ومضات من فقه النكسة


د. محمد عياش الكبيسي


كثير هم الذين كتبوا في فقه التمكين، وربما هذا ما يناسب الحالة العامة في تاريخنا الطويل، لكن مع انهيار الأمة كوحدة سياسية كبرى وخضوعها لشروط الغرب المتغلب ومشاريعه المتشعبة دخلت الأمة في حالة جديدة يمكن تسميتها بـ (النكسة)، ومع الشعور المتفائل بموجة الربيع العربي والذي يبشر ببداية مشجعة للنهوض، إلا أن الوضع العام ما زال محكوما بالتداعيات الثقيلة لهذه النكسة، خاصة البلاد الخاضعة للهيمنة الأجنبية المباشرة كفلسطين والعراق وأفغانستان.
وإذا كان العلم أساس العمل، وأنه:
وكل من بغير علم يعمل أعماله مردودة لا تقبل
فالعمل بغير علم مردود عند الله، وهو مردود في الحياة الدنيا أيضا لأنه لن ينتج إلا مزيدا من الخسائر والجهود الضائعة، كالذي يحاول بناء بيت بلا خارطة ولا خطة، هكذا حال كثير من الجماعات والأفراد الذين يتصدون للشأن العام ولكن قبل بناء النظرية المتكاملة والقابلة للتطبيق، ولقد قيل: إن كل هدف لا توضع له خطة مدروسة فهو حلم أو شعار، حلم للكسالى، وشعار للتجار.
هنا سنحاول أن نشير لبعض الومضات في هذا الفقه (فقه النكسة) لنسهم في تشجيع الباحثين وطلاب العلم لسبر أغوار هذا العلم واستخلاص النظرية المركبة والمتكاملة للنهوض.
بداية علينا أن نؤمن أن حركة التاريخ لها قوانين قد لا تختلف كثيرا عن قوانين الفيزياء، ومن هذه القوانين أن الأمم لها دورات حياتية تولد وتنمو وتشيخ وتموت ثم تولد من جديد وهكذا، هذه سنة الحياة في الإنسان والحيوان والنبات، وهي سنة أيضا في الأمم والحضارات والإمبراطوريات، وكما أن أعمار الأفراد مختلفة بحسب توازن عوامل الصحة والمرض والحوادث القاهرة فكذلك الأمم والدول، وعليه فلا ينبغي لنا اليوم أن نشعر بحالة الإحباط أو بفقدان الثقة بأنفسنا فإننا لم نأت بالغريب، ولسنا استثناء من هذه السنة التاريخية، بل العكس فلقد كنا استثناء لأننا عمّرنا طويلا أكثر بكثير من الأمم الأخرى، فليس هناك في الأمم أمة غيرنا عمّرت ثلاثة عشر قرنا بسيادة سياسية وريادة حضارية، ولو قارنا أنفسنا بالأمة اليهودية التي بقيت ثلاثة آلاف سنة في شتات وسبات ولم يتمكنوا من صناعة إطار جغرافي يجمعهم إلا في هذه الاختلاسة السريعة والمرتبكة من أرض فلسطين. فنحن بحق أمة محظوظة رغم حالة المرض التي نمر بها. والعبرة دائما ليس في أن لا نمرض، وإنما العبرة أن لا تطول فترة المرض.
في وقعة حنين أصيب المسلمون بالنكسة والتي كادت تودي بالأخضر واليابس، حتى وقف الرسول صلى الله عليه وسلم مرددا: أنا النبي لا كذب / أنا ابن عبدالمطلب، ماذا يعني هذا في فقه النكسة؟ إنه إعلان الهوية، فأول خطوة للنهوض هي الهوية، الهوية هي التي تجمعنا، وهي التي تستنفر الطاقات الكامنة فينا.
لقد مر علينا حين من الدهر بعد سقوط الأمة كوحدة سياسية كبرى ونحن نخجل من هويتنا، ونعبّر عنها بأساليب مضطربة وربما متناقضة، فمرة شرقية وأخرى غربية، ومرة قومية وأخرى قُطرية «سايكسبيكية «، المهم أن لا نعلنها أننا أمة إسلامية بعقيدتها وتاريخها وتراثها، مع أننا لا زلنا نعيش حالة الأمة في محطات ثقافتنا وسلوكياتنا اليومية فالكعبة والحج والمسجد ورمضان لا تسمح لنا إلا أن نكون أمة واحدة، وأن الحدود السياسية مهما كانت فإنها لن تحول دون الانتماء الشعوري للأمة وهويتها الأساس، وأذكر هنا لطيفة فقد حضرت جنازة فتاة سودانية منذ أشهر، فدار حديث عن سؤال القبر، فقلت: نعم إنها ستسأل: من هم إخوانك؟ ومن هم أخواتك؟ فإن قالت: السودانيون إخواني والسودانيات أخواتي فإنها سترسب في الامتحان! لكنها ستقول إن شاء الله: المسلمون إخواني والمسلمات أخواتي، هذه عقيدتنا وحينما نتجاوزها في التربية الأسرية أو المدرسية فإننا سنصنع ازدواجية في الشخصية وتناقضا صارخا في السلوك. وهذا ما لمسناه في سنّة العراق؛ حيث إنهم لهذه اللحظة لا يحسنون التعبير عن هويتهم، وبالتالي هم غير قادرين على المطالبة بحقوقهم وبما يضمن لهم وجودهم أصلا، وبالمقابل لقد رأينا كثيرا من الفرق الضعيفة والصغيرة تمكنت من الاحتفاظ بذاتها بإعلانها الواضح لهويتها كالشيعة واليزيدية والدروز.. إلخ بل ما الذي جعل اليهود يحتفظون بوحدتهم الشعورية رغم تشتتهم الطويل في البلاد المختلفة سياسيا وثقافيا؟ إنها الهوية التي تغرس غرسا مع حليب الأمهات، وإن أي مكون بشري لا يعتز بهويته ولا يعبر عنها بشجاعة فإنه سيتلاشى ويذوب في محيطه الأوسع مهما بلغ حجمه وتاريخه، ومن المفيد هنا أن ننبه إلى أن المجتمعات التي تمر في حالة الضعف بحاجة أكثر لإبراز هويتها من المجتمعات القوية؛ لأن القوي يمتلك القوة التي تحميه وتحمي كيانه أما الضعيف فإن ضعفه سيغري الطامعين والمتربصين فإن ضعف ولاؤه لهويته وخصوصيته فإنه سينهار بالكامل.
في نكسة حنين انتدب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمّه العباس لينادي بأصحاب السمرة «الشجرة» وهؤلاء هم صفوة الصحابة الذين كانوا قد بايعوه صلى الله عليه وسلم على الموت، يقول العباس فناديتهم فانعطف إلي منهم نحو مئة! مئة فقط من مجموع الجيش الذي كان اثني عشر ألفا! لكن بصمود المئة رجع الجيش كله، إذاً في مرحلة النكسة نحتاج إلى صناعة النموذج والمثل الذي يحتذى فيعيد الحياة لأطراف الجسد كله، وحين نتطلع اليوم إلى واقع الأمة بنظرة تشخيصية نرى أن الأمة تفتقر فعلا إلى هذا النموذج، ليس لقلة الصادقين والمخلصين بل لضعف القدرة على بناء النموذج الناجح والمشجع للآخرين، فالصفوة من الدعاة والمجاهدين لم يتفقوا على الهدف أو ترتيب الأولويات بل كانت المناكفات فيما بينهم أشد مما هو في الوسط الجماهيري، وصرنا نرى أن الجمهور هو الذي يلح على توحيد القيادات والرموز! بمعنى أن الصفوة مكان أن يكونوا هم واسطة العقد في تجميع طاقات الأمة وإمكاناتها أصبحت الأمة هي من تطالبهم بذلك، ومكان أن يقوم الصفوة بإصلاح ذات البين في عموم الناس، أصبح عموم الناس هم الذين يحاولون إصلاح ذات البين في صفوف الصفوة! ووصل الحد بينهم في بعض التجارب إلى التشكيك في النوايا والتنابز بالألقاب، وفي النهاية لم يعد هم النهوض بالأمة هو الهم الأول بل الدفاع عن الشيخ والحزب والجماعة.
هناك تجارب قاربت على التمكين الجزئي لكننا رأينا منهم جهلا فاضحا في محاولات تنزيل المشروع الإسلامي على الأرض، فلم يحضر في أذهان هؤلاء من الإسلام إلا إقامة الحدود بقطع السارق وجلد المخمور ورجم الزاني، قبل التربية وقبل التعليم وقبل القضاء على البطالة والمرض والجهل، هذه صورة الإسلام الأولى التي عرضتها «الصفوة» للجمهور المرتبك وللعالم المتابع والمراقب! مما ولد تشكيكا جادا في مقولة «الحل الإسلامي» حيث أصبح دعاة الحل الإسلامي جزءا من المشكلة وليس سببا للحل، والتجربة الأفغانية والصومالية وربما العراقية شاهدة على هذا.
في مرحلة النكسة تظهر حالة مما يمكن تسميته بالفقه المتميّع؛ حيث كثرة الضغوط الخارجية، والحاجة لإيجاد قدر من التعايش أو التكيّف مع حالة الضعف هذه وتداعياتها المتشعبة، فالطرف القوي يفرض شروطه وقوانينه ومشاريعه المتنوعة، وهو بحكم تفوقه يملي كل هذا إملاء على الطرف الأضعف، وبما أن مصالح الناس مرتبطة ارتباطا وثيقا بهذه الحالة المعقدة فإن «فقهاء التيسير» ممكن أن يجهدوا أنفسهم للبحث عن المخارج أو الحيل الشرعية إلى الحد الذي قد ينعكس ليس على واقع الضرورة الذي نعيش بل قد يصل الأمر إلى محاكمة واقع آخر كنا إلى عهد قريب نفخر به، فمثلا حينما نحصر كل مدلولات الجهاد بالدفاع عن النفس فإن هذا فيه إدانة مبطنة للفاتحين الأوائل، ففتح الأندلس وفتح القسطنطينية لم يكن دفاعا عن النفس، وإذا صحت تفسيرات هؤلاء للجهاد الشرعي فإن هذه الفتوحات ستقع قطعا خارج دائرة الشرع!! ومثل هذا لما نتناول كل المسائل التي تمثل نقاط تماس في صراع الهوية مثل أحكام الذميين والمرتدين والحجاب، والتعدد، وإرث المرأة.. إلخ وهنا مكمن الخطر فلم تعد هذه الفتاوى مجرد اجتهادات محتملة للصواب والخطأ لكنها إخلال واضح في التعبئة المنشودة في معركة البقاء، ومن هنا تأتي القراءات المشوّهة للتاريخ والتي حاولت النيل من رموز الصحابة تقربا لهذا الطرف أو ذاك؛ حيث لم تأت هذه القراءات المضطربة في أجواء البحث العلمي بل جاءت في أوج التحدي الذي تتعرض له هويتنا اليوم.
بعض الناس يتصورون خطأ أننا في مرحلة الضعف يجوز لنا أن نتخفف ونتهاون فيما لا يجوز لنا أن نتهاون معه في مرحلة القوة، وهذا من الناحية العلمية والتربوية لا يسلم أمام النقد الفاحص، فالضعيف الذي لا يجد ما يحمي به وجوده إلا اعتصامه بهويته كيف يكون حاله عندما يتخفف من أعباء هذه الهوية نفسها؟ وما الذي سيبقى له من حواجز تقيه من الذوبان في هوية الآخر؟ لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتشدد في التربية المكية صلابة وولاء وبراء أكثر بكثير من العهد المدني، في مكة جاءته قريش تساومه وقدمت له ما لا يمكن أن تقدمه لغيره حتى عرضوا عليه الملك لكن العنوان الأبرز لتلك المرحلة كان «لكم دينكم ولي دين» إنها المفاصلة الحادة، بينما في المدينة رأيناه عليه الصلاة والسلام يضع الوثيقة المنفتحة للتعاون مع أهل الديانات الأخرى، وتحالف مع خزاعة المشركة، ولأن في تفاوضه مع قريش في الحديبية حتى وافق على محو كلمة (رسول الله) من وثيقة الصلح!
في مكة يغضب لمجرد طلب الدعاء المشعر بنوع من الضعف، يقول خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسّد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله ألا تستنصر الله تعالى لنا؟ فجلس محمرا وجهه فقال: والله لقد كان من قبلكم يؤخذ فتجعل المناشير على رأسه فيفرق بفرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه..» الحديث رواه أحمد وغيره. وهذا يعني باختصار أن الهوية حينما يكون لها سلطان يحميها فإن مسؤولية الالتزام الفردي بالدفاع عن الهوية ستكون أخف من الحالة الأخرى حالة غياب السلطان والمؤسسات الرسمية، أما قواعد الضرورات فينبغي أن تلاحظ في هذه المرحلة بغاية الدقة لكيلا تكون سببا من أسباب ضياع الهوية ومن ثم ضياع الأمة ذاتها.