الشيخ: أحمد برعود.

التجارة في نظر الإسلام وسيلة من وسائل الكسب المشروع، بل ومن أفضل المكاسب بعد كسب النبي صلى الله عليه وسلم - وهو الغنيمة - والتجارة عمل مبروك إذا استوفت شروطها، وتستمد بركتها من:

أولاً: اشتمالها معنى التوكل:

فإن الذي يتاجر في الغالب متوكل على الله تعالى، فهو لا يضمن ربحاً معيناً أو خسارة، بخلاف الذي يعمل بأجر يومي أو شهري، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق:3].

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً -جياعاً- وتروح بطاناً» أي: شباعاً، [رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم:310].
فالله تعالى تكفّل بحفظه ورزقه للمتوكل، والواقع المعاش خير شاهد، فإن أصحاب رؤوس الأموال -وهم التجار الكبار- ما بلغوا ذلك إلا مروراً بالتجارة الصغيرة -البيع والشراء- حتى صاروا تجّاراً كباراً.
ثانياً: أن القرآن أطلق على التجارة وصفاً جميلاً فسماها فضلاً من الله:
فقال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل:20]. وقال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198] نزلت في موسم الحج. وقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة:10].
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " ليس هناك مكان أحب أن يأتيني الموت فيه بعد الجهاد في سبيل الله إلا أن أكون في سوق أبيع وأشتري من أجل عيالي ".
وأخذ هذا القول من قول الله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل:20].
ثالثاً: أن الله قد امتنَّ على قريش أن كانت لهم تجارة في الشتاء والصيف:
يرتحلون من أجلها إلى الشام واليمن، فقال الله تعالى: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:1-4]، وقال سبحانه: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص:57].
رابعاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عمل بها بعد الرعي:
حين بلغ مبلغ الرجال حيث كان صلى الله عليه وسلم يتاجر في مال خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
خامساً: بشارة النبي صلى الله عليه وسلم للتاجر الصدوق:
قال صلى الله عليه وسلم: «التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء» [رواه الترمذي وقال حديث حسن]، وهذا التاجر الذي يلتزم الأمانة والصدق في بيعه وشرائه وفي سائر معاملاته، وقد ورد هذا في حديث رواه الأصفهاني والبيهقي من حديث معاذ بن جبل وأشار المنذري إلى ضعفه: «إن أطيب الكسب كسب التجار: الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذمّوا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا» [وضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم: 1390].
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» [روياه من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه].
ولكنّ التجارة لها آفة، وهي أن لا يبالي التاجر إلا الكسب حلالاً كان أم حراماً، فإن كان كذلك كان يوم القيامة من الفجّار، لما رواه أحمد والحاكم والبيهقي -عن عبد الرحمن بن شبل- والطبراني عن معاوية، وصححه الألباني في صحيح الجامع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن التجار هم الفجّار»، وفي رواية عند الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وابن ماجة وابن حبان والحاكم، وقال صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجّاراً، إلاّ من اتقى الله وبرّ وصدق».
فالتاجر الذي يستحق مرضات الله، وينجو من الآفات التي يقع فيها معظم التجّار فهو التاجر الذي تتوفر فيه هذه الشروط:
الشرط الأول: أن يتاجر في المباح ولا يتاجر فيما يحرم شرعاً:
كالخمر أو ما فيه ضرر كالتنباك والتدخين والقات ونحوه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» [رواه مالك والحاكم والبيهقي والدار قطني وابن ماجه وأحمد وغيرهم، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة رقم: 250].
الشرط الثاني: ألاّ يغشَّ ولا يخون:
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من غش فليس منّا» [رواه مسلم]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» [رواه البخاري ومسلم].
الشرط الثالث: ألاّ يحتكر:
لأن الاحتكار حرام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحتكر إلا خاطئ» [رواه مسلم وأبو داود]، ويتناول هذا كل سلعة يحتاج إليها المسلمون، ووصفه أنه "خاطئ" ليس هيّناً، وقد وصف الله فرعون وهامان وجنودهما فقال: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص:8].
الشرط الرابع: ألاّ يحلف كاذباً:
فإن الحلف كاذباً حرامٌ، وأشده حرمة من أجل الكسب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنّان الذي لا يعطي شيئاً إلا منّة، والمنفق سعلته بالحلف الكاذب» [رواه مسلم عن أبي ذر].
الشرط الخامس: ألا يرفع الأسعار:
ألا يرفع الأسعار على المسلمين على السعر المحدد أو استغلال حاجة المسلمين ليربح أرباحاً فاحشة أكثر من المعقول والمعروف.
الشرط السادس: الحرص على إخراج زكاة المال:
يقوّم بضاعته كل عام ويزكيها بنسبة ربع العشر، أي: 2,5%، في كل ما هو معد للبيع، ويصرفها كما أمر الله تعالى في الأصناف الثمانية، فلا يترك للشيطان مجالاً للوسوسة وللأمر بالفحشاء والتخويف من الفقر، كما قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268]. وقوله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ:39].
الشرط السابع: ألاّ تشغله تجارته عن واجباته الدينية:
أن لا تشغله عن ذكر الله، وعن الصلاة، وعن الزكاة، وعن الحج، وعن بر الوالدين، وعن صلة الأرحام، وعن الإحسان إلى الناس، فهذه صفة التاجر الصدوق الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه: «التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء» [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن].
أن مَثَل هؤلاء مَثَل من وصفهم الله تعالى بقوله: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور:37-38].
وبعد بيان بركة التجارة وشروطها لعل البعض يسأل أو يتساءل: لماذا الحديث عن التجارة؟ فأقول -وبالله التوفيق- :
الحديث عن التجارة لثلاثة أسباب:
السبب الأول: لجهل كثير من الناس ببركتها، فأحببت أن أبين بركتها.
السبب الثاني: اتجاه كثير من الشباب نحو التوظيف الحكومي، فإن لم يوجد فالمؤسسي، حتى صار عند بعضهم هماً لا ينفك عنه حتى يتوظف! مع أن الوظائف- كما قال البعض- تضعف التوكل على الله، وليس ذلك تزهيداً في الوظائف، ولكن أن لا تكون هدفاً وغاية، وكأن الدولة هي الرازقة والمعطية والمانعة، والله تعالى هو الرازق ذو القوة المتين، كما قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَه َا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود:6].
فلا بأس أن يبحث الإنسان عن الوظيفة ويفكّر في وسيلة للتكسب، كما قال أحد الحكماء: "اشتغل حمالاً ويكون هدفك أن تكون تاجراً".
السبب الثالث: تزايد عدد العاطلين:
فالذي يقول: "لا يوجد عمل" هذا غير منطقي؛ فالأعمال موجودة، ولكنّ تحتاج إلى حركة وتفكير وتدبير، ولكن إذا قال: "لا أجد عملاً أنا أريده" فهذا معقول، وليس بالإمكان أن يجد الإنسان كل ما يريده، كما قال الشاعر:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه *** تأتي الرياح بما لا تشتهي السفنُ
فلابد للإنسان أن يفكّر إلى ما يعود له بالكسب الحلال، وكما قيل: "الحاجة أم الاختراع" نسأل الله تعالى أن يصلحنا ويصلح بلادنا وشبابنا ونساءنا وجميع المسلمين، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه، ويرزقنا من فضله.

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
موقع منبر علماء اليمن:
olamaa-yemen.net/main/articles.aspx?selected_article _no=13437