تدارس القرآن قبل رفعه



اورد العلامة الألباني تحت هذا العنوان :
87 – ( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام و لا صلاة و لا نسك و لا صدقة و ليسرى على كتاب الله عز و جل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية و تبقى طوائف من الناس : الشيخ الكبير و العجوز ، يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة : " لا إله إلا الله " فنحن نقولها ) ( 1).

( يدرس ) من درس الرسم دروسا : إذا عفا و هلك .
( وشي الثوب ) نقشه .

من فوائد الحديث :

و في هذا الحديث نبأ خطير و هو أنه سوف يأتي يوم على الإسلام يمحى أثره و على القرآن فيرفع فلا يبقى منه و لا آية واحدة ، و ذلك لا يكون قطعا إلا بعد أن يسيطر الإسلام على الكرة الأرضية جميعها و تكون كلمته فيها هي العليا . كما هو نص قول الله تبارك و تعالى ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله ) و كما شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في أحاديث كثيرة سبق ذكر بعضها في المقال الأول من هذه المقالات ( الأحاديث الصحيحة ) ( 2) .

و ما رفع القرآن الكريم في آخر الزمان إلا تمهيدا لإقامة الساعة على شرار الخلق الذين لا يعرفون شيئا من الإسلام البتة ، حتى و لا توحيده !

و في الحديث إشارة إلى عظمة القرآن و أن وجوده بين المسلمين هو السبب لبقاء دينهم و رسوخ بنيانه و ما ذلك إلا بتدارسه و تدبره و تفهمه و لذلك تعهد الله تبارك و تعالى بحفظه إلى أن يأذن الله برفعه .

فما أبعد ضلال بعض المقلدة الذين يذهبون إلى أن الدين محفوظ بالمذاهب الأربعة و أنه لا ضير على المسلمين من ضياع قرآنهم لو فرض وقوع ذلك ! ! هذا ما كان صرح لي به أحد كبار المفتين من الأعاجم و هو يتكلم العربية الفصحى بطلاقة و ذلك لما جرى الحديث بيني و بينه حول الاجتهاد و التقليد .

قال - ما يردده كثير من الناس - : إن الاجتهاد أغلق بابه منذ القرن الرابع !

فقلت له : و ماذا نفعل بهذه الحوادث الكثيرة التي تتطلب معرفة حكم الله فيها اليوم ؟

قال : إن هذه الحوادث مهما كثرت فستجد الجواب عنها في كتب علمائنا إما عن عينها أو مثلها.

قلت : فقد اعترفت ببقاء باب الاجتهاد مفتوحا و لا بد !

قال : و كيف ذلك ؟

قلت : لأنك اعترفت أن الجواب قد يكون عن مثلها لا عن عينها و إذ الأمر كذلك فلابد من النظر في كون الحادثه في هذا العصر هي مثل التي أجابوا عنها و حين ذلك فلا مناص من استعمال النظر و القياس و هو الدليل الرابع من أدلة الشرع و هذا معناه الاجتهاد بعينه لمن هو له أهل ! فكيف تقولون بسد بابه ؟ ! و يذكرني هذا بحديث آخر جرى بيني و بين أحد المفتين شمال سورية ، سألته : هل تصح الصلاة في الطائرة ؟

قال : نعم .

قلت : هل تقول ذلك تقليدا أم اجتهادا ؟

قال : ماذا تعني ؟

قلت : لا يخفى أن من أصولكم في الإفتاء أنه لا يجوز الإفتاء باجتهاد بل اعتمادا على نص من إمام فهل هناك نص بصحة الصلاة في الطائرة ؟

قال : لا .

قلت : فكيف إذن خالفتم أصلكم هذا فأفتيتم دون نص ؟

قال : قياسا .

قلت : ما هو المقيس عليه ؟
قال : الصلاة في السفينة .

قلت : هذا حسن و لكنك خالفت بذلك أصلا و فرعا ، أما الأصل فما سبق ذكره و أما الفرع فقد ذكر الرافعي في شرحه أن المصلي لو صلى في أرجوحة غير معلقة بالسقف و لا مدعمة بالأرض فصلاته باطلة .

قال : لا علم لي بهذا .

قلت : فراجع الرافعي إذن لتعلم أن ( فوق كل ذي علم عليم ) ، فلو أنك تعترف أنك من أهل القياس و الاجتهاد و أنه يجوز لك ذلك و لو في حدود المذهب فقط لكانت النتيجة أن الصلاة في الطائرة باطلة لأنها هي التي يتحقق فيها ما ذكره الرافعي من الفرضية الخيالية يومئذ .

أما نحن فنرى أن الصلاة في الطائرة صحيحة لا شك في ذلك و لئن كان السبب في صحة الصلاة في السفينة أنها مدعمة بالماء بينها و بين الأرض ، فالطائرة أيضا مدعمة بالهواء بينها و بين الأرض .
و هذا هو الذي بدا لكم في أول الأمر حين بحثتم استقلالا و لكنكم لما علمتم بذلك الفرع المذهبي صدكم عن القول بما أداكم إليه بحثكم ! ؟

أعود إلى إتمام الحديث مع المفتي الأعجمي قلت له : و إذا كان الأمر كما تقولون : إن المسلمين ليسوا بحاجة إلى مجتهدين لأن المفتي يجد الجواب عن عين المسألة أو مثلها فهل يترتب ضرر ما لو فرض ذهاب القرآن ؟

قال : هذا لا يقع .

قلت : إنما أقول : لو فرض.

قال : لا يترتب أي ضرر لو فرض وقوع ذلك !

قلت : فما قيمة امتنان الله عز و جل إذن على عباده بحفظ القرآن حين قال : ( إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون ) إذا كان هذا الحفظ غير ضروري بعد الأئمة؟ !

و الحقيقة أن هذا الجواب الذي حصلنا عليه من المفتي بطريق المحاورة ، هو جواب كل مقلد على وجه الأرض و إنما الفرق أن بعضهم لا يجرؤ على التصريح به و إن كان قلبه قد انطوى عليه .

نعوذ بالله من الخذلان .

فتأمل أيها القارىء اللبيب مبلغ ضرر ما نشكو منه لقد جعلوا القرآن في حكم المرفوع و هو لا يزال بين ظهرانينا و الحمد لله ، فكيف يكون حالهم حين يسرى عليه في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ؟ ! فاللهم هداك .

حكم تارك الصلاة :
هذا و في الحديث فائدة فقهية هامة و هي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة و لو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة و غيرها و من المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك الصلاة خاصة مع إيمانه بمشروعيتها فالجمهور على أنه لا يكفر بذلك بل يفسق و ذهب أحمد إلى أنه يكفر و أنه يقتل ردة لا حدا و قد صح عن الصحابة رضي الله عنهم : " أنهم كانوا لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" . رواه الترمذي و الحاكم .

و أنا أرى أن الصواب رأي الجمهور و أن ما ورد عن الصحابة ليس نصا على أنهم كانوا يريدون بـ ( الكفر ) هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار و لا يحتمل أن يغفره الله له ، كيف ذلك و هذا حذيفة بن اليمان - و هو من كبار أولئك الصحابة - يرد على صلة بن زفر و هو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له فيقول : ما تغني عنهم لا إله إلا الله و هم لا يدرون ما صلاة .... " فيجيبه حذيفة بعد إعراضه عنه : " يا صلة تنجيهم من النار ثلاثا " .

فهذا نص من حذيفة رضي الله عنه على أن تارك الصلاة ، و مثلها بقية الأركان ليس بكافر بل هو مسلم ناج من الخلود في النار يوم القيامة .
فاحفظ هذا فإنه قد لا تجده في غير هذا المكان .

و في الحديث المرفوع ما يشهد له و لعلنا نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى .

ثم وقفت على " الفتاوى الحديثية " ( 84 / 2 ) للحافظ السخاوي ، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة و هي مشهورة معروفة :" و لكن كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحدا لوجودها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين ، لأنه يكون حينئذ كافرا مرتدا بإجماع المسلمين فإن رجع إلى الإسلام قبل منه و إلا قتل . و أما من تركها بلا عذر بل تكاسلا مع اعتقاد وجوبها ، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر و أنه – على الصحيح أيضا - بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري كأن يترك الظهر مثلا حتى تغرب الشمس أو المغرب حتى يطلع الفجر - يستتاب كما يستتاب المرتد ثم يقتل إن لم يتب و يغسل و يصلى عليه و يدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه . و يؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه .
و هو وجوب العمل ،جمعا بين هذه النصوص و بين ما صح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "خمس صلوات كتبهن الله .....
- فذكر الحديث
و فيه :" إن شاء عذبه ، و إن شاء غفر له ".

و قال أيضا : " من مات و هو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " إلى غير ذلك .
و لهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة و يورثونه و لو كان كافرا لم يغفر له و لم يرث و لم يورث " .

و قد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله في " حاشيته على المقنع " ( 1 / 95 - 96 ) و ختم البحث بقوله : " و لأن ذلك إجماع المسلمين ، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدا من تاركي الصلاة ترك تغسيله و الصلاة عليه و لا منع ميراث موروثه مع كثرة تاركي الصلاة و لو كفر لثبتت هذه الأحكام .

و أما الأحاديث المتقدمة فهي على وجه التغليظ و التشبيه بالكفار لا على الحقيقة كقوله عليه الصلاة و السلام :" سباب المسلم فسوق و قتاله كفر " و قوله : " من حلف بغير الله فقد
أشرك " و غير ذلك .
قال الموفق : و هذا أصوب القولين " .

أقول : نقلت هذا النص من " الحاشية " المذكورة ، ليعلم بعض متعصبة الحنابلة أن الذي ذهبت إليه ليس رأيا لنا تفردنا به دون أهل العلم ، بل هو مذهب جمهورهم و المحققين من علماء الحنابلة أنفسهم كالموفق هذا و هو ابن قدامة المقدسي و غيره ، ففي ذلك حجة كافية على أولئك المتعصبة تحملهم إن شاء الله تعالى على ترك غلوائهم و الاعتدال في حكمهم . بيد أن هنا دقيقة قل من رأيته تنبه لها أو نبه عليها ، فوجب الكشف عنها و بيانها :

فأقول : إن التارك للصلاة كسلا إنما يصح الحكم بإسلامه ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه ، أو يدل عليه ، و مات على ذلك ، قبل أن يستتاب كما هو الواقع في هذا الزمان ، أما لو خير بين القتل و التوبة بالرجوع إلى المحافظة على الصلاة ، فاختار القتل عليها فقتل ، فهو في هذه الحالة يموت كافرا و لا يدفن في مقابر المسلمين و لا تجري عليه أحكامهم خلافا لما سبق عن السخاوي لأنه لا يعقل - لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها هذا أمر مستحيل ، معروف بالضرورة من طبيعة الإنسان ، لا يحتاج إثباته إلى برهان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في " مجموعة الفتاوى " ( 2 / 48 ) : " و متى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل ، لم يكن في الباطن مقرا بوجوبها و لا ملتزما بفعلها و هذا كافر باتفاق المسلمين ، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا ، و دلت عليه النصوص الصحيحة .... فمن كان مصرا على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط ، فهذا لا يكون قط مسلما مقرا بوجوبها ، فإن اعتقاد الوجوب و اعتقاد أن تاركها يستحق القتل هذا داع تام إلى فعلها و الداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور فإذا كان قادرا و لم يفعل قط علم أن الداعي في حقه لم يوجد " .
قلت : هذا منتهى التحقيق في هذه المسألة والله ولي التوفيق.




السلسة الصحيحة (ج1_ص 171_ ص178) القسم الأول .

_________________
(1 ) أخرجه ابن ماجه ( 4049 ) و الحاكم ( 4 / 473 ) من طريق أبي معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان مرفوعا به ، و زاد : " قال صلة بن زفر لحذيفة : ما تغني عنهم لا إله إلا الله و هم لا يدرون ما صلاة و لا صيام و لا نسك و لا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة ، ثم ردها عليه ثلاثا ، كل ذلك يعرض عنه حذيفة ، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : يا صلة ! تنجيهم من النار ثلاثا " .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي .
قلت : و هو كما قالا . و قال البوصيري في " الزوائد " ( ق 247 / 1 ) : " إسناده صحيح ، رجاله ثقات "
( 2) بعنوان : " المستقبل للإسلام " وهي أول بحث في هذه السلسلة الصحيحة .

__________________