دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر ) - الصفحة 3
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 61

الموضوع: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس السادس والعشرون )

    تتمة أقسام النسخ

    قد مرّ عليك أن النسخ يقسّم عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة وقد قسمناه في الدرس السابق باعتبار نوع المنسوخ وسنقسمه هنا قسمة أخرى، وهي تقسيمه باعتبار نوع الناسخ وهو ينقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
    1- نسخ كتاب بكتاب، مثل ما ذكرناه من آيتي العدة عن الوفاة.
    2- نسخ سنة بسنة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ) رواه مسلم.
    فالحكم الأول المنسوخ تحريم زيارة القبور، والحكم الثاني الناسخ جواز زيارة القبور، وكلا الحكمين ثبت بالسنة.
    3- نسخ سنة بكتاب، مثل ما ذكرناه من نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة بآية استقبال القبلة.
    أما نسخ الكتاب بالسنة فهو غير واقع.
    ثم إن السنة منها آحاد ومنها متواتر، أما القرآن فهو متواتر.
    فالمتواتر هو: ما رواه جمع عن جمع يحيل العقل تواطئهم على الكذب.
    مثل: أن هارون الرشيد كان أحد خلفاء بني العباس فهذا الأمر رواه وحدث به جمع من الناس عن جمع من الناس وكانوا من الكثرة بحيث يقول العقل: إن اتفاقهم على الكذب أمر محال، وذلك لاختلاف بلدانهم وأماكنهم مع عدم وجود الداعي إلى الكذب فمثل هذا يعد متواترا.
    وكذا في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يرويه عنه جماعة من الصحابة ويرويه عنهم جماعة من التابعين ويرويهم عنهم جماعة من تابع التابعين وهكذا بحيث يصل الناظر والمحدث إلى أن هذا الحديث لا شك ولا ريب في صدروه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ( من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) رواه البخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة.
    أما حديث الآحاد فهو: ما ليس بمتواتر.
    مثل أن يروي الحديثَ واحدٌ عن واحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو أكثر من واحد ولكن لا يبلغ مبلغ التواتر.
    والحديث المتواتر يفيد القطع واليقين، وحديث الآحاد يفيد الظن الراجح في النفس، وكلما ازداد رواته الثقات كلما اطمأنت النفس.
    فإذا علم أن السنة تنقسم إلى متواتر وآحاد فحينئذ ينقسم نسخ السنة بالسنة إلى أربعة أقسام محتملة عقلا وهي:
    1- نسخ متواتر من السنة بمتواتر من السنة.
    2- نسخ آحاد من السنة بآحاد من السنة.
    3- نسخ متواتر من السنة بآحاد من السنة.
    4- نسخ آحاد من السنة بمتواتر من السنة.
    وهذه الحالات الأربع لم يذكروا لها أي مثال سوى نسخ الآحاد بالآحاد مثل حديث كنت نهيتكم عن زيارة القبور وغيره، أما البقية فليست بواقعة وحالة نسخ المتواتر بالآحاد رفضها كثير من العلماء لأن المتواتر قطعي فكيف ينسخ بظني وهو الآحاد!. والله أعلم.
    فإذا رجعنا إلى الحالات الثلاث السابقة فنجد ما يلي:
    1- نسخ الكتاب بالكتاب ( لا يكون فيه إلا نسخ متواتر بمتواتر؛ لأن القرآن متواتر ).
    2- نسخ السنة بالسنة ( تحتمل أربع أقسام ذكرناها ولكن الواقع منها حالة واحدة وهي نسخ آحاد بآحاد )
    3- نسخ السنة بالكتاب ( تحتمل حالتين أن تكون السنة المنسوخة متواترة وأن تكون آحادا)
    مثل: نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة المتواترة بآية قرآنية، فهنا قرآن نسخ سنة متواترة.
    ومثل نسخ حرمة الأكل والشرب بعد النوم في ليالي رمضان الثابت بحديث الآحاد بقوله عزّ وجلّ ( أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) فهنا قرآن نسخ سنة آحاد.
    وذلك أنه كان في مبدأ الأمر أن الصائم إذا صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع كما قال ابن عباس رضي الله عنهما (كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة ) رواه أبو داود، والعتمة صلاة العشاء، والقابلة أي إلى الليلة التالية.
    فهذا حديث آحاد نسخ بقرآن.

    ( تعليقات على النص )

    (ويجوزُ نسخُ المتواترِ بالمتواترِ منهما) أي من الكتاب والسنة فينسخ القران بالقرآن، وينسخ متواتر السنة بالقرآن، وينسخ متواتر السنة بالمتواتر من السنة ولم يعلم له مثال وأما نسخ متواتر القرآن بالمتواتر من السنة فلا يقع ( ونسخُ الآحادِ بالآحادِ ) كحديث كنت نهيتكم عن زيارة القبور ( وبالمتواترِ ) أي وينسخ الآحاد بالمتواتر كنسخ النهي عن الأكل والجماع بعد العشاء في رمضان الثابت بحديث الآحاد بقوله تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ( ولا يجوزُ نسخُ المتواترِ بالآحاد ِ) لأن الآحاد دون المتواتر في القوة.


    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم قسّم النسخ باعتبار نوع المنسوخ ؟
    2- قسّم النسخ باعتبار نوع الناسخ ؟
    3- مثل بمثال للنسخ ؟

    ( التمارين )

    بيّن موضع النسخ ونوعه في النصوص التالية؟
    1- قال الله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) وقال تعالى: ( الآن خففَ الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين).
    2- ( رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أَوطاس في المتعة ثلاثًا ثم نهى عنها). رواه مسلم.
    3- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنما الماء من الماء ) رواه مسلم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) رواه البخاري.
    4- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا وادخروا ما بدا لكم) رواه الترمذي.


    .............................. .............................. .............................. .....................
    1- نسخ وجوب مصابرة العدو إذا كانوا عشرة أضعاف إلى وجوب مصابرتهم إذا كانوا ضعفا واحدا، ونوع النسخ باعتبار المنسوخ هو نسخ حكم ببدل أخف منه، وباعتبار الناسخ هو نسخ كتاب بكتاب.
    2- نسخ إباحة المتعة إلى حرمة المتعة، ونوع النسخ باعتبار المنسوخ هو نسخ حكم ببدل أغلظ منه، وباعتبار الناسخ هو نسخ سنة بسنة.
    3- نسخ عدم وجوب الغسل إذا لم ينزل إلى وجوب الغسل، ونوع النسخ باعتبار المنسوخ هو نسخ حكم ببدل أغلظ منه، وباعتبار الناسخ هو نسخ سنة بسنة.
    4- نسخ حرمة ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث إلى إباحة ذلك، ونوع النسخ باعتبار المنسوخ هو نسخ حكم ببدل أخف منه وباعتبار الناسخ هو نسخ سنة بسنة.

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    حديث "شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد"وحديث "خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد "
    كيف يجمع بينهما ؟
    كذلك أتي بلفظ آخر وهو الذي رواه مسلم "ألا أخبركم بخير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها "
    جزاكم الله خيرا
    سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
    قال وهيب بن الورد:إن استطعـــت ألا يسبقك الى الله أحـــد فافعل

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة دعوة إلى الله مشاهدة المشاركة
    حديث "شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد"وحديث "خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد "
    كيف يجمع بينهما ؟
    كذلك أتي بلفظ آخر وهو الذي رواه مسلم "ألا أخبركم بخير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها "
    جزاكم الله خيرا
    نعم الجمع بينهما بحمل كل واحد منهما على حال غير حال الآخر فيرتفع التعارض.
    وذلك بأن تحمل الخيرية على ما إذا كان المشهود له لا يعلم بوجود شاهد لمصلحته فيبادر بشهادته لتعرف الحقوق ولا تضيع.
    وتحمل الشرية على ما إذا كان المشهود له عالما بذلك الشاهد ولم يطلب منه الشهادة وإنما تطفل بها من غير طلب.
    كذا حمله العلامة المحلي وغيره.
    والله أعلم.

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    جزاكم الله خيرا
    سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
    قال وهيب بن الورد:إن استطعـــت ألا يسبقك الى الله أحـــد فافعل

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس السابع والعشرون )

    فصل في التعارض بين الأدلة

    يراد بالتعارض بين الأدلة هو التنافي بين مدلولاتها، وهو غير موجود في الأدلة الشرعية بحسب الحقيقة والواقع لأنها من عند الله سبحانه وتعالى، وإنما يحصل التعارض في ذهن الناظر فيها لقصور البشر ، وإذا حصل هذا التعارض لزم الفقيه البحث عن وسيلة صحيحة لرفع هذا التعارض من الذهن.
    وهذه الوسيلة محصورة في ثلاث طرق مترتبة لا ينتقل إلى المرتبة التالية مع إمكان التي قبلها وهي:
    ( الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح ).
    أولا: الجمع ومعناه: الجمع بين المتعارضين والتوفيق بين الدليلين. وللجمع ثلاث طرق هي:
    1- يحمل العام على الخاص، 2- يحمل المطلق على المقيِّد، 3- تأويل الدليلين بحمل كل منهما على حال بحيث لا يبقى أي تعارض بينهما.
    مثال الحالة الأولى: قوله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) فيقتضي بعمومه أن المطلقة الحامل تلزم ثلاثة قروء، وقوله تعالى: ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) يقتضي أن عدة الحامل المطلقة وضع الحمل فتعارض العام والخاص فنحمل العام على الخاص أي نستثني منه الصورة الخاصة.
    وقد تكلمنا من قبل على العام والخاص.
    ومثال الحالة الثانية: قوله تعالى: ( حرمت عليكم الميتة والدم ) فالدم مطلق يشمل المسفوح وغير المسفوح، وقال تعالى: ( قل لا أجد فيما أوحيّ إليّ محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ) فدل بمفهوم المخالفة أنه لا يحرم غير الدم المسفوح لأنه مقيد بصفة السفح، فتعارض المطلق والمقيد فنحمل المطلق على المقيد أي نستنسخ القيد ونضعه في المطلق فيرتفع التعارض. وقد تكلمنا من قبل على المطلق والمقيد.
    ومثال الحالة الثالثة: قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ) متفق عليه فدل على تحريم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، وورد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة ) متفق عليه، فدل على جواز استدبار القبلة بالحاجة، وقد جمع بينهما بحمل النهي على الفضاء وعدم الساتر، وحمل الجواز على البنيان ووجود الساتر.
    ثانيا: النسخ فإذا لم نتمكن من الجمع بين الدليلين فننظر في التاريخ ونلجأ إلى النسخ ومثاله: عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أفطر الحاجم والمحجوم) رواه أبو داود وغيره وهو صحيح، وروى ابن عباس رضي الله عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم) رواه البخاري، وحديث ابن عباس متأخر في الزمن عن حديث شداد ولم يمكن الجمع بينهما فحمل على أن الثاني ناسخ للأول. وقد تقدم الكلام على النسخ مفصلا.
    ثالثا: الترجيح فإذا لم نتمكن من الجمع بين الدليلين، ولم نعرف المتقدم من المتأخر في الزمن كي نحمله على النسخ، فحينئذ لم يبقى بأيدينا سوى الترجيح وهو تقديم أحد الدليلين وترك الآخر.
    وهو تارة يكون من جهة النقل،وتارة من جهة المعنى، فأما ما يكون من جهة النقل فهو خاص بالأحاديث النبوية، لأن القرآن نقل إلينا بالتواتر ولا نعني بالترجيح بالنقل هو أن يكون أحدهما صحيحا والآخر ضعيفا، لأنه لا تعارض أصلا بين صحيح وضعيف، لأن الضعيف لم يثبت فكيف يقوى على معارضة الثابت؟!.
    وإنما نعني أن يكونا ثابتين من جهة الصنعة الحديثية، ولكن أحدهما أصح وأقوى سندا فحينئذ ما دمنا لم نستطع الجمع بينهما ولا القول بأن أحدهما قد نسخ الآخر ليس بأيدينا سوى أن نأخذ بالأقوى ونطرح الثاني.
    وأما ما يكون من جهة المعنى فكالترجيح بالأحوط، مثل قوله تعالى: ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) فقوله ( أو ما ملكت أيمانكم ) يفيد حل الإماء عموما ومنه أن يجمع السيد بين أختين أمتين، ولكن قوله تعالى ( وأن تجمعوا بين الأختين ) يفيد حرمة نكاح الأختين معا أي كل أختين حرتين أو أمتين،فتعارضت الآيتان ولم يمكن الجمع بينهما ولا نعلم تاريخا للتقدم والتأخر فقدمنا مدلول الثانية لأنه أحوط.

