الشيخ/ محمد الصادق مغلس
خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان
بتاريخ: 4/ رجب/ 1433هـ الموافق: 25/ مايو/ 2012م
قال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَه ُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء:83].

أقوال المفسِّرين في الآية وكلها منقولة بتصرّف:
قال ابن كثير:
"ويُذكَر هاهنا حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه، حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طَلَّق نساءه، فجاءه من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفهمه: أطلقت نساءك؟ قال: لا. فقلت الله أكبر..".
وعند مسلم:
"فقلت: أطلقْتَهنّ؟ فقال: لا، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. ونزلت هذه الآية: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَه ُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء:83].
قال: فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.. ومعنى {يَسْتَنبِطُونَ ُ} أي: يستخرجونه ويستعلمونه من معادنه، يقال: استنبط الرجل العين، إذا حفرها واستخرجها من قعورها.
ومعنى قوله: {لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا} قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا} يعني: كلَّكم. والتقدير: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَه ُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء:83]، هم المؤمنون، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَه ُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} [النساء:83].
وهذا شبيهٌ بقوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور:21].
وقال الشوكاني:
"هم أهل العلم والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم، أو هم الولاة عليهم".
وقال السعدي:
"هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردُّونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة.. ولهذا قال: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ هُ مِنْهُمْ} [النساء:83] أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة، ويُجعَل الأمر إلى أهله، ولا يُتَقدَّم بين أيديهم
ومعنى {لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا} [النساء:83] أن الإنسان بطبعه بأكثرية أفراده ظالم جاهل إلا من عصمه الله.
وجاء في الظلال:
"والصورة التي يرسمها هذا النص، هي صورة جماعة في المعسكر الإسلامي، لم تألف نفوسهم النظام؛ ولم يدركوا ضَرَر الإشاعة في الخلخلة؛ سواء كانت إشاعة أمن أو إشاعة خوف.. قد يكون لإشاعتها خطورة مدمرة.. إشاعة أمر الأمن عند العامة قد تُحدِث نوعاً من التراخي وإشاعة أمر الخوف قد تحدث خلخلة وارتباكاً، وحركات لا ضرورة لها!
ولو أنهم ردوا ما يبلغهم من أنباء الأمن أو الخوف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان معهم، أو إلى أمرائهم المؤمنين، لَعَلِم حقيقته القادرون على استنباط الحقيقة؛ واستخراجها.
وقال الشعراوي:
"كلمة (أذاعهُ) غير كلمة (أذاع به)، فـَ (أذاعه) يعني (قاله)، أما (أذاع به) فهي دليل على أنه يقول الخبر لكل من يقابله من العامة، وكأن الخبر بذاته هو الذي يذيع نفسه.. {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ هُ مِنْهُمْ} [النساء:83]، والاستنباط مأخوذ من "النَبْط" وهو ظهور الشيء بعد خفائه واستنبط أي استخرج الماء مجتهداً في ذلك والنَبَط هو أول مياه تخرج عند حفر البئر فنقلت الكلمة من المُحَسَّات في الماء إلى المعنويات في الأخبار.
والمعنى: إذا سمعتم أمراً يتعلق بالأمن أو أمراً يتعلق بالخوف، فإياكم أن تذيعوه قبل أن تعرضوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تعرضوه على أولياء الأمر الذين يستنبطون.
ما يؤخَذُ من الآيات في ضوء ما سبق أن المرجعية للعلماء ولِبَقِيّة أهل الحل والعقد، وليس للعوامّ ولا لسفراء أهل الكتاب في ديار الإسلام:
أولاً:
أن الأمور المهمة ولاشك أن أهمها أمور الدولة لا تُطْرَح على العامة "الشعوب"، وهذا عكس المنهج الديمقراطي؛ لأن الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة كما في الحديث الذي رواه مسلم، والنصوص العامة كثير منها عامٌّ مخصوص فلا يُستدَل مثلاً بِـ {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58] على أن الشعب يَنْتَخِب، لأن المقصود في أمانة الحكم هم الخاصة وهم أهل الحل والعقد، وكذلك ما بعدها في الآية: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء:58] ليس المقصود الشعب طبعاً وإنما الخاصة من الأمراء والقضاة، ومثل ذلك حديث: «مَن مات وليس في عنقه بيعة» المقصود منه عدم الخروج على ولي الأمر المسلم لا أنه يُبايِعه مباشرةً كلُّ الرجال والنساء، والفروض الكفائية جاءت بنصوص عامة كإقامة الدولة وكإقامة الحدود "حد الزنا وحد السرقة" وكالجهاد وصلاة الجنازة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يفهمها الذين لا فِقْهَ لهم أنها تشمل الشعب وكل الناس.
