دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر ) - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 61

الموضوع: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الخامس عشر )

    ألفاظ العموم

    الألفاظ التي تدل على العموم والاستغراق وهي:
    أولا: كل، نحو: كل نفس ذائقة الموت.
    ثانيا: أل الدالة على استغراق الجنس، نحو أكرم الرجال فهي تستغرق جميع أفراد جنس الرجال.
    ولتوضيح ذلك نقول:
    إن ( أل ) تارة تدل على الجنس مثل: أكرم المسلم، أي أكرم كل مسلم أي جميع الأفراد مهما بلغ عددهم وأنت لا تقصد شخصا معينا ، وتارة تدل على العهد، ومعنى العهد هو أن يكون الكلام حول شخص معهود أي معروف ومعين كأن تقول لصاحبك في المسجد هل رأيت الشيخ؟ وأنت تقصد بالشيخ رجلا معينا تعرفه أنت وصاحبك، ولا تقصد هل رأيت كل أحد يوصف بأنه شيخ فليس في الألف واللام هنا دلالة على جميع الأفراد.
    فتلخص أن أل إذا أريد بها فرد معين فهي عهدية، وإذا أريد بها جميع الأفراد فهي جنسية استغراقية، والتي تدل على العموم هي الجنسية لا العهدية، وعلامة أل الجنسية هي صحة حلول ( كل ) محلها تقول: أكرم المسلم فلو رفعنا أل ووضعنا كل صار المعنى أكرم كل مسلم.
    ثم اعلم أن أل الجنسية التي تفيد العموم تارة تدخل على المفرد وتارة تدخل على الجمع وفي الحالتين هي للعموم نحو أكرم المسلم، وأكرم المسلمين.
    قال تعالى: خلق الإنسان ضعيفا أي كل إنسان، قال تعالى : قد أفلح المؤمنون أي كل المؤمنين.
    فالإنسان مفرد دخلت عليه أل فأفادت العموم، والمؤمنون جمع دخلت عليه أل فأفادت العموم.
    ثالثا: الأسماء المبهمة وهي التي لا تدل على شيء معين وهي عديدة مثل ( مَن، وما، وأي، وأين، ومتى ).
    1- من وهي تستعمل للعاقل وقد تكون اسما موصولا بمعنى الذي، أو تكون شرطية ، أو استفهامية.
    مثال: أكرم من جاءك أي أكرم الذي جاءك أي كل شخص جاءك، والأسماء الموصولة تدل على العموم مثل الذي والتي واللذين.
    مثال: مَن جاءك فأكرمه وهنا مَن شرطية تفيد العموم.
    مثال: مَن جاءك؟ وهي هنا استفهامية ومعنى العموم في الاستفهام أنك تقصد هل جاءك أي شخص.
    و( مَن ) في الثلاثة للعقلاء، بخلاف ما فإنها لغير العقلاء.
    2- ما وهي لغير العاقل وقد تكون اسما موصولا بمعنى الذي أو تكون شرطية أو استفهامية.
    مثال: اشتر ما تحب، أي اشتر الذي تحبه، أي كل ما تحبه.
    مثال: ما تقدم من خير تجده غدا عند ربك، وهنا ما شرطية.
    مثال: ماذا تكتب؟ وهنا ما استفهامية بمعنى أي شيء تكتب؟
    3- أي وهي تكون للعاقل وغير العاقل وقد تكون اسما موصولا أو تكون شرطية أو استفهامية.
    مثال: أكرم أيهم قائمٌ، أي أكرم الذي هو قائم أي كل شخص منهم قال تعالى ( ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا ) أي لننزعن من كل شيعة الذي هو أشدهم على الرحمن عتيا.
    مثال: أي علم تدرسه سينفعك وهي هنا شرطية وتفيد العموم أي كل شيء تدرسه سينفعك.
    مثال: أي الناس أحب إليك؟ وهي هنا استفهامية وتفيد العموم في الاستفهام.
    4- متى للاستفهام عن الزمان مثل متى جاءك زيد؟ أي في أي وقت جاءك زيد، فالسؤال عن كل وقت حصل فيه مجيء زيد.
    وتكون شرطية أيضا مثل متى زرتني أكرمتك، أي في أي وقت تتحقق زيارتك لي يتحقق إكرامي لك.
    5- أين للاستفهام عن المكان مثل أين ذهب زيد؟ أي إلى أي مكان ذهب.
    وقد تكون شرطية مثل: أينما تذهب أتبعك، قال تعالى ( أينما تكونوا يدرككم الموت ).
    رابعا: النكرة إذا وقعت في نفي أو نهي أي تسلط النفي عليها ووقعت في سياقه، مثل لا رجل في الدار فرجل هنا نكرة وسبقت بنفي فتفيد العموم والمعنى لا يوجد أي رجل في الدار.
    ومثل قوله تعالى ( لا تدعوا مع الله أحدا ) فهنا أحد نكرة وقعت في سياق نهي ( لا تدعوا ) فتدل على العموم أي يحرم دعاء أي أحد مع الله.
    خامسا: النكرة إذا أضيفت لمعرفة سواء أكانت مفردا أم جمعا.
    مثال: إن تعدوا نعمةَ اللهِ لا تحصوها، فهنا نعمة نكرة مفردة أضيفت إلى لفظ الجلالة وهو أعرف المعارف فصار المعنى إن تعدوا جميع نعم الله لا تحصوها.
    مثال: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، أي يوصيكم الله في جميع أولادكم.
    وهنا أولاد نكرة أصيفت إلى معرفة وهو ضمير المخاطب ( الكاف ).
    فائدة: علامة النكرة قبول أل، مثل رجل يقبل أل يصير الرجل، وأولاد يقبل أل يصير الأولاد وهكذا.
    ( تعليقات على النص )

    ( وألفاظُهُ ) أي ألفاظ العموم ( أربعةٌ: الاسمُ المعرَّفُ بالألفِ اللامِ ) أي الذي دخلت عليه أل مثل الرجل إذا كانت للاستغراق لا للعهد ( واسمُ الجمعِ ) أي الاسم الدال على جماعة مثل علماء ( المعرفُّ باللامِ ) إذا كانت استغراقية مثل العلماء ( والأسماءُ المبهمةُ ) أي التي فيها إبهام وعدم تعيين ( كمَنْ فيمنْ يعقلُ ) أي للعاقل نحو أكرم مَن أسلم ( وما فيما لا يعقلُ ) أي لغير العاقل مثل أكلتُ ما أحبه ( وأيٍّ في الجميعِ ) أي للعاقل وغير العاقل، مثال العاقل: أكرم أي مسلم تلقاه، ومثل غير العاقل: أتقن أي عمل تعمله ( وأينَ في المكانِ ) مثل أين ذهب زيد؟ ( ومتى في الزمانِ ) مثل متى ذهب زيد؟ ( وما في الاستفهامِ ) مثل ما اسمك؟ ( والجزاءِ ) أي الشرط مثل ما تفعل من خير تجده عند ربك ( وغيرِه ) أي وغير المذكور من استفهام وجزاء مثل التي تكون اسما موصولا مثل رأيت ما أحبه أي الذي أحبه.
    وهنا سؤال: وهو ما الداعي للتكرار في كلام المصنف حيث إنه قال (والأسماء المبهمة كمن فيمن يعقل وما فيما لا يعقل ) فذكر ما، ثم قال هنا ( وما في الاستفهام والجزاء وغيره )؟
    والجواب: إنه ذكر ما أولا بأنها لغير العاقل، ولم يذكر معانيها، وهنا ذكر معاني ما التي تكون فيها ما عامة وهي الاستفهام والجزاء وغيره فلا تكرار.
    ( ولا في النكراتِ ) أي النكرة إذا تركبت مع لا نحو لا رجلَ في الدار، قوله لا في النكرات ليس مختصا بلا بل كل نكرة في سياق نفي سواء نفيت بلا أو ما أو غيرهما نحو ما في الدار أحد.

    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هي ألفاظ العموم ؟
    2- ما هي معاني ما ؟
    3- مثل بمثال مِن عندك لكل لفظ من ألفاظ العموم ؟

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس السادس عشر )

    لا عموم في الفعل وما يجري مجراه


    عُلم من تعريفنا للعام بأنه اللفظ المستغرق... أن العموم يكون وصفا للألفاظ فنقول هذا اللفظ عام وهذا قد ذكرناه من قبل، ولكن هل يوصف به المعنى فيقال هذا المعنى عام؟
    والجواب: لا يوصف به حقيقة بل على سبيل المجاز، لأن العموم لا يجري حقيقة في غير الألفاظ وعليه يكون وصف المعنى بالعموم مجازا فإذا قلنا: إن معنى المسلمين عام كان مجازا والحقيقة إن لفظ المسلمين هو العام.
    وكذا لا يوصف الفعل بالعموم فلا يقال هذا الفعل الذي فعله فلان عام.
    مثال: قام زيد وأكرم عمرا، فهذا ليس فيه عموم فلا يقال كلما قام زيد فإنه يكرم عمرا، وإنما يدل الفعل على حصول هذا الأمر في الواقع بدون دلالة على التكرار كل مرة.
    مثال: ثبت في أحاديث صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم سها فسجد.
    فهذا الفعل ليس فيه عموم أي لا يستفاد من نفس الفعل أنه كلما سها سجد، وإنما يستفاد العموم من طريق واحد وهو النطق بأن يقال باللسان كلما سها سجد، فهنا نستفيد العموم من اللفظ والنطق أي من أداة العموم ( كلما ).
    وكذا قل فيما يجرى مجرى الفعل مثل الحكم والقضاء فإذا تشاجر زيد وعمرو وقضى القاضي لصالح زيد فهذا ليس فيه عموم، فلا يقال إن قضاءه لزيد بكذا يعم كل صورة وكل قضية حصل فيها مثل ذلك التنازع فقد يكون لكل قضية ظروفها وملابساتها.
    فتلخص أن الذي يدل على العموم هو اللفظ فقط، فحيث لا لفظ فلا عموم لأن العموم يحصل بصيغ مخصوصة قد بيناها مثل كل وأل الاستغراقية فإذا عدمت هذه الصيغ فمن أين يأتي العموم.
    مثال: قال بلال رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى داخل الكعبة. رواه البخاري.
    فهذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم لا يفيد العموم فلا يقال هو صلى الفرض والنفل في داخل الكعبة
    ولكن لماذا لم يفد العموم؟
    الجواب: لأنه هنا لا يوجد نطق فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا هنا بل قام بأداء فعل وهو صلاته داخل الكعبة، والفعل لا يفيد العموم وإنما حصول الفعل في الواقع بدون تكرار، فرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صلى صلاة واحدة، فكيف نحملها على العموم.
    مثال: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد. رواه مسلم.
    ومعنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لشخص بأن له الحق اعتمادا على حلفه بالله مع شاهد واحد.
    فهذا القضاء ليس فعلا أي حركات قام بها النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو قول لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن يكون قد نطق بالحكم لأحد الرجلين فجاء الراوي وهو ابن عباس فحكى لنا ما حصل بقوله : ( قضى بيمين وشاهد ) فالقضاء وإن كان نطقا لكنه لا عموم فيه بل هو ملحق بالفعل لأن هذا القضاء لا يعم كل قضية بل هو حكم في قضية خاصة وقعت بين اثنين، فيحتمل أن فيها صفة خاصة فلذا لا نعمم ولم ينقل لنا اللفظ الذي نطق به النبي صلى الله عليه وسلم لنعلم هل هو عام أو لا وعليه فلا نقول إنه يصلح في كل دعوى بين متخاصمين شاهد واحد ويمين، ولذا قصره العلماء على القضايا المتعلقة بالمال كفلان اشترى من فلان أو باع منه أو اقترض ونحو ذلك، ولا يكفي شاهد ويمين في قضايا الدماء أو قضايا الحدود كالسرقة.
    والخلاصة هي أننا كي نحكم بالعموم لا بد أن يكون عندنا لفظ فيه صيغة من صيغ العموم ولذا لا نحكم بالعموم في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ولا فيما يلحق بالأفعال وهي القضاء بين المتخاصمين، وإنما نحكم بالعموم حينما يأتينا في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا فننظر فإن وجدنا صيغة العموم حكمنا به وإلا فلا.

    العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب

    هذه قاعدة هامة من قواعد الأصول وتعني أن النص القرآني أو الحديث النبوي كثيرا ما يكون سبب التشريع فيهما حادثة معينة وقعت في زمن الوحي تتعلق بشخص أو بأمر خاص، فإذا ما وجدنا في الآية أو الحديث أداة من أدوات العموم فنحكم بالعموم ولا ننظر إلى سبب التشريع لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
    مثال: قال الله تعالى ( والذين يظاهرون منكم من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة مؤمنة ... )
    وقد ذكر المفسرون أنها نزلت في زوجة أوس بن الصامت رضي الله عنه كما رواه البخاري وغيره، فلا يمنع نزول الآية لسبب مخصوص وهو حادثة تلك المرأة وزوجها أن نحمل هذا الآية على عمومها لأن ( والذين يظاهرون ) لفظ عام فيشمل كل مظاهر إلى يوم القيامة فينطبق الحكم على الكل.
    مثال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة لميمونة يجرونها، فقال هلا أخذتم إهابها؟ قالوا إنها ميتة فقال: أيما إهاب دبغ فقد طهر . رواه أحمد وهو صحيح، والإهاب الجلد. فهنا قوله صلى الله عليه وسلم ( أيما إهاب ) لفظ عام يشمل كل إهاب فيكون حكما تشريعيا عاما.
    ( تعليقات على النص )

    ( والعمومُ من صفاتِ النُطقِ ) النطق بمعنى المنطوق به وهو اللفظ فلا يوصف بالعموم غير اللفظ ولا يستفاد من غير اللفظ (ولا يجوزُ دعوى العمومِ في غيرهِ ) أي في غير اللفظ ( من الفعلِ ) كصلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة فهو فعل لا يدل على العموم ولا يقتضي أنه صلى الفرائض والنوافل في جوف الكعبة.
    ( وما يجري مجراهُ ) ما هذه واقعة على اللفظ أي ولا يجوز دعوى العموم في اللفظ الذي يجري مجراه أي مجرى الفعل بأن يأخذ حكمه في عدم العموم مثل أقضيته صلى الله عليه وسلم بين الخصوم فهي لم تذكر لنا بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم كي ننظر هل في لفظه ونطقه عموم أولا بل حكيت لنا من قبل الصحابي بقوله قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أي حكم بكذا، ولكن ما أدرانا أنه يراد به العموم في كل قضية فقد يكون في القضية التي حكم بها ظرف معين يقتضي اختصاص الحكم به.
    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم لم قلنا إنه ليس في الفعل عموم ؟
    2- ما هو الذي يجري مجرى الفعل ؟
    3- ما معنى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؟

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس السابع عشر )

    الخاص والتخصيص

    الخاص هو: اللفظ الذي لا يدل على الاستغراق.
    فهو عكس العام فإذا كان العام يدل على الاستغراق، فالخاص يدل على عدم الاستغراق.
    وإليك مصاديق الخاص:
    1- زيد، وهذا الر جل أو هذه الشجرة مما دل على واحد بعينه.
    2- رجل، مما يدل على واحد غير معين أي شائع وهو النكرة.
    3- رجلان، فإنه يدل على اثنين فلا شمول فيه بل هو محصور بالرقم 2.
    4- رجال، فإنه ليس فيه دلالة على استغراق جميع الأفراد بخلاف الرجال فإنه دال على كل فرد فلا يوجد رجل إلا وهو داخل في هذا اللفظ ولهذا لو قيل لك: أكرم رجالا لكفى أن تكرم ثلاثة منهم فقط، ولو قيل لك: أكرم الرجال فينبغي أن تكرم كل فرد من الرجال.
    5- خمسة رجال أو عشرة أو ألف رجل فإن هذه الأعداد وإن دلت على كثرة لكنها محصورة بعدد معين لا تتجاوزه فلا نعدها من العام بل من الخاص.
    فهذا هو بيان الخاص وأما التخصيص فهو :إخراج البعض من حكم العام.
    مثال: إذا قلنا: أكرم الرجال، فهذا حكم عام نطلب فيه الإكرام لكل الرجال، وإذا قلنا: أكرم الرجال إلا زيدا، فهذا تخصيص حصل بواسطة أداة الاستثناء ( إلا ) فنحن أخرجنا زيدا من الرجال الذين نطلب إكرامهم.
    فقولنا ( أكرم الرجال ) الرجال هنا لفظ عام، وقولنا ( إلا زيدا ) هذا لفظ مُخَصِّص، فالتخصيص هو بمثابة عملية الطرح في الرياضيات.
    والفرق بين الخاص والتخصيص هو أن الخاص وصف للفظ فيقال هذا لفظ خاص مثل زيد، وأما التخصيص فهو وصف للفعل وهو الإخراج مِن العام، فليس التخصيص أمرا لفظيا فلا نقول هذا اللفظ تخصيص كما نقول هذا اللفظ خاص.
    والمخَصِّصُ نوعان: متصل، ومنفصل.
    فالمتصل هو الذي لا يستقل بنفسه، والمنفصل هو الذي يستقل بنفسه.
    مثال: أكرم الرجال إلا زيدا، فالاستثناء خصص الرجال وهو لا يستقل بنفسه أي لا يذكر في الكلام منفردا عن العام فلا لمعنى لأن يقال إلا زيدا من غير أن يسبقه المستثنى منه.
    وأما التخصيص المنفصل فمعناه أن توجد جملتان مستقلتان بنفسيهما، مدلول أحدهما عام ومدلول الأخرى خاص، ثم نحمل العام على الخاص بأن نستثني ذلك الخاص من حكم العام.
    مثال: أكرم الرجال، ثم بعد فترة من الزمن يقالُ لك: لا تكرمْ زيدا.
    فهنا جملة لا تكرم زيدا لم ترتبط في نفس الجملة والسياق الواحد مع جملة أكرم الرجال فلذا سميت بالمخصص المنفصل.
    وبعبارة أخرى المراد بالمتصل أن يجتمع العام والمخصص في نص واحد، والمراد بالمنفصل أن لا يجتمع العام والمخصص في نص واحد.
    والطريقة العملية الواضحة للتخصيص المنفصل هو الربط بين الجملتين ولنستعمل لذلك الاستثناء لوضوحه فنقول في طريقة تخصيص ( أكرم الرجال ) و ( لا تكرم زيدا ) ( أكرم الرجال إلا زيدا ) فصارا في المعنى كلاما واحدا.
    وأنبه إلى أن القاعدة الأصولية المعروفة ( الخاص يقدم على العام ) لا تقصر الخاص على الذي عرفناه بقولنا اللفظ الدال على محصور، بل تشمله وتشمل الخاص الإضافي الذي هو: لفظ عام في نفسه ولكنه بالقياس إلى ما فوقه يكون خاصا.
    مثال: أكرم الرجال، ولا تكرم زيدا، هنا زيد لفظ خاص حقيقي والحكم في عدم الإكرام منصب على فرد واحد وقد جرى التخصيص بين الجملتين على ما بيناه قبل قليل.
    مثال: قال تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) وهنا المطلقات لفظ عام يشمل كل مطلقة سواء أكانت حاملا أو لا، والقروء جمع قرء والمراد به هنا هو الطهر.
    وقال تعالى: ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) أي أن المطلقة وهي حامل عدتها تنتهي بوضع حملها لا بمرور ثلاثة قروء، ولفظ ( أولات الأحمال ) عام لإضافة أولات إلى معرفة فيشمل كل مطلقة حامل.
    ومع عموم ( أولات الأحمال ) إلا أن هذا اللفظ خاص بالنظر إلى المطلقات، أي هو أضيق مدلولا من المطلقات، فنقدم النص الخاص وهو نص أولات الأحمال على النص العام وهو نص المطلقات أي نجعل بينهما تخصيصا فتكون الحصيلة هي: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء إلا أولات الأحمال فأجلهن أن يضعن حملهن.
    وفي الحقيقة وقع التخصيص هنا بين عامين أحدهما أعم من الآخر وهما: ( المطلقات، وأولات الأحمال ).
    ( تعليقات على النص )

    ( والخاصُّ يقابِلُ العاِم ) معنى يقابل هو ينافي أي ينافي العام ويقع في مقابلته فيقال عام وخاص وقصد المؤلف بهذه العبارة بيان تعريف الخاص بعبارة مختصرة لأنه إذا كان الخاص يقابل العام فيكون تعريفه عكس تعريف العام فيؤخذ منه أن الخاص ما لا يعم شيئين فصاعدا كرجل ورجلين ورجال.
    ( والتخصيصُ: تمييزُ بعضِ الجملةِ ) بحكم، والمقصود بالجملة هنا هو: أفراد العام مثل الرجال فهو يتناول ويشمل جملة وجميع أفراد الرجال، فالتخصيص هو تمييز بعض أفراد العام بحكم يخالف البقية مثل أكرم الرجال إلا زيدا، وبعبارة أخرى هو إخراج البعض من حكم العام.
    ( وهو ) الضمير يعود على المخصص وهو وإن لم يذكر في الكلام لكنه مفهوم من التخصيص ( متصلٌ ) وهو لا يمكن أن يستقل في الكلام فلا يقال إلا زيدا بدون كلام قبله ( ومنفصلٌ ) وهو الذي يستقل في الكلام أي يمكن أن يذكر بدون اللفظ العام مثل لا تكرم زيدا فهو خاص بزيد فيخصص أكرم الرجال.