    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم كيف يجمع بين النصين المتعارضينِ ؟
    2- ما هو معنى الترجيح ؟
    3- اذكر مثالا للجمع بين النصوص المتعارضة ؟

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الثامن والعشرون )

    أنواع التعارض

    قد مر عليك مجمل بحث التعارض بين النصوص وكيفية التعامل معه، ونريد أن نبين هنا أنواع ذلك التعارض من حيث العموم والخصوص وهي أربعة:
    أولا: التعارض بين نصين عامين أي متساويين في العموم بحيث تكون أفرادهما واحدة، ولكن يثبت لأحدهما خلاف ما يثبت للآخر فيقع التعارض بينهما مثل: ( أكرم الرجال ) و ( لا تكرم الرجال ) فالرجال في النصين عام ولكن طلب الإكرام لهم في نص، وعدم الإكرام في نص آخر فحصل التعارض.
    فإذا وقع التعارض على هذه الصفة فهنا ثلاث حالات:
    1- أن يمكن الجمع بين المتعارضين بحمل أحدهما على حال وحمل الآخر على حال بحيث يزول التعارض فيجب الجمع حينئذ إعمالا للنصين.
    مثال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ) رواه أبو داود وغيره وهو صحيح و يقتضي إباحة كل إهاب دبغ لأن أي من صيغ العموم، وقد تعارض مع قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ) رواه أحمد وغيره وهو صحيح ويقتضي عدم إباحة الانتفاع بأي إهاب لأن إهاب نكرة وقع في سياق نهي فيعم، وجمع بينهما بأن الإهاب في اللغة هو اسم للجلد الذي لم يدبغ فيباح الانتفاع بالإهاب إذا دبغ ولا يباح الانتفاع بالإهاب إذا لم يدبغ.
    2- أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين ولكن يعلم المتقدم والمتأخر فحينئذ يحمل على النسخ.
    مثال: قال الله تعالى: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج) نسخت بقوله تعالى: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) فهنا الذين يتوفون منكم لفظ عام في النصين ولم يمكن الجمع بينهما وقد علمنا أن الذي نزل أولا على النبي صلى الله عليه وسلم الآية الأولى فجعلناها منسوخة بالآية الثانية المتأخرة.
    3- أن لا يمكن الجمعُ بين المتعارضينِ ولا يعلم المتقدم من المتأخر فحينئذ يصار إلى الترجيح.
    مثال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن مسّ ذكرهُ فليتوضأ. رواه أبو داود وغيره وهو صحيح، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يمسُّ ذكره أعليه الوضوء ؟ فقال: لا إنما هو بُضْعَةٌ منكَ. رواه أحمد وغيره.
    فالحديثان المتعارضان عامان يتناولان كل رجل يمس ذكره فرجحنا حديث النقض لأنه أصح وأحوط للعبادة.
    ثانيا: التعارض بين نصين خاصين أي متساويين في الخصوص بأن يكون اللفظ في النصين ليس من ألفاظ العموم مثل: ( أكرمْ زيداً ) و ( لا تكرمْ زيداً ) أو إن زيدا شجاع، وإنّ زيدا ليس بشجاع.
    ولهما نفس الأحوال التي مرّت في العام وهي:
    1- أن يمكن الجمع بين المتعارضين بحمل أحدهما على حال وحمل الآخر على حال بحيث يزول التعارض فيجب الجمع حينئذ إعمالا للنصين.
    مثال: قال الله تعالى: ( إنّك لا تهدي مَن أحببتَ ) وقال تعالى: ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ).
    فهذا نصان خاصان لأن موضوعهما خاص وهو شخص النبي صلى الله عليه وسلم وقد حمل عليه الهداية مرة، وحمل عليه عدم الهداية، والجمع بينهما متيسر بحمل الهداية المنفية على هداية التوفيق للإيمان، والهداية المثبتة على هداية الدلالة على الإيمان والصراط المستقيم من غير أن تكون له القدرة على قذف الهداية في قلوب الناس.
    2- أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين ولكن يعلم المتقدم والمتأخر فحينئذ يحمل على النسخ.
    مثال: قال الله تعالى: ( لا يحل لك النساء مِن بعد ولا أن تُبدِّل بهن مِن أزواج ولو أعجبك حسْنُهُنَّ إلا ما ملكت يمينك ) فهي تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل له الزواج على نسائه التي عنده ثم نسخت بقوله تعالى: ( يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ... ).
    فهاتان الآيتان موضوعهما خاص وهو النبي صلى الله عليه وسلم وقد أفادت الأولى حرمة الزواج الجديد وأحللته الآية الأخرى بدليل قول عائشة رضي الله عنها : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء. رواه الترمذي وقال حسن صحيح.
    3- أن لا يمكن الجمعُ بين المتعارضينِ ولا يعلم المتقدم من المتأخر فحينئذ يصار إلى الترجيح.
    مثال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم. رواه البخاري ومسلم، وقد تعارض هذا الخبر مع قول ميمونة رضي الله عنها: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حلال. رواه مسلم، فهذان حديثان متعارضان خاصان بزواج النبي صلى الله عليه وسلم وقد رجح حديث ميمونة لأنها هي صاحبة الزواج فهي أعلم من غيرها، ولذا نقول إن الراجح هو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما تزوج ميمونة وهو حلال وليس محرما.


    ( تعليقات على النص )

    ( إذا تعارضَ نُطقانِ ) قد سبق في كلام المصنف تفسير النطق بقول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم (فلا يخلو إما أن يكونا عامينِ، أو خاصينِ، أو أحدُهما عاماً والآخرُ خاصاً، أو كلُ واحدٍ منهما عاماً من وجهٍ وخاصاً من وجهٍ ) هذا إجمال وسيأتي التفصيل ( فإنْ كانا عامينِ ) أي متساويين في العموم بأن يصدق كل منهما على ما يصدق عليه الآخر مثل أكرم الرجال، ولا تكرم الرجال ( فإنْ أمكنَ الجمعُ بينهما جُمِعَ ) بحمل كل منهما على معنى غير ما حمل عليه الآخر ( وإن لم يمكنْ الجمعُ بينهما يتوقفُ فيهما إنْ لم يعلمِ التاريخُ ) أي توقف في العمل بالدليلين ما لم يظهر مرجح لأحدهما على الآخر فإن ظهر مرجح عمل به، ثم إن التوقف أمر نسبي فإنه قد يتوقف مجتهد بينما لا يتوقف آخر لظهور مرجح عنده ( فإن علمَ التاريخُ نُسِخَ المتقدمُّ بالمتأخرِ ) والخلاصة هي أنه يلجأ للجمع، ثم للنسخ إن علم التاريخ، ثم للترجيح إن ظهر مرجح، ثم للتوقف إن لم يظهر له مرجح ( وكذلكَ إنْ كانا خاصينِ ) أي متساويين في الخصوص بأن يصدق كل منهما على ما يصدق عليه الآخر مثل أكرم زيدا، ولا تكرم زيدا، فيلجأ إلى الجمع ثم النسخ ثم الترجيح ثم التوقف كما هو الحال في العامين.
    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما معنى العامين والخاصين ؟
    2- كيف يتصرف الفقيه إن حصل عنده تعارض بين عامين ؟
    3- كيف يتصرف الفقيه إن حصل عنده تعارض بين خاصين ؟

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Jul 2012
    المشاركات
    1

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    للأسف لم أنتبه للموضوع إلا متأخراً.

    هل من مزيد؟

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    بقي القليل ويتم الكتاب.
    نسأل الله التيسير.

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس التاسع والعشرون )

    تتمة أنواع التعارض

    ثالثا: التعارض بين نصين أحدهما عام والآخر خاص بأن يجتمعا في بعض الصور وينفرد أحدهما في صورة تخصه مثل: ( أكرم الرجال ) و ( لا تكرم البخلاء ) فكل بخيل رجل، وليس كل رجل بخيلا، فالمراد بالخاص هنا هو ما يشمل الخاص الإضافي الذي هو عام في نفسه ولكنه خاص بالنظر إلى ما هو أعم منه.
    فإذا وقع التعارض على هذه الصفة فنلجأ إلى تقديم الخاص على العام أي استثنائه من النص العام.
    مثال: قال الله تعالى: ( ولا تنكحوا المشركاتِ ) فيعم كل مشركة فيشمل اليهودية والنصرانية، ولكن قال تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب قبلكم ) أي يحل لكم الزواج بهن، فتعارض نص عام وهو المشركات مع نص خاص وهو المحصنات من الذين أوتوا الكتاب قبلكم، فنقدم الخاص على العام أي نخصص العام بالخاص ونقول: لا يحل الزواج من نساء المشركات إلا الحرائر من أهل الكتاب، فإن المحصنات هن الحرائر، وحينئذ تبقى إماء أهل الكتاب داخلات في عموم المشركات فلا يحل الزواج بهن.
    رابعا: التعارض بين نصين بينهما عموم وخصوص وجهي بأن يجتمعا في صورة وينفرد كل واحد منهما في صورة تخصه مثل: ( أكرمْ الرجالَ ) و ( لا تكرمْ أهل الإساءة ) أي من الرجال والنساء، فيتعارضان في الرجال المسيئين، وينفرد الأول في الرجال غير المسيئين، وينفرد الثاني في النساء غير المسيئات.
    فإذا وقع التعارض على هذه الصفة فهنا حالتانِ:
    1- أن يرتفع التعارض بتخصيص عموم كل منهما بخصوص الآخر فيصار إليه.
    مثال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ) رواه أبو داود وغيره وهو صحيح وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه ) رواه ابن ماجة وهو ضعيف بزيادة الاستثناء وصحيح بدونها، فالحديث الأول عام في المتغير وغيره ولكنه خاص بالقلتين، والثاني عام يشمل القلتين وما دونهما ولكنه خاص بالمتغير، فيجمع بينهما بتخصيص عموم كل منهما بخصوص الآخر فنقول إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث إلا إذا تغير، وإن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه.
    2- أن يرتفع التعارض بتخصيص عموم كل منهما بخصوص الآخر فيصار إلى الترجيح بينهما.
    مثال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَن بدل دينَه فاقتلوه ) روا البخاري، وجاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( نهى عن قتل النساء )، فالحديث الأول عام في كل مرتد رجلا كان أو امرأة خاص في الردة، والحديث الثاني عام في كل امرأة مرتدة كانت أو حربية، خاص في النساء، فتعارضا في المرأة المرتدة هل تقتل كما يقتضي الحديث الأول، أو لا تقتل كما يقتضي الحديث الثاني ؟
    فإذا أردنا الجمع بالطريقة السابقة قلنا من بدل دينه من الرجال فاقتلوه ، ونهي عن قتل النساء إلا المرتدات.
    فلم تفلح هذه الطريقة برفع التعارض لأنه يبقى التعارض قائما هل تقتل المرتدة أو لا؟
    فلا تنفع طريقة أن نخصص عموم كل منهما بخصوص الآخر فنلجأ للترجيح وذلك إما أن يخص عموم الأول فقط بخصوص الثاني ويصير المعنى من بدل دينه من الرجال فاقتلوه ويبقى عموم النهي عن قتل النساء على حاله بلا تخصيص، وإما أن يخص عموم الثاني فقط بخصوص الأول ويصير المعنى نهى عن قتل النساء إلا المرتدات ويبقى عموم من بدل دينه فاقتلوه على حاله بلا تخصيص.
    وقد رجح أن المرأة المرتدة تقتل أي يعمل بعموم الحديث الأول ويكون النهي عن قتل النساء خاص بالحربيات وسبب الترجيح هو أن حديث النهي عن قتل النساء جاء لسبب وهو حفظ حق الغانمين فيبقى الأول على عمومه ويخص الثاني بالحربيات.

    (تعليقات على النص )

    (وإن كان أحدُهما عاماً والآخرُ خاصاُ فيخصصُ العامُّ بالخاصِ ) والمراد بالخص هنا ما يشمل الخاص الإضافي (وإنْ كانَ أحدُهما عاماً من وجهٍ وخاصاً من وجهٍ ) أي يجتمعان في مثال وينفرد كل واحد منهما في مثال (فيخصُّ عمومُ كلِ واحدٍ منهما بخصوصِ الآخرِ ) مثال ذلك أن يقال أكرم الرجال ثم يقال لا تكرم أهل الكفر، فالرجال وأهل الكفر يجتمعان في الرجال الكفار، وينفرد الرجال في الرجال المؤمنين، وينفرد أهل الكفر في النساء الكافرات وحينئذ فبينهما عموم وخصوص من وجه فيجمع بينهما بأن نخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر فنقول: أكرم الرجال إلا الكفار منهم، ولا تكرم الكفار إذا كانوا رجالا فحينئذ لا بأس بإكرام المرأة الكافرة، هذا إذا ارتفع التعارض بذلك فإن لم يرتفع فيرجح أحدهما على الآخر.
    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما معنى التعارض بين عام وخاص، وبين عامين من وجه ؟
    2- كيف يرفع التعارض إذا وقع بين عام وخاص ؟
    3- كيف يرفع التعارض إذا وقع بين عامين من وجه ؟
    ( التمارين )

    بيّن طريقة الجمع بين النصوص المتعارضة الآتية؟
    1- قال الله تعالى: ( فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) وقال تعالى: ( وقفوهم إنهم مسئولون ).
    2- قال تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ) متفق عليه.
    3- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر، حتى تغيب الشمس) متفق عليه، وقال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ) متفق عليه.