ثانيًا:
من الأمور المهمة التي لا تذاع للعوامّ فضلاً عن الكافرين أعداء الإسلام أمور الدولة عموماً، ومنها الأمور العسكرية "الأمن والخوف.." الخ، وكذلك الأمور الشخصية للقيادات الكبيرة كإشاعة أن الرسول طلّق نساءه قبل الاستئذان والاستبيان.
ثالثًا:
المرجعية للأمة بعد الرسول عليه الصلاة والسلام هم أولو الأمر، وفي مقدّمة أولي الأمر حمَلَةُ الدّين من العلماء، لقوله تعالى: {وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء:59]، وقد ذكر ابن كثير والشوكاني وغيرهما أنهم العلماء، والأمراء من المسلمين لا من غير المسلمين؛ ولأن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في الصحيح: «مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ» فالمقصود بالأمر الدِّين، والعلماء ألصق بالدِّين فهم في مقدمة أولي الأمر، وكذلك لأن العلماء المجتهدين يدخلون في أهل الاستنباط دخولاً أولياً، ولأن عمر كما في الحديث المتفق عليه الذي ذكره ابن كثير في سبب نزول الآية، ذكَر عمرُ أنه من أهل الاستنباط وهو من كبار علماء الصحابة ومن الخلفاء الراشدين.
رابعاً:
يدخل في أولي الأمر كل من كان له ثِقَلٌ ونفوذ في الأمة من كبار الشيوخ وكبار السياسيين وكبار العسكريين وكبار أصحاب المِهَن والتخصُّصات، وهم الذين مع كبار العلماء المجتهدين يصفُهم الفقهاء بأهل الحلّ والعقد، وهم مشهورون معروفون في المجتمع فِطْرِيًّا وتلقائيًّا لا يحتاجون إلى انتخاب، إلا إذا احتاجوا إلى اختصار العدَد فيقومون وحدهم باختيار من يمثِّلهم، وهذا ما جرى عليه الحال طَوال القرون الماضية في دولة وحضارة الإسلام العظيمة.
خامسًا:
لا يدخل مع هؤلاء غيرهم من العوامّ كما هو حاصل في كل المؤسسات فضلاً عن مؤسسة المؤسسات وهي الدولة، لأن إدخالهم من الإذاعة المَذْمومة في الآية.. وقوله في الآية مع التقدير السابق عند كلام ابن كثير {أَذَاعُواْ بِهِ} [النساء:83] دليلٌ على أن الأكثرية غير مأمونة..
أما إدخال الكافرين وسفرائهم وعساكرهم في بلاد وشؤون المسلمين فإنه إدخالٌ لأولي أمرٍ من غير المسلمين، وتسليطٌ للكافرين على المسلمين، وخرْقٌ لِمنهج البراء من الأعداء، والله يقول: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء:141].
ويقول تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} [آل عمران:118]، ويقول سبحانه: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا} [النساء:101].
سادسًا:
أوضاعُ كثيرٍ من بلاد المسلمين أوضاعٌ ممزَّقة مُثْخَنَة بالصراعات والحزبيات، والاغتيالات والتفجيرات، والاقتتال والانهيارات، والفساد والانتهابات، ومُنْهَكَة بالاستخبارات، وقصْف الطائرات الأجنبيات.. واقتصاديّاتها مَشْحونةٌ بالرِّبويّات، ونساؤها في المُساواةِ الوهمية بالرجال هائمات.. الخ.
وكل هذه الآفات بسبب التدخُّلات الأجنبية التي أحْكَمت الإثارات والمؤامرات في كل الاتجاهات، وبذلتْ لها أنواع الرِّعايات، فأصبحت الاختلالات تُواصِل إنتاج نفسها بنفسها باستمرار لأنها تتغَذَّى من الذات، وتَتَزَوَّدُ تِلْقائِيًّا من داخلها بالطاقات، لكي تتواصل هذه الاختلالات لو أمْكَنَها حتى النِّهايات، ويسمُّون هذه التدخلات بغير اسمها فيُسَمّونها شراكات وصداقات وعلاقات وتعاونات.. ومعلوم أنه ما نصحَ كافرٌ لِمُسلم.
والقبول بالتدخلات الأجنبية مخالفٌ للنصوص الكثيرة القاطعة، وحرامٌ شرعًا حرمةً شديدة وقادحٌ في العقيدة وفي البراء من الأعداء، ومن الذي يرضى بإدخال الثعابين في بيته؟! والعجيب أن هؤلاء الأعداء البُعَداء فعّالون مُقَرَّبون يَدُسُّون أنفسهم في كل أمرٍ وكأنهم من أُولي الأمر.. في حين إن العلماء الذين هم المرجعية فيما يجوز وما لا يجوز في كل أمرٍ، والذين هم المُقَدَّمون في أُولي الأمر.. مَعْزُولون مُهَمَّشون، ومن كلِّ قضايا الحُكْم والسياسة والاقتصاد والاستراتيجيات مُبْعَدون.. فالله المستعان، فالله المُسْتعان..
منبر علماء اليمن:
http://olamaa-yemen.net/main/article...ticle_no=14305