الشرح المختصر على موطأة الفصيح - الصفحة 2
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 27 من 27

الموضوع: الشرح المختصر على موطأة الفصيح

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: الشرح المختصر على موطأة الفصيح

    الشرح المختصر على موطأة الفصيح لابن المرحل
    [الحلقة 13]



    [130- وَقَدْ صَرَفْتُ الْقَوْمَ وَالصِّبْيَانَا ..... سَرَّحْتُهُمْ، فَاقْتَبِسِ الْبَيَانَا]



    تقول (صرَف) بفتح الراء في الماضي، (يصرِف) بكسرها في المضارع، وهذا في جميع المعاني التي سيرد ذكرها لهذا الفعل؛ فمنها (صرفت القوم وصرفت الصبيان) وفسره الناظم بقوله (سرحتهم) أي أمرتهم بالانصراف، وقد سقط من مطبوع الفصيح (ص 267) قوله (صرفت القوم) وهي في كثير من النسخ.
    ومن ذلك قوله تعالى: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم}، وقوله: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض}
    وقول الناظم (فاقتبس البيانا) زيادة لتكميل البيت، وفي نسخة الشارح (فالتمس).
    ومراد ثعلب بهذا أنك لا يصح أن تقول (أصرفتُ القوم)، ومما يدل على هذا أن مطاوعه (انصرف)؛ كما في قوله تعالى: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم}، و(انفعل) لا يجيء مطاوعا للرباعي إلا شذوذا؛ كما تقول (شققته فانشق) (بعثته فانبعث) (كسرته فانكسر) (دفعته فاندفع) .. إلخ


    [131- وَصَرَفَ اللهُ الأَذَى عَنْكَ دَفَعْ ..... وَقَدْ قَلَبْتُ كُلَّ وَفْدٍ فَرَجَعْ]



    من معاني (صرف) أيضا الرد؛ تقول: (صرَف الله عنك الأذى) وفسره الناظم بقوله (دفع) أي رده ومنعه عن الوصول إليك، ومنه قوله تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء}، وقوله: {وإلا تصرف عني كيدهن}، {فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن}، {فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء}، {ربنا اصرف عنا عذاب جهنم}.
    ثم شرع في الكلام على فعل آخر وهو (قلَب) بفتح اللام في الماضي، (يقلِب) بكسر اللام في المضارع، ومثَّل عليه بقوله (قلبت كل وفد فرجع) أي صرفتهم إلى بلدهم، ومنه قوله تعالى: {وإليه تقلبون}، وفي الحديث عن صفية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفا فأتته تزوره فخرج معها ليقلِبها، أي ليعود بها إلى البيت.
    ومطاوع (قلب) هو (انقلب) وهو كثير في القرآن.


    [132- وَقَلَبَ الثَّوْبَ: بِمَعْنَى حَوَّلَهْ ..... كَذَلِكَ الْحَدِيثَ: تَعْنِي بَدَّلَهْ]



    من معاني (قلَب) أيضا تحويل الثوب، ومضارعه كسابقه، ومنه قلب الثوب في صلاة الاستسقاء، وكذلك تقول (قلَب الحديث) أي بدَّله، ومنه المقلوب في علوم الحديث؛ ومن أشهر مُثُله: (حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)، ومما وقع فيه الخلاف بين العلماء (لا يبرك أحدكم كبروك البعير، ولينزل بيديه قبل ركبتيه).
    ومراد ثعلب بذلك أنه لا يقال (أقلبتُ) بالهمزة في جميع هذه المعاني.


    [133- وَقَدْ وَقَفْتُ فَرَسِي فَوَقَفَا ..... أَقِفُهُ، وَقَدْ وَقَفْتُ مَوْقِفَا]



    تقول (وقَف) بفتح القاف في الماضي، (يقِف) بكسر القاف في المضارع، وأصلها (يَوْقِف) فاستثقلت الواو مع الكسرة فحذفت، وهو باب مطرد في الصرف؛ مثل (وعَد يعِد) (وصَل يصِل) (ورَد يرِد) (وثَب يثِب) (وجَد يجِد) (ولَج يلِج) (ولَد يلِد) .. إلخ.
    وهذا الفعل (وقف) يأتي متعديا ولازما؛ تقول: (وقفتُ الرجلَ) أي جعلته (يقف)، وتقول: (وقف الرجلُ) أي صدر منه الوقوف، فمن المتعدي قوله تعالى: {وقِفوهم إنهم مسؤولون}، وقوله: {ولو ترى إذ وُقِفوا على النار}، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم}، ولم يرد اللازم في القرآن.
    ومن اللازم قول النابغة في معلقته:
    وقفت فيها أصيلانا أسائلها ............. عيت جوابا وما بالربع من أحد

    وقول زهير في معلقته:
    وقفت بها من بعد عشرين حجة ............. فلأيا عرفت الدار بعد توهم

    ويختلف المتعدي عن اللازم في المصدر؛ فالمتعدي مصدره (وَقْف) واللازم مصدره (وقوف)، وهذا موافق للقياس؛ كما قال ابن مالك:
    (فَعْل) قياس مصدر المعدى ............. من ذي ثلاثة كرد ردا
    .......
    وفعَل اللازم مثل قعَدا ............. له (فُعول) باطراد كغدا

    وكلام ثعلب (وقفت الدابة) فهو أعم من كلام الناظم؛ إلا أنه لما كان المقصود منه التمثيل لم يضر التخصيص.
    ومراد ثعلب أنه لا يقال (أوقفتُ) يعني في اللغة الفصيحة العالية.
    وقول الناظم (وقد وقفت موقِفا): المَوقِف: يصلح مصدرا، ويصلح اسما للمكان، ويصلح اسما للزمان أيضا، وهذا مطرد في علم الصرف إذا كان الفعل واوي الفاء مكسور العين في المضارع.


    [134- وَقَدْ وَقَفْتُ لِلْيَتَامَى وَقْفَا ..... أَيْ حُبُسًا فَافْهَمْهُ حَرْفًا حَرْفَا]



    من معاني (وقَف) أيضا ما يسمى في الفقه (التحبيس) أو (الحَبْس) وهو أن تتصدق بأصل له رَيع؛ بحيث يبقى الأصل وينفق الريع على الفقراء أو غيرهم بحسب وصية صاحب الوقف، وفي الحديث أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أرض خيبر، فقال: احبِس أصلها وسَبِّل ثمرتها.


    [135- وَقَدْ مَهَرْتُ الزَّوْجَ أَيْ سَمَّيْتُ ..... لَهَا صَدَاقًا وَكَذَا أَعْطَيْتُ]



    تقول (مهَر) المرأةَ بفتح الهاء في الماضي، (يمهَرها) بفتح الهاء في المضارع، و(يمهُرها) بضم الهاء أيضا، ويجوز كذلك أن تقول (أَمهَرَها) ولكن الثلاثي هو الفصيح كما أشار ثعلب باختياره.
    ومعناه فيه وجهان ذكرهما الناظم؛ الأول: (سميت لها صداقا)، تقول: (مهرت المرأة كذا) أي اتفقت مع وليها على هذا المهر قبل نقده، والثاني: (أعطيت) تقول: (مهرتها كذا) أي نقدتها، والمعنيان آيلان في الحقيقة إلى معنى واحد، ولكنه من باب استعمال الفعل عند مجرد الشروع فيه أو الاقتراب؛ كقولك (قد قامت الصلاة)، وقولك لصاحبك عند قرب وصولك إليه (قد وصلت فافتح لي الباب)، وهذا الاستعمال مشهور في كلام العرب، والتفريق بينه وبين سابقه يعرف بالقرائن والسياق، وبسبب الاحتمال فيه اختلف الفقهاء في بعض المسائل؛ كاختلافهم في قوله صلى الله عليه وسلم (إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا) فقوله (أمَّن) هل يقصد به انتهى من تأمينه، أو مجرد شروعه فيه؟
    وقول الناظم (مهرتُ الزوجَ) المقصود به (المرأة)، وهذه هي اللغة الفصيحة؛ كما قال تعالى: {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة}، وقد يقال (زوجة) كما سيأتي للناظم في قوله:
    وامرأة خزيا ومرء خزيانْ ............. وطلقت زوجة ذاك الإنسانْ

    لكن الفصيح المشهور في كلام العرب حذف التاء؛ وأكثر الفقهاء يقولون (زوجة) بالتاء حتى لا يحصل لبس؛ لأن المسائل الفقهية فيها دقة وخطر، والعرب لا تحفل بمثل هذا اللبس؛ لأنها تعتمد أكثر ما تعتمد على القرائن والسياق.


    (136- وَقَدْ مَهَرْتُ الْعِلْمَ ذَا مُهُورَا ..... حَذِقْتُهُ فَلَانَ لِي مَقْهُورَا)



    هذا البيت من زيادات الشيخ محمد الحسن الددو حفظه الله، وليس من الموطأة، وأصله لا يوجد في معظم نسخ فصيح ثعلب، ولذلك لم ينظمه ابن المرحل.
    ومن عجائب الاتفاق أن هذا البيت يلائم حال الشيخ الددو في سعة علمه ومهوره فيه وحذقه، نسأل الله له مزيدا من الرفعة في الدنيا والآخرة.
    وقوله (حذِقته) فيه لغتان: حذِق يحذَق، وحذَق يحذِق.
    ومضارع (مهرت العلم) كمضارع الفعل بالمعنى السابق.


    [137- وَقَدْ عَلَفْتُ فَرَسِي وَبَغْلِي ..... وَقَدْ زَرَرْتُ قُمُصِي لِشُغْلِي]



    تقول (علَف) بفتح اللام في الماضي، (يعلِف) بكسرها في المضارع، وفسر الناظم الفعل بذكر مفعوله (فرسي وبغلي) وبه يتضح المقصود من (العَلْف) أنه إطعام الحيوان، وكلام ثعلب في الفصيح أعم؛ لأنه قال (علفت الدابة).
    والعلف مختص بالطعام دون الشراب؛ وأما قول الشاعر:
    علفتها تبنا وماء باردا ............. حتى شتت همالة عيناها

    فهو محمول عند النحويين جميعا على الحذف وتقديره: وسقيتها ماء؛ وإنما حذفه لفهمه من السياق.
    وتقول (زرَرت) بفتح الراء في الماضي، (أزُر) بضم الزاي في المضارع، وأصله (أزْرُر) بسكون الزاي وضم الراء، فأدغمت الراء في الراء فصارت ساكنة فنقلت حركتها إلى الزاي قبلها لكي لا يلتقي ساكنان، وهذا مطرد في علم الصرف أيضا؛ تقول (عد يعُدّ) (بل يبُلّ) (سر يسُرُّ) .. إلخ، وأصله (يعدد – يبلل – يسرر).
    والقُمُص جمع قميص، وهو ثوب له أكمام وجيب، وقوله (زررت قُمُصي لشغلي) أي ربطت أزرار ما عندي من القمصان من أجل الشغل.