    .............................. .............................. .............................. ..............
    1- الآية الأولى تقول إنه لن يسأل الإنسان عن ذنوبه والثانية تقول إنه سيوقف ليسأل، ورفع التعارض يكون بالجمع وذلك بحمل كل منهما على حال مختلف فيحمل الأول على سؤال الاستفهام ويحمل الثاني على سؤال التوبيخ.
    2- الآية الأولى تقول كل سارق تقطع يده مهما كان قيمة المسروق، والحديث يقول لا تقطع يد السارق إلا إذا كان ما سرقه يبلغ ربع دينار فصاعدا، ورفع التعارض يكون بالجمع بينهما بحمل العام على الخاص أي السارق والسارقة إذا سرقا ربع دينار فصاعدا فاقطعوا أيديهما.
    3- الحديث الأول عام في الصلاة يشمل تحية المسجد وغيرها وهو خاص في الوقت، والحديث الثاني عام في الوقت خاص بتحية المسجد فبينهما عموم وخصوص وجهي وقد تعارضا في صورة تحية المسجد بعد الصبح والعصر، ورفع التعارض يكون بترجيح مدلول الحديث الثاني بتخصيص عموم النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر بغير تحية المسجد لأنها صلاة ذات سبب، ويبقى الثاني على عمومه فمتى دخل المسجد في أي وقت توجه له الخطاب إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين.

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الثلاثون )

    الإجماع

    الإجماع: اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة.
    مثال: أجمع علماء المسلمين على أن الحائض تقضي ما أفطرته من شهر رمضان.
    ولنسلط الضوء على ألفاظ التعريف:
    قولنا: ( اتفاق ) هو حصول التوافق من الكل فيخرج ما لو خالف البعض فلا يكون إجماعا.
    قولنا: ( علماء ) نعني بالعلماء فقهاء المسلمين دون غيرهم كاللغويين والأصوليين.
    قولنا: ( العصر ) هو الزمن قل أو كثر، والمراد في أي عصر من العصور من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة.
    قولنا : ( على حكم ) الحكم هو إثبات شيء لآخر، والمراد به هنا هو الحكم الشرعي كالوجوب والحرمة.
    قولنا ( الحادثة ) أي المسألة التي يمكن أن تحدث وتقع، ونعني بالحادثة هي الحادثة الشرعية لا غيرها من الحوداث كمسائل اللغة والعلوم الطبيعية.
    شروط الإجماع:
    1- وجود الاتفاق فلو كان في عصرنا اليوم 100 فقيه فلا بد من أن يتفقوا جميعهم على الحكم فلو خالف واحد أو أكثر لم يعتبر إجماعا وإنما هو رأي الأكثر.
    2- أن يكون الاتفاق وقع من علماء الفقه فلا اعتداد باتفاق غيرهم كعلماء اللغة وعلماء الأصول، فلو اجتمع علماء الفقه على حكم شرعي في مسألة وخالف علماء البلاغة مثلا فلا اعتبار بخلافهم وينعقد الإجماع لأن هذا خارج عن محل تخصصهم.
    3- أن يكون الاتفاق من علماء الفقه وقع على أمر ديني كالمسائل المتعلقة بالصلاة والصوم والبيوع والجهاد ونحو ذلك بخلاف غيرها كالمتعلقة بالأمور العقلية كحدوث العالم، أو الأمور الدنيوية كإدارة المعارك الحربية ونحو ذلك مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية العملية.
    4- أن يكون للإجماع دليل يستند عليه وقد يكون كتابا أو سنة أو قياسا ومنه نعلم أن المجتهدين لا يشرعون حكما لأن حق التشريع لله سبحانه وإنما يكشفون بعلمهم عن مراد الله سبحانه لأنهم لما أجمعوا علمنا أن الله عز وجل أراد هذا الحكم وقد أودعه كتابه أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم إما بشكل واضح أو خفي يحتاج إلى استنباط.

    مسائل

    أولا: الإجماع حجة على العصر التالي، فلو اجمع فقهاء الصحابة كلهم على حكم لم يكن لعلماء العصور التالية أن تخالفهم، ولو اجمع فقاء هذا العصر على مسألة لم يجز للعصر الذي بعدنا أن يخالفوا إجماع من سبقهم.
    ثانيا: لا يشترط انقضاء العصر على الصحيح من أقوال أهل العلم، أي لو اجمع الفقهاء في يوم معين على حكم شرعي فقد صار ملزما فلا نشترط لحجيته أن يزول العصر الذي وقع فيه الإجماع ويأتي عصر آخر بأن يموت المجمعون ويأتي غيرهم ويتفرع عن هذا أمرين:
    1- لا يجوز لبعض الفقهاء أن يرجع عن رأيه الذي حصل به الإجماع لأنه ما دام أن الإجماع قد تحقق بقول الفقهاء جميعهم في وقت ما فلا يمكن أن يرجع ويقول قد تغير اجتهادي وبالتالي انخرم الإجماع بل لا حقَّ له بالمخالفة.
    2- لو كبر بعض طلبة العلم في ذلك العصر حتى صار فقيها فلا يحق له أن ينقض الإجماع الذي سبقه، نعم في الإجماع الجديد لا بد من رأيه أما فيما سبق فلا ،وقال بعض العلماء: إن انقراض عصر الإجماع شرط لحجية الإجماع، وعليه فلهم حق الرجوع وإذا ولد من صار فقيها بعد وهو في حياتهم فله مخالفتهم.
    3- قول بعض الصحابة ليس حجة من الحجج الشرعية كالكتاب والسنة والإجماع، فإذا أجمع الصحابة فإجماعهم حجة ولكن قول بعضهم ليس حجة على البعض الآخر ولا على العصور التي بعدهم.
    أنواع الإجماع

    الإجماع نوعان: إجماع صريح وإجماع سكوتي.
    أولا: الإجماع الصريح وهو: اتفاق الفقهاء على رأي بقولهم أو فعلهم.
    مثل أن يجتمعوا في مجلس وكل فقيه يقول بنفس القول فيحصل الإجماع.
    ويمكن أن يتفقوا جميعا على فعل معين فيدل على مشروعيته بالإجماع مثل أن يتعاملوا بنوع معين من أنواع البيوع ولا يمتنع عنه أي فقيه في ذلك العصر فيحصل الإجماع على جواز تلك المعاملة. وهذا الإجماع حجة عند العلماء.
    ثانيا: الإجماع السكوتي وهو: قول أو فعل وقع من بعض الفقهاء وسكت عليه الباقون.
    مثل أن يتفق علماء العراق على حكم في مسألة فقهية ويبلغ قولهم هذا كل فقهاء العالم ثم يسكتوا عنه ولا يصدر أي اعتراض من أي فقيه مع وجود الزمن الكافي للنظر والبحث فحينئذ يعد إجماعا.
    وهذا الإجماع حجة في رأي الكثيرين وخالف فيه البعض.

    ( تعليقات على النص )

    ( وأمّا الإجماعُ ) الذي هو أحد أبواب أصول الفقه ( فهو اتفاقُ علماءِ العصرِ ) والعصر هو الزمن قل أو كثر ( على حكمِ الحادثةِ ) أي المسألة الني يمكن أن تحدث وتقع ( ونعني بالعلماءِ الفقهاءَ ) دون غيرهم ( ونعني بالحادثةِ الحادثةَ الشرعيةَ ) دون غيرها كالحادثة اللغوية والطبيعية ( وإجماعُ هذه الأمةِ حجةٌ دونَ غيرها ) من الأمم ( لقولِه صلى اللهُ عليهِ وسلمَ لا تجتمعُ أمتي على ضلالةٍ ) رواه الترمذي وغيره وقد ضعف الحديث ومعناه أن الله لا يجمع هذه الأمة على خطأ سواء عمدا أو سهوا فيدل على أن إجماعهم حجة ويشهد لهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق رواه مسلم ( والإجماعُ حجةٌ على العصرِ الثاني وفي أي عصرٍ كانَ ) فلا يحل للعصر الذي بعد الإجماع أن يخالفه (ولا يشترطُ انقضاءُ العصرِ على الصحيحِ ) من أقوال العلم فمتى أجمع العلماء في ساعة فقد انعقد الإجماع ( فإن قلنا انقراضُ العصرِ شرطٌ ) كما قاله بعض أهل العلم ( فيعتبرُ قولُ مَن ولدَ في حياتِهم ) أي حياة المجمعين ( وتفقَّهَ وصارَ من أهلِ الاجتهادِ ) فإذا أجمع الفقهاء على حكم ثم بعد سنين طويلة ولد شخص في حياتهم وكبر وصار مجتهدا فيحل له مخالفة الإجماع لأن العصر لم ينقض بعد ( ولهم ) أي للمجمعين ( أن يرجعوا عن ذلكَ الحكمِ ) الذي أجمعوا عليه أي يتغير اجتهادهم وهذا تفريع على القول المرجوح.
    ( والإجماعُ يصحُ بقولِهم وبفعلِهم ) أي بقول الفقهاء وبفعلهم كأن يتعاملوا بمعاملة معينة فيدل على جوازها ويسمى هذا بالإجماع الصريح ( وبقولِ البعضِ وبفعلِ البعضِ وانتشارِ ذلكَ ) القول أو الفعل الذي فعله بعض الفقهاء ( وسكوتِ الباقينَ عليه ) أي سكوت بقية المجتهدين فيكون إقرارا منهم ويسمى هذا بالإجماع السكوتي.
    ( وقولُ الواحدِ من الصحابةِ ) أو أكثر ( ليسَ حجةً على غيرِه ) من الصحابة أو ممن بعدهم من علماء العصور.
    ( على القولِ الجديدِ ) من أقوال الإمام الشافعي وهو ما ذكره في مصر، أما قوله القديم وهو ما قاله في العراق فكان الإمام يحتج بقول الصحابي الذي لم ينقل خلافه عن صحابي آخر في ثبوت الأحكام الشرعية ليس لأنه معصوم بل لأن الظاهر أنه أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يقال إنه يجتهد أيضا فما أدرانا أنه أخذه من الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن اجتهادا له.
    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هو الإجماع ؟
    2- ما هي أنواع الإجماع ؟
    3- هل يشترط انقراض عصر المجمعين لحجيته ؟
    ( التمارين )

    بين موضع الإجماع في النصوص التالية؟
    1- قال الله تعالى: ( للذكر مثل حظ الأنثيين ).
    2- قال الله تعالى: ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ).
    3- قال الله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ).
    4- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يتوارث أهل ملتين ) رواه أبو داود وغيره وهو صحيح.



    .............................. .............................. .............................. ....................
    1- أجمعوا على أن الابن يرث ضعف البنت.فإن قيل: ما فائدة الإجماع على ذلك وهو مذكور بنص القرآن؟ قلنا لرفع الاحتمال والتأويل فلا يقبل أبدا.
    2- أجمعوا على أن الجماع يُفسد الاعتكاف.
    3- أجمعوا على حرمة الصيد حال الإحرام.
    4- أجمعوا على أن الكافر لا يرث المسلم.

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الواحد والثلاثون )

    باب الأخبار

    الأخبار جمع خبر ومعناه: كلام احتمل الصدق والكذب.
    مثل: زيد قائم، فهذا الكلام يفيد معنى وهو ثبوت القيام والوقوف لزيد فننظر في الواقع فإن كان زيد قائما فهو صدق لمطابقة الكلام للواقع، وإن كان زيد غير قائم فهو كذب لمخالفته للواقع، فاحتماله للصدق والكذب هو على سبيل البدل فإما أن يكون صدقا وإما أن يكون كذبا.
    والكلام بعضه خبر وبعضه إنشاء.
    والإنشاء هو: كلام لا يحتمل الصدق والكذب. مثل قم ولا تقعد.
    وسبب احتمال الخبر للصدق والكذب دون الإنشاء هو أنه في الخبر توجد حكاية عن أمر حصل في الواقع فحينئذ يحتمل أن تكون تلك الحكاية صدقا أو كذبا، بينما في الإنشاء أنت لا تحكي عن شيء بل تطلب وجود شيء أو عدم وجوده فلا توجد مقارنة بين مفهوم الكلام والواقع لأنه لا واقع أصلا للإنشاء.

