رأي غيرُ حرٍّ في فتنة سوريا
لفضيلة الشيخ عبد الحق التركماني
منقول من موقعه
http://www.turkmani.com/articles/53

[بحث علميٌّ مركَّز في الموقف الصحيح من الثـورة السـورية في ضـوء الأحكـام الشـرعية والأُخُـوَّة الإيمانية]

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد تشهَّيتُ أن لو كان يمكن أن يكون لي رأيٌ حرٌّ في فتنة سوريا؛ إذن لاخترت طريق الغفلة والسلامة وادَّعيت أن كل ما ينشر في وسائل الإعلام عن جرائم النظام النصيري في حقِّ أهل الإسلام والسنة إنما هي أكاذيب ومبالغات ودعايات تحريضية من قبيل ما سارت عليه قناة (الشريرة) في مشروعها التخريبي في جسد الأمة!
لكن أنَّى يكون لي رأيٌ حرٌّ وأنا محكوم بضرورة العقل والحسِّ، ونقل الكوافِّ المفيد للعلم الضروري بما يقع كلَّ يوم في بلاد الشام ـ منذ أكثر من عام ـ من قتل وتعذيب وسجن وتهجير وانتهاك للحرمات، واعتداء على الأعراض والمساجد والمساكن، بظلم فاجر، ووحشية بالغة، تدمي القلوب القاسية، وتدمع العيون الجامدة. وعلمنا بذلك مثل علمنا أن أوباما أفريقي الأصل، وأن طوكيو عاصمة اليابان، وهو علم ترقَّى من حق اليقين إلى عين اليقين؛ بما رأته أعيننا وسمعته آذاننا من خلال الوثائق المرئية المسموعة، حتى رأينا من يُدفن حيًّا، وآخر يُحرق، وآخرين يعذَّبون ليقولوا كلمة الكفر: (لا إله إلا بشار)، فيأبون الموت إلا على كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، مع أنَّ الله الغفور الرحيم قد رخَّص لهم حال الإكراه الكفرَ في الظاهر مع طمأنينة القلب وإنكاره، لكنهم أخذوا بالعزيمة، فالله يرحمهم ويغفر لهم.
*****

وتشهَّيت أن لو كان يمكن أن يكون لي رأي حرٌّ في فتنة سوريا؛ إذن لنزَّلتُ على الثوار الأحكامَ الشرعيةَ الثابتةَ في حقِّ الخارجين على ولي الأمر المسلم، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة التي تبلغ في معناها حدَّ التواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن الخروج على الحاكم المسلم مهما ظلم وبغى واعتدى على حقوق الفرد والمجتمع؛ ما لم يرتكب كفرًا بواحًا لا يحتمل تأويلاً في ثبوته ولا في دلالته. وحسبي ما أمرني به من رضيتُ به نبيًّا ورسولاً وأسوةً حسنةً عليه الصلاة والسلام، فلا ألتفتُ بعد قوله وحكمه إلى مبادئ الديمقراطية الغربية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولا أقيم لها وزنًا وإن فتن بها من فتن من الإسلاميين!
لكن أنَّى يكون لي رأيٌ حرٌّ وقد ثبت شرعًا التفريقُ بين من له ولاية شرعية ومن ليست له ولاية شرعية، فلا يجوز تنزيل الحكم الشرعي الخاص بالحاكم المسلم؛ على حاكم كافر في أصل دينه ونحلته بإجماع العلماء، وإن أظهر الإسلام كذبًا ونفاقًا؛ فإنه لم يظهر البراءة من الملة الباطنية الملحدة التي ينتسب إليها، والله تعالى يقول: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[البقرة: 256]، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب (التوحيد): المسألة الكبيرة: أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، والطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله. فكيف وهذا الطاغية ليس إلا أداة لطائفته الباطنية الملحدة، فهم أصحاب القرار والسلطة، ومن كان معهم من غيرهم ـ من المسلمين أو غيرهم ـ فهم تبعٌ لهم، منفِّذون لأمرهم، خاضعون لحكمهم. ولو لم يكن من دلائل بقائهم على دينهم النُّصيريِّ الباطنيِّ إلا تحالفهم مع دولة الزنادقة في إيران، وأن الأخيرة تبذل سلاحها ومالها ونفوذها وتسخر إعلامها لنصرتهم، وترسل عناصر من خبرائها ومجرميها إلى سوريا لقتل أهل السنة؛ لكان ذلك دليلاً كافيًا على استصحاب الحال، وبرهانًا داحضًا لكل شبهة وتأويل.
وقد أجمع فقهاء الإسلام على أنه لا ولاية لكافرٍ على مسلم، وأن الحاكم للمجتمع المسلم إن كان كفره أصليًّا أو طرأ عليه الكفر الصريح؛ فلا بدَّ من إزاحته وإزالته، لكن لا يجب ذلك إلا مع القدرة والقوة، ولا بدَّ من مراعاة المصالح والمفاسد، وتقدير العواقب والمآلات، والمرجع في ذلك هم أهل العلم الشرعي أولاً، ثم أهل السياسة والقتال ثانيًا. وما بادرت إليه العامة في سوريا من الثورة على الطغمة الملحدة هو من هذا القسم، والذي اعتقده أنهم أخطؤوا في تقدير الأمور، وتعجلوا ما لا طاقة لهم به، والله يغفر لهم ويسامحهم.
ولو فرضنا ـ تنزُّلاً وجدلاً ـ أن للنظام السوري ولايةً شرعيةً، وأن الثائرين عليه خوارجُ وبغاةٌ؛ فبأيِّ شرعٍ أو دينٍ أو خُلُقٍ يجوز أن يُفعل بهم ما نراه من القتل والتنكيل والتعذيب وهدم المساكن وانتهاك الحرمات مما لا يُعرف مثله إلا عن أقسى المجرمين في تاريخ البشرية.
وقد ذكر الفقهاء أحكام قتال الخوارج والبغاة في كتبهم فلم يُغفلوا ذكر الضوابط والآداب في قتالهم لكونهم مسلمين، وأكتفي بنقل نصٍّ واحدٍ من أشهر كتب السياسة الشرعية، وهو: (الأحكام السلطانية) لأبي الحسن الماوردي الشافعي (ت: 450هـ)، حيث قال رحمه الله ـ في قتال أهل البغي ـ: (ويخالف قتالُهم قتالَ المشركين والمرتدِّين من ثمانية أوجه:
أحدها: أن يقصد بالقتال رَدْعهم، ولا يعتمد به قتلهم.
والثاني: أن يقاتلهم مُقبلين، ويكف عنهم مدبرين.
والثالث: أن لا يُجْهِزَ على جريحهم.
والرابع: أن لا يقتل أسراهم، وإن قتل أسرى المشركين والمرتدين، ويعتبر أحوال من في الأسر منهم، فمن أمنت رجعته إلى القتال أطلق، ومن لم تؤمن منه الرجعة حبس إلى انجلاء الحرب ثم يطلق، ولم يجز أن يحبس بعدها.
والخامس: أن لا يغنم أموالهم، ولا يسبي ذراريهم.
والسادس: أن لا يستعان لقتالهم بمشرك معاهدٍ ولا ذميٍّ.
والسابع: أن لا يهادنهم إلى مدة، ولا يوادعهم على مال.
الثامن: أن لا ينصب عليهم العَرَّادات، ولا يحرق عليهم المساكن، ولا يقطع عليهم النخيل والأشجار؛ لأنها دار إسلامٍ تمنع ما فيها، وإن بغَى أهلها. انتهى باختصارٍ من (الأحكام السلطانية) للماوردي، تحقيق: أحمد مبارك البغدادي، دار ابن قتيبة، الكويت: 1409، ص: 82، ووقع فيه تحريف قبيح، حيث سقط لفظ (لا) من قوله: (لا ينصب...)، والتصحيح من طبعة المستشرق: مغس أنغر، التي أصدرها في بُنْ، سنة: 1319هـ/1853م.
قال عبد الحق التركماني عفا الله عنه: فلْيُقارن العاقلُ بين ضوابط قتال أهل البغي والثورة على وليِّ الأمر المسلم وبين صنيع جنود الأسد وشبيحته في حقِّ الثوار: يقصدون قتلهم والتنكيل بهم، لا يفرقون في ذلك بين رجل وامرأة، ولا بين شاب وطفل وشيخ. ويلاحقونهم وهم مدبرون مستخفون خائفون، ويُجهزون على جرحاهم وأسراهم بعد أنواع من الإيذاء النفسي والجسدي والإكراه على الكفر بالله الواحد الأحد، ويستبيحون أموالهم، وينتهكون حرماتهم، ويستعينون على قتالهم بملاحدة الروس وزنادقة الفرس، وينصبون عليهم العرَّادات فيهدمون بيتوهم ويحرقونها، ويقطعون الأشجار ويفسدون الثمار، فلم يحفظوا لدار الإسلام حرمةً ولا ذمَّة ولا كرامةً. والعرادات هي المدافع في عصرنا، قال في (لسان العرب): (والعرادة: شبه المنجنيق صغيرة، والجمع العرادات).
*****

وتشهَّيت أن لو كان يمكن أن يكون لي رأي حرٌّ في فتنة سوريا؛ إذن لزعمتُ أنها مؤامرة غربية على بلد مسلم ينعم بالاستقرار، والأوضاع فيه تسير نحو تحسن نسبيٍّ ملحوظ؛ إذن لا بدَّ من تخريبه وتدميره وتمزيقه، كما صنع بجاره العراق!
لكن أنَّى يكون لي رأيٌ حرٌّ فيها وقد صار جليًّا واضحًا للعقلاء أن الدول الغربية والشرقية قد اجتمعت كلمتها على منع دعم الثوار بما يرجِّح كفَّتهم ضد النظام، وأنها تعمَّدت منحه المهلة بعد المهلة، والفرصة بعد الأخرى؛ حتى يتمكن من القضاء على المعارضة، ولما عجز عن ذلك أرسلوا إليه المراقبين الدوليين لحمايته من خلال تجميد نشاط الثوار، والمساواة بين الضحية والجلاد بمطالبة الجميع بإيقاف العنف! فأين هذه الدول من مسارعتها إلى التدخل العسكري في ليبيا، وأين سيد البيت الأبيض ومستشاريه من متابعتهم اليومية للثورة المصرية، حتَّى بدَتْ وكأنها شأن أمريكي داخليٌّ! فالحقيقة أن لا مؤامرة خارجية على النظام السوري، وإنما المؤامرة على أهل الإسلام والسنة في سوريا، وهو ما حمل الدولة السنية (السعودية) على اتخاذ موقف واضح من هذه القضية، رغم أنها التزمتْ أثناء الثورة التونسية والمصرية والليبية بمنهجها المعروف في الحياد وعدم التدخل في شؤون الدول الداخلية، لكنه الوعي السياسي، والواجب الديني والأخلاقي؛ وهو الذي حمل وزير خارجيتها سعود الفيصل على الانسحاب من مؤتمر تونس، وإطلاق الدعوات المتكررة إلى ضرورة تسليح الجيش الحر.
*****

وتشهَّيت أن لو كان يمكن أن يكون لي رأي حرٌّ في فتنة سوريا؛ إذن لأرحت ضميري، وطيَّبت خاطري؛ بأنَّ ما عليه كثير من أهل السنة في سوريا من البدع والموبقات في أبواب الاعتقادات والعبادات ـ بله ما هو دون ذلك من المخالفات في الأقوال والأعمال والأخلاق ـ؛ كافٍ في عدم التعاطف معهم، وطرح الاهتمام بقضيتهم!
لكن أنَّى يكون لي رأيٌ حرٌّ كهذا؛ ومن أصول اعتقاد أهل السنة أن الأُخوَّة الإيمانية لا تنتقض، ولا تبطل حقوقها وواجباتها بالبدع والمعاصي، وإن كثرت وعظمت، ما لم تبلغ حدَّ الكفر الأكفر، ومعاذ الله أن أكون من أهل تكفير المجتمعات المسلمة، والبغي عليها باستحلال دمائها وأموالها! والذي تعلمناه من أئمة أهل السنة والجماعة ـ منذ نعومة أظفارنا ـ: أن ما يقع فيه عوام المسلمين من المخالفات في الاعتقاد والعبادة؛ فلا يحكم على أحد منهم بالكفر إلا بثبوت الشروط وانتفاء الموانع التي شرحها أهل العلم في كتبهم. فإثبات عقد الإسلام لهم من أصول معتقدنا، ومعالم منهجنا، وبثبوته يثبت لهم حقوق الأخوَّة الإيمانية من المحبة والنصيحة والنصرة والمؤازرة والتراحم والتعاطف، وقد أخبر الله تعالى عن قوم ارتكبوا معصية كبيرة بترك الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت واجبة في ذلك الوقت، فقال سبحانه عنهم: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}، ومع ذلك فقد أثبت لهم حقَّ النصرة فقال عزَّ وجلَّ: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُم ْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال: 72]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (العقيدة الواسطة) في بيان معتقد السلف الصالح أهل السنة والجماعة: إنَّهم لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما تفعله الخوارج، بل الأخوَّةُ الإيمانية ثابتةٌ مع المعاصي.
ومن هنا فجميع ما ثبت في الأُخوَّة والنصرة بين المسلمين فلأهل الإسلام في سوريا منه حظٌّ ونصيبٌ، حقًّا ثابتًا، وفريضةً محكمةً، لا تبطلها بدعة ولا معصية، وإن كان الواجب إنكار البدع والمعاصي في كل زمان ومكان، والالتزام في ذلك بضوابط الإنكار وآدابه، فأهل السنة والجماعة ـ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ـ: يتَّبعون الكتاب والسنة، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحقَّ، ويرحمون الخلقَ. والخوارج هم أول من كفر المسلمين؛ يكفرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله، وهذه حال أهل البدع يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها (مجموع فتاوى ابن تيمية: 3/279)، وقال أيضًا: وأهل السنة والعلم والإيمان يعرفون الحقَّ، ويتبعون سنة الرسول، ويرحمون الخلق، ويعدلون فيهم، ويعذرون من اجتهد في معرفة الحق فعجز عن معرفته، إنما يذمون من ذمه الله ورسوله، وهو المفرِّط في طلب الحق لتركه الواجب، والمعتدي المتبع لهواه بلا علم لفعله المحرم. فيذمون من ترك الواجب أو فعل المحرم، ولا يعاقبونه إلا بعد إقامة الحجة عليه كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، لا سيما في مسائل تنازع فيها العلماء، وخفي العلم فيها على أكثر الناس.(المجموع: 27/238).
قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُو َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[التوبة: 71].
وقال عزَّ وجلَّ ـ بعد الآية السابقة من سورة الأنفال في وجوب نصرة المستضعفين في الدين ـ: {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}[الأنفال : 73]؛ قال الطبري رحمه الله: إلا تَناصروا أيها المؤمنون في الدين؛ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. وقال ابن كثير رحمه الله: أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت الفتنة في الناس، وهو التباسُ الأمر، واختلاط المؤمن بالكافر، فيقع بين الناس فساد منتشر طويل عريض.
وقال ربُّنا سبحانه: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَ فِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا}[النساء: 75].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ؛ مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى» أخرجه البخاري ومسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: «المُؤْمِنُ للْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضَاً» وشبَّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ. أخرجه البخاري ومسلم أيضًا.
وقال صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، ويَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» أخرحه أحمد وأبو داود وصححه ابن القيم وابن الملقن والألباني وغيرهم.
قال الصنعاني في (سبل السلام): أي هم مجتمعون على أعدائهم، لا يحل لهم التخاذلُ، بل يعين بعضهم بعضًا على جميع من عاداهم من أهل الملل، كأنه جعل أيديهم يدًا واحدةً، وفعلهم فعلاً واحدًا.
وقال عليه الصلاة والسلام: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ». أخرجه البخاري ومسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَئً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ. وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ». أخرجه أحمد وأبو داود وحسَّنه الهيثمي والألباني.
وقد كان الإمام الراحل عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله الأسوة والقدوة في هذا العصر في مناصرة المسلمين ومؤازرتهم والتراحم والتعاطف معهم، وإن كان فيهم نقص وعيب في معتقد أو سلوك، وذلك مشهور عنه في مواقفه النبيلة في النوزال والمحن التي حلَّت بالمسلمين في كثير من البلاد، ومنها: الفتنة السورية الأولى قبل ثلاثة عقود، حيث كتب مناصحًا ومنكرًا ومنتصرًا لإخوانه المسلمين، دون أن يكون ما يعلمه من المؤاخذات عليهم مانعًا من نصرتهم، أو مسوِّغًا لتجاهل محنتهم، أو الوقوف ـ معاذ الله! ـ في صفِّ عدوهم الظالم الباغي.
*****

وتشهَّيت أن لو كان يمكن أن يكون لي رأي حرٌّ في فتنة سوريا؛ إذن لاعتقدتُ فيها أنَّها من نوع الفتن التي قد التبس أمرها، وخفي وجه الحقِّ فيها، فالواجب عدم الخوض فيها، وإمساك اللسان واليد، ولزوم البيوت، كما أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أحاديث الفتن.
لكن أنَّى يكون لي رأيٌ حرٌّ فيها؛ وقد ظهر أمرها، وتمايزت الصفوف فيها، وأفتى ثقات أجلاء من أهل العلم ـ كسماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ صالح اللحيدان، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد المحسن العباد، والشيخ عبد العزيز الراجحي، وغيرهم كثير ـ بوجوب مناصرة أهل السنة فيها، فليست هي إلا (فتنة) بمعنى الابتلاء والاختبار والتمحيص، ولله فيما يحكم به في خلقه حِكَمٌ عظيمة:
{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[الأنبياء: 35].
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ }[العنكبوت: 3].
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } [العنكبوت: 10-11].
*****

هذا اعتقادي وديني ورأيي في هذه النازلة الطامة، والمصيبة العامة، لم أكن حرًّا فيه، بل محكومًا بضرورات الشرع والعقل والحسِّ، وهو موافق لقول عامة أهل العلم والإيمان، وإن خالفتُ فيه رأي شيخنا العلامة الزاهد العابد الثقة سعد بن عبد الرحمن الحصين ـ سدَّد الله قوله وعمله، وأحسن خاتمته ـ فقد أداه اجتهاده إلى رأي آخر جانب فيه الصواب، وهو في ذلك قد انتهى إلى ما أداه إليه علمه واطلاعه، وقد أحسن من انتهى إلى ما علم وسمع ورأى، وهو أهلٌ أن يُعذر فيما أخطأ فيه لما هو معروف عنه وبه من العقيدة السلفية القويمة، ولزوم الكتاب والسنة على منهاج النبوة، ونصرة التوحيد والسنة ومحاربة الشرك والبدعة بجهوده العظيمة المشهودة المشكورة في مشارق الأرض ومغاربها، ولكلِّ فاضل زلَّة، ولكلِّ جواد كبوة؛ بخلاف من كان من أهل البدعة والمذمَّة، ولم يُعرف بنصرة دعوة الرُّسل في تحقيق العبادة لله عز وجل ونفي الشرك، ولا في نشر السنة ومحاربة البدعة، كشيخ الضلالة والغواية محمد سعيد رمضان البوطي، نصير دولة النصيرية، الذي أضلَّه الله على علمٍ، ولم يشتهر إلا بمحاربة دعوة الإمام المجدد محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، وبالفكر والفلسفة وعلم الكلام والتصوف والسكوت عن مظاهر الشرك والوثنية، ومع ذلك سارع دعاة حركيون ـ كطارق السويدان وصالح المغامسي ـ إلى التماس الأعذار له، ووصفوه بأعلى ألقاب العلم والفضل، وأوجبوا في حقِّه ما يجب في حقِّ علماء التوحيد والسنة، مع أن كثيرًا منهم لا يتورعون في الطعن والهمز واللمز في العلماء الربانيين، لأنهم يجدون في علمهم ودعوتهم من الاعتصام بالكتاب والسنة والاقتداء بالسلف الصالح في المعتقد والعلم والعمل والدعوة ما لا يوافق أهواءهم ولا يساعد أغراضهم!
فأيُّ الرجلين أولى بالتماس الأعذار له، واغتفار خطئه بكبير وكثير صوابه؛ أيها العقلاء المنصفون؟!
ولا يمكن أن يخفَى على مثل البوطيِّ أنَّ أئمَّته الأشاعرة كما أنَّ أكثرهم قد وافقوا أهل السنة في منع الخروج على الحاكم المسلم، فقد وافقوهم ـ كلُّهم ـ على جوازه أو وجوبه عند ظهور الكفر البواح. (انظر: التمهيد للباقلاني، ص: 478)
*****

هذا؛ ورأينا في المظاهرات والثورات معروف منشور، ولا نرى في الربيع العربي خيرًا مطلقًا، ونظنُّ أننا مقبلون على تقلبات وفتن وفوضى، ومشروعٍ غربيٍّ للانتقال من تغيير الأنظمة إلى تغيير الأدمغة، ومن أراد تعليلاً وتحليلاً مقنعًا فعليه بمقالات الدكتور زين العابدين الركابي القيِّمة في هذا الخصوص، والله المستعان، وعليه التكلان.
اللهم انصر إخواننا في أرض الشام، وأصلح أحوالهم دينًا ودنيا، ولا تجعلنا ولا إيَّاهم فتنةً للقوم الظالمين، إنك سميع مجيب.
وكتبه:

عبد الحق التركماني

بريطانيا: 21/6/1433- 12/5/2012.