    [138- وَازْرُرْ قَمِيصًا قَدْ حَلَلْتَ زِرَّهُ ..... وَزُرُّهُ وَزُرِّهِ وَزُرَّهُ]



    حركة عين فعل الأمر كحركة عين الفعل المضارع؛ فإن كان مفتوح العين فتحت العين كقولك (يسمَع – اسمَع)، وإن كان مكسور العين كسرت العين كقولك (يضرِب – اضرِب)، وإن كان مضموم العين ضممت العين كقولك (ينظُر – انظُر)، فلماذا ذكر الناظم الأمر هنا؟ ذكره لأن الفعل المضاعف له عدة أوجه في كلام العرب عند استعمال الأمر، وهي أوجه مطردة في جميع الأفعال، وهي من اختصاص علم النحو والصرف، فلا ينبغي ذكرها هنا؛ إلا أن المتقدمين كما سبق معنا مرارا كانوا يحرصون على إفادة الطالب، ولا ينظرون إلى مطرد أو غيره؛ لأن الكتاب إنما وضع للمبتدئين.
    فماذا تقول إن أردت استعمال فعل الأمر من (غَضَّ) مثلا؟
    الجواب أن لك في ذلك أربعة أوجه: وجه خاص بفك الإدغام، وثلاثة بالإدغام، فأما مع فك الإدغام، فتقول: (اغضض) كقوله تعالى: {واغضُضْ من صوتك} وحينئذ تعامله معاملة الفعل غير المضاعف فتظهر حركة العين وتبنيه على السكون.
    وأما مع الإدغام فتقول (غضّ) بالتشديد، لكن عندنا هنا يلتقي ساكنان، فكيف نتصرف؟ ذكر ثعلب أنك تحرك الفعل بالفتح أو بالضم أو بالكسر، فكله جائز عند ثعلب، ومن ذلك قول الشاعر:
    فغُضَّ الطرف إنك من نمير ........... فلا كعبا بلغت ولا كلابا

    يجوز أن تقول (فغضَّ الطرف) و(فغضِّ الطرف) و(فغضُّ الطرف).
    قالوا: الكسر لالتقاء الساكنين، والفتح لأنه أخف، والضم إتباعا.
    (تنبيه)
    وقع في المطبوع (حللتُ) بالضم، ولعل الأوفق للسياق (حللتَ) بالخطاب، ليكون من يحل هو من يزر. ووقع في المطبوع أيضا (حللت زُره) بضم الزاي، والصواب (زِره) بالكسر، وهو واحد الأزرار، وهو ما نقول له في العامية (زرار)، ولم أر أحدا من علماء اللغة ضبطه بالضم، وقد سموا به ومنه (زِر بن حبيش).


    [139- كَقَوْلِهِمْ: مُدَّ وَمُدُّ لِي يَدَا ..... وَمُدِّ أَيْضًا، وَالْجَمِيعُ وَرَدَا]



    هذا البيت زيادة بيان لما ذكر في البيت السابق بذكر مثال آخر على أحوال الفعل المضعف، وإنما ذكره تبعا لثعلب لكي لا يُظن أن هذه اللغات خاصة بالفعل (زر)؛ لأن كتاب الفصيح ونظمه موضوعان للألفاظ اللغوية الخاصة لا للقوانين الكلية.
    وقوله في آخر البيت (والجميع وردا) فيه رد على من أنكر من العلماء على ثعلب في بعض هذه الأوجه؛ كما لو اتصل الفعل بضمير المذكر؛ فإن البصريين يوجبون تحريكه بالضم ولا يجيزون الفتح ولا الكسر، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان (إنا لم نرُدُّه عليك إلا أنَّا حُرُم) فالفصيح الضم، لكن المشهور عند المحدثين هو الفتح، وثعلب لا يحكي مثل هذا إلا سماعا؛ وقد قال ابن الطيب الفاسي: (أبو العباس من فرسان هذا الشأن؛ فينبغي أن يُتبع دون توقيف).
    ومن هذه الأوجه ومن كون الفصيح هو الضم تعلم خطأ من قال إن قوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} لا يمكن حمله على النهي لأنه لو كان نهيا لقال: (لا يمسَّه) بالفتح.


    [140- وَقَدْ نَشَدْتُ اللهَ هَذَا الزَّاهِي ..... أَنْشُدُهُ سَأَلْتُهُ بِاللهِ]



    تقول (نشَد) بفتح الشين في الماضي، (ينشُد) بضم الشين في المضارع، ويلاحظ أن الناظم لم يذكر المضارع تبعا لثعلب في كثير من أفعال هذا الباب؛ لأن المقصود منه بيان الفصيح في الماضي وأنه ثلاثي لا رباعي، فلا يقال (أنشدت الله)، ولا يقال (أعلفَ) ولا يقال (أمهرَ)، ولا يقال (أوقفَ) أي لا يقال ذلك في اللغة العالية الفصيحة، وإن كان بعض ذلك ورد عن العرب على قلة.
    وقولك (نشدتُه اللهَ) فسره الناظم بقوله (سألته بالله) وهو واضح، ونشدته يتعدى إلى مفعولين، أو هو منصوب على نزع الخافض.
    والباء هنا تسمى باء القسم الطلبي؛ كما قال ابن مالك في الكافية:
    بالطلب البا اخصص كذا نشدتكا ............. الله أو بالله أو عمرتكا

    فالمعنى (ذكَّرتك الله مستحلفا)، وفي حديث كعب بن مالك أنه قال لأبي قتادة: (أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ وفي حديث حسان بن ثابت أنه سأل أبا هريرة: نشدتك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا حسان أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس).


    والله تعالى أعلى وأعلم، وإلى اللقاء في الحلقة القادمة بإذن الله.
    أخوكم ومحبكم/ أبو مالك العوضي
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: الشرح المختصر على موطأة الفصيح

    الشرح المختصر على موطأة الفصيح لابن المرحل
    [الحلقة 14]



    [141- وَحُشْ عَلَيَّ الصَّيْدَ أَيْ ضُمَّ إِلَيْ ..... وَاجْمَعْ لِكَيْ يَحْصُلَ بِالْحَوْشِ لَدَيْ]



    تقول: (حاشَ يَحوشُ حَوْشًا) كما تقول (قال يقول قولا - عاد يعود عودا - جار يجور جورا - إلخ)، والأمر منه (حُش) كما تقول (قُل – عُد – جُر – إلخ)، وفسَّر معناه الناظمُ بالضمِّ والجمع، وأوضحُ من هذا أن يُقال (حُشتُ الصيدَ: أي جِئتُه من حوالَيه وجهاته لكي أصرفَه إلى الشِّباك).
    ولم يرد هذا الفعلُ في القرآن، ولا في مشهور السنة، ويقرب من معناه قولُ أنس رضي الله عنه كما في البخاري (أنفَجْنا أرنبًا)، أي أثرتُها، وبمعناه أيضا (أنفَرَ).
    ومرادُ ثعلب بذكر هذا الفعل التنبيهُ على أنه أفصح من (أحوَشَ) الرباعي المزيد بالهمزة في أوله، على ما فيه من شذوذ.


    [142- وَنَبَذَ النَّبِيذَ يَعْنِي صَنَعَهْ ..... وَقِيلَ: يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ قَطَعَهْ]



    تقول (نبَذ) بفتح الباء في الماضي (ينبِذ) بكسر الباء في المضارع، وفسر معناه الناظم بقولين:
    - الأول: بمعنى الصناعة وهذا هو المعروف، وأوضحُ منه أن يقال (نبذتُ النبيذَ أي ألقيتُ التمرَ ونحوَه في الجرةِ أو الوعاءِ ونحوه وتركتُه حتى صار نبيذا)
    - الثاني: بمعنى القطع؛ هذا ما قاله الناظم، ولم يتضح لي فيه معنى مفهوم إلا بتكلف؛ وقد قال الشارحُ في هذا الموضع:
    (يُحتمل أنه أراد بقطعه تركَه ورفضَه ونبذَ شربه وطرحه، ويحتمل أنه مأخوذ من قولهم قطَع الحوضَ أي ملأه إلى نصفه ثم قطعَ عنه الماءَ، فكأنه نبذ النبيذ في إناء مثلا وملأه إلى نصفه وقطع الماء عنه، فيرجع للأول على ما فيه من بعض البعد، والله أعلم).
    و(نبذ) له معنى آخر في اللغة؛ لكنَّ ثعلبًا تركه ربما لشهرته وعدم الحاجة إلى النص عليه، وهو الترك؛ كما في قوله تعالى في الماضي: {فنبَذوه وراء ظهورهم}، وفي الأمر {فانبِذ إليهم على سواء}.


    [143- وَرَهَنَ الرَّهْنَ لَدَيَّ يَرْهَنُ ..... بِالْفَتْحِ أَيْضًا فَأَنَا مُرْتَهِنُ]



    تقول: (رهَن) بفتح الهاء في الماضي، (يرهَن) بفتح الهاء أيضا في المضارع، وهذا موافق لقاعدة حرف الحلق؛ لمكان حرف الهاء في عين الكلمة، كما سبق بيانه.
    وقول الناظم (فأنا مرتهِن) هذا اسم فاعل من الفعل (ارتهن)، وعادة العلماء في التصاريف أن يذكروا اسم الفاعل من الفعل السابق ذكره؛ فيقال (ضرب يضرب فهو ضارب، ونصر ينصر فهو ناصر) وهكذا، ولا يقال مثلا (كسَب فهو مكتسب) ولا (سرق فهو مسترق)، ولكن الناظم ذكر اسم الفاعل من فعل آخر ليفيد أن الفعل (ارتهن) يأتي مطاوع (رهَن)، ومهَّد لذلك بقوله في الشطر الأول (لديَّ)، وقد وقع في مطبوعة النظم (فأنا مرتهَن) بفتح الهاء، واستدركها المحققُ جزاه الله خيرا في جدول الخطأ والصواب بأنها بالكسر، وهذا هو الصواب لأنها اسم فاعل؛ إذ الفعل (ارتهن) مبني للفاعل لا للمفعول.
    والفقهاء يفرقون في الاصطلاح بين (الراهن) و(المرتهن)؛ فيجعلون الأول لمن يدفع الرهن والثاني لمن يأخذ الرهن، وهو تفريق صحيح موافق للغة، ومن أجل هذه الفائدة زاد الناظم هذا الفعل.
    ومراد ثعلب بذكر هذا الفعل أنه لا يقال (أرهنَ)، أو أنه لغة قليلة والفصيح (رهنَ).
    وفي بعض النسخ (بالفتح فاعلم).


    [144- وَقَدْ خَصَيْتُ الْفَحْلَ، وَالْخِصَاءُ ..... أَنْ يُنْزَعَ الْخُصْيَانِ، وَالْوِجَاءُ]



    تقول: (خصَى) بفتح الصاد في الماضي، (يخصِي) بكسر الصاد في المضارع؛ مثل (رمَى يرمِي).
    ومصدره الخِصاء بكسر الخاء، وفسره الناظم بنزع الخُصيين وهما الأُنثيانِ، ووقع في المطبوع (الخِصيان) بكسر الصاد والصواب ضم الخاء، و(الخُصيانِ) مثنى (خُصية) بحذف التاء على غير قياس، ونظيره (الأَليان) مثنى (أَلية) بحذف التاء أيضا على غير قياس، و(الأَلية) بهمزة مفتوحة والعامة تكسرها.
    فإن قيل (لعله يقصد الخِصْيانُ) بكسر الخاء وهو جمع (خصية)، فالجواب: أن هذا بعيد؛ لأنه قال في البيت بعده (أن يُتركا) بألف المثنى.
    وقول الناظم (والوجاء) هو ابتداء كلام جديد وتكملته في البيت الآتي، والناظم يريد بذلك أن يفسر هذه الكلمة (الوجاء) مع أن ثعلبا لم يذكرها؛ إلا أنه لما كان الناس يخلطون بين (الخصاء) و(الوجاء) أراد الناظم إفادة القارئ بالفرق بينهما.
    وكل ما ذكره ثعلب هو قولهم (وبرئتُ إليك من الخِصاء والوِجاء) وهو شاهد من كلام العرب على كلمة الخصاء؛ ومعناه: إن مات بسبب هذا الخصاء أو الوجاء فلا شيء عليَّ.