    تقسيم الخبر

    ينقسم الخبر من حيث طريق وصوله إلى قسمين:
    أولا: متواتر، ثانيا: آحاد.
    فالمتواتر: ما رواه جمع عن جمع يحيل العقل اتفاقهم على الكذب وينتهي إلى أمر محسوس.
    ومن هذا التعريف نستخلص شروط الخبر كي يكون متواترا وهي:
    1- أن يرويه جماعة فلا يكفي الواحد والاثنين والثلاثة ونحو ذلك.
    ولم يشترط العلماء عددا معينا ، بل متى حصل في النفس العلم واليقين بصدق الخبر فهو متواتر.
    2- أن تكون الكثرة في كل طبقة إلى أن يصل إلى المخبر به.
    فلو رواه 100 عن 100 عن 3 عن 100 لا يعتبر متواترا لأنه في طبقة من الطبقات لم تتوفر فيه الكثرة.
    3- أن يستحيل الاتفاق على الكذب. أي لا يمكن أن يحصل اتفاق بين الرواة على الكذب لكثرتهم فلو احتمل الاتفاق على الكذب في طبقة ما لم يكن متواترا.
    ولهذا لو نقل إلينا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في إحدى طبقاته جمع ما بين كذاب وفاسق لم نلتفت لذلك الخبر لأن تواطئهم على الكذب واردٌ.
    4- أن يكون في طبقته الأولى ناشئا عن مشاهدة أو سماع. مثاله أن يروي جمع عن جمع عن جمع من الصحابة أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا، فهذا رجع إلى أصل محسوس فالطبقة الأولى في هذا النقل وهم طبقة الصحابة سمعوا الخبر فنقلوه، وكذا إذا قالوا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كذا، فهذا رجع إلى المشاهدة بالعين.
    ويراد من هذا الشرط الاحتراز عن الخبر الذي يرجع إلى الاجتهاد وقد مثلوا لذلك بقول الفلاسفة بقدم العالم أي أن بعض العالم كالشمس و الكواكب قديمة منذ الأزل فهي قديمة بقدم الله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
    فلو روى هذا الخبر جمع كثيرون عن مثلهم فهو لا يعتبر متواترا ولا يفيد العلم لأنه لم يرجع إلى أمر محسوس بل رجع إلى اجتهاد ورأي عقلي يحتمل الغلط.
    مثال آخر: ما تحكيه النصارى عن مجامعهم الأولى ويدعون أنه متواتر وقد رواه خلق كثير عن خلق كثير إلى أن وصل إلى ذلك المجمع الذي اجتمع فيه جمع غفير ليقرروا عقيدتهم بعيسى بن مريم عليهما السلام وقد قرروا أنه إله وابن إله، فمثل هذا لا يوجب العلم بل ولا الظن لأنه صدر عن رأيهم وتفكرهم فلم ينته إلى أصل محسوس.
    والقصد هو أن سماع خبر عن كثرة لا يفيد العلم للسامع إذا كان منشأ القول هو الاجتهاد، فهذا هو بيان المتواتر عموما سواء أكان خبرا عن الله وهو القرآن أو خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو خبرا عن أي شخص آخر فكل خبر عن أي مخبِر به لا يكون متواترا إلا إذا توافرت فيه هذه الشروط.
    أما الآحاد فهو: ما فقد شرطا من شروط التواتر. مثل أن يروي الحديث واحد عن واحد أو يرويه جمع عن واحد.
    وخبر الآحاد قد يكون مقبولا وقد يكون مردودا كأن يكون بسبب أن راوي الحديث سيء الحفظ فحينئذ لا نقبل حديثه.
    وإذا كان مقبولا فهو يفيد الظن الذي يكفي للعمل به، فلا يشترط التواتر لكل خبر جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل متى صح سنده وجب العمل به.


    ( تعليقات على النص )

    ( وأما الأخبارُ ) التي هي من أبواب أصول الفقه ( فالخبرُ ) الذي هو مفرد الأخبار ( ما يدخلُه الصدقُ والكذبُ) وما تفسر بكلام ( والخبرُ ينقسمُ إلى آحادٍ ومتواترٍ فالمتواترُ ما يوجبُ العلمَ ) أي القطع بمدلول الخبر ( وهو أنْ يرويَه جماعٌة لا يقع التواطؤُ ) أي الاتفاق ( على الكذبِ من مثلِهم ) ويستمر رواية الجماعة عن جماعة أخرى ( إلى أن ينتهيَ إلى المخبَر عنهُ ) وهو الشخص الذي يذكر عنه الخبر مثل الرسول صلى الله عليه وسلم ( فيكونُ في الأصلِ ) أي في الطبقة الأولى كطبقة الصحابة صدر ( عن مشاهدةٍ أو عن سماعٍ ) أي تلقي عن المخبر عنه إما لسماعه يتحدث أو لمشاهدته يفعل ( لا عن اجتهادٍ) قاله المخبِر به لأن هذا رأي وهو يحتمل الغلط ( والآحادُ هو الذي يوجبُ العملَ ولا يوجبُ العلمَ ) بل يعطي الظن وهو كاف لوجوب العمل فهذا هو حكمه والآحاد كل ما فقد شرطا من شروط التواتر ككونه من واحد إلى واحد.


    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هو الخبر ؟
    2- ما هي أقسام الخبر ؟
    3- ما هي شروط المتواتر.

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الثاني والثلاثون )

    تقسيم خبر الآحاد إلى مسند ومرسَل


    وينقسم الخبر بحسب السند والرواة الذي رووا الخبر إلى قسمين:
    1- مسند، 2- مرسل.
    فالمسند: ما اتصل إسناده، والمرسل: ما انقطع إسناده.
    مثال المسند أن يروي الحديث مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    فهذا الخبر يعتبر مسندا لأن رواته سمع كل واحد منهم من الآخر.
    ومثال المرسل أن يروي الحديث مالك عن نافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    فهذا يسمى مرسلا لأن نافعا لم يلتق بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسمع منه بل هنالك واسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم سقط من الإسناد.
    والمرسل من أقسام الخبر المردود فلا يحتج به لأننا لا ندري من هو الراوي الذي أُسقط من السند وهل هو ثقة أو ضعيف إلا مراسيل الإمام سعيد بن المسيَّب رحمه الله، وسبب الاستثناء أن العلماء تتبعوا ما رواه هذا التابعي الكبير عن النبي صلى الله عليه وسلم فوجدوه متصل الإسناد من طريق آخر.
    مثل أن يقول الزُّهري حدثنا سعيد بن المسيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسعيد ليس بصحابي لأنه لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم فالخبر مرسل أي فيه انقطاع فالمفروض رده، ولكن لأن مروياته تأتي متصلة من طريق آخر قبلت مثل أن يقول قتادة سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيروي نفس الحديث الذي رواه الزهري عن سعيد بن المسيب منقطعا.
    فالراوي الذي يسقطه سعيد بن المسيب هو صحابي ولا تضر جهالته لأنهم عدول كلهم، وغالبا ما يكون الصحابي هو أبو هريرة رضي الله عنه وكان قد زوّج ابنته لسعيد بن المسيب رحمه الله.
    وهنا مسألتان: الأولى: إن وجود العنعنة في الإسناد لا يجعل الخبر مرسلا إلا إذا كان الرواي مدلسا.
    وهذا كلام يحتاج إلى توضيح فنقول: إن راوي الخبر قد يرويه بصيغة سمعتُ وأخبرني ونحو ذلك فتفيد هذه الصيغة أن الراوي سمع هذا الخبر من راو آخر، وأحيانا يرويه بصيغة عن، فهذه صيغة محتملة لأنه قد يكون تلقى الخبر بطريق غير مباشر بل مع واسطة غير مذكورة في الإسناد، فالعنعنة هي رواية الخبر بعن فلان، فحينئذ إذا قال الراوي عن فلان فهل نحمل الخبر على أنه مسند متصل أو على أنه مرسل منقطع؟
    والجواب: نحمله على أنه مسند متصل فيكون هذا الخبر مقبولا محتجا به ، ويستثنى من ذلك إذا كان الرواي مدلسا فإن خبره حينئذ يحمل على الإرسال والانقطاع.
    والتدليس هو: أن يوهم الرواي أنه سمع الحديث ممن لم يسمعه منه، أي يقول الراوي عن فلان فيفهم السامع أنه سمع من فلان هذا الخبر وهو في الحقيقة لم يسمعه منه بل قد يكون هنالك رجل آخر بينهما قد أسقطه من الإسناد.
    مثال: مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا.
    ( فمالك عن نافع عن ابن عمر ) هذا اسناد الخبر. وهذا الخبر معنعن. رجعنا إلى كتب التراجم أي التي تترجم للرواة وتبين أحوالهم فوجدناهم ثقات عدولا ليس فيهم مدلس فنحمل الخبر على الاتصال بأن يكون مالك قد سمعه من نافع ونافع قد سمعه من ابن عمر فيكون الخبر محتجا به.
    مثال: بقية بن الوليد عن سعيد بن أبي سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كذا، فبقية يحتج بحديثه ولكنه مدلس ولم يقل سمعتُ بل عنعن أي قال عن فلان فحديثه مرسل منقطع.
    قال أهل العلم الحديث أصله عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي جريّ عن هشام ... فأسقط بقية بن الوليد أبا جري وجعل الإسناد يبدو مقبولا وفي الحقيقة إن أبا جريّ ضعيف لا يحتج به.
    المسألة الثانية: في ذكر بعض أساليب تلقي الخبر عن الشيخ وكيفية روايته.
    1- إذا كان الشيخ هو من يقرأ مروياته والطالب يسمع منه فيجوز للطالب أن يقول حدثني أو أخبرني، وإذا كان الطالب هو الذي يقرأ والشيخ يسمع منه فيقول أخبرني ولا يقول حدثني.
    مثال: زيد راوية من رواة الحديث جالس في المسجد وحوله تلاميذه وهو يقول حدثني عمرو عن بكر عن علي فهنا الشيخ هو الذي يروي الأحاديث فحينئذ التلاميذ حينما يروون الأحاديث عن شيخهم ماذا يقولون؟ الجواب: يقولون حدثنا زيد قال حدثني عمرو عن بكر عن علي، ويجوز أن يقولوا أخبرنا زيد.
    وإذا حصل العكس وهو أن التلاميذ كانوا يقرءون كتاب شيخهم زيد أي أنه دفع إليهم مروياته في كتاب وطلب منهم أن يقرؤها عليه فحينئذ حينما يريدون أداء الخبر عنه يقولون أخبرنا زيد قال حدثني عمرو عن بكر عن علي. وهذا الفرق هو اصطلاح للعلماء ( عرف خاص ) أما اللغة العربية فلا تمنع من استخدام حدثنا.
    2- إذا كان الشيخ أجاز الطالب بالرواية عنه فيقول الطالب أجازني فلان أو أخبرني إجازة مثاله زيد قال لعمرو أجزتك أي أذنت لك أن تروي عني هذا الكتاب أي يكون في هذا الكتاب أسانيد زيد عن شيوخه فحينئذ يجوز لعمرو أن يقول أجازني زيد عن فلان عن فلان، ويذكر السند الذي في الكتاب ويجوز أن يقول أخبرني إجازة أي يقيد الإخبار بالإجازة. فالفرق هنا أن عمرا لم يقرأ على زيد ولم يقرأ زيد عليه بل أجازه بمروياته.
    ( تعليقات على النص )

    ( وينقسمُ ) أي خبر الآحاد ( إلى مرسلٍ ومسندٍ فالمسندُ ما اتصلَ إسنادُه ) بأن ذكر في السند رواته كلهم (والمرسلُ ما لمْ يتصلْ إسنادُه ) بأن سقط بعض رواته من السند ( فإنْ كانَ مِن مراسيلِ غيرِ الصحابةِ فليسَ بحجةٍ) أما مراسيل الصحابة فهي أن يروي الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه منه ويعرف ذلك بأن الصحابي صغير لم يدرك تلك الحادثة التي رواها فهذه حجة لأن الصحابي قد سمعه من صحابي آخر ولا يضر عدم ذكره لأنهم كلهم عدول ( إلا مراسيلَ سعيدِ بنِ المسيبِ فإنها فُتشتْ ) أي فتش عنها ( فوجدتْ مسانيدَ ) أي وجدت تلك المراسيل مسانيد أي رواه له الصحابي فحينئذ يحتج بها.
    ( والعنعنةُ ) وهي رواية الخبر بعن فلان ( تدخلُ على الإسنادِ ) أي تجامع الإسناد المتصل ولا تنافيه إلا إذا كان الراوي مدلسا فحينئذ لا تعد من الأسانيد المتصلة بل من المنقطعة الضعيفة.
    ( وإذا قرأ الشيخُ ) على الطلاب سواء من كتاب أو من حفظه ( يجوزُ للراوي ) عن ذلك الشيخ ( أن يقولَ حدثني أو أخبرني ) ذلك الشيخ ( وإن قرأ هو على الشيخِ يقولُ ) الرواي ( أخبرني ولا يقول حدثني ) وهذا اصطلاح للمحدثين وإلا فاللغة العربية لا تمنع استعمال التحديث أيضا.
    ( وإن أجازَهُ الشيخُ ) بمروياته ( من غيرِ قراءةٍ ) لا من الشيخ ولا من الطالب ( فيقولُ ) الرواي ( أجازني أو أخبرني إجازةً ) ولا يجوز أن يقول أخبرني بلا تقييد بكلمة إجازة.

    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هو المسند والمرسل؟
    2- ما هي العنعنة وما هي حكمها ؟
    3- ما حكم مراسيل الصحابة ؟.