    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هو الخاص ؟
    2- ما هو التخصيص ؟
    3- ما الفرق بين الخاص والتخصيص؟

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الثامن عشر )

    أنواع المخصص المتصل


    هو ثلاثة أنواع:
    1- الاستثناء مثل قوله عزّ وجل: ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ...).
    2- الشرط مثل قولنا: أكرم الرجال إن أسرعوا في المجيء، فقولنا إن أسرعوا شرط خصصنا به أحوال الرجال، ولولا الشرط لكان المعنى عاما وهو أن تكرم الرجال سواء أسرعوا أم لم يسرعوا في المجيء.
    ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. رواه أحمد وغيره وهو صحيح، والمعنى إن الماء لا يحمل الخبث إذا بلغ قلتين، فلولا شرط القلتين لكان المعنى إن الماء لا يحمل الخبث أي كل ماء لا يحمل الخبث أي لا ينجس سواء أكان قليلا أو كثيرا.
    ومنه قوله تعالى: والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا، أي العبيد إذا طلبوا الكتابة وهي أن يعتقوا في مقابل مال مقسطا يدفعونه لكم فكاتبوهم ولكن بشرط أن تعلموا فيهم خيرا بأن يكونوا قادرين على الكسب وتسديد ما التزموه لكم بعقد الكتابة.
    فلولا قوله تعالى ( إن علمتم فيهم خيرا ) لكان يطلب مكاتبتهم على كل حال سواء أكان فيهم خيرا أو لا خير فيهم.
    3- الصفة مثل: أكرم الرجال المتدينين، فصفة المتدينين قيدنا بها الرجال الذي يطلب إكرامهم، ولولا هذه الصفة لوجب إكرام الرجال جميعا المتدين منهم وغير المتدين.
    أحكام الاستثناء

    قد علمنا أن الاستثناء هو أحد المخصصات المتصلة ولكي يصح الاستثناء لا بد من شروط هي:
    1- أن يبقى من المستثنى منه شيء فلا يصح أن نقول أكرم الطلبة إلا الطلبة، فهذا باطل لأنك استثنيت الكل فلم يعد يطلب إكرام أي أحد وهذا لا يصح ولكن يصح أن تقول أكرم خمسة رجال إلا أربعة فيكون المكرم واحدا.
    2- أن يكون الاستثناء متصلا بالكلام أي لا يقع بينهما فاصل زمني فلا يصح أن تقول أكرم الرجال، ثم بعد نصف ساعة تقول إلا زيدا لوجود فاصل طويل مضر بالاتصال.
    ويجوز في الاستثناء أن يتقدم المستثنى على المستثنى منه، وهو قليل في الكلام.
    مثل : ما قام إلا زيدا أحدٌ.
    والأصل: ما قام أحدٌ إلا زيدا، فأحد مستثنى منه، وقد قدم على المستثنى وهو زيد.
    ويجوز أيضا أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه وأن يكون من غير جنسه.
    مثال: جاء القوم إلا زيدا، ومعلوم أن زيدا هو من القوم.
    مثال: جاء القوم إلا حمارا، والحمار ليس من جنس القوم فهم بشر وهو حيوان ناهق.
    ويسمى الاستثناء من الجنس بالاستثناء المتصل، ومن غير الجنس بالاستثناء المنقطع.
    ومن المتصل قوله تعالى عن نوح ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ) والخمسون عاما من جنس السنين الألف، ومن المنقطع قوله تعالى ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس..) وقد علم أن إبليس من الجن وليس من الملائكة، فيكون الاستثناء منقطعا.
    ( تعليقات على النص )

    (فالمتصل: الاستثناءُ) مثل إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ( والشرطُ ) مثل أكرم الرجال إن سلموا عليكَ ( والتقييدُ بالصفةِ) مثل أكرم الرجال الفقهاء، ولو أسقط قوله والتقييد كان أولى لأن كلامنا في المخصصات اللفظية وهي تحصل بالصفة أما التقييد فهو أمر غير لفظي ( والاستثناءُ إخراجُ ما لولاهُ لدخلَ في الكلامِ ) مثل إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا فلولا الاستثناء بـ إلا لدخل كل إنسان في الخسران، وللاستثناء شروط ذكرها بقوله ( وإنما يصحُ الاستثناءُ بشرط أنْ يبقى من المستثنى منه شيءٌ ) حتى لو كان الباقي واحدا نحو أكرم عشرة رجال إلا تسعة فيصح أما أكرم عشرة رجال إلا عشرة فهذا لا يصح ( ومِن شرطِه أن يكونَ متصلاً بالكلامِ ) في النطق ولا يضر التنفس والسعال قبل الاستثناء لأنه لا يعد فاصلا في العرف أما إذا ستثنى بعد فترة من الزمن فلا يصح ( ويجوزُ تقديمُ الاستثناءِ على المستثنى منهُ ) نحو ما قامَ إلا زيداً أحدٌ والأصل ما قامَ أحدٌ إلا زيداً ( ويجوزُ الاستثناءُ من الجنسِ ) ويسمى متصلا نحو جاءَ القومُ إلا زيداً ( ومِن غيرِه ) أي من غير الجنس ويسمى منقطعا نحو جاء القوم إلا حمارا (والشرطُ يجوزُ أن يتقدمَ على المشروطِ ) كما يجوز أن يتأخر عنه مثال المتقدم إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث والأصل لم يحمل الماء الخبث إذا بلغ قلتين، ومثال المتأخر أكرم الناس إن لم يسيئوا إليك.
    (والمقيّدُ بالصفةِ يحملُ عليهِ المطلقُ، كالرقبةِ قيّدتْ بالإيمانِ في بعضِ المواضعِ وأطلقتْ في بعضِ المواضعِ فيحملُ المطلقُ على المقيَّدِ ) هذا شروع في مبحث المطلق والمقيَّد، وسنؤخر الكلام عليه إلى أن نفرغ مِن المخصصات المنفصلة مراعاة لتسلسل الموضوع.
    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هي المخصصات المتصلة؟
    2- ما هي شروط الاستثناء ؟
    3- مثل بمثال مِن عندك لكل نوع من المخصصات المتصلة؟

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس التاسع عشر )

    أنواع المخصص المنفصل


    وهو أن يأتي نص عام ونص خاص فيحمل العام على الخاص ويكون الخاص مفسرا للعام.
    وهو ثمانية أنواع هي: ( تخصيص الكتاب بالكتاب ) ( وتخصيص الكتاب بالسنة ) ( وتخصيص الكتاب بالقياس ) (وتخصيص الكتاب بالإجماع ) ( وتخصيص السنة بالكتاب ) ( وتخصيص السنة بالسنة ) ( وتخصيص السنة بالإجماع ) ( وتخصيص السنة بالقياس ).
    أولا: تخصيص الكتاب بالكتاب ومعناه أن آيات القرآن يخصص بعضها البعض الآخر، ومثاله قوله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) وقوله تعالى: ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) فخصصت الآية الثانية عموم المطلقات في الآية الأولى على ما شرحناه مِن قبلُ.
    ثانيا: تخصيص الكتاب بالسنة أي أن يأتي حديث يخصص عموم النص القرآني، ومثاله قوله تعالى: ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) وأولادكم جمع مضاف إلى معرفة فيعم كل ولد مسلما أو كافرا، ولكن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر ) متفق عليه. فأخرج الولد إذا اختلف دينه عن دين والديه فإنه لا يرث شيئا فتكون السنة قد خصصت القرآن الكريم.
    ثالثا: تخصيص الكتاب بالقياس، والقياس سيأتي الكلام عليه مفصلا إن شاء الله، ولكن نقول هنا هو إعطاء الفرع حكم الأصل، ومعناه أن يأتي نص من كتاب أو سنة فيه حكم على مسألة معينة، ثم يأتي الفقيه على مسألة غير مذكورة في النص ويلحقه بالنص أي يعطي المسألة نفس الحكم، وذلك بسبب اتحاد العلة بينهما لأنه مادامت العلة واحدة فالحكم يدور مع علته، ومثاله قوله تعالى عن الإماء: (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) والمعنى أن الأمة إذا زنت فعليها نصف العقوبة التي على الحرائر فتجلد 50 جلدة، فالآية نصت على حكم الإماء ولم تتعرض لحكم العبيد الذكور، فقال الفقيه إن العلة من تنصيف العذاب على الأمة هي الرق وهو موجود بعينه في العبد فليكن العبد كالأمة لاتحادهما في علة الحكم، فصار العبد إذا زنى يجلد 50 جلدة بالقياس على الأمة، فإذا علم هذا فلنطبق هذه الأحكام على الآية الآتية وهي قوله تعالى ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) فقوله تعالى الزانية هذا لفظ عام يشمل كل زانية حرة كانت أو أمة فعقوبتها 100 جلدة، ولكن الآية السابقة أعني قوله تعالى: ( فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) دلت على أن الأمة تجلد 50 جلدة، وبما أن هذه الآية خاصة بالإماء، وقوله تعالى ( الزانية ..) عام في كل زانية، وبما أن الخاص يقدم على العام فتخصص آية الإماء عموم آية الزانية، وهذا مثال تخصيص القرآن بالقرآن، وقوله تعالى: ( والزاني..) هذا لفظ عام يشمل كل زانٍ حرا كان أو عبدا فعقوبته 100 جلدة، ولكن القياس أعني قياس العبد على الأمة في تنصيف العذاب خصص هذه الآية أي أخرج العبد الزاني من وجوب الـ 100 جلدة وهذا مثال تخصيص القرآن بالقياس والخلاصة هي أن آية الزانية والزاني قد خصصت مرتين: مرة بآية الإماء، ومرة بالقياس.
    رابعا: تخصيص الكتاب بالإجماع، والإجماع سيأتي بيانه ومعناه هو اتفاق فقهاء الأمة على حكم في مسألة ما وهو حجة ويجب العمل به، ومثاله قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ...) الآية فقوله تعالى: ( الذين آمنوا ) لفظ عام في كل مؤمن ولكن خص منه العبد والمرأة بالإجماع لأنه قد أجمع العلماء على أن الجمعة لا تجب عليهما.
    خامسا: تخصيص السنة بالكتاب ومثاله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله.. متفق عليه، فالناس لفظ عام يشمل المشركين وأهل الكتاب وغيرهم، ولكن خص منه أهل الكتاب فإنهم إذا دفعوا الجزية لم يقاتَلوا وإن لم يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لقوله تعالى: ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ).
    سادسا: تخصيص السنة بالسنة ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: فيما سقت السماء العشر. متفق عليه، وما هنا من ألفاظ العموم والمعنى في كل ما سقت السماء من الزرع عشر الزرع زكاة، سواء أكان الزرع قليلا أو كثيرا لعموم لفظ ما، ولكن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، أي ليس في الزرع الذي دون 5 أوسق زكاة، فيخصص هذا الحديث الحديث السابق ويصير المعنى: فيما سقت السماء العشر إن بلغ خمسة أوسق، والـ 5 أوسق = 612 كغم.
    سابعا: تخصيص السنة بالإجماع ومثاله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الماء طهور لا ينجِّسه شيء ) رواه أحمد وغيره وهو صحيح. فقوله شيء نكرة وقعت في سياق نفي فتعم أي لا ينجِّس الماء أي شيء حتى لو تغير بالنجس، ولكن انعقد الإجماع على نجاسة المتغير فيصير المعنى إن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا إن تغير بالنجاسة.
    ثامنا: تخصيص السنة بالقياس ومثاله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ) رواه مسلم. أي إذا زنى رجل بكر بامرأة بكر فيعاقبان بمائة جلدة وتغريب سنة، والبكر هو الذي لم يجامع في زواج صحيح، فقوله صلى الله عليه وسلم ( البكر ) لفظ عام يعم كل بكر حرا كان أو عبدا، ولكن خص العبد بالقياس السابق على الأمة، فجلد العبد 50 مأخوذ من القياس وهذا القياس قد خصص هذا الحديث.
    ( تعليقات على النص )