    [145- أَنْ يُتْرَكَا هُنَاكَ بَعْدَ رَضِّ ..... يَنُوبُ عَنْ نَزْعِهِمَا وَعَضِّ]



    في هذا البيت تفسير كلمة (الوجاء) وبه يظهر الفرق بينها وبين (الخصاء)؛ فالخِصاء هو نزع الخُصيين، أما (الوِجاء) فهو دقُّهما في محلِّهما، وهذا الدقُّ يُزيل منفعتَهما، ومن ثم ينوبُ عن نزعِهما، وكل هذا من زوائد الناظم على الفصيح.
    فقوله (أن يُتركا) أي الخُصيانِ (هناك) أي في موضعِهما دون نزع (بعد رض) أي دقٍّ (ينوبُ) أي هذا الدقُّ (عن نزعِهما) لأنَّ المرادَ بالنزع إزالةُ المنافع، والرضُّ يقوم مقامَ هذا.
    وقول الناظم (وعض) لا يظهر له معنى مفيدٌ للسياق، وينظر هنا للفائدة:
    أسئلة وإشكالات في (موطأة الفصيح)..


    [146- وَقَدْ نَعَشْتُ صَاحِبِي رَفَعْتُهُ ..... أَقَلْتُهُ أَفَدْتُهُ نَفَعْتُهُ]



    تقول: (نعَش) بفتح العين في الماضي، (ينعَش) بفتح العين في المضارع أيضا، وهذا موافق لقاعدة حرف الحلق التي سبق ذكرها مرارا، وفسره الناظم بأربعة أفعال تبين معناه؛ فقال (رفعته أقلته أفدته نفعته)، وحاصل المعنى (أخرجتُه من عثرته ووَرْطته)، أو (رفعتُه من صرعته إذا وقع على الأرض مغشيا عليه)، والمعنيان متقاربان.
    ومراد ثعلب بهذا الفعل أنه أفصح من (أنعَشَ) الرباعي المزيد بالألف، لأنه هو المشهور في كلام العامة.


    [147- وَقَدْ حَرَمْتُ الرَّجُلَ الْعَطَاءَا ..... أَحْرِمُهُ؛ إِذْ كَانَ قَدْ أَسَاءَا]



    تقول (حرَم) بفتح الراء في الماضي، (يحرِم) بكسر الراء في المضارع، ومعناه (المنع) وهو ضد العطاء، وفي بعض نسخ الفصيح استشهاد على هذا المعنى بقول الشاعر:
    مَن يَسألِ الناسَ يحرِموه .......... وسائلُ اللهِ لا يُرَدُّ

    وهذا البيت لا يعرفه قائله، وإنما يُعرف بيت يشبهه من قول عَبِيد بن الأبرص:
    من يسأل الناس يحرِموه .......... وسائل الله لا يخيبُ

    والقافية بائية، ويبعد جدا أن يخطئ ثعلب في مثل هذا؛ فإما أن يكون بيتا لشاعر آخر، وإما أن يكون زيادة من غير ثعلب.
    ومراد ثعلب بهذا الفعل أنه لا يقال (أحرمتُه) أو أنها لغة ضعيفة.


    [148- وَقَدْ حَلَلْتُ أَنَا مِنْ إِحْرَامِي ..... أَكْمَلْتُهُ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ]



    تقول (حَلَّ من إحرامه يَحِلُّ) بكسر الحاء في المضارع؛ مثل (جَلَّ يجِلُّ - تَمَّ يتِمُّ)، وهو قياس مطرد في الفعل المضعف اللازم؛ أما المتعدي فيكون بضم عينه في المضارع؛ مثل (شد يشُد – رد يرُد – إلخ)، وبهذا نفرق بين (حل يحِل) و(حل يحُل)؛ فالأول من الإحرام مثلا، والثاني بمعنى الفك.
    وتقول (أَحرَم الرجل للحج يُحرِم إحرامًا فهو مُحرِم) وهذا فعلٌ رباعي تصريفُه مُطردٌ لا يتخلف؛ مثل (أكرَم يُكرِم إكرامًا فهو مُكرِم) (أَخرَج يُخرِج إخراجًا فهو مُخرِج) (أَدبَر يُدبِر إدبارًا فهو مُدبِر) (أَسرَف يُسرِف إسرافًا فهو مُسرِف) إلخ.
    ومراد ثعلب بهذا الفعل (حللت) أنه أفصح من (أحللتُ من إحرامي) وإن كان لغة صحيحة.


    [149- وَحَزَنَ الأَمْرُ، وَأَمْرٌ شَغَلاَ، ..... وَقَدْ شَفَى الرَّحْمَنُ هَذَا الرَّجُلاَ]



    ذكر الناظم في ثلاثة أفعال في بيت واحد، وقليلا ما يفعل هذا؛ وذلك لأنها أفعال واضحة لا تحتاج لتفسير؛ وهي:
    - الأول: (حزَن) بفتح الزاي في الماضي (يحزُن) بضم الزاي في المضارع، وهو الفعل المتعدي للفعل اللازم (حزِن) بكسر الزاي؛ فتقول (حزَنتُ الرجلَ فحزِن الرجلُ) أي جعلته يحزَن فأصابه الحُزن، قال تعالى: {لا يحزُنهم الفزع الأكبر}، هذا في المتعدي، وقال: {ولا هم يحزَنون} هذا في اللازم، ولم يرد الفعل الماضي في القرآن، لا من هذا ولا من هذا.
    والمصدر (حُزْن) و(حَزَن) كما قال تعالى: {وابيضت عيناه من الحُزْن}، وقال: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحَزَن}، وهذان الوزنان (فُعْل) و(فَعَل) يتعاقبان كثيرا في كلام العرب؛ مثل (شغل وشغل) (عرب وعرب) (عجم وعجم)، وقد سبقت الإشارة إلى هذا.
    ومراد ثعلب بذكر هذا الفعل أنه أفصح من الرباعي (أحزَنَ)؛ فتقول (يَحزُنني) أفصح من أن تقول (يُحزِنني)، والثاني هو المشهور بين العامة.
    - الثاني: (شغَل) بفتح الغين في الماضي (يشغَل) بفتح الغين في المضارع، كما هي قاعدة حرف الحلق السابق ذكرها مرارا.
    ومراد ثعلب بذكر هذا الفعل أنه أفصح من الرباعي (أَشغَلَ)، وقد أُولِع الناس بالرباعي فلا يكادون يقولون الثلاثي، مع أنه أفصح وأشهر بلا نزاع.
    - الثالث: (شفَى) بفتح الفاء في الماضي، (يشفِي) بكسر الفاء في المضارع، من باب (رمَى يرمِي) كما سبق ذكره في (خصى يخصي).
    وقد ذكر ثعلب المضارع (يشفي) وأغفله الناظم، ربما لوضوحه.


    [150- وَغَاظَنِي الأَمْرُ وَأَنْتَ غِظْتَنِي ..... تَقُولُ فِي مَعْنَاهُ: قَدْ أَحْفَظْتَنِي]



    تقول (غاظ) مثل (باع) في الماضي، (يَغِيظ) في المضارع مثل (يَبِيع)، والأمر (غِظْ) مثل (بِع)، وفسره الناظم بقوله (أَحفَظَ) وهو تفسيرٌ بالأخفى أو المساوي؛ وعادة العلماء في تفسير الألفاظ الواضحة أن يقولوا (معروف) أو يفسروها بالمساوي وأحيانا بالأخفى؛ لأنه لا يمكن تفسير جميع الألفاظ بما هو أوضح منها.
    وقد ذكر ثعلب المضارع (يغيظ) ولم يذكره الناظم؛ لأنه استغنى بذكر الأمر عنه.
    فالحاصل أن (غاظ) معناه (أحفظ) أي أغضب، وهي ألفاظ متقاربة؛ جمعها ابن نبهان الحضرمي في منظومة المترادف بقوله:
    كالغيظ سُخْط حَنَق وغضَبُ .......... كذا احتدامٌ حَرَدٌ تلهُّبُ
    ولم يرد الفعل الماضي في القرآن؛ وورد المضارع كما في قوله {ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار}، والمصدر كما في قوله: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس}.


    والله تعالى أعلى وأعلم، وإلى اللقاء في الحلقة القادمة بإذن الله.
    أخوكم ومحبكم/ أبو مالك العوضي
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: الشرح المختصر على موطأة الفصيح

    الشرح المختصر على موطأة الفصيح لابن المرحل
    [الحلقة 15]



    [151- وَقَدْ نَفَيْتُ رَجُلاً مِنْ بَلَدِهْ ..... طَرَدْتُهُ عَنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهْ]



    تقول (نفَى يَنْفِي نَفْيًا) مثل (رمَى يرمِي رَمْيًا)، ويختصر العلماء ما سبق بقولهم (نفَى من باب رمَى)، فقولهم (من باب) معناه أنه مثله في حركة عين الماضي والمضارع، ومثله أيضا في ضبط المصدر، وهذا هو اصطلاح صاحب مختار الصحاح، أما صاحب المصباح المنير فإذا قال (من باب كذا) فهو يقصد الماضي والمضارع فقط، فلينتبه لهذا فهو مهم، وقد نص في المقدمة على أنه إذا ذكر المصدر في التمثيل دخل في الباب وإلا فلا، أي أنه إذا قال (نفى نفيا من باب رمى) فالتصريف حينئذ يشمل المصدر، وإذا قال (نفى من باب رمى) فلا يدخل المصدر فيه.


    [152- وَمِثْلُهُ أَنْ تَنْفِيَ النَّفِيَّا ..... وَتَتْرُكَ الطَّيِّبَ وَالنَّقِيَّا]



    وفي نسخة (الرَّدِيَّا)، ونص ثعلب في الفصيح (ونفيتُ الرجلَ ورديءَ المَتاعِ أنفيه نفيًا)
    ومعنى البيتين واضح، وبقي أن نذكر ما ورد في الكتاب والسنة من هذا الفعل؛ فمن ذلك قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ... أو يُنْفَوا من الأرض}، وفي الحديث (المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد)، والمعنى أنها تخرج الخبيث من الناس كما يخرج الكير ما في الحديد من الخبث، وفي رواية (تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة)، ومنه أيضا (نفي الزاني) ومعناه تغريبه، وفي الحديث (خذوا عني .. البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة).
    والفعلان وإن كانا يرجعان إلى معنى واحد؛ إلا أن بينهما فرقا في الاستعمال؛ فقولك (نفيت الرجل) معناه طردته، أما (نفيت الرديء) فمعناه فصلته عن الجيد، وحديث (نفي الزاني) من الأول، وحديث (المدينة تنفي خبثها) من الثاني.


    [153- مِنَ الرِّجَالِ وَمِنَ الدَّرَاهِمِ ..... وَالتَّمْرِ وَالطَّعَامِ وَالْبَهَائِمِ]



    هذا البيت زيادة إيضاح للبيت السابق؛ لأن كلام ثعلب قد يتوهم منه أن نفي الرديء يقتصر على المتاع، فبين الناظم أنه عام؛ يدخل في الرجال وفي الدراهم والتمر والطعام والبهائم؛ كما في الحديث (المدينة تنفي خبثها) أي من الرجال، وتقول (نفيت رديءَ الدراهم، ودقلَ التمر، وآسنَ الطعام، ومريضَ البهائم).
    وقد يُتوهم من كلام الناظم أن النفي خاص بهذه الأشياء، وهو خطأ، بل هو عام في كل شيء، وإنما ذكر الناظم هذه الأشياء لأنها هي المشهورة في الاستعمال عند ذكر هذا الفعل.


    [154- وَقَدْ زَوَى عَنِّيَ وَجْهًا قَبَضَهْ ..... يَزْوِيهِ زَيًّا وَيَجُوزُ قَبَّضَهْ]



    نص هذا البيت يكاد يطابق كلام ثعلب في الفصيح، دُون ما في آخر البيت (ويجوز قَبَّضه) فهي زيادة من الناظم.
    تقول (زوَى يَزوِي زَيًّا) مثل (شوَى يشوِي شَيًّا) و(غوَى يغوِي غَيًّا) و(طوَى يطوِي طَيًّا)، وهو من الأفعال القليلة التي اجتمع فيها حرفا علة، فهو فعل معتل، ويسمى في اصطلاح الصرفيين (لفيف مقرون) لأن حرفي العلة متواليان، ويقابله (اللفيف المفروق) مثل (وعى – وفى – وقى – إلخ) لأن حرفي العلة مفصولان بحرف.
    وقد سبق معنا الكلام عن الفعل (غوى) في الحلقة الأولى عند قول الناظم: (وقد غوى الإنسان يغوي يا فتى) إلخ.
    والعامة تقول (زوَّى فلان بين عينيه) بتشديد الواو، وهي لغة؛ لكن الأفصح ما ذكره ثعلب (زوَى) بتخفيف الواو.
    وفي بعض نسخ الفصيح ذكر شاهد من قول الأعشى على هذا الفعل، وهو قوله:
    يزيد يغض الطرف عني كأنما ...... زوَى بين عينيه عليَّ المحاجمُ

    وبعده:
    فلا يَنبَسِطْ من بين عينيك ما انْزَوَى ........ ولا تَلقَني إلا وأنفُك راغمُ

    وفي حديث ثوبان عند مسلم (إن الله زوَى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها)، وفي حديث أنس عند البخاري ومسلم (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط وعزتك، ويُزوَى بعضها إلى بعض)، وفي رواية (يَنزَوِي)، وكلاهما صحيح من جهة اللغة؛ لأن المطاوع من (زوَى) هو (انزَوَى) قياسًا وسماعًا؛ كما سبق معنا في قول الأعشى:


    [155- وَقَدْ بَرَدْتُ بِالْبَرُودِ عَيْنِي ..... أَبْرُدُهَا بِالضَّمِّ دُونَ مَيْنِ]



    وفي نسخة (فقله)، تقول (برَد) بفتح الراء في الماضي، (يبرُد) بضم الراء في المضارع، ولم يفسره الناظم تصريحا، ولكن أشار إلى معناه بالقرائن؛ لأن (البَرُود) هو الكحل البارد ويستعمل لعلاج العين من الحرارة؛ فإذا قلت (برَدت العينَ أبرُدها) فمعناه أنك فعلت هذا.
    ومراد ثعلب أن هذا هو الأفصح أن يقال (برَدت)، وليس (أبردتُ) ولا (برَّدت).
    وقول الناظم (بالبَرُود) من زياداته على ثعلب، وهو بفتح الباء؛ وهذا الوزن شائع في أسماء الأدوية وما قاربها؛ مثل (سَعوط) و(وَجور) و(نَشوق) و(لَدود) و(لَعوق)؛ وكل هذا بمعنى المفعول؛ لأنه بمعنى ما يستعمل في كذا؛ فالسعوط والنشوق في الأنف، والوجور واللعوق في الفم، وهكذا.


    [156- وَبَرَدَ الْمَاءُ غَلِيلَ جَوْفِي ..... يَبْرُدُهُ فَقُلْهُ دُونَ خَوْفِ]



    تقول أيضا (برَد يبرُد) في الماء إذا أذهب عنك حرارة الجوف، وتصريفه كتصريف الفعل السابق تماما، والمعنى أيضا متقارب؛ لأن كليهما يذهب الحرارة.
    ومراد ثعلب أيضا أن هذا هو الأفصح، فلا يقال (أبردته) و(برَّدت) إلا دون الأول.


    [157- وَيُنْشَدُ الْبَيْتُ الَّذِي قَدْ رُوِيَا ..... لِمَالِكِ بْنِ الرَّيْبِ فِيمَا حُكِيَا]



    وفي نسخة (فيما انْتُقِيَا)، وقد سار الناظم على طريقته في شرح الشواهد التي يذكرها ثعلب في الفصيح، وذلك بهذا الأسلوب المطول؛ فالشاهد في الفصيح بيت واحد، فشرحه الناظم هنا في سبعة أبيات! أشار في البيت الأول منها وهو هذا البيت أن قائله هو (مالك بن الريب) بفتح الراء وسكون الواو على وزن (الريب) الذي بمعنى الشك، وقوله (فيما حُكِيا) أي أنه قول مرجوح؛ إذ الراجح أنه (جعفر الحارثي) وهو قول الأكثر كما سيأتي.
    ومالك بن الريب الشاعر من بني تميم، وهو من طبقة التابعين، توفي سنة 60هـ.


    [158- وَقِيلَ أَيْضًا إِنَّهُ لِجَعْفَرِ ..... الْحَارِثِيِّ وَهْوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ]



    أشار الناظم في هذا البيت إلى قول آخر في نسبة البيت، وذكر أنه قول الجمهور؛ أن قائله هو (جعفر بن عُلْبة) وهو شاعر صاحب غزل وفروسية من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، توفي سنة 145هـ.


    [159- يَقُولُ فِي الشِّعْرِ إِذَا أَتَيْتَا ..... الْحَارِثِيَّات ِ فَهَبْنِي مَيْتَا]



    أشار في هذا البيت وما بعده إلى البيت السابق للشاهد المراد، وهو قوله:
    إذا ما أتيتَ الحارثيَّاتِ فانْعَني ........ لهُنَّ وخَبِّرْهن أنْ لا تَلاقِيا

    وقوله في الشعر (الحارثيات) يدل على ترجيح نسبة البيت له؛ لأنه حارثي.


    [160- فَلْتَنْعَنِي لَهُنَّ يَا خَلِيلِي ..... فَلَيْسَ لِلِّقَاءِ مِنْ سَبِيلِ]



    قوله (يا خليلي) وقوله (من سبيل) زيادة من الناظم لتتمة البيت، وقد سبق ذكره.
    وقوله (فلتنعَني) هو بفتح العين من (نعَى ينعَى نَعْيًا)؛ مثل (سعَى يسعَى سَعْيًا)، والعامة تقول (ينعِي) بكسر العين، وهو خطأ؛ وكذلك في قول طرفة بن العبد:
    إذا مت فانعَيني بما أنا أهله ...... وشُقي علي الجيبَ يا ابنةَ معبد

    يحكيه كثير من طلبة العلم وأهله في دروسهم بكسر العين، والصواب فتح العين.


    [161- وَعَطِّلِ الْقَلُوصَ فِي الرِّكَابِ ..... وَذَاكَ لِلْإِشْعَارِ بِالتَّبَابِ]



    أشار في هذا البيت وما بعده إلى الشاهد المقصود إيراده، وهو قوله:
    وعَطِّل قلوصي في الركابِ فإنها ...... ستَبرُد أكبادًا وتُبكي بَواكِيا

    والشاهد فيه قوله (ستبرُد) بضم الراء من الثلاثي (برَد)، وقد ضُبِط في بعض شروح الفصيح (ستُبرِد)، وهو خطأ فاحش يذكرني بقول من قال (.. عندما يكون المؤلفُ في وادٍ والمحققُ في وادٍ آخر)، وهذه آفةٌ عامة في الكتب المحققة، ولا سيما كتب اللغة، والله المستعان.
    وقوله (وذاك للإشعار بالتباب) شرح لجوِّ البيت والمقصودِ منه؛ لأن قوله (عطل قلوصي) إشارة إلى الهلاك.
    فإن قيل (إن هذا الشاهد يدل على أن المضارع يَفْعُل، فكيف عرفنا منه أن الماضي فَعَل، وليس فعُل ولا فعِل؟) وأترك الجواب للقراء من باب التفاعل والامتحان.


    [162- فَإِنَّهَا سَتَبْرُدُ الْأَكْبَادَا ..... مِنَ الْعِدَا وَتُشْمِتُ الْحُسَّادَا]



    تتمة في الإشارة إلى معنى البيت المقصود، وقوله (من العدا وتشمت الحسادا) زيادة على معنى البيت، لمزيد الإيضاح؛ قال الشارح: (يقول: إن هذه الناقة التي أمر بتعطيلها تبرد أكباد الأعداء أي تسرهم وتفرحهم وتبعث لهم الطرب والنشاط ... وأن هذه الناقة أيضا تبكي البواكي وهم أقارب الشاعر وأهله وتحزنهم وتثير من أشجانهم ما كان كامنا وتحرك من أحزانهم ما كان ساكنا لما يجدوه من الحسرة على هلاكه وتعطيل ناقته فيجتمعون ويتحزنون ويتكاثرون لندبه وبكائه والنوح عليه).


    [163- وَتَحْزُنُ الْأَحْبَابَ حَتَّى تُبْكِي ..... بَوَاكِيَ الْحَيِّ لِأَجْلِ هُلْكِي]



    وفي نسخة (مِنَ اجْلِ)، والمقصود من البيت الإشارة إلى قول الشاعر (وتبكي بواكيا)؛ فقد أبهمه الشاعر، لأنه مفهوم ضمنا؛ إذ لا يبكي على موت الشاعر إلا من كان من أحبابه بسبب هلاكه، والهُلك والهلاك واحد.
    وقوله (وتَحْزُن) هو بفتح التاء وضم الزاي كما سبقت الإشارة إليه في الحلقة الماضية.


    والله تعالى أعلى وأعلم، وإلى اللقاء في الحلقة القادمة بإذن الله.
    أخوكم ومحبكم/ أبو مالك العوضي
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: الشرح المختصر على موطأة الفصيح

    الشرح المختصر على موطأة الفصيح لابن المرحل
    [الحلقة 16]



    [164- وَالتُّرْبَ هِلْتُ فَوْقَهُ أَهِيلُهُ ..... صَبَبْتُهُ كَأَنَّنِي أُسِيلُهُ]



    تقول (هالَ فلانٌ الترابَ على فلانٍ) من الثلاثي، والعامة تقول (أهال) من الرباعي، وهي لغة لكن الفصيح ما ذكره ثعلب؛ ولفظه في الفصيح (هِلتُ عليه التربَ) فاستعمل الناظم كلمة (فوقه) موضع كلمة (عليه)؛ لأن (على) معناها الاستعلاء والفوقية، ثم زاد الناظم من عنده شرح الفعل بقوله (صببته كأنني أسيله) أي كأنك تصب الماء، وأوضح من ذلك أن يقال (ألقيته عليه وواريته به).
    والمضارع (يَهِيل)؛ مثل (باع يبيع)، فإن رددت إليك الفعل قلت (بِعْت)، فكذلك هنا تقول (هِلْت)، فالكسرة التي في الياء والهاء تدل على عين الفعل؛ فإن كانت ضمة فالعين واو؛ كقولك (قُلْت) من قال يقول، (عُذْت) من عاذ يعوذ، (رُحْت) من راح يروح، وإن كانت كسرة فالعين ياء؛ كقولك (مِلْت) من مال يميل، (عِبْت) من عاب يعيب، (عِشْت) من عاش يعيش، وهكذا.
    ولم يرد من تصاريف هذا الفعل في القرآن إلا كلمة واحدة، أتركها للقارئ من باب التدريب.


    [165- وَفَضَّ رَبِّي فَاهُ فَضًّا أَيْ كَسَرْ ..... فَفَرَّقَ الْأَسْنَانَ مِنْهُ وَنَثَرْ]



    تقول (فَضَّ يفُضُّ فَضًّا) مثل (رد يرد ردا) و(عد يعد عدا) و(جر يجر جرا) وهكذا، وسيذكر الناظم المضارع في البيت التالي، ومعنى البيت واضح.
    ومراد ثعلب من هذا أن الأفصح (فض) وليس (أَفَضَّ)؛ لأن بعض الناس يقولون (لا يُفْضِض الله فاك) بضم الياء كما سيأتي ذكره.
    ويقال أيضا (لا يُفْضِ الله فاك) أي لا يجعله كالفضاء بلا أسنان، وهذا من زيادات ابن فارس في كتابه (تمام فصيح الكلام).
    والفعل (فضَّ) له معنى آخر وهو التفريق، تقول (فض الناس فانفضوا) أي فرقهم فتفرقوا، كما قال تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها}.


    [166- مِنْ ذَاكَ لاَ يَفْضُضْ إِلَهِي فَاكَا ..... وَهْوَ دُعَاءٌ حَسَنٌ أَتَاكَا]



    وفي نسخة (كذاك)، والأول أدق وأحسن، ويستفاد من هذا البيت أمور:
    أولا: بيان مضارع (فض) أنه مضموم العين في المضارع، ومن ثم فلا بد أن يكون مفتوح العين في الماضي كما تقدم معنا مرارا.
    ثانيا: بيان أن هذا الفعل متعد وليس لازما؛ لأن القاعدة الصرفية للفعل المضعف أنه يكون مضموما في المتعدي ومكسورا في اللازم، ولهذا استثناءات مذكورة في كتب الصرف وخاصة لامية الأفعال وشروحها.
    ثالثا: ثالثا: ذكر مثال من كلام العرب على هذا الفعل، وهو أيضا مثل من الأمثال ودعاء حسن كما قال الناظم، وورد في حديث مرفوع، لكنه ضعيف، وهو المروي عن النابغة الجعدي أنه أنشد النبي صلى الله عليه وسلم:
    بلغنا السماء مجدنا وجدودنا .......... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

    فقال: إلى أين؟ قال: إلى الجنة، قال: لا يفضض الله فاك.


    [167- وَوَدَجَ الْحِمَارَ شَقَّ الْوَدَجَا ..... فِي عُنْقِهِ فَصْدًا لِأَمْرٍ أَحْوَجَا]



    (الوَدَج) عرق في العنق، ويقال في الجناس (وَدَجَهُ فقطع وَدَجَهُ)؛ لأن الفعل (وَدَجَ) أيضا، وقول الناظم (فصدا) يقصد أن هذا الصنيع في الحيوان بمنزلة (الفصد) للإنسان.
    ومعنى البيت لعله واضح، وتصريف الفعل في يأتي في البيت التالي.


    [168- تَقُولُ مِنْهُ: دِجْ إِذَا أَمَرْتَا ..... وَيَدِجُ الْإِنْسَانُ إِنْ أَخْبَرْتَا]



    الفعل المذكور في البيت السابق (ودَج) هو الماضي، فما المضارع؟ وما الأمر منه؟
    أجاب الناظم عن ذلك في هذا البيت؛ أن الأمر هو (دِجْ) والمضارع هو (يدِج)؛ كما تقول (عِدْ) من وعَد يعِد، وكما تقول (قِفْ) من وقَف يقِف، وكما تقول (صِلْ) من وصَل يصِل، وهكذا.


    [169- وَقَدْ وَتَدْتُ وَتِدًا: ضَرَبْتُهُ ..... فِي الْأَرْضِ، أَوْ فِي حَائِطٍ: أَنْشَبْتُهُ]



    تقول (وتَد الوَتِد) مثل الفعل السابق تماما في التصريف (ودَج يدِج)، ومعناه غرزته أو ركزته أو ضربته كما قال الناظم، وفي الحائط معناه دققته أو أثبته، ولعله أوضح من قول الناظم (أنشبته).
    ومن الجناس أيضا أن يقال (وَتِدِ الوَتِد).
    ومراد ثعلب من ذلك أن الفصيح هو الثلاثي (وتدت الوتد) ولا يقال (أوتدت) الرباعي إلا في لغة قليلة.


    [170- أَتِدُهُ وَتْدًا وَتِدْ هَذَا الْوَتِدْ ..... إِذَا أَمَرْتَ مِنْهُ فَافْهَمْ تَسْتَفِدْ]



    هذا البيت إيضاح لتصريف الفعل السابق (وتَد)؛ فالمضارع هو (يَتِد) والمصدر (وَتْد) بسكون التاء، والأمر هو (تِدْ) مثل الذي ذكر في البيت 168.
    وقول الناظم (فافهم تستفد) فيه الإشارة إلى التدبر والتفكر في هذه التصاريف للأفعال؛ لأن حفظ العلم لا بد فيه من كثرة الممارسة والتدريب والتكرار والإعادة بطرق مختلفة حتى يحصل من مجموع ذلك ملكة علمية راسخة في الصدر لا تزول مع الأوقات، ولا تتأثر بالتشكيكات، ولا تعتريها الشبهات، وطلبة العلم في هذا العصر أحوج ما يكونون إلى ذلك؛ لكثرة ما نراه من الأقوال الشاذة والآراء العجيبة والشبهات المتكاثرة.
    وقد ذكرتُ مرارا من قبل أن هذه الأشياء وإن كانت قياسية معروفة في علم التصريف إلا أن ثعلبا وغيره لا يلتفتون إلى مثل هذا؛ لأن غرضهم إفادة المتعلم، والقوانين الصرفية المجملة لا ترسخ في الذهن إلا بالتطبيق، وشتان بين معرفة الأمور مجملة ومعرفتها مفصلة، قال الشارح:
    (والناظم تابع في ذلك لأصله، وقد بُحِث معه بأن هذا من الأمور القياسية التي لا تخفى، فالصواب عدم التعرض لها. ويجاب بأن كونها معروفة مقيسة غير خافية إنما هو في علم التصريف، ولا يلزم كلَّ ناظر في هذا الكتاب معرفتُه، فاللائق بأهل اللغة بيانُ ذلك والتعرض له كما هو شأن أكثرهم).


    [171- وَقَدْ جَهَدْتُ فَرَسِي أَوْ نَاقَتِي ..... حَمَّلْتُهَا فِي السَّيْرِ فَوْقَ الطَّاقَةِ]



    تقول (جهَده) بفتح الهاء في الماضي، (يجهَد) بفتح الهاء في المضارع أيضا، وهو موافق لقاعدة حرف الحلق التي تقدمت معنا مرارا، وصاحب مختار الصحاح يعبر عن هذا التصريف بقوله (من باب قطَع)، وصاحب المصباح المنير يقول (من باب نفَع).
    وبيت الناظم مشابه جدا لكلام ثعلب في الفصيح، والخلاف بينهما أن ثعلبا قال (جهدت دابتي) فعمم كلامه في الدواب، وبيت الناظم يوهم أن ذلك مختص بالفرس أو الناقة، وهو غير صحيح، لكن الناظم مقصوده التمثيل كما تقدم معنا مرارا.
    ومراد ثعلب من هذا أن الفصيح هو الفعل الثلاثي (جهدت دابتي) وليس كما يقول العامة (أجهدت دابتي) بالهمزة من الرباعي، وإن كان ذلك لغة إلا أنها أقل فصاحة.
    ومما يرتبط بهذا الفعل من البحوث التفريق بين (جَهد وجُهد)، وأتركه للقارئ تدريبا وبحثا.


    [172- وَفَرَضَ السُّلْطَانُ لِلْأَجْنَادِ ..... يَفْرِضُ فِي دِيوَانِهِ الْمُعْتَادِ]



    تقول (فرَض) بفتح الراء في الماضي (يفرِض) بكسر الراء في المضارع، ووقع في شرح ابن الطيب الفاسي (بالضم كنصر) وهو سهو مع أنه كرره مرتين في أول شرح البيت وآخره.
    وهذا الفعل له معان كثيرة؛ لكن مراد ثعلب هنا التنبيه على أن استعمال الفعل الثلاثي في المعنى المذكور هو الأفصح؛ لأن العامة تقول (أفرض السلطان لفلان) بالهمزة، والفصيح (فرض) أي أعطاه عطاء ثابتا؛ وهذا المعنى وما يقاربه له ألفاظ عدة تجدها في كلام العلماء ويخفى معناها على كثير من طلبة العلم ؛ فمن ذلك (الرِّزْق)، و(العَطاء) و(الوظيفة) و(المرتب) و(الفريضة) و(التعيين) و(الإقطاع) ونحو ذلك.
    ومعاني كلمة (فرض) في اللغة ترجع كلها إلى أصل القطع وما يتعلق به كما أشار ابن فارس وابن هشام اللخمي وغيرهما.
    وقد ورد الماضي في القرآن كما في قوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج}، والمضارع في قوله: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة}.


    [173- وَصِدْتُ صَيْدًا فَأَنَا أَصِيدُهُ ..... كَقَوْلِهِمْ: كِدْتُ الْفَتَى أَكِيدُهُ]



    تقول (صاد يَصِيد صَيْدا) وتصريفه مثل (باع يبيع بيعا) و(زان يزين زينا) و(سار يسيرا سيرا) و(سال يسيل سيلا) و(عاب يعيب عيبا) و(غاظ يغيظ غيظا) و(كال يكيل كيلا) و(مال يميل ميلا) إلخ..
    وإنما أكثرت من الأمثلة؛ لأن هذه هي الطريقة المثلى في التعلم، ولها أثر واضح في تحقيق العلم وتثبيته في الصدر؛ لأنه يصير بذلك ملكة راسخة لا تزول.
    وقد أشار الناظم إلى هذا المعنى؛ لأنه ذكر فعلا مشابها لهذا الفعل في التصريف تماما، وهو قوله (كقولهم: كدت الفتى أكيده) فقوله (كقولهم) أي في التصريف، ولا يقصد أنه مثله في المعنى.
    وقد ورد الاسم من هذا الفعل في القرآن؛ كما في قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}، وقوله: {أحل لكم صيد البحر وطعامه}، وهو في الأصل مصدر، ولذلك يقع على الواحد والجمع.


    [174- وَقَرَحَ الْبِرْذَوْنُ فَهْوَ يَقْرَحُ ..... قُرُوحًا ايْ كَبِرَ هَذَا الْأَفْصَحُ]



    هذا البيت من زيادات الشيخ الددو حفظه الله، ولم يذكره ابن المرحل، ولم يذكره أيضا ابن أبي الحديد، وإنما نظمه ابن جابر الأندلسي في (حلية الفصيح) فقال:
    وقرَح البرذونُ يعني دخَلا ..... في سادسِ الأعوام فيما نُقِلا

    وسبب الاختلاف في نظمه اختلاف نسخ الفصيح، فبعضها خلا من هذه الزيادة، وفي بعضها ثبت قوله (وقرَح البرذون يقرَح قروحا إذا كبِرت سِنُّه)، وبه يتضح أن نظم الشيخ الددو حفظه الله أقرب إلى نص ثعلب، لكن نظم ابن جابر أدق وأوضح في المعنى.
    وقد وقع في المطبوع (كبُر) بضم الباء وهو خطأ مطبعي؛ وللفائدة فالفعل (كبِر) يكون بكسر الباء إن قصدت به السن، ويكون بضم الباء إن قصدت به العظم أو المكانة أو المنزلة أو الحجم؛ قال تعالى: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبَروا} فهذا في السن مفتوح الباء في المضارع؛ لأنه مكسور في الماضي، وقال تعالى: {كبُر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} فهذا في العظم والمنزلة، ويقال أيضا (كبُر فلان في عيني) أي عظم.



    وبهذا ينتهي هذا الباب (باب فعلت بغير ألف)، والله تعالى أعلى وأعلم.
    وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله، مع أول (باب فُعِل بضم الفاء).
    أخوكم ومحبكم/ أبو مالك العوضي
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: الشرح المختصر على موطأة الفصيح

    الشرح المختصر على موطأة الفصيح لابن المرحل
    [الحلقة 17]



    [بَابُ فُعِلَ بِضَمِّ الْفَاءِ]



    المقصود من هذا الباب بيان الأفعال التي وردت عن العرب بصيغة المبني للمجهول، ولا يقصد ثعلب ما ورد على صيغة (فُعِل) بخصوصها؛ لأنه ذكر صيغا أخرى من باب المبني للمجهول؛ مثل (أُفْعِلَ) و(استُفْعِل) وغيرها.
    وطالب العلم الذي حصَّل مبادئ (علم الصرف) من قبل، لن يجد صعوبةً في معرفة جميع تصاريف الأفعال في هذا الباب؛ لأنها كلها جارية على القياس، وهذه نماذج منها:
    - فُعِلَ يُفْعَل فهو مَفعول: مثل كُسِر يُكسَر فهو مَكسور
    - أُفْعِلَ يُفْعَل فهو مُفْعَل: مثل أُكرِم يُكرَم فهو مُكرَم
    - افْتُعِلَ يُفتَعَلُ فهو مُفتَعَل: مثل امتُحِن يُمتحَن فهو مُمتحَن
    - استُفعِلَ يُستفعَلُ فهو مُستَفعَل: مثل استُخرِج يُستخرَج فهو مُستخرَج




    [175- وَقَدْ عُنِيتُ بِكَذَا شُغِلْتُ ..... أُعْنَى بِهِ فَعَنْهُ مَا عَدَلْتُ]



    لفظ ثعلب في الفصيح (عُنِيتُ بحاجتك) فغيرها الناظمُ ليستقيم له الوزن، وليكون أعم.
    تقول (عُنِيَ فلانٌ بالشيء) بضم العين وكسر النون؛ كما تقول (قُتِلَ) و(ضُرِبَ)، فهو فعل مبني للمجهول، ويقولون أيضا (مبني للمفعول) أو (مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه).
    والجادة في كلام العرب أن الفعل المبني للمجهول لا بد أن يكون متفرعا عن الفعل المبني للمعلوم؛ فتقول (كَسَرته فكُسِر، وصَنَعتُه فصُنِع، وأَكَلتُه فأُكِل)، إلخ.
    ولا يلزم أن يكون من الأفعال المتعدية، بل قد يكون لازما؛ كما تقول: (ذُهِبَ إلى المسجد، ونِيمَ في البيت، وجُلِسَ على الكرسي)، ومنه قوله تعالى: {يُسبَّح له فيها} على قراءة من فتح الباء.
    ويرِدُ هنا سؤال: ما دامت صيغةُ المبني للمجهول قياسيةً مطردة في كلام العرب، فلماذا ذكر ثعلب هذه الأفعالَ دون غيرها في هذا الباب؟ والجواب: أنه لا يقصد جميع ما ورد عن العرب مبنيا للمجهول قياسا؛ لأن هذا مطرد لا ينحصر، وإنما يقصد ما استُعمِل بهذه الصيغة على غير القياس من جهة المعنى، بأن يكون بمعنى المبني للمعلوم، وأيضا قد يورد ثعلب بعض الأفعال القياسية المطردة لأمر عارض، وذلك إذا كانت العامة تخطئ فيها أو تستعمل خلاف الأفصح لتمام الفائدة.
    وهذا الفعل (عُنِي) عند التأمل ليس من الشواذ؛ لأنك تقول (عَنَاني الشيءُ، وعَنَاني الأمرُ، فعُنِيتُ به) كما تقول (كفاني الشيء، فكُفِيت به)، و(هداني الرجل، فهُدِيت به)، وهكذا.
    ويدل على هذا أنهم فسروا (عُنِيتُ) بقولهم (شُغِلتُ) وهو مبني للمجهول قياسا مطردا بلا خلاف، وبهذا التقرير يظهر أنه لا يصح انتقادُ ثعلب على ذكر بعض الأفعال القياسية في هذا الباب.


    [176- وَأَنَا مَعْنِيٌّ بِهِ، وَمُولَعُ ..... بِالشَّيْءِ مِنْ أُولِعَ فَهْوَ يُولَعُ]



    هذا تمام بيان للفعل السابق بذكر بعض تصاريفه المستعملة في كلام الناس؛ لأن الخطأ (أو خلاف الأفصح) لا يقتصر على الفعل، بل قد يقع في المشتقات أيضا؛ فكما تقول (شُغِلت فأنا مشغول) تقول (عُنِيت فأنا مَعنِيٌّ)، وإنما اشتبه ذلك على العامة لأنه فعلٌ معتل، لكنه يسهلُ فهمُه برَدِّه إلى نظائره؛ كما تقول (رُمِيت فأنا مَرميّ)، و(كُفِيتُ فأنا مَكفيّ)، هذا في الأفعال اليائية، وأما الأفعال الواوية فتقول: (دُعِيتُ فأنا مَدعوّ)، و(بُليتُ فأنا مَبلوّ)، و(تُلِي الكتاب فهو مَتلوّ)، وهكذا.
    وهذه قاعدة عامة تستفيد منها في كثير من مسائل العلم وفي معظم العلوم، وهي تفهُّم المسألة وتدبرها بجمع نظائرها وأشباهها وما يقرب منها ويكون منها بسبب، ولذلك تجد العلماء يؤلفون في (الأشباه والنظائر) أو (الوجوه والنظائر) في علم الفقه، وفي علم التفسير، وفي علم النحو، وغير ذلك.
    وفي هذا البيت أيضا فعلٌ آخر قريب من معنى (عُني) ويستعمل استعمالَه كذلك، وهو (أُولِعَ بالشيء) بضم الهمزة وكسر اللام، والمضارع: (يُولَع) بضم الياء وفتح اللام، ومعناه (شُغِف)، وبهذا التفسير يتضح أنه جارٍ على القياس أيضا؛ لأنه مبني للمفعول، ولذلك تقول: (أَوْلَعْتُ فلانا بالشيء فأُولِع به) مثل (أَغرَيتُه بالشيء فأُغرِي به).
    هذا في الفعل الرباعي، أما الثلاثي فتقول: (ولِع وَلوعًا) بفتح الواو في المصدر شذوذا؛ لأن المصادر في مثل هذا تأتي بضم الأول؛ مثل (خرج خُروجا، وخضع خُضوعا، وقعد قُعودا)، وقد شذ عن هذه القاعدة مصادر قليلة ورد منها في القرآن (قَبول) في قوله تعالى: {فتقبلها ربها بقَبول حسن}، ومنها أيضا (وَزوع)، وأما (الوضوء والطهور والوقود) ففيها خلاف قديم معروف بين العلماء، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله في باب المفتوح أوله من الأسماء.


    [177- وَبُهِتَ الْإِنْسَانُ فَهْوَ يُبْهَتُ ..... يَشْخَصُ مِنْ تَعَجُّبٍ وَيَسْكُتُ]



    في بعض النسخ (وبهت الرجلُ) وهو الموافق لكلام ثعلب في الفصيح.
    تقول (بُهِتَ) بضم الباء وكسر الهاء، ومنه قوله تعالى: {فبهت الذي كفر}، وسبب الشذوذ في هذا الفعل أنه لا يجري على المبني للمعلوم منه؛ لأنك تقول (بَهَتَ) بمعنى كذب أو افترى أو نحو ذلك كما في حديث أبي هريرة عند مسلم (إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّه)، والمبني للمجهول من هذا المعنى أن تقول (بُهِتَ فلانٌ) أي افتُرِي عليه، وهذا المعنى مخالف لمعنى الفعل الذي هنا.
    ويدل على شذوذه أيضا أن الناظم فسره بفعلين مبنيين للمعلوم بقوله (يَشخَص من تعجب ويَسكت).
    ومنه قول أبي صخر الهذلي:
    فما هو إلا أن أراها فجاءة .... فأُبْهَت لا عرف لدي ولا نكر


    [178- وَوُثِئَتْ يَدُ الْفَتَى فَيَدُهُ ..... مَوْثُوءَةٌ لِأَلَمٍ يَجِدُهُ]



    تقول (وُثِئَت اليد) بضم الواو وكسر الثاء، والمضارع (تُوثَأ) بضم التاء وفتح الثاء؛ كما تقول (وُضِع يُوضَع)، و(وُتِر يُوتَر) كما في الحديث (من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه).
    هذا من جهة التصريف، وأما المعنى فسيأتي تمامه في البيت الذي بعده.


    [179- مِنْ ضَرْبَةٍ يَأْلَمُ مِنْهَا الْعَظْمُ ..... وَقِيلَ بَلْ يُوصَمُ مِنْهَا اللَّحْمُ]


    يقول الناظم إن معنى (وثئت اليد) هو أن تصاب بضربة موجعة، لكن اختلف العلماء في تحديد ذلك أو في قدر ما تصل إليه الضربة، فقيل: (يبلغ الوجع إلى العظم من غير أن ينكسر) وقيل: (يصاب منها اللحم دون العظم)، وقوله (يوصم) معناه يألم، أو يعاب من الوَصْمَة.


    [180- وَشُغِلَ الْإِنْسَانُ عَنَّا، وَشُهِرْ ..... أَيْ أَمْرُهُ فِي النَّاسِ بَادٍ قَدْ ظَهَرْ]



    تقول (شُغِل فلان يُشغَل) ومعناه معروف، وتقول في تفسيره: (انشغل) وهذا من الأدلة على أنه مبني للمفعول قياسا؛ لأن وزن (انفعل) من صيغ المطاوعة؛ كما تقول (كسرته فكُسِر، وانكسر)، و(قطعته فقُطِع، وانقطع)، و(فتحته ففُتِح، وانفتح)، و(فصلته ففُصِل وانفصل)، وهكذا.
    وقد سبق ذكرُ هذا الفعل في الباب السابق (باب فعلت بغير ألف) عند قول الناظم:
    149- وحزن الأمر وأمرٌ شَغَلَا .... وقد شفى الرحمن هذا الرجلا
    وهذا دليل واضح على أن ثعلبا لا يقصد بذكر هذا الفعل في باب فُعِل أنه ملازم لصيغة المبني للمجهول، وإلا لما ذكر المبني للمعلوم فيما سبق.
    وقد سبق أيضا ذكر هذا الفعل عرضا عند قول الناظم:
    32- وقد ذَهَلت عنك أي شُغِلت .... وقيل قد نسيت أو غفلت
    ولعل مراد ثعلب بذكر هذا الفعل (شغل) في هذا الباب أن العرب تتعجب منه على صيغة ما لم يسم فاعله فيقولون: (ما أَشْغَلَه) أي ما أكثر شغله، وهذا شاذ؛ لأن من شروط التعجب أن يكون الفعل المتعجب منه مبنيا للمعلوم؛ كما قال ابن مالك:
    وصُغهما من ذي ثلاث صُرفا .... قابلِ فضل تم غيرِ ذي انتفا
    وغيرِ ذي وصف يضاهي أشهلا .... وغيرِ سالكٍ سبيلَ فُعِلا


    وتقول (شُهِرَ فلانٌ) بضم الشين وكسر الهاء، (يُشْهَر) بضم الياء وفتح الهاء، فهو (مشهور)، وهذا الفعل قياسي؛ لأنك تقول في المبني للمعلوم (شَهَرْتُ فلانا فشُهِر) أي جعلته مشهورا، والمطاوع منه تقول (اشْتَهَر) بفتح التاء والهاء على صيغة الفاعل؛ لأنه فعل مطاوع، ويجوز أيضا أن تقول (اشتُهِر) بالبناء للمفعول سماعا عن العرب؛ لأن الفعل (اشتهر) يستعمل لازما ومتعديا، لكن الأكثر استعمالا في كلام العرب استعماله لازما بمعنى (شُهِر)، وهو أيضا الموافق للقياس؛ لأنه مطاوع (شَهَر).


    ووقع في بعض نسخ الفصيح زيادة الفعل (ذُعِرَ)، وهو قياسي؛ لأنك تقول (ذَعَرتُ فلانا أذعَرُه) أي أخفته، وذُعِر يُذعَر فهو مذعور.