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الثالث والثلاثون )

    باب القياس

    القياس هو: إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة تجمع بينهما.
    مثال: قال الله تعالى: ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)
    الخمر – وهي عصير العنب – قد نص الله سبحانه على حرمتها لأنها مسكرة، فجاء المجتهد فقال: بما أن العلة هي الإسكار، وبما أنها متحققة في عصير الشعير والعسل والتمر وغيره فهي محرمة أيضا فألحقنا عصير الشعير ونحوه بالخمر في الحرمة لعلة تجمع بينهما وهي الإسكار.
    وخلاصته هو أن يرد في القرآن أو السنة بيان حكم أمر ما، وتعلم العلة من ذلك الحكم، وتأتي مسألة لم يبين حكمها في القرآن أو السنة فنجعل حكم المسألة غير المبينة هو نفس حكم المسألة المبينة بسبب اتحادهما في العلة.
    وينقسم القياس إلى ثلاثة أقسام: قياس عِلة- وقياس دلالة- وقياس شَبَه.
    أولا: قياس العلة وهو: أن تكون العلة فيه موجِبةً للحكم ، ومعنى موجبة أي مقتضية اقتضاء تاماً لثبوت مثل حكم الأصل للفرع، بأن لا يحسن في نظر العقل عدم وجود حكم الأصل في الفرع مع وجود العلة في الفرع، وإنما لم يحسن في نظر العقل ذلك لأحد أمرين:
    1- إما لأن العلة في الفرع أولى في الحكم من الأصل، فحينئذ يقبح في نظر العقل أن يثبت الحكم للأصل ولا يثبت في الفرع مع أنه أولى بالحكم منه.
    2- وإما لأن العلة في الفرع مساوية تماما للعلة في الأصل، فهنا لأن العقل لا يفرق بين المتماثلين يقبح في نظره أن يوجد الحكم في الأصل ولا يوجد في الفرع مع أن العلة التي شرع لأجلها حكم الأصل موجودة بعينها في الفرع.
    مثال: قال الله تعالى ( فلا تقل لهما أفٍّ )، والعلة فيه هي الإيذاء فيقاس عليه الضرب وهنا العلة أتم في الفرع فلذا يقبح في نظر العقل أن يحرم التأفف ولا يحرم الضرب والشتم لهما، ويسمى هذا النوع من القياس بقياس الأولى.
    مثال: قال الله تعالى: ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ).
    فأكل مال اليتيم محرم لعلة واضحة وهي تضييع مال اليتيم وهي موجودة بعينها في شرب مال اليتيم أو استهلاك ماله باللبس أو بأي طريقة أخرى تؤدي لضياع ماله، فهنا لا يحسن في نظر العقل أن يقال يحرم أكل ماله ولكن لا يحرم تضييع ماله وإهداره بأي طريقة أخرى لأنه سيقول وأي فرق في حصول التضييع بين الأكل والشرب ونحوه!. ويسمى هذا القياس بالمساوي، فتلخص أن العلة تكون موجبة للحكم إذا كان القياس أولى أو مساويا.
    ثانيا: قياس الدلالة وهو: أن لا تكون العلة موجبة للحكم، أي أن العلة لا تكون مقتضية ومستلزمة للحكم بشكل قطعي كما في قياس العلة بل تكون دالة على الحكم دلالة ظنية لقيام الاحتمال فلذا لا تكون موجبة للحكم.
    فالفرق بين قياس العلة والدلالة: أنه يقبح عقلا في الأول تخلف الحكم عن الفرع بخلافه في الثاني لقيام الاحتمال.
    مثال: قال الله تعالى: ( وآتوا الزكاة )، والزكاة حق المال فكل مال نام تجب فيه الزكاة بغض النظر عمن يملك المال من كونه بالغا أو غير بالغ،وقد انعقد الإجماع على وجوب الزكاة في مال البالغ واختلف في مال الصبي فهل يقاس عليه الصبي ؟ الجواب: نعم يقاس عليه ولكن العلة هنا غير موجبة وملزمة للحكم بل تدل عليه بشكل ظني لأنه لا يقطع بنفي الفارق بين مال الرجل وبين مال الصبي فقد يجعل الصغر مانعا من وجوب الزكاة في ماله من حيث إنه لا يحسن التصرف في ماله ولا تنميته بخلاف البالغ، فهذا الاحتمال وارد ولأجله تضعف قوة القياس وإن كان محتجا به اعتمادا على الظاهر وهو أن الأصل عدم تأثير هذا الاحتمال في وجوب الزكاة.
    مثال: قال تعالى: ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف قي القتل ) فمن قتل مسلما عمدا عدوانا وجب عليه القصاص وقد أجمعوا على أن القتل بمحدد يوجب القصاص أي ما يقتل بحده وطرفه ويخترق الجسد كالسيف والسكين والسهم ونحو ذلك ولكن اختلفوا في المثقَّل أي ما يقتل بثقله كالحجر فقال الجمهور يقتل من قتل شخصا به وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله لا يقتل به والجمهور قاسوا القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بعلة أن كلا منهما قتلٌ عمدٌ، وهذا القياس الفارق فيه محتمل لأن المحدد آلة للقتل لا إشكال فيها بينما القتل بمثقل لم يجعل آلة للقتل بل للتأديب والمعاقبة كالعصا الغليظة فالفارق بين الآلتين وارد فلا يتأتى أن نقول إن القتل بمثقل أولى من المحدد ولا مساو له تماما فلأجل هذا الاحتمال ضعفت العلة عن أن تكون موجبة للحكم، ومع هذا فالجمهور لم يسقطوا هذا القياس بناءا على أن الظاهر هو المثلية بين الآلتين وأن هذا الاحتمال مع وروده إلا أن الظاهر خلافه.
    ثالثا: قياس الشبه وهو: قياس الفرع المردد بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبها ، أي أن يأتي شيء لم ينص على حكمه في الشرع وهو يشبه في صفاته شيئين آخرين فينظر الفقيه أيهما أكثر شبها فيه فيلحق به ويعطيه حكمه.
    مثال: العبد إذا قتله حرٌ، فهنا لا ندري أيدفع الحر قيمته لسيده أو يدفع ديته؟ فنظرنا فإذا العبد متردد بين أصلين: الأول أن يلحق بالإنسان الحر من جهة أنه إنسان مثله الثاني: أن يلحق بالبهائم من جهة أنه مال مثلها فنظرنا فوجدنا أن شبهه بالمال أكثر بدليل أن يباع ويشترى ويؤجر ويوقف فنلحقه بالبهائم فيضمن العبد بقيمته.
    مثال: الوضوء متردد بين أصلين : الأول: التيمم من حيث إنهما طهارة عن حدث، الثاني: إزالة النجاسة من حيث إنهما طهارة مائية، ووجد أن شبهه بالتيمم أكثر من جهة أن ينوب أحدهما مكان الآخر ويطلب فعلهما للصلاة.
    أما إزالة النجاسة فيطلب تركها فحينئذ تجب النية في الوضوء قياسا على التيمم.

    ( تعليقات على النص )

    ( وأمَّا القياسُ ) الذي هو أحد أبواب أصول الفقه ( فهو ردُّ الفرعِ إلى الأصلِ ) أي إلحاق الفرع بالأصل ( بعلةٍ ) أي بسبب علة ( تجمعُهُما في الحكمِ ) أي تدل على ثبوت الحكم في الأصل والفرع معا، كقياس النبيذ على الخمر.
    ( فقياسُ العلةِ : ما كانتْ العلةُ فيهِ ) أي في القياس ( موجِبةً للحكمِ ) أي مقتضية ومستلزمة له بصورة تامة بحيث لا يحسن في العقل وجود الحكم في الأصل دون الفرع مثل قياس حرمة الضرب على التأفف بجامع الإيذاء.
    ( وقياسُ الدلالةِ هو: الاستدلالُ بأحدِ النظيرينِ على الآخرِ ) أي أن يدل أحد المتشابهين في الأوصاف على حكم الآخر أي يدل الأصل على الفرع كما يدل القتل بمحدد على حكم القتل بمثقل وهو وجوب القصاص ( وهوَ ) أي الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر (أن تكونَ العلةُ ) أي العلة في ثبوت الحكم للأصل ( دالةً على الحكم ولا تكون موجبةً للحكمِ ) وإنما دلت على الحكم ولم توجبه لوجود فارق محتمل بين الأصل والفرع كما كنا قد بيناه من قبل (وقياسُ الشَبَهِ هو: الفرعُ ) أي هو قياس الفرع ( المرددُ ) أي المتردد ( بين أصلينِ ) لمشابهته لكل منهما فهو لا يشبه بقية أنواع القياس التي لا تتردد بين أصلين ( فيلحقُ بأكثرِهما شَبَهاً ) له كما في العبد إذا قُتل فيتردد بين أصلين كونه إنسانا وكونه مالا فيلحق بالمال لأنه أكثر شبها به من جهة أنه يباع ويشترى. ثم لا يخفى أن قياس الشبه فيه نوع ضعف ولهذا لا يلجأ إليه مع إمكان قياس العلة فيه أو قياس الدلالة.

    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هو القياس ؟
    2- كيف تفرق بين قياس العلة وقياس الدلالة؟
    3- ما هو قياس الشبه ؟

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الرابع والثلاثون )

    أركان القياس وشروطها


    قد علمتَ أن القياس هو: إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة تجمع بينهما، وإذا تأملنا في التعريف نجد أن القياس يتوقف حصوله على أربعة أركان هي:
    أولا: الأصل وهو المعلوم حكمه بالنص مثل الخمر، ثانيا: الفرع وهو المجهول حكمه مثل النبيذ، ثالثا: الحكم وهو ما ثبت للأصل كالحرمة الثابتة للخمر، رابعا: العلة وهي الباعث على الحكم في الأصل كالإسكار الذي هو الوصف الباعث على تحريم الخمر،فالعلة هي ما تقع في جواب لم، فيقال لم حرّمت الخمر فيقال: لأنها مسكرة.
    ثم في كل ركن من الأركان شروط تشترط فيه لا بد من مراعاتها أثناء عملية القياس وهي:
    أولا: يشترط في الأصل ما يلي:
    1- أن يكون الحكم فيه ثابتا بنص أو إجماع فقط، أي لا بد أن يكون الأصل المقيس عليه قد ثبت حكمه بكتاب أو سنة أو إجماع، ولا يمكن أن يثبت الحكم في الأصل بقياس ثم نأتي لنقيس عليه فهذا فاسد، مثل الخمر فقد ثبت حكمها بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإجماع ،والنبيذ ثبت حكمه بالقياس على الخمر ولا يصلح أن نقيس على النبيذ شيئا بل نقيسه على الخمر.
    2- أن لا يكون الحكم فيه منسوخا، وهذا واضح لأنه إذا كان الأصل منسوخا فلا يصح أن يقاس عليه.
    مثل من يقيس إفطار من يتبرع بالدم وهو صائم على الحجامة في الصوم وقد علمتَ أن حديث الحجامة منسوخ.
    ثانيا: يشترط في الفرع ما يلي:
    1- أن لا ينص الشرع فيه على حكم هو خلاف القياس؛ لأنه حينئذ يكون القياس في مقابل النص وهو فاسد ولهذا يقول العلماء: ( كل قياس خالف نصا فهو فاسد ).
    مثال: قال بعض الفقهاء يصح للمرأة أن تزوّج نفسها بلا ولي قياسا على صحة تصرفاتها الأخرى بلا ولي مثل البيع والشراء والإجارة، فهذا قياس في مقابلة نص شرعي وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا نكاح إلا بولي ) رواه أبو داود وغيره وهو صحيح فلا يصح.
    2- أن لا يكون الفرع قد شرع متقدما على الأصل، أي لا يكون الفرع قد بين الله حكمه وصار معلوما قبل أن يعلم حكم الأصل مثل أن يقال تجب النية في الوضوء قياسا على وجوبها في التيمم؛ لأن الوضوء قد شرع قبل التيمم فلا يصلح أن يصير التيمم أصلا له فلا بد أن يستدل على وجوب النية في الوضوء بغير هذا.
    ثالثا: يشترط في العلة ما يلي:
    1- أن تكون مطردة، ومعنى الاطراد هو: كلما وجدت العلة وجد الحكم، مثل الإسكار فكلما وجد الإسكار وجدت حرمة التناول فإذا وجدت العلة ولم يوجد الحكم في صورة من الصور فهذا يسمى الانتقاض وهو يجعل القياس فاسدا لفساد علته، مثل أن يقال إن العلة من حرمة الخمر كونها شرابا يستلذ به وهذا المعنى موجود أيضا في النبيذ، فيقال: فيلزم أن اللبن والعصائر محرمة فهذا نقض. فحينئذ تفسد تلك العلة وتطلب علة أخرى وهي الإسكار في المثال.
    2- أن تكون وصفا حسيا. أي تكون مدركة بإحدى الحواس الخمس، فلا يصح التعليل بالأمر الخفي الذي لا يدرك بالحس ،فالإسكار علة ظاهرة تعرف بالحس فيصلح أن يكون علة للحكم.
    فلا يعلل البلوغ بكمال العقل لأنه أمر خفي غير محسوس بل يعلل بوصف ظاهر وهو الاحتلام والحيض وبلوغ 15 سنة.
    رابعا: يشترط في الحكم ما يلي:
    1- أن يدور مع العلة. أي كلما وجدت العلة وجد الحكم وكلما فقدت العلة فقد الحكم.
    مثل حكم حرمة التناول فكلما وجد الإسكار حرم التناول وكلما فقد الإسكار لم يحرم التناول.
    2- أن لا يكون الحكم في الأصل مختصا به. وهذا واضح لأنه إذا اختص بفرد أو بحالة معينة فلا يمكن القياس وإلحاق شيء به فالإسكار غير مختص بالخمر فلذا يصح التعليل به، بينما اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالزيادة على أربع نساء لا يصلح أن يقاس عليه.
    ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ( من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه ) رواه الحاكم، أي أن شهادة خزيمة رضي الله عنه تقوم مقام شاهدين وهذا أمر مختص به فلا يقال إن من هو أورع منه مثله في أن شهادته تعدل اثنين؛
    لأن هذا الحكم وهو كون شهادته تعدل اثنين مختصا به فهي مزية خاصة به.

