بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة إلى الأخوة السجناء في رومية فرج الله كربهم وأزال غمهم ..


الحمد الله الذي بيده الأمر من قبل ومن بعد ، الحي الذي قضى أن كل حي سيموت ويبقى ذو الجلال لا يموت ، القيوم على نفسه والقائم بتدبير شؤون خلقه ، العزيز الذي لا يغالب ولا ينال جنابه ولا يرام سلطانه ، المحسن الذي يجازي أهل الإحسان بإحسانهم ، فلا يضيع عمل عامل وإن قل ، تعددت أوصافه لعظمته ، أسمائه كلها حسنى ، جل جلاله... سبحانه من إله ، لا إله غيره ولا رب سواه ، والصلاة والسلام على معلم الناس الخير الذي وصفته أخبر الناس به وأعلم البشرية بسرِّه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت : كان خلقه القرآن ،
محمد الذي رباه ربه بالإسم الذي خصه به دون العالمين فقال له مخاطباً بكاف الخطاب : إقرأ وربك الأكرم ،
ومع كرامة النبي العظمى ومنزلته الفضلى عند ربه إلا أنه قضى أنه من أشد الناس ابتلاءً لديه ،
ومن استقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام عرف أن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مليئة بشتى صنوف البلاء من المهد إلى اللحد ،
ولم يكن البلاء من مرحلة النبوة وما بعدها فحسب بل كانت من نعومة أظفاره عليه الصلاة والسلام ،
وإلا كيف له أن يحمل ثقل ما أنزل إليه لولا الإعداد الإلهي ،
فربَّاهُ الله جل جلاله على عينه وأخلصه لنفسه ليكون سيد الأولين والآخرين ،
وهكذا كل من حمل رسالته ورفع رايته من بعده لا بد أن يوطن نفسه على الأشواك واللآلام ، والعدة الإيمان والصبر ،
والجزاء دنيوي وأخروي ،
أما الدنيوي فهو تمكين على قدر البلاء ،
والأخروي الجنة ولقاء النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه وألذ من ذلك رؤية وجه الرحمن جل جلاله والكلام معه .

وبعد أيها الأخوة الأكارم رفع الله قدركم وأعلى مناركم وأجزل عطاءكم ،
إن ما حل بكم لا يخفى على أحد وما ابتليتم به لا يصبر عليه إلا مثلكم ، وسواءً أخطأتم أم أصبتم لا شك إن ما أنتم فيه كان ومازال إن شاء الله من أجل نصرة دينكم ،
والموفَقُ منكم من وفق لمفارق الأمور التي أخطأ بها واستعجل بعض العبادات قبل أوانها ، واستعجل قطف الثمار قبل نضوجها ،
فدرس الأمور وتراجع ، وليس بشرط أن يصرح للجميع ، بل يقتصر على محيطه بالمراجعات والتصحيح ،
ولا يفضي به إلى أولياء الطاغوت فيجعلوه سلماً للطعن والتجريح ،
فنحن مأمورون بإغاظة الأعداء في كل موطئ نغيظ به الكفار والمنافقين ،
وقد كان من دعاء موسى عليه السلام : ولا تشمت بي الأعداء ،
وأما من كان منكم على الجادة قصداً وصواباً ، فما ابتلي إلا لرفع الدرجات ونيل أعلى المنازل ،
ففي الحديث الصحيح عن رسول الله : إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فلا يبلغها بعمله فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها ،
فأسأل الله أن يبلغكم أعلى المنازل ،
إلى هذا الصنف أخص رسالتي كما هي عامة لكل من لم يبلغ منزلتهم من جموع إخواننا السجناء في رومية أعزهم الله .
وألخص مرادي بنقاط :

أ : إن في القرآن مثالاً لكل شيء وعبرة لكل سالك ودروساً لكل مبتلى ،
فأذكر منه ما يليق ببلائكم أعزكم الله وهو يوسف الصديق عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ،
وقد ألف بعض من يوثق بعلمه كتاباً إسمه : قدوتنا في الضيق يوسف الصديق ،
فمما ابتلي به نبي الله يوسف السجن ،
ومعلوم أن السجن غربة من غير نوع غربة الدين وإن كانت متضمنة لها ، لا يشعر بمرارتها إلا من ذاقها ، إلا أن غربة يوسف كانت شديدة ،
فأنتم أعزكم الله بين إخوانكم وتجدون على الحق أعواناً ممن حمل عقيدتكم ومنهجكم أما يوسف فقد كان غصناً رطباً بين حطام متراكم يابس ،
فحمل دعوة التوحيد فريداً ولم تحل بينه وبين الدعوة إلى الله ما يعانيه من الغربة المحيطة المظلمة بل بدد الظلمات بنور لا إله إلا الله ،
واستغل كل موقف وكل سؤال واستفتاء ليحول المقام إلى الغاية التي من أجلها خلق ،
يأتيه سائلان يسألانه عن رؤيا رآها كل منهما وقد دفعهما إلى سؤاله ما عايناه من أمارات الإشراق والإحسان فقالا بعد أن قصا عليه رؤياهما : إنا نراك من المحسنين ،
ولما كانا بشوق لسماع التأويل كانت فرصة يوسف لأن يذكر العباد بحجة الله على خلقه ،
فاستمال قلوبهما بأن ناداهما بمقام الصحبة ( ياصاحبي السجن ) ليشنف آذانهما ،
ثم بعد أن نهاهما عن الشرك واستنكره دعاهم إلى العبادة فانتقل من خطاب التثنية إلى خطاب الجمع فلم يقل : ما تعبدان من دونه ،
إنما قال : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ،
ليُسمع بذلك السجن كله وليعلم كل سجين من بعده من أهل التوحيد طرائق التبليغ والبيان ،
لهذا أذكركم أنكم في نادٍ عظيم جمع الله لكم فيه الغث والسمين ،
فماذا فعلتم ؟!
وكم هدى الله على أيديكم ؟!
وكم فتح الله بكم أعيناً غلفاً وآذاناً صماً ؟!،
وأخشى عليكم أن يحل بكم ما حل بغلاة التكفير حيث ثبطهم الشيطان عن دعوة الخلق برفق ،
فاكتفوا بإطلاق الأحكام وأراحوا أنفسهم من عناء الدعوة إلى الله وظنوا أن مجرد الحكم بالتكفير هو قيام للحجة وأوتوا من سوء الخلق ما نفروا به الخلق عن الحق ،
وأنتم تعلمون قول النبي عليه الصلاة والسلام : إن منكم منفرين ،
فلا تنفروا الخلق عباد الله عن دين الله وليظهر عليكم من أمارات الرحمة والإحسان ما يستوعب المسيئين على مختلف أحوالهم كما ظهر على من هو خير منكم نبي الله يوسف عليه السلام فقالا له الكافريْن : إنا نراك من المحسنين ، وقد رأيت الكثير من نفائس تلك الأمارات على وجوهكم لدى زياراتي لكم حياكم الله وبياكم . .

ب : الصبر ومنه حبس النفس عن التسخط وقد جاءت الآيات الجامعات للوصاة به ومن أفضلها قول الله جل جلاله : وتواصوا بالصبر ،
وكل فضيلة رغب فيها الشارع بمعرفة أجرها إلا الصبر لعظمه أطلق المثوبة عليه ،
فقال سبحانه : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ،، قال البغوي رحمه الله : قال علي رضي الله عنه : كل مطيع يُكال له كيلا ويوزن له وزنًا إلا الصابرون، فإنه يحثى لهم حثيًا .
ويروى: "يؤتي بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبًا بغير حساب" .
قال الله تعالى ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل .
واعلموا عباد الله أن إظهار الصبر يحدث التعجب لدى المخالفين ويعلمون أن الصابرين يعملون لشيء هم منه محرومون وجاهلون فيكون التمسك بالصبر وعدم إظهار السخط دعوة مستقلة لكل ناظر فيتوقون إلى مقامكم فيكتب الله لكم من الأجور ما لا يعلمه إلا الله .


ج : لقد كثر في هذه الأيام المتاجرة بملفكم والكل يلوك بمظلومياتكم فإن كان من تسخير الله فهو محمود ،
وإن كانت الأخرى فالأحرى أن تراعى في ذلك مقاصد الشريعة ، فليس من الحكمة أن يربو على طهركم الأنجاس والمنتفعون الضالون منهم والمبتدعون ، وحتى شيوخ السنة الذين كانت تشمئز نفوسهم من ذكر ملفكم ويرتجفون لدى سماعه ، وهاهم الكثير منهم اليوم تحركت الحمية الزائفة الباهتة ، فلا تغرنكم عباد الله فليس كل ما يعلم يقال إن هي إلا تجاذبات سياسية أمنية تقف خلف الكثير من الشيوخ الذين كان الخوف يملأ وجوههم واليوم يتظاهرون بالهيبة والقوة والمنعة ، وكلها مسرحيات دجلية على مسارح النفاق اللبناني ، فأهل العزة عباد الله لا يستمدون عزتهم من طاغوت سني كان أم شيعي ، نصيري كان أم نصراني ، أهل العزة أعزة في حالات الضعف والقوة قال ربي : ولله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِي نَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) المنافقون ..
فأرجو منكم عباد الله أن تفردوا الله عز وجل باللجأ والسؤال وتوقنوا أن الضر والنفع بيده ، ولست أهلاً لأن أزايد عليكم بل أنتم تعلمون الدنيا ذلك إن شاء الله ، وأن الأمر كله بيده ، وأن لا تسمحوا أن يركب على ملفكم من وضعه الله فيرتفع بطهركم فأنتم أعز من ذلك ، وأخشى أن يعلق ببراثنهم ضعفاء النفوس فيكون المعروف سبباً في توليهم وقد كان هناك بعض التجارب من الشيوخ الذين بدلوا دين الرافضة بسبب خدمة ، فليقوِ القوي منكم الضعيف ، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، والنصر صبر ساعة وإنكم والله خارجون لا محالة ، ولكم أن تعلموا ما هي المفاسد من إلجاء الصادقين لزيارة الأمنيين والساسة للشفاعة لكم فكم اشتُريت نفوس ضعيفة وهي تسعى لخلاصكم فباعوا دينهم من حيث لا يشعرون ، ولم يقدموا ولم يؤخروا في ملفكم شيئاً ، وخسرت الدعوة نفراً ، وربح الطاغوت مناصراً ، وألقم من كان بالأمس يؤلب الناس عليه حجراً ، واستراح من تحريضه ببضعة دولارات ليست في ميزان الطاغوت شيئاً يذكر .
فهذا كلها مفاسد يجب أن تُراعى ليست بأشد مما أنتم فيه ، وغيرها الكثير من المفاسد التي لا يسع المقام لذكرها ، والحق الذي أدين الله به أن كل شيء بأجل ، فمهما فعل الفاعلون وشفع الشافعون لن يكون الخروج والفرج إلا بإذن الله ، فإن كان ثمة وسائل مشروعة لا مفاسد فيها معتبرة على أحد والمصالح فيها متحققة فبها ونعمت ، وإن كانت الأخرى فاتقوا الله عباد الله واصبروا والعاقبة للمتقين ..
هذا بعض ما تيسر الساعة وحقكم علينا أكبر من ذلك وإنا والله بحقكم مقصرون ، وأكثر ما نملكه لكم الدعاء فأسأل الله لكم الفرج وأن يجمعنا بكم ربي عن قريب إنه قريب مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ..
كتبه أخوكم مصباح الحنون
27 جمادى الثانية 1433 ..