دروس على فراش الموت
السلام عليكن ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم



رحلة الحياة ولابد تعقبها رحلة الممات,وبينهما لحظة فاصلة
تنكشف فيها حقائق الأعمال إنها : سكرة الموت



فعلى فراش الموت,تظهر حقارة الدنيا ,وحقارة العصيان
والطغيان, وعليه ايضا تتجلى طهارة الطاعة,ونورها وفضلها
وقيمة الإقبال على الأّخرة .. وإليكم منها قبسات ..



اللحظة الفاصلة


هى أصعب لحظة تمر على الإنسان فى حياته,تضيق لسمعها الأنفاس, ويرتجف لها الإحساس,فهي تفصل ما بين رحلتين
رحلة الحياة.. ورحلة الموت..



وفى تلك اللحظة تظهر لنا حقائق الدنيا برمتها, وانها لا تساوى
عند الله جناح بعوضة, وانها ظل زائل,لا قيمة لها فى لحظات
الاحتضار العسيرة, تتيقين وقتها أن لا شئ من الدنيا ينفع, من
مالها وجاهها يشفع,وتستحضر قول الله عز وجل وكانك أول مره
تسمعه: ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء
فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على
كل شئ مقتدرا)..



ولا خير فى الدنيا لمن لم يكن له
من الله فى دار المقام نصيبُ
فإن تعجب الدنيا رجالاً فإنه
متاع قليل والزوال قريبُ



قالت امراة حبيب بن محمد: كان يقول:إن متٌ اليوم فأرسلي إلى
فلان يغسلني,وافعلي كذا, واصنعى كذا,فقيل لامرأته:أرأى رؤيا؟
قالت: هذا قوله كل يوم..



انفض يديك من الدنيا وساكنها
فالأرض قد أقفرت والناسُ قد ماتوا




كيف تغيب عنا تلك اللحظات والله جل وعلا يقررها ويحذر من
مجيئها فى اّيات كثيرة قد قال تعالى:
( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيدُ)



( قل إن الموت الذى تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى
عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)



(كل من عليها فان.. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)


فإن لم توقظك هذه الايات العظيمة,فمتى تستيقظ؟!!
وإن لم تكن لك واعظً ..فمتى تتعظ؟!!



أكثر من ذكر هادم اللذات , وأعد العدة تكفي فى الكفات,واعلم
أن الشيطان لا يتسلط على ذأكر الموت,وإنما إذا غفل القلب
عن ذكر الموت دخل العدو من باب الغفلة..



فيا من اسرف على نفسه بالخطايا.. فارتكب من الذنوب كبائرها
ومن الموبقات عظائمها.. حتى ثقلت عليه التوبة,تذكر يوم تُساق
الى القبر محمولاً ,وقد سلبت إرادتك, وإنهد حزمك وعزمك وإصرارك,وصرت إلى الحساب, وإلى بؤرة العذاب..
فأيهما أولى لك.. أن تتوب إلى الله وتنقذ نفسك من العذاب
أم تزيد ذنب الإصرار,وذنب القنوط من رحمة الله على الذنوب..
تأمل فى دعوة الله لكَ وهو يدعوك بخطاب يفيض حنانا ورحمة
وشفقة ووداً وعطفاً.. قال تعالى:
( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله
إن الله يغفر الذنوب جمبعا إنه هو الغفور الرحيم)..
فسبحانه يعلم أنك أخطأت كثيراً,وأسرفت كثيراً,وأن ذلك يسبب لك
اليأس والقنوط, ومع ذلك يحرم عليك القنوط من رحمته وعفوه
ويأمرك بالطمع فيه وفى رحمته , فهل لك من عذر يبعدك عن التوبة؟! وعن الاستعدا للموت يوم الميعاد؟!!




فلو كان هول الموت لا شئ بعده
لهان علينا الامر واحتقر الأمرُ
ولكنه حشــر ونشـــر وجــنــة
ونار وما قد يستطيل الامرُ



وما أجدر بنا ان نتصور تلك اللحظات, وما فيها من ضيق الأحتضار,وهول الإقبال على الملك الجبار, وانت مستسلم
لقدر المنية وما لك من خيار, فإنها لحظة يتقرر فيها مصيرك
إما إلى الجنة وإما الى نار..



ماذا يقول إذا أمس بحفرته
فرداً وقد فارق الاهلين والسكنا
هنالك يعلم قدر الوحشتين وما
يلقاه من بات باللذات مرتهنا



* بكى أبو هريرة فى مرضه فقيل له: ما يبكيك؟
فقال:أما إنى أبكى على دنياكم هذه, ولكني أبكى
على بعد سفرى وقلة زادي,وانى اصبحتُ فى صعود مهبط
على جنة ونار ولا أدرى أيمها يؤخذ بي..



* وهذا محمد بن المنكدر بكى بكاء شدياُ عند موته فقيل له:
ما يبكيك؟ فرفع طرفه إلى السماء وقال:( اللهم إنك أمرتني
ونهيتني فعصيت,فإن غفرت فقد مننت,وإن عاقبت فما ظلمت)



الخاتمة مراّة الاعمال
تذكروا أن لحظات الموت والاحتضار وسكرة الموت هى لحظة
ينكشف فى الستار, فهى مراّة الأعمال فحينها
(يثبت الله الذين اّمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الاخرة)


وحينها


( يضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء)..




فمن عاش على الطاعة والإيمان والبر والإحسان,بيض الله وجهه
وثبت لسانه , والحمد والشكر والصبرو وختم له بافضل الأقوال
(لا إله إلا الله)..



ومن عاش على العصيان, والطغيان, سود الله وجهه,وخذل لسانه
فلا تراهإلا جازعاً, وقد كره لقاء الله حتى يختم له بأقبح الأقوال
والعياذ بالله..



* قيل لرجل حضرته الوفاة:قل لا إله إلا الله
فقال: الدار الفلانة اصلحوا فيها كذا, والجنان الفلانى أصلحوا
فيها كذا:لما كان يطغى عليه من الغش فى التجارة..



هذا قد فضح الموت أسراره, وكشف الموت عن العصيان استاره
فهل من متعظ؟..



بينما الذين أحسنوا.. أحسن الله لهم العاقبة(والعاقبة للمتقين)



* هذا الإمام الجيل أبو الحسن بن محمد الفقيه, توفى وهى ساجد
فى صلاة الفجر فى ذى القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة..



فهيئ نفسك لتلك اللحظات العسيرة,وأصدق الله فى حياتك يصدقك
فى موتك(تلك الدارُ الاّخرةُ نجعلها للذين لا يريدون عُلوا فى الارضِ
ولا فسادًا والعاقبة للمتقينَ)..



إن خير الزاد التقوى


هكذا بين الله جل وعلا طريق النجاة فى كتابه,فقال سبحانه
( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)



فهى زاد المؤمن فى دنياه واّخره يتبلغ بها فى سفره ليصل
اّمنا عند الله يوم القيامة..



* قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:( لكل سفر زاد,فتزودوا
لسفركم من الدنيا إلى الاّخرة بالتقوى,كمن عاين ما أعدً الله من عذابه,فترغبوا وترهبوا ولا يطولن عليكم الامد فتقسوا قلوبكم
وتنقادوا لعدوكم,فإن الله ما بسط أمل من لا يدري لعله يمسي بعد
إصباحه, ولا يصبح بعد إمسائه,وربما كانت له كامنة بين ذلك
خطرات الموت والمنايا,وإنما يطمئن من وثق بالنجاة من عذاب الله وأهوال يوم القيامة,فأما من لا يداوى من الدنيا كلما إلا أصابه
جارح من ناحية أخرى,فكيف يطمئن..



تزود إلى الدنيا فإنك لا تدرى
إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجـــر



فكم من فتى أضحى وأمس ضاحكًا
وقد أدخلت أجسـادهم ظلمة القبر



وصلى الله وسلم على نبينا محمد, وعلى اّله وصحبه أجمعين
مُختصر من كتاب كُنت قراته بالنت
منقول لصحابته أم حذيفة السلفيه ملتقى اهل الحديث