    ( تعليقات على النص )

    ( ومِن شرطِ الفرعِ ) من تبعيضية فالمذكور هو بعض شروط الفرع وكذا قل فيما سيأتي كقوله من شروط الأصل وإنما ذكر البعض لأن هذه الورقات وضعت للمبتدئ وليست للمنتهي ( أن يكونَ ) الفرع ( مناسباً للأصلِ ) أي فيما يجمع بينهما فإذا عدمت المناسبة بين الأصل والفرع فأي سبب يدعو لقياس الفرع على الأصل والمناسب بينهما هو في حقيقته العلة وهي ركن في القياس وهي مذكورة في قول المصنف: بعلة تجمعهما في الحكم. فحينئذ يكون هذا الشرط لا طائل تحته وقد اعتذروا عنه بأن هذه الرسالة للمبتدئين فيناسبها التوضيح لأنه قد يغفل عن استفادة هذا الشرط من التعريف فأراد أن ينبهه عليه ( ومِن شرطِ الأصلِ أن يكونَ ) حكمه الذي يراد إثباته في الفرع (ثابتاً بدليلٍ متفقٍ عليه بينَ الخصمينِ ) أي يسلم به كل من المجتهدينِ وهذا في باب المناظرات فإذا جلس مجتهدان مختلفان في الحكم فأثبت أحدهما الحكم بالقياس فلا بد أن يكون دليل الأصل المقاس عليه قد ثبت لدى المجتهد الآخر لكي يسلم له بالنتيجة، وهذا واضح فأنتَ إذا أردت أن تستدل على خصمك بقياس وكان الأصل المقيس عليه لا يسلم به الخصم فكيف ستقيم عليه الحجة بالقياس !. أما في غير المناظرة فإذا ثبت دليل الحكم لدى المجتهد نفسه فيصلح أن يجعله أصلا ويقيس عليه غيره ويستخرج الحكم لنفسه ولمن يستفتيه ( ومن شرطِ العلةِ أن تطردَ في معلولاتِها ) المعلولات جمع معلول والمراد به الحكم المعلل بعلة ومعنى الاطراد هو كلما وجدت العلة وجد الحكم مثل الإسكار فلكما وجد وجدت الحرمة فهو يريد أن يقول أنه يشترط في العلة أن تكون مطردة بحيث كلما وجدت وجد الحكم( فلا تنتقضُ ) تلك العلة ( لفظاً ولا معنىً ) أي لا ينتقض لفظ العلة ولا ينتقض معناها بأن تتحقق العلة في صورة ومثال ولا يتحقق معها الحكم فتكون تلك العلة غير مطردة كما لو قيل إن علة وجوب الزكاة في الأنعام هي سد حاجة الفقير فتنقض بالجواهر كالمرجان فهذه علة منتقضة فلا يصح التعليل بها. ثم إن هاهنا مسامحة في كلام المصنف فأي حاجة لقوله: فلا تنتقض لفظا ؟ وما دخل الألفاظ هنا وإنما ننظر للمعنى فإن وجد المعنى المعلل به- أي الذي جُعِل علة- ولم يوجد الحكم فهذا انتقاض، فلا مدخل للانتقاض اللفظي لأنه متى تحقق انتقاض المعنى تحقق انتقاض اللفظ بأن يكون لفظ سد حاجة الفقير لا يصلح للعلة وعلى كل حال فربما أراد به التأكيد على الانتقاض فأتى به. ( ومن شرطِ الحكمِ: أن يكونَ مثلَ العلةِ في النفي والإثبات ) أي يدور الحكم مع العلة فإن وجدت وجدَ وإن انعدمت وانتفت انتفى هو، مثل حرمة تناول المشروب يدور مع الإسكار في النفي والإثبات. ( والعلةُ هي: الجالبةُ للحكمِ ) أي الباعثة على تشريع الحكم من قبل الله عز وجل.
    ( والحكمُ هو: المجلوبُ للعلةِ ) أي أن العلة هي التي جلبته واستدعت تشريعه فالعلة جالبة والحكم مجلوب لها.
    ( الأسئلة )

    1- ما هي أركان القياس ؟
    2- ماذا يشترط في كل ركن من أركان القياس ؟
    3- مثل بمثال من عندك للقياس وبين أركانه ؟
    ( التمارين )

    استعمل القياس على النصوص التالية وبيّن نوعه؟
    1- قال الله تعالى: ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ).
    2- قال الله تعالى: ( وامسحوا برؤوسكم ).
    3- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ) متفق عليه.
    4- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر, والشعير بالشعير والتمر بالتمر, والملح بالملح مثلاً بمثل، سواء بسواء يداً بيد, فمن زاد أو استزاد فقد أربا ) رواه مسلم.

    .............................. .............................. .............................. .....................
    1- العلة هي العمل الصالح والعمل السيئ فلو عمل زيد مثقال جبل من خير أو شر فسيراه يوم القيامة من باب أولى فهو قياس علة أولى.
    2- مسح الرأس هل يستحب تكراره فقائل يستحب ذلك وقائل لا يستحب ذلك وقد تنازع مسح الرأس أصلان فالأول مسح الخف وليس فيه تكرار، وبقية أعضاء الوضوء وفيها تكرار فألحقه الإمام الشافعي ببقية الأعضاء لشبهه بها من جهة أن الرأس كبقية أعضاء الوضوء فكما يطلب فيها التكرار يطلب فيه أيضا. فهذا قياس شبه.
    3- علة النهي هو التنجيس للماء وهذا مثلما يحصل بالبول يحصل بغيره من النجاسات كالغائط وبما أن لا يحسن في نظر العقل التفريق بين النجاسات فيكون قياس علة مساو.
    4- إن علة البر والشعير والتمر والملح هو الطعم وحينئذ يقاس على البر مثلا التفاح بعلة الطعم ولكن هنا لا يقطع بنفي الفارق لأن البر طعام يصلح للمعيشة والاقتيات بينما التفاح طعام يؤكل للتفكه فالعقل لا يقطع بنفي الفارق بينهما فيكون قياس دلالة.

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الخامس و الثلاثون)

    ( الاستصحاب )


    الاستصحاب هو: استدامة حكم سابق في زمن لا حق لانتفاء الدليل الناقل.
    مثال: عدم وجوب صيام شهر رجب يعلم بالاستصحاب ،فيقال: الأصل أنه لا يجب شيء على الناس فلا يجب صيام شهر رجب هذا هو الحكم الثابت فإذا ادعى مدع حكما جديدا قلنا له أين الدليل الناقل؟ وحيث لا دليل فنستديم عدم وجوب شهر رجب.
    فالاستصحاب هو إبقاء ما كان على ما كان لعدم الناقل.
    وهو ثلاثة أنواع:
    أولا: استصحاب البراءة الأصلية.
    ومعناها أن الأصل براءة ذمة المكلف من التكاليف والحقوق فلا يجب عليه شيء من العبادات وذمته خالية من أي حق عليه فليس عليه أي حق لفلان من الناس هذا هو الأصل.
    فمتى شككنا في وجوب شيء فنقول إن الأصل براءة الذمة وليس هنالك ما يثبت هنا خلاف ذلك فنستصحب هذا الأصل أي نستديمه.
    فالأصل أنه لا يجب على المكلف صلاة الوتر فنستديمه لعدم ثبوت الدليل الناقل.
    ولو جاء زيد وقال إني قد أقرضت عمرا 10$ قلنا هل لك بينة فإن قال نعم حكمنا بالبينة، وإن لم توجد بينة فنقول إن الأصل براءة ذمة عمرو من أي دين لك عليه فلا ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليل وبينة.
    ففي هذا القسم من أقسام الاستصحاب يستدل الفقيه على عدم الحكم لعدم وجود الدليل، وحينئذ لا بد من استقراء وتتبع للأدلة قبل أن يحكم بعدم الدليل.
    ثانيا: استصحاب الإباحة الأصلية للأشياء النافعة للإنسان.
    وذلك لأن الله سبحانه قد قال: ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ).
    فحينئذ كل الأشياء النافعة فهي مباحة ما لم يرد الناقل فيباح الانتفاع بجميع المأكولات والمشروبات ولبس ما يشاء الإنسان وأن يستعمل ما يريد ويسكن في أي موضع يريد وله أن ينتفع بجميع ما في السماء والأرض والبحر .
    فلو قال قائل ما الدليل على إباحة الآيس الكريم؟
    قلنا إن الأصل الإباحة جئنا أنت بدليل يثبت خلاف ذلك لننظر فيه.
    وكذا لو قال شخص ما لدليل على إباحة الهواتف النقالة؟
    قلنا: إن الأصل إباحة الأشياء كلها جئنا أنت بدليل يثبت تحريمها لننظر فيه.
    وليس عبارة الأشياء قاصرة على الأعيان بل يباح كل فعل وكل قول يأتي به الإنسان ما لم يأتي دليل على خلاف ذلك.
    أما إذا كانت الأشياء ضارة فالأصل فيها التحريم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا ضرر ولا ضرار ) رواه ابن ماجة وغيره وهو حسن.
    فكل ما يضر فهو حرام إلا إذا ورد دليل يدل على الإباحة، فالسموم وإلقاء الإنسان نفسه من شاهق والدخول في قفص الأسد وشرب المخدرات ونحو ذلك كلها محرمة لأنها تضر ضررا محققا.
    ثالثا: استصحاب ما ثبت بدليل الشرع حتي يأتي الناقل.
    أي إذا قام الدليل الشرعي يثبت حكما ما فنحن نستصحب هذا الدليل إلى أن يرد دليل آخر ناقل عنه.
    فإذا دليل على مسألة فالأصل أنه معمول به في كل الأزمنة وغير منسوخ حتى يثبت الناسخ.
    والأصل أن كل خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فهو خطاب لأمته إلا إذا دل الدليل على خلافه.
    والأصل بقاء عموم اللفظ الشرعي حتى يثبت دليل يدل على أنه خاص فلا يقبل من أحد تخصيص آية أو حديث بدون دليل، وكذا إذا ثبت إطلاق في لفظ فلا يقبل التقييد إلا بدليل.
    والأصل في حمل المعاني هو الحقيقة فلا يقبل دعوى المجاز إلا بدليل.
    وإذا أثبت الشرع ملكية لشخص على عقار ونحوه فالأصل بقاء ملكه عليه حتى يثبت خلاف ذلك كأن يثبت أنه باعه أو وهبه.
    وإذا عقد رجل على امرأة فالأصل بقاء نكاحه له حتى يثبت أنها طلقها.
    وإذا ثبتت الطهارة لشخص كأن ذهب وتوضأ فلا ينتقل عنها إلا بدليل يدل على انتقاض وضوئه ويطرح الشك.
    والخلاصة أن الاستصحاب يكون حجة في حالتين:
    الأولى: أن يعدم الدليل الشرعي فيستدل بالاستصحاب.
    كما يقال إن الأصل براءة ذمة المكلف ولا دليل ينقل عن هذا الأصل فيتمسك به.
    الثانية: أن يوجد دليل شرعي يدل على حكم معين فيتمسك بالاستصحاب.
    كما في حال ورود دليل عام فيتمسك بعمومه حتى يثبت المخصص.
    وكما يقال إن الدليل دل على كذا فيتمسك به حتى يثبت الناسخ.

    ( تعليقات على النص )

    قوله ( وأما الحظرُ والإباحةُ ) الذي هو أحد أبواب أصول الفقه، ويراد بالحظر الحرمة ( فمن الناسِ ) أي من العلماء ( من يقولُ: إنَّ الأشياءَ ) أعيانا أو أفعالا أو أقوالا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وتبليغ الشريعة (على الحظرِ ) أي الحرمة ( إلا ما أباحتهُ الشريعةُ ) أي دلت على إباحته أي جوازه سواء أكان ما دلت الشريعة عليه واجبا أو مستحبا أو مباحا أو مكروها فمتى ما دلت الشريعة على واحد من هذه الأحكام لا يكون محظورا فالمراد بالإباحة ما يقابل الحرمة (فإن لم يوجدْ في الشريعةِ ما يدلُ على الإباحةِ فيستمسكُ بالأصلِ وهو الحظرُ ) وهذا هو معنى الاستصحاب أي التمسك بالأصل فما دام أن الشريعة لم تدل على الجواز فنستصحب الحرمة على رأي هؤلاء وهذا القول ضعيف.
    ( ومن الناسِ مَن يقولُ بضدهِ ) أي بضد القول السابق وبخلافه ( وهو أن الأصلَ في الأشياءِ ) عينا أو فعلا أو قولا ( الإباحةُ إلا ما حظرهُ الشرعُ ) والفرق بين القولين يظهر في الاستصحاب فمتى عدم الدليل استصحب على القول الأول الحرمة وعلى القول الثاني الإباحة.
    وصحح كثير من أهل العلم التفصيل وهو أن الأشياء الضارة الأصل فيها الحظر إلا ما أباحه الشرع والأصل في الأشياء النافعة الإباحة إلا ما حظره الشرع.
    ( ومعنى استصحابِ الحالِ ) الذي سيأتي ذكره في مبحث ترتيب الأدلة بقوله: فإن وجد في النطق ما يغير الأصل وإلا فيستصحب الحال فيكون ما هنا بيان معناه، وما هنالك أي في ترتيب الأدلة بيان حكمه من حيث الاحتجاج به ( أن يستصحبَ ) الفقيه ( الأصلَ عند عدمِ الدليلِ الشرعي ) وبأدنى تأمل يعلم علاقة الحظر والإباحة بالاستصحاب فإن الاستصحاب هو استدامة الأصل الذي هو الحرمة على القول الأول أو الإباحة على القول الثاني، وهنالك نوع آخر من الاستصحاب هو استصحاب الدليل الشرعي كما بيناه.


    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هو الاستصحاب ؟
    2- ما هي أنواع الاستصحاب ؟
    3- مثل بمثال مِن عندك للاستصحاب ؟

    ( التمارين )

    بين نوع الاستصحاب في الأمثلة التالية:
    1- يباح أكل الفروالة ؟
    2- يحرم شرب الدخان ؟
    3- لا يجب التصدق بالمال بغير الزكاة ؟
    4- لا يجب صيام ثلاثة أيام متتابعة في الكفارة ؟
    5- إذا حضر خاطبان يطلبان الزواج أمام القاضي وكانت المرأة متزوجة سابقة فلا يعقد لها إلا ببينة ؟




    .............................. .............................. .............................. .....................
    1- باستصحاب الإباحة الأصلية في الأشياء النافعة.
    2- باستصحاب التحريم في الأشياء الضارة، وقد أثبت العلم بما لا يدع مجالا للشك أن التدخين سبب موت الملايين من الناس ولا تزال ملايين تنتظر دورها.
    3- باستصحاب البراءة الأصلية فقد دل الشرع على وجوب الزكاة فحسب.
    4- باستصحاب ما ثبت بدليل الشرع وهو قوله تعالى: ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) ولم يقيدها بالتتابع فنستصحب الإطلاق.
    5- باستصحاب ما ثبت بدليل الشرع وهو ثبوت الزوجية للعاقدين فحينئذ لا ينتقل عنه إلا بأن تقدم المرأة بينة على طلاقها أو خلعها أو موت زوجها وإلا فلا يزوجها القاضي لأن عقد النكاح الأول قد ثبت والأصل استمراره.

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس السادس والثلاثون )

    باب ترتيب الأدلة


    إن الأدلة الشرعية التي توصل إلى معرفة حكم الله سبحانه خمسة هي:
    أولا: الكتاب.
    ثانيا: السنة.
    ثالثا: الإجماع.
    رابعا: القياس.
    خامسا: الاستصحاب.
    وأما قول الصحابي فليس بحجة.
    والطريقة العملية في الكشف عن الحكم الشرعي بهذه الأدلة هي:
    1- إذا وجد إجماع من العلماء على مسألة فهو المقدم في إثبات الحكم الشرعي، ليس من باب تقديم أقوال العلماء المجمعين على قول الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم- حاشا- بل من باب تقديم النصوص بعضها على بعض.
    بيان ذلك:
    قد قلنا من قبل إن الإجماع لا بد أن يستند إلى دليل شرعي، لأن العلماء ليس لهم حق التشريع فحينئذ ما أجمعوا عليه من المسائل علمنا بصورة قاطعة أن هذا هو مراد الله سبحانه لامتناع اجتماع الأمة على ضلالة.
    فإذا فرض أن هنالك آية أو حديثا قد خالف الإجماع فهذا يعني أن هنالك نصا قطعي الدلالة بشهادة الإجماع قد عارضه نص آخر ظني الدلالة فلا يقوى النص الثاني على معارضة الأول بل يحمل الثاني على النسخ أو التأويل أو التخصيص ونحو ذلك.
    فظهر أن تقديم الإجماع إنما هو تقديم نص شرعي قطعي الدلالة بشهادة الإجماع على نص ظني.
    2- ثم إذا لم يوجد إجماع فينظر المجتهد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليستنبط الحكم.
    3- فإذا لم يجده نظر في القياس فهو متأخر رتبة عن الكتاب والسنة لما ذكرنا من قبل أن القياس إذا خالف نصا من كتاب أو سنة فهو فاسد لا يلتفت إليه.
    4- فإذا لم يعثر على شيء لم يبق في يده سوى الاستصحاب فهو في آخر المراتب.
    فهذا ترتيب الأدلة من جهة تقديم بعضها على بعض.
    وهنالك ترتيب آخر وهو ترتيب أنواع الدليل الواحد.
    فيقدم :
    أولا: الجلي في معناه على الخفي.
    فيقدم النص على الظاهر لأن الأول لا يحتمل إلا معنى واحدا.
    ويقدم الظاهر على المؤول فنقدم اللفظ الحقيقي على معناه المجازي.
    والمراد بالمؤول هو المحمول على معناه المجازي بغير دليل لأنه إذا كان على المعنى المجازي دليل صار ظاهرا بالدليل فيقدم حينئذ المعنى المجازي الذي دل الدليل على إرادته على المعنى الحقيقي.
    ثانيا: ما يفيد العلم على ما يفيد الظن.
    فيقدم المتواتر على الآحاد كأن يتعارض قرآن مع حديث آحاد أو حديث متواتر مع حديث آحاد.
    فقد ذكرنا أن المتواتر يفيد العلم والقطع بصحته بخلاف الآحاد فهي تفيد الظن الكافي للعمل به.
    ثالثا: القياس الجلي على الخفي.
    والجلي ما يقطع فيه بنفي الفارق والخفي ما لا يقطع فيه بنفي الفارق.
    فيقدم قياس العلة على قياس الشبه فإن قياس العلة واضح جلي عند العقل وقياس الشبه فيه خفاء.
    ويقدم قياس العلة على قياس الدلالة لأن العلة موجبة في الأول غير موجبة في الثاني.
    ويقدم أيضا قياس الدلالة على قياس الشبه لأنه قياس الدلالة أجلى وأوضح من قياس الشبه.
    تنبيه مهم:
    مبحث ترتيب الأدلة متعلق بالخطوة الثالثة التي ذكرناها من قبل وهي الترجيح فإن تقديم كذا على كذا معناه الترجيح وهذا يحصل عند التعارض وإلا لو لم يكن هنالك تعارض فلمَ نقدم بعضها على بعض.
    فإذا علم هذا فإننا محكومون بما سبق تقريره وهو أننا لا نلجأ عند التعارض إلى الترجيح بتقديم بعض الأدلة على بعض مباشرة بل نلجأ أولا للجمع فإن تعذر نلجأ إلى النسخ إن علم التاريخ فإن تعذر فنلجأ إلى الترجيح.
    ومنه يعلم أن الأولى جمع هذا المبحث مع مبحث التعارض والترجيح.

    ( تعليقات على النص )

    ( وأمَّا الأدلةُ ) من حيث ترتيبها ومعرفة تقديم بعضها على بعض عند الترجيح ( فيقدمُّ الجليُّ منها ) أي الواضح منها ( على الخفيِّ ) فيقدم النص على الظاهر، والظاهر على المؤول ( والموجِبُ ) أي المفيد ( للعلمِ على الموجِبِ للظنِ ) فيقدم المتواتر على الآحاد ( والنطقُ ) أي الكتاب والسنة ( على القياسِ ) لأن كل قياس يعارض نصا فهو فاسد ( والقياس الجليُّ ) كقياس العلة ( على الخفيِّ ) كقياس الشبه ( فإنْ وجِدَ في النطقِ ) من كتاب وسنة وكذا ما رجع إليهما من إجماع وقياس ( ما يغيّرُ الأصلَ ) وهو البراءة الأصلية والخلو من التكليف فحينئذ يعمل بالمغيِّر. (وإلا ) أي وإن لم يوجد ما يغير الأصل ( فيستصحبُ الحالُ ) أي يستصحب الأصل، فمقصوده بالحال هو الأصل الذي يستصحب عند عدم الدليل.

    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هي الأدلة ؟
    2- ما هي مراتب الدليل الواحد ؟
    3- لماذا يقدم الإجماع على سائر الأدلة ؟

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس السابع والثلاثون )

    باب صفة المفتي والمستفتي

    والمقصود بالمفتي هو المجتهد الذي يفتي الناس باجتهاده، والمقصود بالمستفتي هو المقلد الذي يأخذ بفتيا المجتهد.
    والاجتهاد هو: بذل الفقيه وسعه ليصل إلى الحكم الشرعي.
    مثال: اختلف العلماء في مسألة لمس الرجل المرأة باليد ونحوها هل ينقض الوضوء أولا ينقض؟
    فيبذل العالم جهده في النظر بين الأدلة الشرعية والاطلاع على أدلة وتقريرات من سبقه حتى يستفرغ وسعه وطاقته ويصل إلى نتيجة فإما أن يعتقد أن حكم الله هو النقض أو عدم النقض.
    والمجتهد هو: المتصف بصفات معينة تؤهله للنظر في الأدلة واستخراج الأحكام منها بنفسه.
    فالمجتهد لا يعتمد على فتاوى واجتهادات من سبقه من أهل العلم ويقول بمثل ما قالوه تقليدا لهم بل ينظر فيما نظروا فيه من الأدلة ويبذل جهده كي يصل إلى الحكم الشرعي بنفسه.
    وهذه الصفات هي شروط للاجتهاد فمن اجتمعت فيه فهو مجتهد ومن لم تتوفر فيه فليس بمجتهد.
    وهذه الصفات هي:
    أولا: أن يكون عالما بأصول الفقه.
    لأنه هو الذي يتوصل به إلى استخراج الحكم الشرعي من الأدلة فلا يسعه الجهل به إطلاقا.
    ثانيا: أن يكون عارفا باللغة العربية.
    فيكون عارفا بالنحو والصرف والبلاغة وليس المقصود أن يصل إلى درجة الخليل وسيبويه بل يصل إلى درجة وسطى بحيث تصبح تلك العلوم عنده ملكة أي يصير مقتدرا فيها ومتمكنا من تسليط هذه العلوم على نصوص القرآن والسنة.
    ويكون عارفا أيضا بمعاني المفردات في لغة العرب، فلا بد أن يصل إلى درجة جيدة بمعرفة أصل مدلولات الكلمات في لغة العرب ويطلع على أشعارهم وينظر فيما نقله الثقات عنهم من كلام كي يعرف أن يفسر القرآن والحديث بما يتوافق ولغة العرب الفصحاء.
    ثالثا: أن يكون عارفا بآيات وأحاديث الأحكام.
    لأنها هل محل الاجتهاد واستخراج الأحكام ولا يشترط حفظها، والمقصود بها الآيات والأحاديث التي يستنبط منها الأحكام العملية دون المتعلقة بقصص الأنبياء والمواعظ فلا يشترط معرفتها.
    وقد جمعت مصنفات خاصة تحت عنوان آيات الأحكام وأحاديث الأحكام فسهل الرجوع إليها ومعرفتها.
    وإنما شرط معرفتها لأن النصوص المتعددة كالنص الواحد من جهة استفادة الأحكام منها فإذا أراد معرفة مسألة في باب من أبواب الطهارة مثلا فلا بد من جمع كل ما يتعلق بها من نصوص كي تتضح الصورة أمامه.
    رابعا: أن يكون عارفا بما يحتاجه لمعرفة صحة الحديث من ضعفه.
    فالأحاديث المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها المقبول والمردود فلا بد من النظر في حال الرواة ودراسة الأسانيد كي يحكم على الرواية بأنها مقبولة أو مردودة.
    خامسا: أن يكون عارفا بمواضع الإجماع. كي لا يخرق إجماع من سبقه.
    سادسا: أن يكون عارفا بالناسخ والمنسوخ. كي لا يأخذ حكما منسوخا يظنه غير منسوخ.


    ( تعليقات على النص )

    ( ومنِ شرطِ المفتي ) أي المجتهد فهذه بعض شروطه وأضفنا في الشرح أن يكون عارفا بالمنسوخ ( أن يكونَ عالماً بالفقهِ ) أي عالما بمسائله ( أصلاً ) أي ما كان أصلا للفقه وهو علم أصول الفقه ( وفرعاً ) أي الفروع الفقهية وهي حقيقة الفقه، أما علم أصول الفقه فهو خارج عن الفقه ( خلافاً ) أي يعرف الفقه الخلافي ( ومذهباً ) ويعرف فقه المذهب الذي ينتسب إليه، وهنا إشكالان: أولا: إن معرفة الفروع الفقهية هي ثمرة الاجتهاد وليست شرطا في المجتهد بمعنى أن المجتهد حينما يستكمل الآلة فآنذاك يقول هذا واجب وهذا حرام فجعلها شرطا غير صحيح ولهذا لم يذكر هذا الشرط كثير ممن ذكروا شروط المجتهد، ثانيا: ما معنى قوله ( ومذهبا ) مع أن المجتهد لا مذهب وإنما مذهبه ما يوصله إليه اجتهاده، ويمكن أن يقال في الجواب عن الإشكالين : إن الطريقة التقليدية في هذا الزمان للوصول إلى مقام الاجتهاد لا تتأتى إلا بدراسة الفقه ومعرفة قواعد مذهب من مذهب إمامه وإتقانه مع معرفة أقول الأئمة السابقين حتى إذا استقل بنفسه خلع التقليد وعمل بما أداه إليه اجتهاده ( وأن يكونَ كاملَ الآلةِ ) يقصد بالآلة هي العلوم الموصلة للاجتهاد وهذه عبارة عامة تندرج فيها كل شروط المجتهد ومن هذه الآلة أن يكون ( عارفاً بما يحتاجُ إليه في استنباطِ الأحكامِ ) أي في استخراجها ( من النحوِ ) ويدخل فيه التصريف لأنهما كانا علما واحدا ثم فُصل الصرف عن النحو ( واللغةِ ) أي معاني الكلمات وكذا يحتاج إلى علم البلاغة والسبب واضح وهو أن القرآن والسنة عربيان فيتوقف فهمهما على معرفة لغة العرب وهذه المعرفة تكون بهذه العلوم.
    ( ومعرفة الرجال الراوين ) أي ومن شرط المفتي معرفة الرجال الراوين للأحاديث فيعرف حالهم ومن يقبل حديثه ومن لا يقبل وما يستتبع ذلك من مسائل دراسة الأسانيد ( وتفسيرِ الآياتِ الواردةِ في الأحكامِ والأخبارِ الواردةِ فيها ) أي في الأحكام وقد ذكروا أن آيات الأحكام قرابة 500 آية وذكر البعض أن تفاصيل أحاديث الأحكام تصل إلى 4000 حديث ولم يشترطوا الحفظ لها.

    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هو الاجتهاد ؟
    2- ما هي شروط المجتهد ؟
    3- لم اشترطوا معرفة اللغة العربية لتحصيل الاجتهاد ؟

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الثامن والثلاثون )

    صفة المستفتي

    وأما المستفتي فهو المقلد الذي يعمل بفتيا المفتي، بخلاف العالم المجتهد فلا يحق له التقليد.
    والتقليد هو: قبول قول من ليس قوله حجة.
    مثال: شخص يريد أن يودع ماله في إحدى البنوك الربوية ولا يدري أهو حلال أم حرام فذهب لفقيه فقال له لا يجوز فقال له جزاك الله خيرا وانصاع لقوله فهذا هو التقليد.
    ولنسلط الضوء على ألفاظ التعريف:
    قولنا: ( قبول ) أي تلقي واعتقاد والتزام.
    ( قول من ليس قوله حجة ) أي لأنه غير معصوم، والخطأُ واردٌ عليه ومع هذا تقبل قوله وتسلم به لعدم قدرتك على الاستنباط من النصوص مباشرة، وهذا يخرج قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم فليس تقليدا لأن قوله حجة بذاته.
    مسائل:
    أولا: العامي المحض وهو من لا يحسن علوم الشريعة يجب عليه أن يقلد مجتهدا من المجتهدين لقول الله عز وجل: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ولا يكلف النجار والحداد والمهندس ونحوهم بأن يترك صنعته ويتفرغ للعلوم حتى يصير مجتهدا فإن هذا خارج عن مقدورهم.
    ثانيا: من درس العلوم وصار له نوع فهم في الشريعة ولكن لم يستكمل آلة الاجتهاد فهو عند أكثر أهل العلم لا يخرج عن كونه مقلدا لأن التقليد ليس رتبة واحدة فحينئذ إذا سأل عن الدليل أو بحث عنه بنفسه وفهم دليل المسألة التي قال بها أحد الأئمة فهذا لا يخرجه عن كونه مقلدا عندهم ولكن ربما صار من لم يبلغ الاجتهاد مجتهدا في تلك المسألة لجواز تجزأ الاجتهاد أي هو لا يستطيع في كل أبواب الفقه أن يعرف المسائل من أدلتها مباشرة ولكن ربما استطاع بتحصيل العلوم وجمع الأدلة والبحث الطويل في بعض المسائل كالفرائض أو الصلاة أو الجنايات ونحوها أن يصير مجتهدا في ذلك الباب.
    ثالثا: المجتهد لا يجوز أن يقلد غيره لأنه يُلجأ للتقليد للعجز عن الاجتهاد وهو قادر على الاجتهاد فكيف يلغي عقله وعلمه ويذهب ليقلد غيره هذا حرام.

    ( تعليقات على النص )

    ( ومِن شرطِ المستفتي ) وهو من يسأل المجتهد ( أنْ يكونَ مِن أهلِ التقليدِ فيقلدُ المفتي في الفتيا ) لأن الأخذ بفتيا الغير هو تقليد له، أما المجتهد فهو لا يعمل بفتيا غيره ولذا قال ( وليس للعالم ) أي المجتهد ( أن يقلِّد ) غيره من المجتهدين ثم بدأ بتعريف التقليد فذكر له تعريفين: الأول ( والتقليدُ: قبولُ قولِ القائلِ ) أي تقبل قوله واعتقاده لمجرد أنه قوله ( بلا حجةٍ ) يذكرها ذلك القائل، وهنا مسألة وهي أنّ ذكر الحجة والدليل من قبل المفتي على نحوين: الأول: أن يكون المستفتي غيرَ فاهم للدليل ولا يعرف وجه الاستدلال وما هي المقدمات والقواعد التي بني عليها الاستدلال فمثل هذه الحجة إن ذكرت مع الفتيا لم تخرج المقلد عن التقليد.
    الثاني: أن يكون المستفتي قد ذكر الحجة لمن له أهلية الاستنباط إما بشكل عام أو بشكل جزئي بحيث يكون المستفتي مجتهدا جزيئا في تلك المسألة فحينئذ لا يكون هذا من التقليد في شيء.
    وعليه فمعنى قول المصنف ( بلا حجة ) أي بلا حجة تذكر لمن له أهلية الاستنباط.
    أما إذا سأل المتمكنُ في العلم المجتهدَ عن مسألة ففصلها له وبين له الدليل والاستدلال فأخذ السائل بقوله ليس تقليدا له بل من أجل الدليل الذي قد عقله وفهم وجه استنباطه والمقدمات الموصلة له فهذا اجتهاد.
    ( فعلى هذا ) التعريف يكون ( قبولُ قولِ النبي صلى الله عليه وسلم يسمى تقليداً ) لأن التعريف لم يشخص من هو القائل في قوله ( قبول قول القائل ) فإذا جاء صحابي وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر فأجابه يكون ذلك الصحابي قد قلّد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا عندي بعيد لأن التعريف يقول ( بلا حجة) أي ممن قوله ليس بحجة أما قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين الحجة، ثم لو كان قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم تقليدا فمن هو المجتهد!.وهل إذا أخذ الإمام مالك رحمه الله أو غيره من المجتهدينَ بقول النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة يكون مقلدا لأنه لم يعلم الحجة! ( ومنهم ) أي من علماء الأصول ( من قالَ: التقليدُ قبولُ قولِ القائلِ وأنتَ لا تدري مِن أينَ قالَهُ ) أي لا يدري المستفتي من أين جاء المفتي بهذا القول لكونه لم يذكر أي دليل على قوله.
    (فإن قلنا: إن النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلمَ كانَ يقولُ بالقياسِ ) وهو اختيار الكثير من أهل العلم خلافا للبعض فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقيس المسألة غير الموحى له فيها على الموحى فيها ( فيجوزُ أن يسمى قبولُ قوله تقليداً ) لأنه قد يكون هذا القول من اجتهاده ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن قوله أخذه من الوحي ليخرج السائل عن التقليد، وإن قلنا إنه صلى الله عليه وسلم لا يجتهد وكل ما قاله فهو وحي فلا يكون الأخذ بقوله تقليدا
    و الفرق بين التعريفين هو: أن الأول ( قبول قول القائل بلا حجة ) أعم من الثاني لأنه يشمل حالتين: الأولى ما لم يذكر فيها المفتي دليله على الفتيا مع جهل المستفتي بها، والثانية ما لم يذكر فيها المفتي دليله على الفتيا ولكن المستفتي يعرف الحجة واطلع عليها، ولكنها معرفة ليست تامة تخرجه عن التقليد لعدم أهليه الاستنباط.
    والثاني ( قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله ) خاص في الفتيا التي لم يذكر فيها الدليل مع جهل المستفتي بها والظاهر أن مثل هذا مجرد اصطلاح لا يضر في شيء والأولى أن يعرف التقليد بـ ( قبول قول من ليس قوله حجة) والله أعلم.
    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هو التقليد ؟
    2- هل سماع العامي للدليل يخرجه عن التقليد ؟
    3- هل أخذ قول النبي صلى الله عليه وسلم يسمى تقليدا ؟

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس التاسع والثلاثون )

    باب أحكام المجتهدين

    مَن يجتهد في الدين فلا يخلو مِن أحد حالين:
    أولا: أن يجتهد في الفقه فهو واحد مِن اثنين:
    1- أن لا يكون أهلا للاجتهاد بأن لم يستجمع في نفسه ما يشترط في المجتهد.
    فهذا قد تجاوز قدره وأساء.
    2- أن يكون مِن أهل الاجتهاد فحينئذ فلا يخلو اجتهاده من أمرين:
    أ- أن يصيب الحقَ باجتهاده فيكون له أجران: أجرٌ على اجتهاده، وأجر على إصابته الحق.
    ب- أن لا يصيب الحق فيكون له أجرٌ واحد هو أجر الاجتهاد.
    وبعض العلماء قال: كل مجتهد في الفقه مصيب؛ لأن الله ليس له حكم في المسألة بل الحكم يتعدد بتعدد المجتهدين فمن قال إن لمس المرأة مثلا ينقض الوضوء فهو مصيب، ومَن قال إن لمس المرأة لا ينقض الوضوء فهو مصيب لأن الغرض هو بذل الجهد للوصول إلى الحكم وقد بذل الفقهاء جهدهم فيكون حكم الله في حق كل منهم هو ما أداه إليه اجتهاده.
    وهذا القول ضعيف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر. رواه البخاري ومسلم.
    ووجه الاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم صوَّب المجتهد تارة، وخطَّئه تارة فدلَّ على أنه ليس كل مجتهد مصيبا.
    ثانيا: أن يجتهد في العقائد كالإيمان بالله ووحدانيته والنبوة.
    فهنا ليس كل مجتهد مصيبا؛ لأنه إذا صوبنا كل مجتهد فهذا يعني أن من اجتهد من الكفار فذهب للتثليث كالنصارى أو عبد النار كالمجوس فهو محسن وله أجر بينما قد وقع الإجماع على ضلالهم وأنهم من أهل النار.


    ( تعليقات على النص )

    ( وأمَّا الاجتهادُ ) الذي هو خاتمة أبواب أصول الفقه وفيه يبين أحكام المجتهدين من حيث الإصابة والخطأ.
    ( فهو بذلُ الوَسْعِ ) والطاقة ( في بلوغِ الغرضِ ) أي الغاية والهدف وهذا التعريف لكل اجتهاد كما هو ظاهر سواء في الأمور الفقهية أو غيرها كالمجتهدين في النحو والبلاغة والعلوم الطبيعية.
    ( فالمجتهدُ إن كانَ كاملَ الآلةِ ) أي بأن استكمل جميع ما يطلب منه وقد يقال لا حاجة لهذا الشرط لأن المجتهد لا يسمى مجتهدا إلا إذا كان كامل الآلة، ويمكن أن يقال زاده المصنف لزيادة التوكيد على أن يكون كامل الآلة ( فإن اجتهدَ في الفروعِ ) الفقهية دون العقائدية ( فأصابَ فله أجرانِ ) الله أعلم بمقدارهما أجر على الاجتهاد وأجر على إصابة الحق ( وإن اجتهدَ فيها ) أي في الفروع ( فأخطأَ فله أجرٌ واحدٌ ) وهو أجر الاجتهاد فما أشرف رتبة المجتهد وما أعظم أجره ( ومنهم من قالَ: كلُ مجتهدٍ في الفروعِ مصيبٌ ) فلا يوجد مجتهد مخطأ لأنه لا حكم لله في المسألة إلا الحكم الذي وصل إليه المجتهد بالاجتهاد فيكون لله أحكام بقدر آراء المجتهدين وهذا مذهب بعض العلماء وهو ضعيف (ولا يجوزُ أن يقالَ كلُ مجتهدٍ في الأصولِ الكلاميَّةِ مصيبٌ ) يقصد بالأصول الكلامية العقائد فاحترز بكلمة الكلامية عن أصول الفقه لأنها قابلة للاجتهاد، والكلامية نسبة إلى الكلام وقد سمى البعض علم العقائد بعلم الكلام لكثرة الكلام والأخذ والرد فيه، والخلاصة أنهم قد اختلفوا في الفروع الفقهية واتفقوا على وجود الخطأ في الأصول العقائدية (لأنَ ذلكَ يؤدي إلى تصويبِ أهلِ الضلالةِ من النصارى والمجوس ) عبدة النار ( والكفارِ ) من غيرهم كاليهود ( والملحدينَ ) أي منكري وجود الله سبحانه، فهؤلاء كلهم مصيرهم جهنم إجماعا فإذا قلنا إن المجتهد في العقائد مصيب فسيؤدي إلى تصويب هؤلاء ولهذا كان هذا القول باطلا.
    (ودليلُ من قالَ: ليسَ كل مجتهدٍ في الفروعٍ مصيباً قولُه صلى الله عليه وسلم: من اجتهدَ وأصابَ فله أجرانِ ومن اجتهدِ فأخطأ فله أجرٌ واحدٌ ) هذا الحديث رواه المصنف بالمعنى ولفظه ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) رواه البخاري ومسلم.
    والحاكم هو من يقضي ويفصل بين النزاعات بعلمه واجتهاده في الدين.
    (ووجهُ الدليلِ: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم خطَّأ المجتهدَ تارةً، وصوبَّه أخرى ) فدل بالنص الصريح على أنه ليس كل مجتهد في الفروع مصيبا.
    والله أعلم.

    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هو حكم المجتهد في الفروع الفقهية ؟
    2- ما هو حكم المجتهد في العقائد الدينية ؟
    3- لم لا يجوز أن يقال كل مجتهد في العقائد مصيب ؟
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما والحمد لله رب العالمين.

  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    وبه نختم شرح الكتاب.
    ختم الله لنا بالحسنى.
    والحمد لله رب العالمين.

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •