الشيخ/ أحمد بن علي برعود
خطبة 6/ جمادي الآخر/ 1433هـ الموافق 26/ إبريل/ 2012م
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] وهي من المحكم فلا تحتمل معنيين متعارضين كما هو في المتشابه من القرآن الذي يتّبعه الذين في قلوبهم زيغ، فلا يجوز أن تُتخذ شمّاعة للأغراض والمصالح السياسيّة، فكلٌ يحملها على محمل مراده وما يتفق مع أهدافه، بل يجب الرجوع إلى تفسير القرآن لها إن وُجِدَ أو إلى تفسير النبي صلى الله عليه وسلم أو الآثار الصحيحة عن الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين وتابع التابعين.
فإن لم يجدوا فإلى لسان العرب، وفي عصرنا الحاضر ليس الوصول إلى فهم الخطاب القرآني بعيد المنال، فكتب التفسير لجهابذة العلم منتشرة وميّسرة، ويمكننا في هذه العجالة استعراض ما تيسّر مما جاء في كتب التفسير:
ذكر القرطبي في تفسير قول الله تعالى: "واعتصموا" العصمة المنعة، والحبل لفظ مشترك، وأصله في اللغة السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة، والحبل: حبل العاتق، والحبل: مستطيل من الرمل، والحبل العهد "مروي".
عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال ابن مسعود: "حبل الله القرآن"، ورواه علي وأبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن مجاهد وقتادة مثل ذلك.
وأبو معاوية عن الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن هو حبل الله».
وروى تقي بن مخلد حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا».
قال الجماعة: روي عنه وعن غيره من وجوه، والمعنى كله متقارب متداخل، فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة".
ورحم الله ابن المبارك حيث قال:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا *** منه بعروته الوثقى لمن دانا
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: " (بحبل الله) بعهد الله" ا.هـ.
فالاعتصام بالله: هو الامتناع والتمسك بدينه وطاعته، كما ذكر القرطبي عن ابن جريج عند قوله تعالى: {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ} [آل عمران:101] يؤمن به، وقيل: المعنى (ومن يعتصم بالله) أي: يتمسّك بحبل الله وهو القرآن، ويقال: "اعتصم به وتمسّك".
وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في زاد المسير قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا} [آل عمران:103].
قال الزجاج: "(اعتصموا) استمسكوا فأما الحبل ففيه ستة أقوال:
أحدها: أنه كتاب الله القرآن رواه شقيق عن ابن مسعود وبه قال قتادة والضحاك والسدي.
والثاني: أنه الجماعة رواه الشعبي عن ابن مسعود.
والثالث: أنه دين الله قاله ابن عباس وابن زيد ومقاتل وابن قتيبة. وقال ابن زيد: هو الإسلام.
والرابع: عهد الله قاله مجاهد وعطاء وقتادة في رواية وأبو عبيد واحتج له الزجاج بقول الأعشى: وإذا تجوزها حبال قبيلة أخذت من الأخرى إليك حبالها.
وأنشد ابن الأنباري:
فلو حبلاً تناول من سليمى *** لمد بحبلها حبلاً متيناً
والخامس: أنه الإخلاص قاله أبو العالية.
والسادس: أنه أمر الله وطاعته قاله مقاتل بن حيان" ا.هـ.
وقال المراغي رحمه الله تعالى في تفسيره: "أي: تمسكوا بكتاب الله وعهده الذي عهد به إليكم، وفيه أمركم بالألفة والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله والانتهاء إلى أمره. واستمسك إذا امتنع به عن غيره، واعتصمت بفلاناً: هيّأت له ما يعتصم به، وكل متمسّك بشيء معصِم ومعتصِم، وكل مانع شيئاً فهو عاصم" ا.هـ.
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "السنة حبل الله المتين".
وقال السعدي رحمه الله في تفسيره: "ثم أمرهم تعالى بما يعينهم على التقوى وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة مؤتلفين غير مختلفين، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر العام".
وقال سيد قطب رحمه الله تعالى في ظلال القرآن: "فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام.. من الركيزة الأولى.. أساسها الاعتصام بحبل الله -أي: عهده ونهجه ودينه- وليست مجرد تجمّع على أي تصوّر آخر، ولا على أي هدف آخر، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة" ا.هـ.
فمن خلال ما ذكره بعض المفسرين مما جاء آنفاً نخلص إلى الآتي:
أولاً: أن الاعتصام هو الامتناع والتمسّك بدين الله وطاعته وطاعة رسوله.
ثانياً: أن حبل الله يأتي بمعنى القرآن، والعهد، والسنّة، والجماعة المتمسّكة بالقرآن، ودين الله، والإسلام، والإخلاص.
ثالثاً: أن الاعتصام مقيّدٌ وليس بمطلق، فهو مقيد بحبل الله فأي اعتصام ليس بحبل الله تعالى فإنه يخرج عن الاعتصام المأمور به في الآية. والقيد مانع لمن يحاول أن يسخّر القرآن لمصالحه وهواه وأفكاره فالاعتصام المأمور به ليس مجرّد تجمّع على أي تصوّر غير تصوّر المنهج الإسلامي.
فالآية لا تصلح شاهداً أو دليلاً على الاجتماع والوحدة على الرايات العلمانية أو الاشتراكية أو القومية أو الوطنية ونحوها، وإنما هي صادقة على الاجتماع على دين الله وعبادته ونهجه وطاعته وطاعة رسوله.
فالوحدة اليمنية التي قامت في: 22/ مايو/ 1990م لم تقم على أسس شرعيّة ومقاصد دينية أو أخوة إسلامية تخضع للمنهج الرباني، وإنما على مصالح لنظامين كل واحد منهما يريد أن يحتوي الآخر أو يلغيه، بين نظام ينتمي إلى منظومة الرأسمالية، ونظام ينتمي إلى المنظومة الشيوعيّة وهذا لا يخفى على الكثير.
ولم يكن للشعبين في الشطرين اختيار في صنع الوحدة ولا في الانفصال في حرب صيف 1994م كما فصلّت ذلك في موضوع هل دعوى الانفصال نزعة أم ضرورة.
وعلى رغم إعلان الانفصال في أثناء الحرب، إلا أن الشعب الجنوبي قابل الوحدة بالترحيب طمعاً في الأفضل والخلاص من هيمنة الحزب الواحد وأفكاره الإلحادية المصادمة للفطرة، ولكنه فوجئ بما لم يكن في الحسبان فوجئ أن الجنوب صار غنيمة والغنيمة تقسّم، وأصبحت أرض الجنوب وخيراتها مستباحة للنظام الظالم ومتنفذيه، ومورست سياسة الإقصاء ضد أبناء الجنوب وحاول أبناء الجنوب تصحيح الوضع حفاظاً على الوحدة ولكن دون جدوى حتى ارتفع سقف المطالبة بالانفصال في ثورة سلميّة وحراك سلمي.
فالوحدة لم تقم على أسس شرعية حتى تُنزّل عليها الأدلة الشرعيّة في الاجتماع والاتحاد. مما لا شك فيه أن الاتحاد قوة في ظل العدالة وتقاسم المصالح، أما في ظل الظلم والهيمنة وتقاطع المصالح والتفرّد بها يعدُّ تسلّطاً من قبل الأقوى وظلماً وعدواناً.
فالذين ينادون ويطالبون بالانفصال لا يُحكم عليهم أنهم عصاة لأمر الله تعالى في قوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] فإن كان ثمة حبل فالنظام المستبد قد قطعه، وحكومة الوفاق لم تأت بما يردَّ الحقوق والاعتبار لأبناء الجنوب إلى وقتنا الحالي، فمن حقِّ أبناء الجنوب أن يختاروا الانفصال أو ما يرونه سبيلاً لاستعادة حقهم المسلوب. فغالبية أبناء الجنوب لا يرون حلّاً مقنعاً ومرضياً لقضيتهم إلا فك الارتباط، ففلول النظام السابق موجودة، والمتنفذون الغاصبون لحقّهم لا يزالون في سدّة الحكم وما زالت أيديهم باسطة على خيرات الجنوب، فأين حضرموت أرضاً وناساً من خيراتها واستثماراتها وثرواتها.
وينبغي الفصل بين فك الارتباط مع نظام ظالم وبين أخوّة الشعبين المسلمين، حيث حاول فلول النظام التسلّطي من استغلال هيجان الثورة السلميّة والحراك السلمي لأبناء الجنوب من خلال افتعال الأحداث بواسطة المندسّين والمستأجرين إلى نقل الصراع بين الشعبين وبث فيهم العصبية والمناطقيّة ودعاوى الجاهلية ومما لا شك أنها حصلت أخطاء وممارسات غير صحيحة، وطبيعي أن لكل حركة وثورة أخطاء، ولكن الاعتراف بالخطأ فضيلة، وحين أخذت القضية الجنوبية مأخذها وتفهّم لها المثقفون وتصدّر في طرحها العلماء والدعاة وأخذت القضيّة حظاً من التوعيّة والتثقيف، انكشف سحر المتنفذين، وما يقومون به من مكر وخداع، وأصبح الشارع الجنوبي يفرّق بين خصومه وبين من لا ناقة له ولا جمل، فانتهت أو نذرت في الحدوث المصادمات والصراعات المناطقية.
وقد ساعد على ذلك تفهّم الكثير من أبناء الشمال الذين يعملون في الجنوب أنهم يستخدمون وقود لفتنة فتعاملوا مع أي تصرّف بعقلانية واتزان، إلا من كان قد أُعدّ لذلك الغرض وقد فضح الله تعالى الكثير منهم.
فاليوم المناطق الجنوبية تشهد تكتّلات وتحرّكات ومكوّنات وكيانات علميّة وفكريّة وسياسيّة واجتماعيّة والكل يريد أن يقدّم رؤياه في حل القضيّة الجنوبية بما يضمن للشعب الجنوبي إعادة حقه المسلوب من كيان واستثمار وسيادة وخيرات.
ومن ضمن هذه الكيانات الكيان السلفي بمختلف أطيافه، وهذا يعدُّ تحولاً مثمراً لكون الكيان السلفي يمثل غالب أبناء الحركة الإسلامية وله قبولاً في أوساط الناس حيث يُوجد فيه العلماء والدعاة والخيّرين من شباب الأمة.
والرؤى المطروحة ولها قوّة هي ثلاث رؤى:
الأولى: فك الارتباط (الانفصال) وله تأييد جماهيري واسع.
الثاني: الفيدرالية
وتتبناها المعارضة في الخارج، والتي منها رموز الحزب الاشتراكي وغيرهم كالرابطة وبعض التكتّلات السياسية، وكذلك فصائل من الحراك السلمي في الداخل فهي لا تمانع في قبولها إذا كانت خياراً توافقياً أي توافقت عليه كل المكونات الجنوبية ويحظى خيار الفدرالية بقبول إقليمي ودولي.
الثالث: تقرير المصير
أي إجراء استفتاء لشعب الجنوب بين الخيارات المطروحة وهو يأتي في المرتبة الثالثة بالنسبة للخيارات المطروحة. فكل خيار من الخيارات له سلبياته وإيجابياته.
فخيار الانفصال من إيجابياته أنه يقطع جذور القضيّة، ويمكن أن يُستأنس بقوله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: 130].
ومن المخاوف منه أن بناء دولة من الصفر ليس بالأمر الهيّن بل يحتاج إلى صبر ومصابرة وإمداد وضمانات، حتى يتم بناء الدولة الوليدة، لأن النظام المتهالك بسياسته التسلّطيّة الدكتاتورية المركزية جرّد الجنوب من الصلاحيات ومن المؤسسات ذات السيادة الذاتية.
وأما خيار الفدرالية:
فمن إيجابيات الفدرالية أنها ستعيد لأنباء الجنوب أرضهم وخيراتهم وسيادتهم من غير إن تُحدث إرباكاً في المؤسسات القائمة وإنما يكون نقلاً للسلطات مع مخصّصاتها.
والخوف والقلق منها أنها تكون حبراً على ورق كما كانت الوحدة حبراً على ورق، فلابد أن تُؤخذ ضمانات ومواثيق إقليمية ودولية في خطة زمنية تفصيلية.
وفي ظل الفدرالية سيكون حال اليمن بشطريه أو أقاليمه كحال دولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة الولايات المتحدة الأمريكية.
وليتضح معنى الفدرالية فلنعرض موجزاً عنها:
الفدرالية شكل من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسّمة دستورياً بين حكومة مركزيّة ووحدات حكومية أصغر الأقاليم، الولايات، ويكون كلا المستويين المذكورين من الحكومة معتمد أحدهما على الآخر وتتقاسمان السيادة في الدولة.
أما ما يخص الأقاليم والولايات فهي تعتبر وحدات دستورية لكل منها نظامها الأساسي الذي يحدد سلطاتها التشريعية والتنفيذيه والقضائية ويكون وضع الحكم الذاتي للأقاليم، أو الجهات أو الولايات منصوصا عليه في دستور الدولة بحيث لا يمكن تغييره بقرار أحادي من الحكومة المركزية.
الحكم الفدرالي واسع الانتشار عالميا, وثمانية من بين أكبر دول العالم مساحة تحكم بشكل فدرالي. وأقرب الدول لتطبيق هذا النظام الفدرالي على المستوى العربي هي دولة الإمارات العربية المتحدة أما على المستوى العالمي فهي دولة الولايات المتحدة الأمريكية.
وممن يطرح خيار الفدرالية من يجعلها محدّدة بنحو خمس سنوات ثم بعد ذلك للشعب أن يقرّر المصير وذلك لضمان قيام المؤسسات على أصولها واستعادة بناء الدولة.
وأما خيار تقرير المصير فهو إرجاع الأمر للشعب ليقول كلمته وهي تعدُّ كلمة الفصل في القضيّة.
والمخاوف والمحاذير منه أنه قد يُتلاعب به ويدخله التزوير وكذلك التضليل وشراء الذمم كما حصل في الانتخابات السابقة ونجاح ذلك إذا وجد من الدول الإقليمية والدولية رغبة في ذلك كما كان للدول الغربية رغبة في انفصال الجنوب عن الشمال في السودان مع الفارق الشمال مسلم والجنوب صليبي، وأما اليمن فمسلم جنوبه وشماله(1).
نسأل الله تعالى أن يختار لنا ما فيه خير وصلاح لديننا ودنيانا إنه عليم خبير.. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
موقع منبر علماء اليمن:
http://olamaa-yemen.net/main/article...ticle_no=13706