    [181- وَدَمُ زَيْدٍ طُلَّ أَيْ لَمْ يُقْتَلِ ..... قَاتِلُهُ وَلاَ وُدِيْ بِجَمَلِ]



    هذا من المواضع القليلة التي فسرها ثعلب؛ إذ قال كما ورد في بعض النسخ: (وقد طُلَّ دمه فهو مطلول: إذا لم يُدرَك بثأره)، ويحتمل أن يكون ثعلب قد قاله في أثناء قراءة الفصيح عليه فأضافه بعضهم للنسخة؛ لأنه لا يوجد في أكثر النسخ.
    وقوله (وُدِيْ) بسكون الياء لضرورة الشعر، وحقه أن يبنى على الفتح لأنه فعل ماض غير متصل بشيء، وهذه الضرورة مستساغة كثيرة في الشعر، لا تستقبح.
    وقوله (وُدِي) مشتق من الدية التي عادة تكون بالجِمال كما أشار الناظم، فقوله (بجمل) من باب التمثيل، ومن باب التوضيح كذلك؛ كي لا يقع في الكلام تصحيف.
    وتفسير (طُل) بـ(لم يُقتل قاتله) و(لا وُدِي) يدل على أنه فعل قياسي في بنائه للمجهول، ولذلك تقول (طَلَلْتُ دم فلان فطُلَّ) أي أهدرته، وأضعته، ولم أجعل فيه دية، وإنما ذكره ثعلب لأن بعض الناس يقول (طَلَّ دمُه) أو (أُطِل دمه)، والفصيح هو (طُل) كما ذكر.
    وقد ورد هذا الفعل في حديث أبي هريرة المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن دية الجنين غرة عبد أو أمة، فقال ولي المرأة: (كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطَلّ) أي يهدر ولا تكون له دية.
    وقال الحارث بن حلزة في معلقته:
    ثم خيلٌ من بعد ذاك مع الغَلَّـ ..... ـاق لا رأفةٌ ولا إبقاءُ
    ما أصابوا من تَغلَبي فمطلو .......... لٌ عليه إذا أُصِيبَ العفاءُ
    أي أن كل من أصابوا من بني تغلب فقد طل دمه، أي أهدر ليس له من ينتصر له، ولا من يأخذ بثأره.


    [182- وَمِثْلُهُ أُهْدِرَ، لَكِنْ فُرِّقَا ..... بَيْنَهُمَا فِي الشَّرْحِ لَمَّا حُقِّقَا]



    قوله (ومثله أُهدِر) أي ومثل الفعل السابق (طُل) فكلاهما بمعنى واحد كما سبقت الإشارة.
    وقد ذكر ثعلب اسم المفعول (مُهدَر) لأن كتابه موضوع للتعليم، ولم يذكره الناظم لوضوحه.
    والعرب عندها كثير من الألفاظ في هذا المعنى؛ لأن القتال كان كثيرا بين القبائل، ومن لوازمه أمرُ الديات وتحصيلها أو إهدارها، ومن هذه الألفاظ (جُبَار) بضم الجيم وفتح الباء المخففة، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم (العجماءُ جبار، والبئرُ جبار، والمعدِنُ جبار، وفي الركاز الخمس)، أي أن ذلك مُهدَر شرعا، ولا تجب الديةُ فيه.
    ومن ذلك حديث يعلى بن أمية عند البخاري ومسلم (كان لي أجير فقاتل إنسانا فعض أحدهما إصبع صاحبه فانتزع إصبعه فسقطت ثنيته، فانطلق إلى النبي فأَهْدَرَ ثَنِيَّتَه)
    وبعضُ العلماء فرق بين (طُل) و(أهدر) كما سيأتي في البيت الذي بعده.


    [183- فَقِيلَ فِي طُلَّ مَقَالٌ وَاحِدُ ..... وَقِيلَ فِي أُهْدِرَ أَمْرٌ زَائِدُ]



    القائل هو ابن درستويه كما سيأتي، وقوله (مقال واحد) أي أنه هو المعنى نفسه المذكور سابقا في البيت (181)، وأما (أهدر) ففيه زيادة معنى ستأتي.


    [184- فَإِنَّهُ الْمُبَاحُ مِنْ سُلْطَانِ ..... أَوْ غَيْرِهِ فَالْقَتْلُ فِي أَمَانِ]



    في بعض النسخ (بأنه) وهو أوضح في المعنى، والمقصود (فإن أهدر تقال في المباح ...) إلخ.
    قال ابن درستويه: (إلا أن بين طُل وأُهدِر فرقا؛ وهو أن الإهدار إنما هو الإباحة من سلطان أو غيره لدم إنسان ليقتل بغير مخافة من قود أو دية أو طلب به).
    يقصد أن (طُل) تكون بعد حصول القتل بإسقاط الدية، و(أُهدِر) تكون قبل حصوله، فلا يخشى القاتل المطالبة بالدية أو القصاص.



    والله تعالى أعلم.
    أخوكم ومحبكم/ أبو مالك العوضي
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: الشرح المختصر على موطأة الفصيح

    الشرح المختصر على موطأة الفصيح لابن المرحل
    [الحلقة 18]



    [تابع باب فُعِل]


    تقدم معنا في الحلقة السابقة أن هذا الباب كله (باب فُعِل) جار في تصريفه على القياس؛ فتقول (فُعِلَ يُفْعَلُ) في الثلاثي، و(أُفْعِلَ يُفْعَلُ) في الرباعي، ونحو ذلك.


    [185- وَوُقِصَ الْإِنْسَانُ وَقْصًا أَيْ صُرِعْ ..... فَانْكَسَرَتْ عُنُقُهُ لَمَّا وَقَعَ]



    نص كلام ثعلب (وُقِص الرجلُ إذا سقط عن دابته فاندقَّت عنقُه فهو موقوصٌ)، ففسر الفعل بقوله (سَقَط) المبني للمعلوم، وفسره الناظم بقوله (صُرِع) المبني للمجهول، والمعنى فيهما قريب، لكن نستفيد من ذلك أن هذا الفعل جارٍ على القياس؛ لأنك تقول (وَقَصَ الشيءُ العنقَ يَقِصُها) أي كسرها (فوُقِصَت العنقُ) أي انكسرت، وفي البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: بينما رجل واقفٌ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوَقَصَتْه ناقتُه؛ أي كسَرت عنقَه، وفي حديث أنس رضي الله عنه أن ابنة ملحان ركبت دابتها فوَقَصَت بها؛ أي رَمَت بها. وفي حديث جابر بن سمرة عند مسلم (أُتِي بفرس فركبه رجلٌ فجعل يتَوَقَّص به) أي يتحرك ويتوثب، كأنه يريد أن يلقيه ليَقِصَه.
    وربما يكونُ ثعلب قد وضع هذا الفعل في هذا الباب لأن الناس تقول (وَقِص الإنسانُ) أو (وَقِصت العنقُ) بفتح الواو، وهناك احتمال ثانٍ؛ أن يكون وضعه بسبب أن هذا الفعل خالف جادةَ القياس؛ لأن فيه نسبة الوَقْص للإنسان بدلا من العنق؛ فكأنك قلت (وُقِصَ الإنسانُ عُنُقَه) كما تقول (سَفِه نَفْسَه) و(غَبِنَ رأيَه) كما سيأتي، وهناك احتمال ثالث، وهو أنه قد سُمع عن العرب (واقصة) بمعنى موقوصة؛ كما في أثرٍ عن علي رضي الله عنه أنه قضى في الواقصة والقامصة والقارصة بالدية أثلاثًا، ولكن هذا الوجه الأخير فيه نظر؛ لأن ثعلبا قد نص على أن الفصيح هو (موقوص).
    ومن العجيب أن أكثر الشراح في هذا الموضع تكلموا باختصار عن (الوقص) الذي هو المقصود من السياق، وأطالوا في الكلام عن (العنق) مع ورودها عرضا في كلام ثعلب!


    [186- وَوُضِعَ الْإِنْسَانُ فِي الْبَيْعِ خَسِرْ ..... وَمِثْلُهُ وُكِسَ أَيْضًا؛ فَاعْتَبِرْ]



    تقول (ذهبت إلى السوق متاجرا فوُضِعْتُ مائةَ دينار)، وتقول (لم أوفَّق في هذه الصفقة إذ وُكِستُ فيها) ومعناهما جميعا خسرت كما ذكر الناظم.
    وقوله (فاعتبر) فيه إيجاز وبلاغة لأنه مناسب للمقام من جهتين: من جهة تفسير اللفظين وتقارب معنييهما، فكأنه يقول: اعتبر كلا منهما بالآخر في التفسير والتصريف، ومن جهة المعنى والتطبيق، فكأنه يقول: اعتبر ذلك في حياتك، فلا تقع في مثل هذه الخسارة.
    وفي الصحيحين من حديث كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له فارتفعت أصواتهما في المسجد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (ضَعِ الشطر)، فقد يكون اشتقاق (وُضِعَ في البيع) من هذا؛ لأنك تقول (اشتريتُ هذا الشيء بمائة وبعته بخمسين، فوَضَعتُ من سعره الشطرَ).
    وقد يكون ثعلب وضع هذا الفعل في هذا الباب لأن بعض الناس يقول (وَضِع) بفتح الواو، ويحتمل أن يكون قد وضعه لسبب آخر، وهو أنه لا يتصرف؛ فلا يقال (فلان موضوع في تجارته) كما يقال (سُقِط في يده) ولا يقال (مسقوط في يده).
    وتقول (وكَسه) بفتح الكاف في الماضي، (يَكِسُه) بكسر الكاف في المضارع، أي نقصه في السعر، ومن الشائع في كلام الناس (باعه بأوكس الأسعار) أي أدناها، وفي حديث ابن عمر عند مسلم (من أعتق عبدا بينه وبين آخر، قوم عليه قيمة عدل، لا وَكْسَ ولا شطط)، أي لا يُنقص عن حقه فيخسر، ولا يُزاد فيه فيطغى.
    وإنما ذكر ثعلب هذا الفعل في هذا الباب لأن العامة تقول (أُوكِست) بالهمزة من الرباعي، وهي لغة حكاها بعض العلماء، لكن الفصيح (وُكِس).


    [187- وَغُبِنَ الْإِنْسَانُ فِيهِ خُدِعَا ..... غَبْنًا، وَفِي الرَّأْيِ بِفَتْحٍ سُمِعَا]



    قوله (فيه) أي في البيع السابق ذكره في البيت الذي قبله، فالحاصل أنك تقول (وُضِع، ووُكِس، وغُبِن) كله بمعنى خسر في البيع، أو خُدع في البيع، أو انتقص في قيمة السلعة عن رأس المال.
    وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما (نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، أي مخدوع عن عقله، كما يخدع التاجر في البيع.
    ولكن الفعل (غبن) يستعمل في غير البيع، ولذلك قال (وفي الرأي بفتح سمعا) أي ويستعمل هذا الفعل (غبن) في باب الرأي، لكنه يكون في هذا المعنى بفتح الغين (غَبِنَ)، وسيأتي توضيح ذلك في البيت بعده.


    [188- تَقُولُ: قَدْ غَبِنَ زَيْدٌ رَأْيَهُ ..... وَالْمَصْدَرُ الْغَبَنُ، حَسِّنْ وَعْيَهُ]



    وقع في المطبوع (غُبِن) بضم الغين، والصواب الفتح؛ لأن المراد من هذا البيت إيضاح استعمال الفعل (غَبِن) الذي أشار في البيت قبله إلى أنه بفتح الغين في باب الرأي، بخلاف (غُبِن) المضموم العين في باب البيع؛ فتقول (غَبِنَ الرجلُ رأيَه) أي صار ضعيف الرأي، قليل الحكمة والتصرف في الأمور، ولذلك ختم الناظم البيت بقوله (حَسِّنْ وعيَه) أي لعلاج هذه الآفة التي أصابته.
    وقوله (والمصدر الغبَن) أي بفتح الباء، بخلاف مصدر الفعل السابق فهو (الغبْن) بالسكون؛ كما في البيت (187).
    وقول العرب (غبِن رأيَه) هو مثل (سفِه نفسَه) و(جهِل أمرَه) و(وجِع بطنَه)، وفي تفسير مثل هذه الأفعال أقوال عند العلماء:
    القول الأول: أن معناها (غبن الشخصُ في رأيه)، و(سفِه هو في نفسه) و(جهل الإنسان في أمره)، و(ووجع المرء في بطنه). والعلماء يعبرون عن ذلك بقولهم (منصوب على نزاع الخافض) أو (منصوب على إسقاط الجار)؛ كما تقول (ذهبتُ الشامَ)، و(مررت الديارَ)، و(قعدتُ البيتَ) .. إلخ.
    وجمهور العلماء على أن هذا مقصور على السماع، كما قال ابن مالك:
    وعَدِّ لازمًا بحرف جر ........ وإن حُذف فالنصبُ للمُنجر
    نقلا وفي أنَّ وأنْ يَطردُ ........ مع أمْنِ لبسٍ كعجبتُ أن يدوا

    فقوله (نقلا) إشارة إلى قصر ذلك على السماع.
    القول الثاني: أن هذه الأفعال وإن كانت لازمة إلا أنها صارت متعدية في هذا الموضع، وما بعدها مفعول به، فيكون التقدير (غبِن رأيَه) أي (أضاعَ رأيَه)، وفي (سفِه نفسَه) جعل نفسه سفيهة، وهكذا.
    القول الثالث: أن هذه المنصوبات كلها من باب التمييز؛ كأنك قلت (غبن رأيًا) و(سفه نفسًا).
    وهذا الفعل (غَبِنَ) ليس له علاقة بباب (فُعِل)، وإنما أدرجه ثعلب في هذا الباب ليبين الفرق بينه وبين (غُبِن) حتى لا يختلط على طالب العلم.


    [189- وَهُزِلَ الرَّجُلُ فَهْوَ يُهْزَلُ ..... وَغَيْرُهُ فَالْجِسْمُ مِنْهُ يَنْحَلُ]



    قول الناظم (وغيرُه) له علاقةٌ بقول ثعلب (وهُزِل الرجلُ والدابة) لكن كلام ثعلب أدق؛ لأن الهزال لا يستعمل في الجمادات مثلا، وسيأتي تفسيره في البيت بعده.
    وقد علم من كلام الناظم أن الصواب أن تقول (هُزِلَت الدابة)، والعامة تقول (هَزُلَت)، وهذا الفعل يستعار للدلالة على ابتذال الشيء وقلة قيمته عند الناس؛ مثل الدابة المهزولة التي لا يرغب أحد في شرائها؛ ومن ذلك الأبيات المشهورة:
    تصدَّر للتدريس كلُّ مهوَّس ........ بليدٍ تَسمَّى بالفقيه المدرسِ
    فحُقَّ لأهل العلم أن يتمثَّلوا ........ ببيتٍ قديم شاع في كل مجلسِ
    لقد هُزِلَت حتى بدا من هُزالها ....... كُلاها وحتى سامها كل مُفلسِ



    [190- مِنَ الْهُزَالِ وَهْوَ ضِدُّ السِّمَنِ ..... وَقَدْ نُكِبْتُ مَرَّةً فِي الزَّمَنِ]



    يقول الناظم إن الفعل السابق ذكره (هزل الرجل) هو من (الهُزَال) الذي هو ضد السمن، وهذا من تفسير الشيء بضده لوضوحه؛ كما تقول (الكبير ضد الصغير) و(الطويل ضد القصير) و(السمين ضد النحيف) و(العظيم ضد الضئيل) و(الكثير ضد القليل) وهكذا.
    فالتفسير بالمضاد طريقة نافعة، ومنهج مسلوك عند أهل العلم، ولا يقال فيه (إنه من الدَّور بناءً على أن كلا منهما يفسر بالآخر)؛ لأن المقصود بيانُ الشيء بذكر لازمه أو بذكر مقتضاه، لأن تصور معنى (الكبير) يستلزم أو يقتضي تصور معنى (الصغير)، وتصور معنى (السمين) يستلزم تصور معنى (النحيف)، وهكذا.
    وهذا النوع من اللوازم يسمى اللازم الذهني؛ لأن اللوازم ثلاثة أنواع: لازم خارجي فقط، ولازم ذهني فقط، ولازم ذهني وخارجي معا؛ كما قال عبد السلام في توشيحه على السلم:
    في الذهن والخارجِ لازمٌ دُعي ..... مثالُه زوجيَّةٌ للأربعِ
    ولازمُ الذهنِ فقط كالبصَرِ ...... له العمى مُستلزِم التصوُّر
    ولازمُ الخارج كالسوادِ ........ للزنجِ والغرابِ أمرٌ بادِ

    وقوله (نُكِبت) أي أصبت بنكبة، كما سيأتي.


    [191- وَكَمْ تَرَى مِنْ رَجُلٍ مَنْكُوبِ ..... بِحَادِثٍ وَأَلَمٍ مُصِيبِ]



    هذا البيت مثال على الفعل (نُكِبَ يُنْكَبُ نَكْبًا)، فهو (منكوب)، وأصابته (نَكْبة)، وهي المصيبة أو الحادث أو الألم كما هو ظاهر من تمثيل الناظم؛ ومن المترادفات أيضا في هذا الباب ما ذكره ابن نبهان الحضرمي في نظم المترادف بقوله:
    كعَثْرةٍ تورُّطٌ ونكبةُ ...... بليَّةٌ ومِحنةٌ وسَقْطةُ
    وزَلَّةٌ وهَفْوةٌ وكَبْوةُ ...... وفَلْتةٌ وفَرْطةٌ ونَبْوةُ
    مصائبٌ ومثلُها الخُطوبُ ....... مُلِمَّة نوائبٌ تنوبُ
    بَواتِرٌ جَوائِحٌ قَواصِمُ ....... بَوائقٌ قَوارِعٌ عَظائِمُ
    فَجائِعٌ نَوازِلٌ رَزايا ....... عنَّا اصرِفَنَّ الكل يا مولايا

    وذهب بعض العلماء إلى أن (نُكِبَ) مشتق من (المَنكِب) أي كأنه قد أصيب منكبُه، وقد تكرر ذكر المنكب في الحديث كثيرا؛ كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه.
    وبوَّب البخاري في صحيحه (باب من يُنكَب في سبيل الله)، وفي صحيح مسلم عن جندب بن سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم (نُكِبَت إصبعُه) أي أصيبت، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    هل أنتِ إلا إصبَعٌ دَميتِ ........ وفي سبيل الله ما لَقِيتِ

    وبعض الناس يخطئ في نطق هذا الحديث، فيقول: (هل أنتَ إلا إصبع دميتَ ..).
    وفي حديث أبي هريرة عند مسلم (في كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها).


    [192- وَحُلِبَتْ نَاقَةُ زَيْدٍ تُحْلَبُ ..... وَقِيلَ فِي الْمَصْدَرِ مِنْهُ: الْحَلَبُ]



    تقول (حَلَب الناقةَ) بفتح اللام في الماضي، (يحلُبها) بضم اللام في المضارع، وهو أشهر من كسرها.
    ونص كلام ثعلب (حُلِبت ناقتُك وشاتُك)، فحذف الناظم (الشاة) واكتفى بالناقة، وصنيع الناظم أحسن وأقرب للفهم؛ لأن الحلب لا يقتصر على الناقة والشاة بل يشمل البقر، فالجادة أن يُكتفى في التمثيل بواحد، أو يحصر الجميع إن أريد الحصر، أما التمثيلُ باثنين فقد يوهم السامع أن الحلب يقتصر استعماله على الناقة والشاة.
    وقياس المصدر أن يكون (حَلْبًا) بسكون اللام؛ كما قال ابن مالك:
    فَعْلٌ قياس مصدر المعدى ....... من ذي ثلاثة كرد ردا

    لكن المسموع في مصدر هذا الفعل هو الحَلْب بسكون اللام والحَلَب أيضًا بفتح اللام، وبعض العلماء قال: الصواب الفتح فقط ولا يجوز التسكين، وأشار إليه الناظمُ بقوله (وقيل في المصدر منه الحَلَب)، وفيه قول آخر سيأتي في البيت القادم.


    [193- وَقِيلَ: إِنَّ الْحَلَبَ الْحَلِيبُ ..... مِنْ لَبَنٍ وَذَلِكَ الْمَحْلُوبُ]



    هذا البيت تتمة للبيت السابق الذي أشار فيه الناظم إلى أن المصدر قيل فيه (حلَب) بفتح اللام، أي وقيل أيضًا إن هناك فرقًا بين (الحلْب والحلَب)؛ فالأول هو المصدر والثاني: هو الحَلِيب أي اللبن، وهو فعيل بمعنى مفعول، وإليه أشار الناظم بقوله (وذلك المحلوب).


    [194- وَرُهِصَ الْحِمَارُ أَوْ سِوَاهُ ..... بِحَجَرٍ فِي حَافِرٍ آذَاهُ]



    تقول (رهَص الحجرُ الحمارَ) بفتح الهاء في الماضي، (يرهَصه) بفتح الهاء في المضارع، هكذا مقتضى القياس لوجود حرف الحلق، ولم أقف على ضبط المضارع في كتب اللغة.
    ونص ثعلب (رهصت الدابة) فغيرها الناظم إلى (الحمار) لأنه هو الدابة في العرف، ولأن المقصود التمثيل لا الحصر اتفاقا، ومراد ثعلب أن الأفصح بناء هذا الفعل للمجهول، لأنه قد يقال أيضا (رَهِصت الدابة) و(أرهصت)، وكله جائز لكن ما ذكره ثعلب أفصح.


    [195- وَقِيلَ فِي الرَّهْصَةِ: مَاءٌ يَنْزِلُ ..... فِي رُسْغِهِ؛ كِلاَهُمَا يَحْتَمِلُ]



    وقع في المطبوع (رصغه) بالصاد سهوًا، والصواب (رسغه) بالسين، وكذلك هو في النسخ المخطوطة وفي مخطوط الشرح أيضا. وإن كان (الرصغ) بالصاد لغة، لكنه بالسين أفصح وأشهر، وبعض العلماء جعل الصاد من كلام العامة.
    وقد وقع هذا البيت في المطبوع بعد البيت الآتي، والأنسب فيما أرى أن يكون هذا موضعه؛ لأنه ما زال في تفسير اللفظ لم ينته منه، وكذلك وقع الترتيب في أضبط النسخ المخطوطة وفي مخطوط الشرح أيضا. وقد سقط البيتان جميعا من بعض النسخ.
    والمقصود من البيت كما هو ظاهر ذكر تفسير آخر أو معنى آخر لـ(رُهِص الحمار) أو (رُهِصت الدابة)؛ لأن بعض العلماء قال إن (الرهصة) هي الإصابة بالحجر أو نحوه، وبعضهم قال: (بل هو مرض يصيب الدابة ينتج عنه ماء يوجد في رسغها، فيداوى باستخراجه).


    [196- فَقُلْ: رَهِيصٌ مِنْهُ أَوْ مَرْهُوصُ ..... كِلاَهُمَا فِي وَصْفِهِ مَنْصُوصُ]



    وقع هذا البيت في المطبوع قبل البيت السابق كما بينتُ فيه.
    ونص كلام ثعلب (فهي –أي الدابة- مرهوصة أو رهيص) ومنه يظهر أن هذا الفعل جار على القياس في بنائه للمفعول، وليس فيه شذوذ من هذه الجهة، وقول الناظم (كلاهما في وصفه منصوص) أي أن ثعلبا قد نص عليها في الفصيح، فلا تعترض عليه بأن هذا البيت لا داعي له لأنه مجرد تصريف قياسي؛ كما تقول (جُرِح فهو مجروح وجريح)، و(قتل فهو مقتول وقتيل)، و(كُسِر فهو مكسور وكسير)، وقد استفدنا من كلام ثعلب فائدة زائدة على كلام الناظم، وهو أن وزن (فعيل) يستعمل بغير تاء للمذكر والمؤنث.



    والله تعالى أعلم.
    أخوكم ومحبكم/ أبو مالك العوضي
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Apr 2017
    المشاركات
    6

    افتراضي

    السلام عليكم هل ثمة تكملة لهذا الشرح المبارك

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •