات صار إلى العذاب الدائم و
الشقاءالأبدي .
وروى الإمام أحمد عن عتبة بن عبد قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال(( لو أن رجلا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في مرضاة الله عز وجل ؛ لحقره يوم القيامة)) وصححه الألباني
،

وفي البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله إنهم ليدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم)

فإذا كان الله تعالى
يسمع من يسبه ويشتمه ومع هذا يطعمه ويرزقه وما ذاك إلا لكمال حلمه وصبره فلا تعجل على الظالمين فـ(عمّا قليل ليصبحن نادمين)

فحلم الله وصبره
ورحمته يحول بين غضبه وانتقامه من أعداءه فإذا غضب فلا راد لأمره (({فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُ مْ أَجْمَعِينَ }

يقول ابن القيم في شفاء العليل ((عادة الرب تعالى المعلومة في خلقه أنه لا يتحتم هلاكهم بمعاصيهم، فإذا أراد إهلاكهم ولا بد أحدث سببا آخر يتحتم معه الهلاك ألا ترى

أن ثمود لم يهلكهم بكفرهم السابق حتى أخرج لهم الناقة فعقروها فأهلكوا حينئذ وقوم فرعون لم يهلكهم بكفرهم السابق بموسى حتى أراهم الآيات

المتتابعات واستحكم بغيهم وعنادهم فحينئذ أهلكوا و كذلك قوم لوط لما أراد هلاكهم أرسل الملائكة إلى لوط في صورة الأضياف فقصدوهم بالفاحشة

ونالوا من لوط وتواعدوه وكذلك سائر الأمم إذا أراد الله هلاكهم أحدث لها بغيا وعدوانا يأخذها على إثره وهذه عادته مع عباده عموما وخصوصا

فيعصيه العبد وهو يحلم عنه ولا يعاجله حتى إذا أراد أخذه قيض له عملا يأخذه به مضافا إلى أعماله الأولى فيظن الظان أنه أخذه بذلك العمل وحده

وليس كذلك بل حق عليه القول بأعماله الأولى حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه ولكن لم يحكم به أحكم الحاكمين ولم يمض الحكم فإذا عمل بعد ذلك
ما يقرر غضب الرب عليه أمضى حكمه عليه وأنفذه قال تعالى (فلما آسفونا انتقمنا منهم)وقد كانوا قبل ذلك أغضبوه بمعصية رسوله ولكن لم يكن

غضبه سبحانه قد استقر واستحكم عليهم إذ كان بصدد أن يزول بإيمانهم فلما أيس من إيمانهم تقرر الغضب واستحكم فحلت العقوبة .
فهذا الموضع من أسرار القرآن وأسرار التقدير الإلهي وتفكر العبد فيه من أنفع الأمور له فإنه لا يدري أي المعاصي هي الموجبة التي يتحتم عندها عقوبته فلا يُقالَ بعدها والله المستعان))

في صحيح البخاري عن خباب بن الأرت قال
شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا ؟ قال ( كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون))

فقد تمر بالمسلم أيام عصيبة فيها الآهات والأحزان والبلايا والرزايا

وشظف العيش والبؤس وغيرها من الضراء والآلام فلا يحزن ولا يأسف فهو بين مأجور ورفعة في الدرجات وبين مطهرٌ بتكفير السيئات
0

روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه 0
وفي رواية مسلم
(( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته)
وروى مسلم عن صهيب قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له0) ولا ننسى في هذا كله أن الله تعالى أخبرنا (( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك )) فالسيئة التي تصيبنا هي بذنوبنا (( ويعفو عن كثير ))
والمسلم أمره يدور كما بينا بين حالين تكفير السيئات أو رفع

الدرجات وحالنا اليوم يرجح الأول إلا من رحم الله تعالى، والله تعالى يبتلي عبده فينظر منه ماذا يقول وماذا سيفعل وهل يشكو الله إلى الناس أم يشكو

ما به لله؟ وهل يصبر أم يضجر ؟ وهل يدعوه ويلتجأ إليه أم يدعو فلاناً وفلانا من الموتى أو القبور فيتوكل عليه ويفوض أمره إليه0؟ ألم يُسجن يوسف عليه السلام بضع سنين وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم وسجنه كان لإمتناعه عن الزنا طاعة لربه ،وكيف قد فرق الله بينه وبين أبيه ثم جمع الله بينهم جميعا 0


ألم يبتلي الله تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح ولده وقد أسلم لهذا الإبتلاء كل من الوالد والولد ، ألم يبتلي الله تعالى أيوب عليه الصلاة والسلام

بالمرض ثمانية عشر عاماً؟ فقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن حبان (( إن نبي الله أيوب صلى الله عليه وسلم لبث به بلاؤه ثمان عشرة

سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم : تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد

من العالمين فقال له صاحبه : وما ذاك ؟ قال : منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له

فقال أيوب : لا أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يُذكر الله

إلا في حق قال : وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكته امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب أن{اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } فاستبطأته فتلقته تنظر وقد أقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان فلما رأته قالت : أي بارك

الله فيك ! هل رأيت نبي الله هذا المبتلى ؟ والله على ذلك ما رأيت أشبه منك إذ كان صحيحا ! فقال : فإني أنا هو وكان له أندران(أي بيدران) أندر للقمح

وأندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض))0
(إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) فقبل الولادة لابد من المخاض وقبل التمكين وظهور الدين وعلوه لابد من ابتلاء وقد(( سئل الشافعي رحمه الله أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى ؟ فقال : لا يمكن حتى يبتلى والله تعالى ابتلى أولي العزم من الرسل فلما صبروا مكنهم فلا يظن

أحد أنه يخلص من الألم البتة وإنما يتفاوت أهل الآلام في العقول فأعقلهم من باع ألما مستمرا عظيما بألم منقطع يسير وأشقاهم من باع الألم

المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمر))زاد المعاد،
وفي بلاءنا اليوم ليتذكر كل منا قوله عليه الصلاة والسلام ((واعلم أن في الصبر على ما تكره

خيرا كثيرا وان النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وان مع العسر يسرا)) رواه أحمد0

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

[/SIZE]