بسم الله الرحمن الرحيم

من روائع حضارتنا

قضــاة زينــوا سـاحـات القضاء

دأب الغرب العلماني على توجيه الانتقادات للمنهج الإسلامي فيما يتعلق بسجل حقوق الإنسان بالتلميح تارة وبالتصريح تارة أخرى، ونسى هذا المشفق على حقوق الإنسان ماضيه الاستعماري الذي قام على قهر الشعوب الضعيفة وسلب خيراتها، كما نسى حاضره الذي يقدم النفعية والمصلحة الشخصية على النزعة الإنسانية، حتى صارت كلمة «حقوق الإنسان» شعاراً أجوفا مفرغاً من محتواه العملي، بل نسى الغرب روعة الإسلام في تحقيق المساواة بين أبنائه أمام الله وأمام القانون، فلقد ازدان تاريخ القضاء في الإسلام ببدائع من مواقف قضاة العدل، وزها بروائع من انصياع خاصة المسلمين وعامتهم لشرع الله ونزولهم عند أحكامه، فكان له في العدل السبق والتفرد بين حضارات الدنيا بأسرها.
خطورة منصب القضاء
لما كان العدل دعامة الأمم الراشدة، حرص الإسلام على تأكيد أهمية دور القضاء وخطورة موقعه في الأمة الإسلامية، قال تعالى: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } [النساء:58]
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» (1)
لكن بريق منصب القضاء وعلو قدره، جعل النفوس الضعيفة تهفوا إليه لتحوز الشرف والمكانة في الدنيا، متغافلة عن عبء القيام بحقه من واجبات العدل، فكان في المنصب هلاكها يوم القيامة، لذلك حرص المرء على الشرف بطلب الولايات أشد إهلاكا له من حرصه على المال، فإن طلب شرف الدنيا والرفعة فيها والرياسة على الناس والعلو في الأرض أضر على العبد من طلب المال، وضرره أعظم والزهد فيه أصعب، فإن المال يبذل في طلب الرياسة، وطلب الشرف بالولاية خطر جدا، وهو في الغالب يمنع خير الآخرة وشرفها وكرامتها وعزها.
قال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص:83] .. وقل من يحرص على رياسة الدنيا بطلب الولايات فيوفق بل يوكل إلى نفسه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرحمن بن سمرة -رضي الله عنه-: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها»(2)
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة» (3)
وعن أبى موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رجلين قالا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله أمرنا. فقال: «إنا لا نولى هذا من سأله ولا من حرص عليه» (4)
من أجل هذا هاب الصالحون منصب القضاء وتبعاته، وحرصوا على دفعه عن أنفسهم، ويروى لنا تاريخ الإسلام في ذلك مواقف مضيئة، نذكر منها ما روى من أن عثمان بن عفان عرض على ابن عمر -رضي الله عنهما- القضاء، فأبى، ولما ألح عليه لقبوله مذكرا إياه بأن أباه كان يقضى، قال عبد الله: إن أبى كان يقضى، فإذا أشكل عليه شيء سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإذا أشكل على النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل جبريل، وإني لا أجد من أسأل.
وروى أن الخليفة الوليد بن عبد الملك أراد أن يولى (يزيد بن مرثد) القضاء، فبلغ ذلك يزيد، فلبس فروة وقلبها، فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجا، وأخذ بيده رغيف خبز وعرقا ( أي عظم عليه لحم ) وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ( أي حاسر الرأس ) ولا نعل ولا خف، وجعل يمشى في الأسواق ويأكل، فقيل للوليد إن يزيد قد اختلط ( أي خرف ) وأخبر بما فعل، فتركه الوليد.
وسأل بعضهم وكيعا عن مقدمه هو وابن إدريس وحفص على هارون الرشيد، فقال: كان أول من دعا به أنا، فقال لي هارون: يا وكيع، إن أهل بلدك طلبوا منى قاضيا، وسموك فيمن سموا، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ كبير، وإحدى عيني ذاهبة، والأخرى ضعيفة. فقال هارون: اللهم غفرا، خذ عهدك أيها الرجل وامض. فقلت: يا أمير المؤمنين، والله لئن كنت صادقا إنه لينبغي أن لا يقبل منى، ولئن كنت كاذبا، فما ينبغي أن تولى القضاء كذابا، فقال: اخرج فخرجت، ودخل ابن إدريس، فسمعنا وقع ركبتيه على الأرض حين برك، وما سمعناه يسلم إلا سلاما خفيا، فقال له هارون: أتدرى لما دعوتك؟ قال لا قال: إن أهل بلدك طلبوا منى قاضيا وإنهم سموك لي فيمن سموا، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي، وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك وامض. فقال له ابن إدريس: وأنا وددت أنى لم أكن رأيتك فخرج، ثم دخل حفص فقبل عهده.
وجمع عدي بن أرطاة بين إياس بن معاوية والقاسم بن محمد، وقال إن أمير المؤمنين أمرني أن أولى أحدكما قضاء البصرة فماذا تريان؟ فقال كل منهما عن صاحبه: أنه أولى منه بهذا المنصب، وذكر من فضله وعلمه وفقهه ما شاء الله أن يذكر، فقال عدي: لن تخرجا من مجلسي هذا حتى تحسما هذا الأمر. فقال له إياس: أيها الأمير سل عنى وعن القاسم فقيهى العراق الحسن البصري ومحمد بن سيرين، فهما أقدر الناس على التمييز بيننا، وكان القاسم يزورهما ويزورانه، وإياس لا تربطه بهما رابطة، فعلم القاسم أن إياسا أراد أن يورطه، وأن الأمير إذا استشارهما أشار به دون صاحبه، فما كان منه إلا أن التفت إلى الأمير وقال: لا تسأل أحدا عنى ولا عنه - أيها الأمير- فو الله الذي لا إله إلا هو إن إياسا أفقه منى في دين الله وأعلم بالقضاء، فإن كنت كاذبا في قسمي هذا فما يحل لك أن توليني القضاء، وأنا أقترف الكذب، وإن كنت صادقا فلا يجوز لك أن تعدل عن الفاضل إلى المفضول، فالتفت إياس إلى الأمير وقال: أيها الأمير، إنك جئت برجل ودعوته إلى القضاء فأوقفته على شفير جهنم، فنجى نفسه منها بيمين كاذبة لا يلبث أن يستغفر الله منها وينجو بنفسه مما يخاف. فقال له عدي: إن من يفهم مثل فهمك هذا لجدير بالقضاء حري به، ثم ولاة قضاء البصرة.
مواقف ناصعة
منصب القضاء في الإسلام من أعلى المراتب، لقوله تعالى: { والله يقضى بالحق } [غافر:20] فكان القاضي نائب عن الله في حكمه وفتواه .. يقول الإمام الغزالي: ( إنه أفضل من الجهاد، لأن طباع البشر مجبولة على التظالم وقل من ينصف من نفسه، والإمام مشغول بما هو أهم منه، فوجب من يقوم به، فإن امتنع الصالحون له منه أثموا، وأجبر الإمام أحدهم ).
ولقد جاءت دوحة الإسلام برجال وقضاة أفذاذ، قوالين بالحق، أمارين بالمعروف، لا يعصون الخالق في طاعة المخلوق، وهؤلاء هم الذين تحتاج الأمة إلى أمثالهم، إذ الأمة لا تحتاج إلى شيء من الأخلاق احتياجها إلى العدل والمساواة وعدم الإغضاء على تعدى حدود الله رهبة من السلطان .. هؤلاء الذين تحيا بهم الأمم، وتشرق بهم الأيام، وتعلو بهم قداسة الحق، فتطيب بهم الأيام (5)
فمن مواقفهم الناصعة مع ذوى السلطان ما روى أن عليا بن أبى طالب -كرم الله وجهه- افتقد درعا له كانت أثيرة عنده، ثم ما لبث أن وجدها في يد رجل يهودي يبيعها في سوق الكوفة، فلما رآها عرفها، وقال: هذه درعي سقطت عن جمل لي في ليلة كذا وفي مكان كذا. فقال الذمي: بل هذه درعي، وفي يدي يا أمير المؤمنين، وبيني وبينك قاضى المسلمين. فقال علي: أنصفت، فهلم إليه، فلما صارا عند شريح القاضي في مجلس القضاء، قال شريح لعلي -رضي الله عنه-: لا ريب عندي في أنك صادق فيما تقوله يا أمير المؤمنين، ولكن لابد لك من شاهدين. فقال على: نعم مولاي قنبر وولدي الحسن يشهدان لي. فقال شريح: ولكن شهادة الابن لأبيه لا تجوز. فقال علي: يا سبحان الله، رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته. أما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ) (6) فقال شريح: بلى يا أمير المؤمنين، غير أنى لا أجيز شهادة الولد لوالده. عند ذلك التفت علي إلى الذمي، وقال: خذها، فليس عندي شاهد غيرهما. فقال الذمي: ولكنى أشهد بأن الدرع درعك يا أمير المؤمنين، ثم أردف قائلا: يا لله أمير المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه، وقاضيه يقضى لي عليه، أشهد أن الدين الذي يأمر بهذا لحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله.
ويذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء: أن الخليفة أبو جعفر المنصور كتب إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة كتابا فيه: ( أنظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر، فادفعها إلى القائد ). فكتب إليه سوار: ( إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر، فلست أعطها لغيره إلا ببينة ). فكتب إليه المنصور: ( والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى القائد ). فكتب إليه سوار: ( والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجها من يد التاجر إلا بحق ) فلما وصل كتابة إلى المنصور قال: ملأتها والله عدلا فصار قضاتي تردني إلى الحق.
ومنهم القاضي المنذر بن سعيد البلوطى الذي ولى القضاء بقرطبة أيام عبد الرحمن الناصر، وناهيك من عدل أظهر ومن فضل أشهر ومن جور قبض ومن حق رفع ومن باطل خفض .. كان مهيبا صليبا غير جبان ولا عاجز ولا مراقب لأحد من خلق الله في استخراج حق ورفع ظلم، استعفي مرارا من القضاء فما أعفى، ويروى أن الناصر أراد أن يبنى قصراً لإحدى نسائه، وكان بجوار المكان دار صغيرة وحمام لأيتام تحت ولاية القاضي، فطلب شراءه. فقالوا: إنه لا يباع إلا بإذن القاضي، نسأله بيعه. فقال القاضي: لا إلا بإحدى ثلاث: حاجة الأيتام، أو وهن البناء، أو غبطة الثمن. فأرسل الخليفة خبراء قدروهما بثمن لم يعجب القاضي فأباه، وأظهر الخليفة العدول عنهما والزهد فيهما. وخاف القاضي أن يأخذهما جبرا، فأمر بهدم الدار والحمام وباع الأنقاض بأكثر مما قدر الخبراء. وعز ذلك على الخليفة، وقال له: ما دعاك إلى ذلك؟ قال أخذت بقول الله تعالى: { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } [الكهف:79] لقد بعت الأنقاض بأكثر مما قدرت للدار والحمام، وبقيت للأيتام الأرض فالآن اشترها بما تراه لها من الثمن. قال الخليفة: أنا أولى أن أنقاد إلى الحق فجزاك الله عنا وعن أمتك خيرا.
ومواقف العدل حتى مع الأبناء فلذات الأكباد، ومما يروى في ذلك أن ابن شريح القاضي قال له يوما: يا أبت، إن بيني وبين قوم خصومة فانظر فيها، فإن كان الحق لي قاضيتهم، وإن كان لهم صالحتهم. ثم قص عليه قصته، فقال له شريح: انطلق فقاضهم، فمضى إلى خصومه، ودعاهم إلى المقاضاة، فاستجابوا له. ولما مثلوا بين يدي شريح قضى لهم على ولده، فلما رجع شريح وابنه إلى البيت، قال الولد لأبيه: فضحتني يا أبت، والله لو لم أستشرك من قبل لما لمتك. فقال شريح: يا بني، والله لأنت أحب إلي من ملء الأرض من أمثالهم، ولكن الله عز وجل أعز علي منك، لقد خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم فتصالحهم صلحا يفوت عليهم بعض حقهم، فقلت لك ما قلت.
وقد كفل ولد لشريح رجلا فقبل كفالته، فما كان من الرجل إلا أن فر هاربا من يد القضاء، فسجن شريح ولده بالرجل الفار، وكان ينقل له طعامه بيده كل يوم إلى السجن.
( إن لنا نحن أبناء هذه الحضارة دين على الشعوب التي حررتها حضارتنا يجب أن نسترده، لا بالتفاخر الكاذب ولا بالأماني والأباطيل، بل بمعرفتنا لقدر أنفسنا وقيمة حضارتنا وسمو تراثنا واستحقاقنا لأن نكون الأمة الوسط التي تشهد على الناس وتقودهم إلى الخير والحق والكرامة ولعلنا فاعلون إن شاء الله) (7).
الهوامش والمصادر

(1) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ــ كتاب آداب القضاة برقم 5284 (2) رواه البخاري ــ كتاب الأحكام برقم 6613 (3) رواه البخاري ــ كتاب الأحكام عن أبي هريرة برقم 6615 (4) رواه البخاري ــ كتاب الأحكام برقم 6616 (5) من يظلهم الله د/ سيد العفاني، مكتبة معاذ بن جبل (6) رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ــ كتاب المناقب برقم 3701 (7) من روائع حضارتنا د/ مصطفي السباعي، دار السلام
ــ تاريخ الخلفاء / السيوطي
- شرح حديث (ما ذئبان جائعان) صـ17-19، ابن رجب - دار الفتح
ـ صور من حياة التابعين د/ رأفت الباشا دار الأدب الإسلامي
- صلاح الأمة د/ سيد العفانى مؤسسة الرسالة
- إيقاظ أول الهمم العالية عبد العزيز السلمان دار الإيمان
د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com