    (ويجوزُ تخصيصُ الكتابِ بالكتابِ ) مثل قوله تعالى والمطلقات يتربصن... خص منه أولات الأحمال ( وتخصيصُ الكتابِ بالسنةِ ) مثل قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم .. خص منه الولد الكافر بالسنة ( وتخصيصُ السنةِ بالكتابِ ) مثل قوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس.. خص منه دافع الجزية بقوله تعالى حتى يعطوا الجزية.
    ( وتخصيصُ السنةِ بالسنةِ ) مثل تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر بقوله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ( وتخصيصُ النطقِ بالقياسِ) المراد بالنطق الكتاب أو السنة أي تخصيص الكتاب بالقياس وتخصيص السنة بالقياس مثل قوله تعالى ( الزانية والزاني .. ) خص من الزاني العبد قياسا على الأمة، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة خص من البكر العبد فيجلد خمسين بالقياس على الأمة ( ونعني بالنطقِ: قولَ اللهِ سبحانهُ وتعالى، وقولَ الرسولِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَّ ) ولم يذكر تخصيص الكتاب بالإجماع وتخصيص السنة بالإجماع وقد ذكرنا مثالهما في الشرح.

    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هي أنواع المخصصات المنفصلة؟
    2- ما معنى تخصيص الكتاب بالقياس ؟
    3- ما معنى تخصيص السنة بالإجماع ؟.

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    انتهينا من النصف الأول من الكتاب ونبدأ بالنصف الثاني على بركة الله.

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس العشرون )

    المطلق والمقيد

    المطلق هو: اللفظ الدال على فرد شائع أو أفراد شائعين.
    مثال: أكرمْ رجلا، فرجل هنا مطلق لأنه لفظ دال على شخص غير معين بخلاف أكرمْ زيدا فإن زيدا لفظ يدل على معين فلا يكون مطلقا.
    فقولنا ( فرد شائع ) أي غير معين مثل رجل فإنه غير معين ويصدق على أي رجل كزيد أو عمرو أوعلي أو غيرهم ولكن على سبيل التناوب والبدل لا على سبيل الشمول لهم دفعة واحدة.
    وقولنا ( أفراد شائعين ) مثل رجلين ورجال فإنه لا شمول فيهما بخلاف الرجال فإنه عام وليس بمطلق.
    والفرق بين المطلق والعام هو: أن المطلق يدل على الشيوع والعام يدل على الاستغراق، أي يدل المطلق على فرد غير معين مثل رجل أو أفراد غير معينين بلا شمول مثل رجلين ورجال، بينما العام يدل على الشمول لكل الأفراد دفعة واحدة مثل كل رجل.
    ولتلخيص الفرق بينهما نقول:
    أولا: من حيث العمل وبراءة الذمة فإن العام يجب على المكلف أن يأتي بأفراد العام جميعا بينما في المطلق يأتي بالبعض فقط وتبرأ ذمته.
    مثل: أكرم الرجال أي يجب أن تكرمهم كلهم فهذا عام.
    ومثل: أكرم رجلا أي أكرم رجلا واحدا ولك أن تعينه بزيد أو بعمرو أو ببكر أو غيرهم.
    ثانيا: من حيث الشمول فإن عموم العام لأفراده شمولي استغراقي، بينما عموم المطلق بدلي من جهة صلاحية اللفظ لأن يقع على هذا أو ذاك ولهذا يقال: ( عموم العام شمولي وعموم المطلق بدلي ).
    أما الفرق بين الخاص والمطلق فهو: أن المطلق قسم من الخاص، ولو أنك رجعت إلى الوراء قليلا لوجدت أن التمثيل برجل ورجلين ورجال قد ذكرناه من مصاديق الخاص، وهنا ذكرنا هذه الأمثلة بعينها في المطلق وسبب كون المطلق من الخاص هو أن الخاص تعريفه اللفظ الذي لا يدل على استغراق فيصدق على رجل ورجلين ورجال أنها لا استغراق فيها لكل جنس الرجل من أولهم إلى آخرهم، والمطلق هو اللفظ الدال على فرد شائع أو أفراد شائعين، ويصدق على رجل ورجلين ورجال أنها تدل على فرد شائع أو أفراد شائعين فظهر سبب اجتماعهما.
    وأما المقيَّد فهو: اللفظ المطلق الذي اقترن به ما يقلل شيوعه.
    مثل: أكرم رجلا هذا مطلق وإذا قلتَ: أكرم رجلا عالما صار مقيدا، وأعتق رقبة هذا مطلق وأعتق رقبة مؤمنة صار مقيدا.
    فالمطلق + قيد= المقيَّد.
    وقولنا ( الذي اقترن به ما يقلل شيوعه ) نعني به أن المطلق فيه شيوع فإذا ضيّقنا هذا الشيوع بإضافة لفظ على المطلق فإنه سيصير مقيدا مثل رجل يشمل الجاهل والعالم فإذا قيدناه بعالم وقلنا رجل عالم قلّ شيوعه.
    وإذا كان المطلق من الخاص فإن المقيد من الخاص أيضا لأنه نفس المطلق مع قيد فلا يخرجه القيد عن كونه خاصا فإن قولنا أكرم رجلا عالما، يدل على شخص واحد فيكون خاصا.
    ثم إذا ورد كلام مطلق وكلام مقيَّد يحمل المطلق على المقيد أي نأخذ القيد ونضعه في المطلق فيصير مقيدا.
    مثال: إذا قيل لك: أكرم رجلا، فهنا لفظ رجل مطلق، ثم قيل لك بعدُ أكرمْ رجلاً مسلما، وهنا لفظ رجل مقيّد بالمسلم فهل تكرم أي رجل ولو كان كافرا، أو أن المطلوب هو إكرام رجل مسلم ؟
    الجواب: عليكَ أن تكرم رجلا مسلما، أي أننا أخذنا القيد ( مسلما ) ووضعناه على رجل، فصار المطلوب إكرام رجل مسلم.
    مثال: قال الله تعالى في كفارة القتل ( فتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ ) فهذا نص مقيّد، وقال تعالى في كفارة الظهار: ( فتحريرُ رقبةٍ ) فهذا نص مطلق، فهنا الرقبة ذكرت مرة مقيدةً ومرة مطلقة فنحمل المطلق على المقيد ويصير الواجب في كفارة الظهار هو عتق رقبة مؤمنة كما هو الحال في كفارة القتل.
    والفرق بين تخصيص العام وتقييد المطلق هو: أن العام لا بد أن تكون فيه أداة من أدوات العموم التي تقدمت وحينئذ إذا دخل عليه قيد يكون هذا من تخصيص العام.
    أما المطلق فهو لا عموم فيه وليس فيه أداة عموم وحينئذ إذا دخل عليه قيد يكون هذا من باب تقييد المطلق.
    وبعبارة مختصرة التخصيص يرد على لفظ عام، والتقييد يرد على لفظ مطلق.
    كما في الأمثلة التالية:
    ( تخصيص عام ) ( تقييد مطلق )
    أكرم الرجال العلماء................ أكرم رجلا عالما.
    اعتق الرقاب المؤمنة................ اعتق رقبة مؤمنة.
    اقرأ الكتب المفيدة ................. اقرأ كتبا مفيدة. وهكذا.

    ( تعليقات على النص )

    ( والمقيّدُ بالصفةِ ) هذا بيان لمبحث المطلق والمقيد وقد ذكره المصنف في ضمن العام والخاص لتشابه تخصيص العام بتقييد المطلق من جهة أن في كليهما تضييقا (كالرقبةِ قيّدتْ بالإيمانِ في بعضِ المواضعِ وأطلقتْ في بعض المواضعِ ) قال تعالى في كفارة القتل: فتحرير رقبة مؤمنة، وقال تعالى في كفارة الظهار فتحرير رقبة (فيحملُ المطلقُ على المقيدِ ) أي يكون المقيد بيانا للمطلق ويكون المطلوب في كفارة القتل وكفارة الظهار هو تحرير رقبة مؤمنة ولا تجزئ الرقبة الكافرة.

