من ملامح التجديد عند ابن الوزير رحمه الله (2)


الشيخ/ قاسم بن علي العصيمي
القسم الثاني: من ملامح التجديد عند ابن الوزير:
الملمح الأول في الجانب الفقهي:
يتضح من كلام ابن الوزير تبيينه بكل قوة أن مذهب آل البيت الفقهي ليس هذا المذهب المدون عند الناس من أقوال الرجال، بل مذهبهم الحقيقي هو اتباع الدليل من الكتاب والسنة لا التعصب للرجال مهما كانت جلالتهم، فمن تبع الوحي فقد اتبع مذهب أهل البيت، وهكذا كان الأئمة السابقون يقولون: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقُدم هذا الملمح لأنه الأوسع في طبقة المخاطبين.

ويتضح هذا الملمح من القصيدة التي قالها أخوه الهادي ابن الوزير جواباً على صاحب الترجمة المجدد:

والقوم والقرآن فاعرف قدرهم
وكفى لهم شرفاً ومجداً باذخاً
فأتم قولك بالمصير إليهم
فهم الأمان كما ذكرت ونهجُهم
مالي أراك تقول فيهم هكذا

***
***
***
***
***
ثقلان للثقلين نص محمد
فرض الصلاة لهم بكل تشهد
في كل قول يا محمد تهتدي
نهج البلوغ إلى تمام المقصد
وبغير مذهبهم تدين وتقتدي

والمراد بالقوم في البيت الأول الذي ذكرته من كلام أخيه الهادي هم آل البيت من الزيدية، والمذهب في آخر بيت هو مذهبهم الذي لا يقتدي به محمد بن إبراهيم الوزير في نظر أخيه الهادي.
ولكن ابن الوزير قد بين مذهب آل البيت الصحيح وأكده في القصيدة الدالية التي هي سبب جواب أخيه الهادي عليه في القصيدة التي اقتطفت منها هؤلاء الأبيات، بأن أهل البيت القدامى مذهبهم العتيق هو اتباع الدليل لا الجمود والتعصب لغير الوحي المعصوم، وأنه قد سلك طريق أهل البيت الأوائل؛ فكان من قوله السابق لجواب أخيه:
إني أحب محمداً فوق الورى
فقد انقضت خير القرون ولم يكن
***
***
وبه كما فعل الأوائل أقتدي
فيهم بغير محمد لم يهتد

ثم قال بعد أن مدح آل البيت وذكر حبه لهم:
سنوا متابعة النبي ولم يكن
قد خالفوا آباءهم جهراً ولم
***
***
لهمُ غرام بالمذاهب عن يد
يتقيدوا إلا بسنة أحمد

ثم قال عن اقتدائه بأهل البيت لا عن تقليدهم:
وأنا اقتديت بهم فأنكر قدوتي
***
من طغمة الغوغاء كل مبلد

وقال مبينا الفرق بينه مقتدياً وبين مخالفيه المقلدين:
هم قلدوهم واقتديت بهم وكم
***
بين المقلد في الهوى والمقتدي

وقد ألجم ابن الوزير بهذا الرأي التجديدي في تحديد مذهب آل البيت الصحيح كل المتعصبة والجامدين، ولفت الأمة إلى الأخذ من المصدر الأصلي والينبوع العذب المتدفق إلى قيام الساعة وهو الوحي المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
الملمح الثاني في الجانب العقدي:
يقول ابن الوزير رحمه الله ممهداً لهذا الملمح في كتابه إيثار الحق على الخلق: "ينبغي من كل مكلف أن يطرح العصبية، ويصحح النية، ويستعمل النظر بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا يقدم عليها ما لقنه أهل مذهبه، فإنه إذا نظر كذلك في كل أمرين متضادين فيما يحتاج إليه يجد ترجيح الحق منهما على الباطل بيناً لا يُدفع، مكشوفا لا يتقنع". اهـ.
ثم أعلن هذا الملح وبرهن عليه وهو كفاية الفطرة الضرورية والأدلة السمعية على المباحث العقائدية.
كما حذر ابن الوزير من علم الكلام الذي جُعل عند المتكلمين أصلاً للدين مع تهافت كثير من أدلته واضطرابها، وقد صرح في القصيدة الدالية بمجانبته لعلم الفلسفة والكلام الذي عظمه علماء زمانه ومن أخذوا عنهم، وقرر أنه على المنهج العتيق لأهل البيت والصحابة من اتباع الدليل، فقال بعد أن بين مذهبه في الفروع بما سبق أن أشرنا إليه:
هذي الفروع وفي الأصول عقيدتي
ديني كأهل البيت دينا قيماً
لكنني أرض العتيق وأحتمي
إن السلامة في العتيق وإنه
***
***
***
***
ما لا يخالف فيه كل موحد
متنزهاً عن كل معتقد ردي
من كل قول حادث متجدد
كالشمس واضحة لعين المهتدي

ثم قال:
ما كان للإسلام وقت محمد
***
درس سوى القرآن للمتعبد

وقال بعده ببيتين موضحاً منهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
ما كان أحمد في المرا متدرباً
بل كان يأمر بالجهاد لكل من
***
***
كلا ولا للمشكلات بمورد
جحد الدليل وكل باغٍ معتد

ثم قال عن منهج السلف الذي ارتضاه:
وبذا اكتفى آل الرسول ومن ثوى
وكذا الصحابة والذين يلونهم
***
***
عند الحجون وفي بقيع الغرقد
سل كل تاريخ بذاك ومسنَد

ولم يكن اختيار ابن الوزير لهذا المنهج عن قصور أو جهل أو استصعاب لعلم الكلام والجدل، بل كان عن خبرة وتجربة قال عنها:
هذا وما اخترت العتيق لحيرتي
فأنا الذي أفنيت شرخ شبيبتي

***
***
في الغامضات ولا لفرط تبلد
في بحث كل محقق ومجود

وهو كما قال عن نفسه في كتابه العواصم والقواصم: "وقد وهبت أيام شبابي وزمان اكتسابي لكدورة علم الكلام والجدال والنظر في مقالات أهل الضلال حتى عرفت قول القائل:

لقد طفتُ في تلك المعاهد كلها
فلم أرَ إلا واضعاً كف حائر
***
***
وسَيرتُ طرفي بين تلك المعالمِ
على ذقنٍ أو قارعاً سنَّ نادمِ

ولم يكتف الإمام ابن الوزير بما سبق بل ألف كتابه المشهور ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان.
وألف كتابه الأعظم شهرة من سابقه وهو إيثار الحق على الخلق؛ فكان ابن الوزير في زمانه مجدد مدرسة الإتباع في مناطق الزيدية في اليمن، ثم سار على نهجه ابن الأمير الصنعاني والشوكاني وغيرهما.
الملمح الثالث في الجانب السياسي:
حينما توفي الناصر صلاح الدين محمد بن علي في سنة (793هـ) دعا ابنه المنصور علي بن صلاح إلى نفسه بالإمامة، وفي نفس الوقت دعا إلى نفسه بالإمامة أحمد بن يحيى المرتضى الملقب بالمهدي، فانحاز ابن الوزير وأخوه وغيرهما من علماء صعدة إلى المنصور علي بن صلاح، وخسر المهدي واعتُقل فبقى في نفسه على ابن الوزير، وفي سنة (839هـ) اعتذر كلٌ -ابن الوزير والمهدي- إلى صاحبه وقبل الاعتذار الطرفان، وذلك قبل وفاتهما بسنة.
وكان التجديد عند ابن الوزير في هذا الجانب هو تقديم من يحقق المصلحة العامة -شرط النهضة أو الأنهضية التي يمكن أن تسمى حالياً بالكفاءة الإدارية- وكان التجديد في طرح ابن الوزير ليس دفاعاً عن المنصور الذي انحاز إليه مع كونه في تلك الآونة عالماً -غير مجتهد في نظر الزيدية- في مقابل العلامة المجتهد أحمد بن يحي الملقب بالمهدي؛ لأن المنصور كما يقول زيد بن علي الوزير في العدد التاسع من مجلة المسار: "كان قد كسب القضية مرتين على الصعيد العملي والنظري قبل تأليف ابن الوزير لكتابه الحسام المشهور، الذي كمل به رسالته المسماة واضحة المناهج وفاضحة الخوارج".
والذي يظهر أن ابن الوزير رحمه الله كان يرى أن المنصور المبايع بالإمامة مجتهداً لتضلعه بعلوم الكتاب والسنة، وإن كان قليل الخوض في علم الكلام، وذلك لأن ابن الوزير لم يكن يرى اشتراط علم الكلام في بلوغ رتبة الاجتهاد؛ لأن الصحابة والتابعين بعدهم لم يكونوا يعرفوا علم الكلام، وفيهم من هو من أهل الاجتهاد باتفاق.
يوضح هذا ما نقله زيد بن علي الوزير في مجلة المسار العدد التاسع عن مخطوطة الحسام المشهور؛ فقد قال المجدد ابن الوزير: "إن جماعة من الجهلة بحقيقة العلم الحق الذي كان عليه الصدر الأول لما رأوا مولانا أمير المؤمنين المنصور بالله عليه السلام مستغرق الأوقات بالنظر في المصالح، مقبلاً على ما كان عليه السلف الصالح، من النظر في القرآن الكريم والأخبار النبوية، قليل الخوض فيما حدث في الأعصار الأخيرة -بعد انقراض خير القرون- من البدع". اهـ.
فيبدو لي أن ابن الوزير رجح عالماً متبعاً للدليل غير مكترث بعلم الكلام رجَحَت فيه الأهلية للقيام بالمصالح وهو المنصور، على عالم آخر أعلم منه، وهو أحمد بن يحي المرتضى المعتزلي الملقب بالمهدي.
ويمكن أن نستأنس لاختيار ابن الوزير للأصلح بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية؛ فإنه نص بعد حكايته الخلاف في شرط الاجتهاد بقوله: "والمهم في هذا الباب معرفة الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود؛ فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر". اهـ.
وكان التجديد عند ابن الوزير في هذا الملمح هو تقديم الأصلح للقيام بالولاية على الأعلم، ومارس هذا التجديد عملياً، وأيضاً أبطل شرط الاجتهاد في الإمامة بسوقه للأدلة التي تدل على عدم اشتراط الاجتهاد في الإمامة العظمى، وبذكره للخلاف بين الزيدية في اشتراطه قديماً وحديثاً كما في كتابه الحسام المشهور، وبذكره للاختلاف في تحديد مَن هو المجتهد لتيسير كثير من العلماء للاجتهاد وتشدد آخرين.
رحم الله الإمام الحافظ الحجة محمد بن إبراهيم الوزير رحمة واسعة، وجمعنا به في الفردوس الأعلى إنه كريم ودود.
موقع منبر علماء اليمن:
http://olamaa-yemen.net/main/article...rticle_no=4419