    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هو المطلق والمقيّد ؟
    2- ما معنى حمل المطلق على المقيّد ؟
    3- كيف تفرق بين العام والمطلق، وبين تخصيص العام وتقييد المطلق ؟

    ( التمارين )

    استخرج أحكام العدة بتطبيق القواعد الأصولية على الأدلة الشرعية.
    1- قال الله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) البقرة- 66.
    2- قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) الأحزاب- 49.
    3- قال الله تعالى: ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) الطلاق- 4.
    4- قال الإمام ابن المنذر في الإجماع: وأجمعوا أن عدة الأمة التي تحيض من الطلاق: حيضتان. اهـ ص 123.
    5- قال تعالى: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ).البقرة- 234.
    6- عن المِسْوَرِ بنِ مِخْرَمَةَ رضي الله عنه أن سُبَيْعَةَ الأسلميَّةَ نَفِسَتْ بعد وفاة زوجها بليال فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكِحَ فأذن لها فنكَحَتْ. رواه البخاري.
    7- قال الإمام ابن المنذر رحمه الله في الإجماع: وأجمعوا أن عدة الأمة التي ليست بحامل من وفاة زوجها شهران وخمس ليال. اهـ ص 123.
    .............................. .............................. .............................. .....................
    قوله تعالى ( والمطلقات ) أل هنا للاستغراق فيشمل كل مطلقة ولكن خص منه ما يلي:
    أولا: الأمة فإن عدتها ليست ثلاثة قروء بل تعتد بقرأين بالإجماع كما حكاه ابن المنذر.
    ثانيا: غير المدخول بها لقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ).
    ثالثا: الحامل فعدتها ليست ثلاثة قروء بل بوضع الحمل لقوله تعالى ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ).
    رابعا: الكبيرة الآيسة والصغيرة التي لم تحض فإن عدتهن 3 أشهر لقوله تعالى ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ). وقوله ( واللائي يئسن، واللائي لم يحضن ) لفظ عام لأن اللائي اسم موصول فيعم الحرة والأمة ولكن خص منه الأمة للإجماع على أن عدتها على النصف فتعتد الأمة شهرا ونصف الشهر.
    قوله تعالى (يذرون أزواجا) (أزواجا ) لفظ مطلق لأنه جمع منكر فيدل على وجوب عدة الوفاة عن المرأة المتوفى عنها زوجها سواء أكانت حرة أم أمة وسواء أكانت حاملا أم غير حامل وسواء أكانت مدخولا بها أو غير مدخول بها وسواء أكانت صغيرة أم كبيرة، ولكن إذنه صلى الله عليه وسلم لسبيعة الأسلمية بالزواج بعد أن وضعت حملها بليال من وفاة زوجها قيّد الآية بغير الحامل.وكذا هذا الحكم لا يشمل الأمة بل تلزم نصف عدة الحرة شهرين وخمسة أيام وهو ثابت بالإجماع فهو مقيد لإطلاق الآية.

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    312

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ويا رب تشرح لب الأصول لزكريا الأنصارى بنفس الطريقة

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد فقير مشاهدة المشاركة
    ويا رب تشرح لب الأصول لزكريا الأنصارى بنفس الطريقة
    نسأل الله التوفيق والبركة.
    جزاك الله خيرا.

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الواحد والعشرون )

    باب المجمل والمبيّن والظاهر والمؤول

    إن المعنى يفهم من اللفظ من طريقين: الأول: المنطوق، الثاني: المفهوم.
    فالمنطوق هو: المعنى الذي دلّ عليه نفس اللفظ، والمفهوم هو: المعنى الذي سكت عن بيانه اللفظ.
    بمعنى أنه تارة تكون المعاني مأخوذة من ظاهر الألفاظ، وتارة تكون المعاني أخذت بالاستنباط من الألفاظ، أي أن المتكلم لم يصرح بالحكم ولكن السامع فهمها وانتزعها من الكلام.
    مثال:إذا قلتَ لابنك: إذا تخرجت من الجامعة بتقدير جيدٍ فلك عليّ سيارة، فهنا هذه الألفاظ وضعت في اللغة لتدل على معنى واضح وهو: حينما يحصل نجاحك بتقدير جيد فستحصل على سيارة جائزة مني، فحينئذ يكون هذا المعنى منطوقا أي أن اللفظ قد نطق به، ولكن يفهم من هذا اللفظ أمران آخران ينتزعان منه انتزاعا وهما:
    1- إذا لم تحصل على تقدير جيد فلن تحصل على السيارة.
    2- إذا حصلت على تقدير أعلى من جيد فسيتأكد استحقاقك للسيارة.
    فلو أن الابن جاء لوالده بتقدير ممتاز فلا يقبل أن يقولَ له أنا قلتُ لك بالحرف الواحد: إذا تخرجت من الجامعة بتقدير جيد... وأنت تخرجت بتقدير ممتاز فليس لك عليّ شيء.
    ونلاحظ أن المفهوم الأول مخالف وعكس المنطوق لأن المنطوق يقول ستحصل على سيارة والمفهوم المخالف يقول لن تحصل على سيارة فالحكمان متضادان ولهذا يسمى بمفهوم المخالَفَةِ، والمفهوم الثاني موافق للمنطوق وهو الحصول على السيارة ولهذا يسمى بمفهوم الموافَقَةِ، فصار المفهوم قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.
    ومفهوم الموافقة هو: أن يؤخذ الحكم من العلة التي يقصدها المتكلم. كما في مثال التخرج السابق فإن الغاية والعلة المقصودة والمنشودة من كلام الوالد هي حمل الابن على التفوق، فإذا ثبت أن الأب يريد من الابن التفوق وكانت درجة الامتياز أعلى في التفوق من درجة الجيد لم يشك العاقل أن درجة الامتياز أولى بالحصول على السيارة، ولهذا يسمون هذا النوع من مفهوم الموافقة بمفهوم الموافقة الأولى لأن المفهوم أولى بالحكم من المنطوق.
    مثال: قال الله تعالى ( فلا تقلْ لهما أفّ ) وقد علمنا أن مطلق النهي للتحريم فالمنطوق هو يحرم قول أفٍّ للوالدين والعلة هي الإيذاء، فحرمة الضرب والشتم لهما تكون أولى بالتحريم من التأفف، فهذا مفهوم موافقة أولى.
    وهنالك مفهوم موافقة آخر يسمى بمفهوم الموافقة المساوي وهو أن يكون الحكم المفهوم مساويا للحكم المنطوق.
    مثال ذلك: أن يقول الوالد لولده خذ هذا المال وانتبه لا يضيع منك، فالانتباه لئلا يضيع المال منه هو منطوق، وعدم إلقاء المال في الزبالة أو إتلافه هو المفهوم وهو مساو للمنطوق من جهة أن العلة من كلام الوالد هي المحافظة على المال سواء بعدم تضييعه أو بإتلافه.
    مثال آخر: قال الله تعالى: ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) فحرمة أكل مال اليتيم منطوق، والعلة هي حماية أموال اليتامى فحينئذ يحرم أيضا حرق أموال اليتيم أو هدره أو إتلافه بأي طريقة كانت لأن نفس العلة متحققة في هذه الصور فهذا مفهوم موافقة مساو.

    أنواع مفهوم المخالفة

    مفهوم المخالفة هو: أن يؤخذ الحكم من تخلف قيد في الكلام. مثل ما ذكرنا إذا تخرجت من الجامعة.. فهنا التخرج قيد وشرط في الحصول على السيارة فإذا انتفى هذا القيد فلن يحصل الحكم.
    والقيد الذي يؤخذ منه مفهوم مخالف أربعة أنواع هو: ( الشرط- الوصف- الغاية - العدد ).
    1- الشرط اللغوي أي كل جملة مصدرة بأداة من أدوات الشرط مثل إن وإذا.
    مثال: قال الله تعالى: ( وإن كنّ أولات حمل فأنفقوا عليهن ).
    المنطوق= وجوب النفقة على المطلقة الحامل، المفهوم المخالف= عدم وجوب النفقة على المطلقة غير الحامل.
    2- الصفة أي كل ما يعد في المعنى وصفا للحكم سواء أكان يسمى نعتا أو حالا في علم النحو أم غيرهما.
    مثال: قال الله تعالى: ( فتحرير رقبة مؤمنة ).
    المنطوق= وجوب تحرير رقبة مؤمنة، المفهوم المخالف= منع تحرير رقبة كافرة.
    3- الغاية أي أن يكون الحكم مقيدا بغاية ونهاية وأحرفه هي: حتى وإلى.
    مثال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق ) رواه أبو داود وهو صحيح.
    فالمنطوق= رفع القلم عن هؤلاء، والمفهوم المخالف= عدم رفع القلم عن الصبي إذا بلغ والنائم إذا استيقظ والمجنون إذا عقل.
    4- العدد فمتى حُدد الحكم في النص بعدد معين فإن مفهوم المخالفة لهذا العدد هو منع تطبيق الحكم أقل أو أكثر.
    مثال: قال الله تعالى: ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ).
    المنطوق= وجوب 100 جلدة على الزانية والزاني، المفهوم= عدم جواز أقل من 100 جلدة أو أكثر.
    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هو المنطوق وما هو المفهوم ؟
    2- ما هو مفهوم الموافقة الأولى والمساوي ؟
    3- ما هو مفهوم المخالفة وما هي أنواعه ؟

    ( التمارين )

    بيّن المنطوق والمفهوم في النصوص التالية:
    1- قال الله تعالى: ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ).
    2- قال تعالى: ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا).
    3- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٌ ) رواه البخاري.
    4- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ) رواه أبو داود وغيره وهو صحيح.


    .............................. .............................. .............................. .............................. .............................. .
    1- المنطوق هو وجوب قتال كل فئة باغية، ومفهومه المخالف المأخوذ من قيد حتى تفيء أنه لا تقاتل الفئة الباغية بعد الفيء.
    2- المنطوق وجوب إتيان النساء مهورهن وكذا يفيد إباحة أخذ ما طابت به نفس الزوجة من مهرها، ومفهومها المخالف بالشرط هو حرمة أخذ مهر النساء بدون طيب نفوسهن كأن يكرهها على أخذ مالها.
    3- المنطوق هو في زكاة الغنم السائمة شاة إذا كانت من 40 إلى 120، وهنا مفهوما مخالفة: أولاهما: في الوصف وهو في سائمتها ومفهومه إذا لم تكن الغنم سائمة بل كانت معلوفة فلا زكاة فيها.
    وثانيهما في الشرط وهو إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة، فمفهومه أنها إذا كانت أقل من أربعين فلا زكاة فيها وإذا كانت أكثر من 120 ففيها أكثر من شاة.
    4- المنطوق هنا الحكم بالبطلان على نكاح كل امرأة بغير ولي.
    وهنا مفهوم مخالفة بالوصف وهو بغير إذنها وليها ومفهومه أنه إذا نكحت بإذن وليها فهو صحيح.

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الثاني والعشرون )

    تقسيم المنطوق إلى نص وظاهر ومجمل

    قلنا إن المعنى تارة يدرك من المنطوق وتارة يدرك من المفهوم، وهنا نريد أن نبين أن المنطوق تارة لا يحتمل إلا معنى واحدا، وتارة يحتمل معنيين هو في أحدهما أرجح من الآخر، وتارة يحتمل معنيين ليس أحدهما أرجح من الآخر.
    فالذي لا يحتمل إلا معنى واحدا هو النص.والذي يحتمل معنيين هو في أحدهما أرجح من الآخر هو الظاهر.
    والذي يحتمل معنيين ليس أحدهما أرجح من الآخر هو المجمل.
    أولا: النص وهو: لفظ لا يحتمل إلا معنى واحدا. كالأعلام وأسماء الأعداد.
    مثال: جاء زيد، فزيد لا يحتمل إلا معنى واحدا وهو شخص معين مسمى بهذا الاسم.
    مثال: قال تعالى: ( محمد رسول الله ) فلا يحتمل هذا اللفظ إلا معنى واحدا وهو أن سيدنا محمد رسول من الله صلى الله عليه وسلم فيسمى نصا.
    مثال: قال تعالى في الزناة: ( فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) فهذا اللفظ القرآني لا يحتمل إلا معنى واحدا وهو أن يجلد الزاني والزانية 100 جلدة لا تنقص ولا تزيد، وحكم النص هو دلالته على المعنى بشكل قطعي.
    ثانيا: الظاهر وهو: لفظ يحتمل معنيين هو في أحدهما راجح. كدلالة اللفظ على معناه الحقيقي فهو راجح فيه.
    وأما احتماله للمعنى المجازي فهو مرجوح فيه.
    مثال: رأيت اليوم أسدا، فهو يحتمل معنيين الحيوان المفترس، والرجل الشجاع وهو راجح في المعنى الأول لأنه المعنى الحقيقي المتبادر من إلى الذهن.
    مثال: قال الله تعالى: ( وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة ) فقوله تعالى إلى ربها ناظرة يفيد أن أهل الجنة ينظرون بأعينهم إلى الله يوم القيامة ويرونه رأي العين؛ لأن النظر معناه الحقيقي المشاهدة بالعين، وقد قيل إن النظر معناه هنا مجازي وهو الانتظار أي تنتظر تلك الوجوه ثواب ربها، ولكن هذا المعنى مرجوح لأن المتبادر هو الحقيقة فيجب المصير إليها.
    وهذا من جهة دلالة هذا اللفظ بخصوصه في هذه الآية على النظر الحقيقي وهو المعنى الظاهر لا المعنى المجازي المرجوح.
    أما مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى رؤية حقيقة يوم القيامة فهي مسألة قطعية من جهة مجموع الأدلة الشرعية على هذه المسألة فتنبه.
    والظاهر وإن لم تكن دلالته قطعية مثل النص إلا أنه يجب العمل بالمعنى الراجح وترك المرجوح إلا إذا وجد دليل يصرف اللفظ من معناه الظاهر إلى معناه المرجوح فحينئذ يقال هو مؤول.
    مثل: رأيت أسدا يحمل سيفا، فإنه يسمى مؤولا، ويسمى ظاهرا بالدليل أي هو ظاهر بالنظر للقرينة مثل يحمل سيفا فقد دلتنا على أن المعنى المجازي وهو الرجل الشجاع هو المراد من الكلام.
    فالظاهر ظاهر بنفسه لا يحتاج إلى دليل كي يكون به ظاهرا، والمؤول ظاهر بسبب الدليل ولولاه لكان غير ظاهر.
    ثم إن حمل اللفظ على المعنى المرجوح لا بد فيه من دليل وإلا كان فاسدا ولهذا يعرفون التأويل بأنه: صرف اللفظ عن ظاهره لدليل.
    ثالثا: المجمل وهو: لفظ يحتمل معنيين على السواء.
    كدلالة اللفظ المشترك وهو ما وضع لمعنيين مثل كلمة العين فإنها تطلق ويراد بها العين الباصرة ويراد بها الماء ويراد بها النقد كالدينار وغير ذلك فإذا قال شخص: رأيت عيناً لا يدري السامع ماذا يقصد بالعين.
    مثال: قال الله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) فالقرء لفظ مشترك وضع في اللغة لمعنيين هما: ( الطهر، والحيض ) فلا يعلم من نفس الآية ماذا يريد الله عز وجل هل يريد أن المطلقات عدتهن 3 أطهار أو 3 حيضات ولهذا تجد العلماء قد اختلفوا فمنهم من قال أراد الطهر ومنهم من قال أراد الحيض.
    وحكم المجمل هو التوقف لأن دلالته مبهمة فلا بد من البحث عن دليل يشخص المعنى المراد.
    وأسباب الإجمال ثلاثة هي:
    أولا: عدم معرفة المعنى المراد كما في اللفظ المشترك كالعين والقرء على ما بيناه.
    ثانيا: عدم معرفة الصفة والكيفية المطلوبة للفعل مثل قوله تعالى: ( وأقيموا الصلاة ) فإن صفة الصلاة وكيفية أدائها مجهولة لان الصلاة نقلت إلى معنى شرعي لا تعرفه العرب قبل ورود الشريعة فحينئذ لا بد من دليل يبين الكيفية وقد بينها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله.
    ثالثا: عدم معرفة المقدار المطلوب مثل قوله تعالى ( وآتوا الزكاة ) فإن مقادير الزكاة التي تدفع لا تعرف وقد جاءت أدلة أخرى بينت المقدار.
    ثم إن ذلك الدليل الذي يبين المعنى المراد يسمى المُبَيِّن. فتعريف المبيِّن هو: الدليل الذي يرفع الإجمال أي يزيل الغموض ويكشف عن المعنى المراد، فقوله تعالى: ( وأقيموا الصلاة ) مجمل من حيث الصفة وقد بينها النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم بيانا شافيا وقال: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) رواه البخاري.
    فبفعله صلى الله عليه وسلم الصلاة أمامهم حصل البيان وزال الإجمال.

    ( تعليقات على النص )

    ( والمجملُ ما يفتقرُ إلى البيانِ ) ما في التعريف واقعة على لفظ أي لفظ يفتقر إلى البيان، كلفظ القرء فإنه مجمل يحتمل الحيض والطهر ( والبيانُ إخراجُ الشيءِ ) أي المجمل ( من حيزِ الإشكالِ ) أي من موضع الإشكال والإبهام ( إلى حيزِ التجلي ) أي إلى موضع الاتضاح فالمراد بالحيز هو الموضع، ويمكن تعريفه بعبارة أخصر وهو أن البيان رفع الإجمال ( والنصُّ ما لا يحتملُ إلا معنىً واحداً ) كثمانين في قوله تعالى فاجلدوهم ثمانين جلدة فإنها لا تحتمل غير هذا العدد، وقد يراد بالنص في اصطلاح العلماء نفس ألفاظ الكتاب والسنة سواء أكانت قطعية الدلالة أو ظنية الدلالة ولذا نقول نصوص القرآن والسنة نعني الآيات والأحاديث بغض النظر عن مدلولها.
    ( وقيلَ ) هذا تعريف ثان للنص وأشار إلى ضعفه بقوله قيل ( ما تأويلُه تنزيلُه) أي لفظ يحصل تفسيره بتنزيله أي بنزوله فيفهم المعنى المراد من نفس اللفظ من غير حاجة إلى دليل خارج عنه وذلك نحو قوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام فهذا اللفظ بمجرد نزوله يفهم معناه، والتعريف الأول أدق ولذا اختاره المصنف وذلك لأن الظاهر أيضا تأويله تنزيله فيفهم معناه الظاهر بمجرد سماعه ولا يتبادر إلى الذهن المعنى المرجوح وإن كان محتملا ( وهو ) أي النص ( مشتقٌ ) أي مأخوذ ( من مِنصةِ العروسِ أي الكرسي ) هذا بيان للمعنى اللغوي للنص ذكره كي تظهر المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، ومنصة العروس كرسي يوضع في موضع مرتفع وتجلس عليه العروسة، واللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا يكون مرتفعا فلذا سمي نصا ( والظاهرُ ما احتملَ ) أي لفظ احتمل ( معنيينِ أحدُهما أظهرُ من الآخرِ ) مثل رأيت أسدا فإن معنى الحيوان المفترس هو الأظهر ( ويؤولُ الظاهرُ بالدليلِ ) أي يحمل اللفظ على معناه المرجوح لدليل دل عليه نحو رأيت أسدا يحمل سيفا.
    ( ويسمى ) المؤول (ظاهراً بالدليلِ ) فكما يسمى بالمؤول يسمى بالظاهر بالدليل فلا بد من تقييده بلفظ الدليل لأن الظاهر عند الإطلاق يحمل على الظاهر بنفسه من غير حاجة إلى دليل.


    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هي النص والظاهر والمجمل؟
    2- ما معنى التأويل ومتى يكون مقبولا؟
    3- ما معنى البيان ؟

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الثالث والعشرون )

    باب أفعال الرسول وإقراراته

    فعل النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم على أقسام هي:
    أولا: ما فعله بمقتضى الخِلقة البشرية أو العادة. مثل نومه وأكله وشربه وذهابه للحاجة فهذه أفعال تصدر من الإنسان وهو مضطر لها بحكم كونه بشرا، وقد يفعل بعض الأفعال الاختيارية بحكم العادة أو أعراف المجتمع المحيط به مثل كونه يحب بعض أنواع الطعام ويكره البعض أو يلبس لباسا معينا أو يمشي بطريقة معينة أو يصف شعره بصِفة معينة فهذا القسم لا دلالة فيه على التشريع أي هو لم يفعله ليكون شرعا ولا نقول للناس افعلوا مثل فعله صلى الله عليه وسلم لأنه هذه الأمور ليست مطلوبة على وجه التشريع كالصلاة والصوم.
    ثانيا: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه القربة والطاعة.مثل صلاته وصيامه وحجه وهذا نوعان:
    1- أن يدل الدليل على اختصاصه به مثل ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل، قال: لست كأحد منكم إني أطعم وأسقى، أي أن الله يعطي بدني قوة الطعام والشراب، ومعنى المواصلة أي لا يفطر عند المغرب ويبقى صائما ويجيء اليوم الثاني وهو كذلك لم يأكل أو يشرب حتى في السحور فمثل هذا قربة في حقه ولكنه منهي عنه بالنسبة للأمة وقد دل الدليل على الخصوصية.
    2- أن لا يدل دليل على اختصاصه به فهذا لكل الأمة وهذا هو الأصل أعني أن ما فعله صلى الله عليه وسلم لا يختص به بل هو عام لكل الأمة إلا إذا قام دليل الاختصاص لأن الله سبحانه وتعالى قال: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) والأسوة هو القدوة.
    ثم إن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه القربة ولم يختص به لا يخلو من حالين:
    أ- أن يعرف حكمه فهذا لا إشكال فيه مثل صلواته الخمس وصيامه رمضان فهذا واجب ليس بنفس الفعل بل بالأدلة الدالة على الوجوب، ومثل السنن القبلية والبعدية للصلوات فهذه علم حكمها أنها للندب.
    ب- أن لا يعرف حكمه بل يأتينا فعل للنبي صلى الله عليه وسلم وليس عندنا سوى هذا الفعل الذي هو على وجه القربة فعلى ماذا نحمله؟ والجواب: قد حصل خلاف بين العلماء على ثلاثة أقوال:
    القول الأول: يحمل على الوجوب من باب الاحتياط، وقد نوقش بأن الوجوب إنما يستفاد من الأوامر وهي ألفاظ فنفس الفعل لا يفهم منه الوجوب.
    القول الثاني: يحمل على الندب لأنه هو القدر المتيقن؛ لأننا علمنا أن الفعل مطلوب على وجه القربة والمطلوب قد يكون واجبا وقد يكون مندوبا والأصل عدم الوجوب فنحمله على الندب أي أن الوجوب مشكوك فيه والندب متيقن لأنه أقل أحوال الطلب لأننا قدمنا أن طلب الفعل إما على وجه الوجوب أو الندب، وهو اختيار الأكثر.
    القول الثالث: نتوقف فيه لأنه ليس عندنا ما يدل على الوجوب وليس عندنا ما يدل على الندب فنتوقف.
    ولتلخيص هذه الأقسام نقول: فعل النبي صلى الله عليه وسلم إما على وجه القربة، أو على غير وجه القربة، فإن فعل على غير وجه القربة فيدل على الإباحة، وإن فعل على وجه القربة فإما أن يختص به، أو لا يختص به، والذي لم يختص به فإما أن يعلم حكمه، أو لا يعلم، فإن لم يعلم فيحمل على الندب وقيل على الوجوب وقيل نتوقف.
    ومنه نعلم أن أفعاله صلى الله عليه وسلم دائرة بين الوجوب والندب والإباحة، ولا يفعل محرما أو مكروها.
    أما المحرمات فلأنه صلى الله عليه وسلم معصوم. وأما المكروهات فلأن المتقين من أفراد أمته يجتنبونها فكيف وهو صلى الله عليه وسلم أتقى الأتقياء. فإن قيل: ولكنه قد فعل بعض المكروهات كشربه الماء قائما فكيف الجواب؟ قلنا: إنها مكروهة في حقنا أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد فعلها ليبين الجواز فيكون بهذا الاعتبار مثابا.

    الإقرار

    الإقرار هو: فعل أو قول حصل عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره. فهذا الإقرار دليل على الجواز لأنه صلى الله عليه وسلم لا يقر أحدا على باطل، ويكون إقراره على القول كقوله أي كأنه قال نفس هذا القول، ويكون إقراره على الفعل كفعله أي كأنه صدر من فعله، وذلك لما ذكرنا أنه لا يقر أحدا على باطل.
    مثال القول: ما قاله أبو بكر رضي الله عنه في غزوة حنين لأحد الصحابة حينما حصل اختلاف في السلب ( أفلا يأخذ سلبه ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق أبو بكر. متفق عليه.
    ومثال الفعل: أن خالد بن الوليد أكل الضَّب عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه. متفق عليه. والضَّب سحلية تعيش في الصحراء قد تكون بحجم الكف وقد تكبر حتى تصير بطول إنسان وهو نباتي.
    مسألة: ما حكم ما فعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في غير مجلسه فعلمه ولم ينكره؟ الجواب: له نفس حكم ما فعل في مجلسه فيكون جائزا، وصورة المسألة أن يفعل فعل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يشاهده ثم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فلانا فعل كذا فإذا لم ينكره دل على الجواز لأنه لا يقر على باطل.
    مثال: جاء في صحيح مسلم أن أبا بكر رضي الله عنه حلف في وقت غضب أن لا يأكل من طعام ثم أكل منه ثم أبلغ النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل من حنث في يمينه فلم ينكر عليه، فيدل على جوازه عند التكفير عن يمينه.
    ( تعليقات على النص )

    ( الأفعالُ ) هذا عنوان لهذا المبحث والمقصود بالأفعال أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم دون غيره ( فعلُ صاحبِ الشريعةِ ) أي النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحب الشريعة يطلق ويراد به المشرع والحاكم وهو الله وحده، ويراد به المبلغ للشريعة وهو المعنى المراد هنا (لا يخلو إما أنْ يكونَ على وجهِ القربةِ والطاعةِ أو غير ذلك ) القربة والطاعة بمعنى واحد ثم أخذ يفصل ما كان على وجه القربة والطاعة فقال (فإنْ دلّ دليلٌ على الاختصاصِ به يحملُ) ذلك الفعل ( على الاختصاصِ ) مثال ما دل الدليل على الاختصاص به وصاله في الصوم ( وإن لمْ يدلْ لا يخصصُ به لأن اللهَ قالَ: لقدْ كانَ لكم في رسولِ اللهِ أسوةٌ حسنةٌ ) وجه الاستدلال هو أن الله جعل النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وهذا يقتضي أن أفعاله لا تختص به ليحصل الاقتداء، فهذا هو الأصل ولا يعدل عنه إلا لدليل.
    ( فيحملُ على الوجوبِ عندَ بعضِ أصحابِنا ) المراد بالأصحاب هم أصحاب المذهب الواحد والمصنف شافعي المذهب فالمقصود به هم الشافعية ووجه حمله على الوجوب عند هؤلاء البعض هو الاحتياط للعبادة (ومِن أصحابِنا من قالَ يحملُ على الندبِ) وهذا هو الأقوى عند كثيرين (ومنهم من قالَ يتوقفُ فيه) فلا يحكم بوجوب أو ندب ( فإنْ كانَ على وجهِ غيرِ القربةِ والطاعةِ ) كالأكل والنوم ( فيحملُ على الإباحةِ في حقِه ) صلى الله عليه وسلم ( وفي حقِّنا ) أي نحن معاشر أمته صلى الله عليه وسلم.
    ( وإقرارُ صاحبُ الشريعةِ ) أي النبي صلى الله عليه وسلم ( على القولِ ) كقول أبي بكر رضي الله عنه بإعطاء القاتل سلب المقتول ( هو قولُ صاحبِ الشريعةِ ) أي كأنه قاله النبي صلى الله عليه وسلم نفسه.
    ( وإقرارُه ) أي صاحب الشريعة ( على الفعلِ ) كأكل الضب في مجلسه ( كفعلِه ) أي كفعل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه.
    ( وما فُعِلَ في وقتِه ) أي في زمن حياة النبي صلى الله عليه وسلم ( وعَلِمَ بِه ) وهذا شرط وهو أن يعلم بهذا الفعل الذي حصل في زمانه ويبلغه ( ولم ينكرْه ) هذا شرط ثان ( فحكمُه ) أي ذلك الفعل ( حكمُ ما فعلَ في مجلِسهِ ) صلى الله عليه وسلم فيدل على الجواز كما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر حينما أخبره أنه حلف ثم نكث لما رأى النكث خيرا.

    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما المقصود بالأفعال والإقرارات ؟
    2- بين أقسام فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع حكم كل قسم ؟
    3- ما هو حكم ما فعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فعلمه ولم ينكره ؟

    ( التمارين )

    بين نوع الفعل في النصوص التالية:
    1- عن حذيفة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك. متفق عليه.
    2- عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل. متفق عليه.
    3- عن عبد الله بن عمر قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال السبتية التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها. رواه البخاري .
    4- عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. متفق عليه.




    .............................. .............................. .............................. ....................
    1- تسوكه صلى الله عليه وسلم للصلاة من الليل على وجه التقرب وهو مستحب لأن فعله للتعبد يدل على الندب ويشوص أي يدلك.
    2- حبه صلى الله عليه وسلم للعسل والحلوى هو من العادات ولا يتعلق بها الاقتداء بل تدل على الإباحة.
    3- لبسه صلى الله عليه وسلم للنعال السبتية من أفعال العادة ولا يتعلق بها الاقتداء بل تدل على الإباحة والنعال السبتية هي المتخذة من جلد البقر المدبوغ.
    4- فعله صلى الله عليه وسلم هذا على وجه القربة وهو يدل على الندب وقد اختلف أهل العلم في وجوب صلاة الليل على النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على عدم وجوبها على أمته.

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    بارك الله فيكم
    تسجيل متابعة
    اللهم أحسن عاقبتي في الأمور كلها

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jun 2012
    المشاركات
    2

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    بارك الله فيك وزادك علما وتوفيقا

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة المستمطر مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيكم
    تسجيل متابعة
    وفيكم الله بارك.
    أهلا وسهلا بكم.

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم الحسنات مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك وزادك علما وتوفيقا
    اللهم آمين.
    وفيكم الله بارك وزادكم علما وتوفيقا.

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الرابع والعشرون )
    باب الناسخ والمنسوخ
    النسخ: إلغاءُ وحيٍ سابقٍ بوحيٍ لاحقٍ. مثال: قال الله تعالى: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج) نسخت بقوله تعالى: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ).
    تفيد الآية الأولى أن عدة المتوفى عنها زوجها حول أي سنة هجرية.
    وتفيد الآية الثانية أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام.
    والآية الثانية هي المتأخرة في النزول على النبي صلى الله عليه وسلم.
    فهنا ألغت الآية الثانية المتأخرة في النزول حكم الآية الأولى المتقدمة في النزول.
    وتسمى الآية المتأخرة الملغية لحكم الآية الأولى ناسخة، والآية المتقدمة منسوخة فهذا هو النسخ.

    شروط النسخ
    أولا: أن يكون المنسوخ حكما شرعيا عمليا أي يكون متعلقا بأفعال المكلفين كالصلاة والصوم والزكاة والبيع والنكاح والعدة ونحو ذلك.
    ولا يدخل النسخ الخبر والأحكام الاعتقادية والأحكام الأخلاقية.
    مثال الخبر: الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد.. فهذه الأخبار لا يمكن أن يدخلها النسخ أبدا، وكذا كل الأخبار كأن يخبر عن نبي أو عن ملك أو عن حال الأمم السابقة فلا تنسخ أبدا.
    ومثال الأحكام العقائدية: الإيمان بالله وبرسوله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
    ومثال الأحكام الأخلاقية: وجوب الصدق وحرمة الكذب والحسد والبخل ونحو ذلك.
    فهذه كلها لا يدخلها نسخ أبدا وإنما يدخل التشريعات.
    ثانيا: أن يكون الناسخ والمنسوخ ثابتين بالنص
    أي لا ينسخ القياس أو الإجماع آية أو حديثا لأنه لا بد أن يكون الناسخ والمنسوخ وحيا.
    ثالثا: أن يكون الناسخ متأخرا في نزوله عن المنسوخ، وذلك لكي يمكن اعتبار النص الثاني قد ألغى النص الأول لأنهما إذا نزلا معا أو كان الناسخ متقدما في النزول لم يمكن بحال اعتباره ناسخا.
    رابعا: أن يكون بين الناسخ والمنسوخ تناقض، كأن يكون أحدهما يحرم شيئا والآخر يبيحه أو بالعكس.
    والقصد من هذا الشرط هو بيان أنه لا يمكن الجمع بين النصين فلذا نلجأ للنسخ، كما في آيتي عدة المتوفى عنها زوجها فإحداهما تنص على مدة والأخرى تنص على مدة مغايرة.

    طريق معرفة النسخ
    يعرف النسخ بطريقين هما: أولا: دلالة اللفظ عليه. مثل قوله صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. رواه مسلم. فهذا لفظ صريح بوقوع النسخ. ثانيا: معرفة تاريخ المتقدم والمتأخر. مثال: عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أفطر الحاجم والمحجوم) رواه أبو داود وغيره وهو صحيح. والمعنى أن المحجوم وهو من عملت له الحجامة والحاجم وهو فاعل الحجامة لغيره يفطران إذا كانا صائمين. وهذا الحكم منسوخ بدليل ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم ) رواه البخاري. والثاني هو الناسخ للأول لتأخره عنه بالزمن فإن ابن عباس إنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم محرما في حجة الوداع وهي سنة عشر من الهجرة، وحديث شداد بن أوس جاءت في بعض طرقه أن احتجام النبي صلى الله عليه وسلم وقع في عام الفتح سنة ثمان للهجرة. فحديث ابن عباس متأخر بسنتين فهو ناسخ لحديث شداد.
    ( تعليقات على النص )

    ( وأمَّا النسخُ ) الذي هو أحد الأبواب المتقدم ذكرها في المقدمة ( فمعناه لغةً الإزالةُ ) والإذهاب ( يقالُ ) في لغة العرب ( نسخت الشمسُ الظلَّ إذا أزالتهُ ) فقريب طلوع الشمس تجد ظلا وعدم ضوء حتى إذا طلعت الشمس وارتفعت أزال ضوء الشمس هذا الظل، ويقال: نسخت الريح آثار القدم إذا أزالته من الأرض ومحته.
    ( وقيلَ معناهُ ) أي معنى النسخ ( النقلُ ) والتحويل ( من قولِهم ) أي قول العرب ( نسختُ ما في الكتابِ ) من كلام ( أي نقلته ) وحولته إلى صفحة أخرى قال تعالى: ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعلمون ). وهنا وقفات:
    1- إن المصنف قال: ( وقيل معناه النقل ) فهذا تضعيف للقول الثاني وترجيح للقول الأول وهو الإزالة.
    2- لا خلاف في أن النسخ في لغة العرب يستعمل بمعنى الإزالة وبمعنى النقل ولكن هل هو حقيقة في كلا المعنيين أو في المعنى الأول أو في المعنى الثاني؟ والجواب: إن مختار الكثيرين هو أنه حقيقة في المعنى الأول وهو الإزالة مجاز في المعنى الثاني وهو النقل وهذا هو الذي اختاره المصنف هنا.
    ( وحدُّه ُ) أي تعريف الناسخ شرعا فالضمير في حده راجع إلى الناسخ لأن هذا التعريف يصدق على الناسخ ( هو الخطابُ ) أي الكلام واللفظ ( الدالُّ على رفعِ الحكمِ الثابتِ بالخطابِ المتقدمِ ) أي هو الكلام والخطاب الثاني الرافع لحكم الخطاب الأول مثل آيتي عدة الوفاة ( على وجهٍ ) أي على وصف هو أنه ( لولاهُ ) أي لولا وجود الخطاب الثاني ( لكانَ ) ذلك الحكم ( ثابتاً ) أي غير مرفوع فلولا آية والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا لكان حكم العدة بالحول ثابتا غير مرفوع ( مع تراخيه) أي مع تراخي الخطاب الرافع ( عنه) أي عن الخطاب المرفوع أي يتأخر عنه في الزمن.

    ( الأسئلة )

    1- في ضوء ما تقدم ما هو النسخ.
    2- ما هي شروط النسخ ؟
    3- ما هي طرق معرفة النسخ ؟

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    ( الدرس الخامس والعشرون )

    أقسام النسخ

    يقسَّم النسخ عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة وهي:
    أولا: تقسيمه باعتبار نوع المنسوخ وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى:
    1- نسخ حكم فقط، 2- نسخ لفظ فقط، 3- نسخ حكم ولفظ معا.
    مثال الأول: نسخ حكم آية عدة الحول فقد أُلغي حكمها ولم يلغ لفظها لأنها لا تزال آية من القرآن من سورة البقرة تتلى إلى يوم الدين ويحصل ثواب قراءتها للقارئ.
    مثال: الثاني: ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( كان فيما أنزل من القرآن آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده.. ) متفق عليه.
    وهذه الآية كما جاء في موطأ مالك ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم) فهذه آية من القرآن نزل بها جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وكانت من ضمن سورة الأحزاب كما ذكر بعض أهل العلم، فنسخ لفظها ولم تعدّ من القرآن ولا تتلى ولكن بقي حكمها وهو الرجم.
    مثال الثالث: آية الرضاعة فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان فيما نزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخت بخمس معلومات ) فهذه آية من القرآن وهي ( عشر رضعات معلومات يحرمن ) ثم نسخ لفظها أي لم تعد من القرآن ونسخ حكمها بآية أخرى وهي ( خمس معلومات يحرمن ) فصار أن من رضع من امرأة خمس رضعات حرمت عليه وصارت أمه من الرضاعة، ثم نسخ لفظ الثانية وبقي حكمها.
    وهذه أمثلة نادرة والكثير هو القسم الأول وهو نسخ الحكم فقط.
    ونسخ الحكم بدوره ينقسم إلى قسمين:
    أ- نسخ إلى بدل، ب- نسخ إلى غير بدل.
    مثال الأول: نسخ حكم العدة من الحول إلى 4 أشهر و10 أيام.
    ومثال الثاني: قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) تدل الآية على أن من أراد أن يناجي رسول الله أي يحدثه سرا منعزلا عن الناس وجب عليه أن يقدم صدقة لله عز وجل كأن يدفعا مبلغا من المال ثم نسخ هذا الحكم بقوله ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذْ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله ) فألغيت الصدقة قبل المناجاة ولم يجعل بديلا عنها.
    ثم ما نسخ إلى بدل ينقسم ثلاثة أقسام هي:
    أحدها: ما نسخ إلى بدل أغلظ، ثانيها: ما نسخ إلى بدل مساوٍ، ثالثها: ما نسخ إلى بدل أخف.
    مثال: الأول: قوله تعالى ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ) دلت الآية على أن من كان يستطيع الصوم فله أن يفطر ويدفع فدية طعام مسكين وله أن يصوم وهو أفضل ثم نسخ هذا الحكم بقوله تعالى: ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فصار يجب على كل مستطيع أن يصومَ ولا يجوز له أن يفطر ويطعم مسكيناً بدلا عنه، وهذا الحكم أغلظ لأنه في الآية الأولى كان المسلم مخيرا بين أمرين، وفي الآية الثانية رفع التخيير وألزم بالصوم.
    مثال الثاني: استقبال بيت المقدس في بداية الإسلام كان ثابتا بالسنة كما في الصحيحين، ثم نسخ هذا الحكم بقوله تعالى: ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ..) فهنا انتقل من بيت المقدس إلى الكعبة، واستقبال الكعبة مساو لاستقبال بيت المقدس بالنسبة لفعل المكلف فليس أحدهما أشد كلفة عليه.
    ومثال الثالث: ما ذكرناه من آيتي العدة عن الوفاة، فقد انتقل الحكم من لزوم العدة سنة إلى 4 أشهر و10 أيام وهذا أخف على المرأة.


    ( تعليقات على النص )

    (ويجوزُ نسخُ الرسمِ ) أي كتابة الآية من المصحف فترفع ولا تكتب ولا تقرأ على أنها قرآن كما في الشيخ والشيخ إذا زنيا فارجموهما.. ( وبقاءُ الحكمِ ) فقد بقي حكم الرجم على المحصن مع رفع التلاوة ( ونسخُ الحكمِ وبقاءُ الرسمِ ) وهو الأكثر مثل آيتي عدة الوفاة ( ونسخُ الأمرينِ معاً ) أي نسخ الرسم والحكم كما في عشر رضعات معلومات يحرمن نسخ لفظها وحكمها ( وينقسمُ النسخُ إلى بدلٍ ) كما في نسخ العدة بالحول إلى العدة بأربعة أشهر وعشر ( وإلى غيرِ بدلٍ ) كما في نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ولم يوضع بدل الصدقة شيء آخر ( وإلى ما هوَ أغلظُ ) في الحكم من المنسوخ كنسخ التخيير بين الصوم، والصدقة في رمضان بوجوب الصوم ( وإلى ما هوَ أخفُّ ) كعدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر وكذا إلى ما هو مساو كاستقبال الكعبة بدل بيت المقدس.

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    جزاكم الله خيرا عندي سؤال في قسم تعارض العامين
    سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
    قال وهيب بن الورد:إن استطعـــت ألا يسبقك الى الله أحـــد فافعل

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    959

    افتراضي رد: دروس في شرح الورقات غاية في السهولة والوضوح ( المختصر )

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة دعوة إلى الله مشاهدة المشاركة
    جزاكم الله خيرا عندي سؤال في قسم تعارض العامين
    وجزاكم الله خيرا.
    نعم اطرحوا السؤال مباشرة.

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •