المساجد واحة العلم
بدر عبد الحميد هميسه




المساجد بيوت الله - عز وجل -، وهي خير بقاع الأرض وأحب البلاد إلى الله - تعالى -، أضافها الله - تعالى -إلى نفسه تشريفاً لها قال - سبحانه -: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ* لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) سورة النور: 36-38.
والمساجد هي الواحة التي تعلقت بها قلوب المحبين لله - عز وجل -، لنسبتها إلى محبوبهم، وانقطعت إلى ملازمتها لإظهار ذكره فيها، وإعمارها دليل على الإيمان وحسن اليقين بالكريم المنان، قال - تعالى -: ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) سورة التوبة 18.
لذا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستقر به المقام عندما وصل إلى حي بني عمرو بن عوف في قباء، حتى بدأ ببناء مسجد قباء، وهو أول مسجد بُني في المدينة، وأول مسجد بني لعموم الناس. البداية والنهاية 3/209.
وإعمار المساجد يكون بالذهاب إليها وتعلق القلب بها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: (( مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا وَرَاحَ)). أخرجه أحمد 2/508(10616) والبُخاري (662) ومسلم (1469).
قال الشاعر:
لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح
في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح
في صحبة الأبرار ممن في رحاب الله ساح
من يرشدون بحالهم قبل الأقاويل الفصاح
وغراسهم بالحق موصول، فلا يمحوه ماح
من لم يعش لله عاش وقلبه ظمآن ضاح
يحيا سجين الطين، لم يطلق له يوما سراح
ويدور حول هواه يلهث ما استراح ولا أراح
ويدور حول هواه يلهث ما استراح ولا أراح
لا يستوي في منطق الإيمان سكران وصاح
من همه التقوى وآخر همه كأس وراح
شعب بغير عقيدة ورق تذريه الرياح
من خان (حي على الصلاة) يخون (حي على الكفاح)
وكما يكون الذهاب إلى المساجد للصلاة والعبادة والذكر والتبتل، فإنه يجب أن يكون الذهاب إليها كذلك للتعلم والتفقه، فالمسجد واحة للعلم وجامعة للتفقه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: (( يَا أَبَا ذَرٍّ، لأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِئَةَ رَكْعَةٍ، وَلأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ، عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ)) أخرجه ابن ماجة (219)، ضعيف الجامع برقم 6373.
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (( مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُرِيدُ إِلا أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يَعْلَمَهُ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامًّا حِجَّتُهُ)) أخرجه الطبرانى (8/94، رقم 7473) قال الهيثمي (1/123) رجاله موثقون كلهم. والحاكم (1/169، رقم 311، وأبو نعيم فى الحلية 6/97، وابن عساكر (16/456. قال الألباني: حسن صحيح.
وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: (( مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا، لَمْ يَأْتِ إِلاَّ لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ، أَوْ يُعَلِّمُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ)). أخرجه ابن أبي شَيْبَة 2/371(7516) و((أحمد)) 2/350(8587) و((ابن ماجة)) 227.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُون َهُ بَيْنَهُمْ، إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ، - عز وجل -، فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)) أخرجه "أحمد" 2/252(7421) و"مسلم" 6952.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم -وهو أعلم منهم-: ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك...قال: فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم.قال يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم)) رواه البخاري 5929.
خرج أبو هريرة - رضي الله عنه - إلى السوق بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأى حال الناس فيه وهم يبتاعون ويشترون، فنادى في سوق المدينة بأن ميراث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم في المسجد وأنتم هاهنا! فلما ذهبوا ولم يجدوا شيئًا رجعوا وأخبروه فقال لهم: وما رأيتم في المسجد؟ قالوا: رأينا قومًا يصلون، وقومًا يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم فذاك ميراث محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وعن مسلم بن مشكم: قال لي أبو الدرداء: أعدد من في مجلسنا، قال: فجاءوا ألفاً وستَّ مئة ونيِّفا، فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة، فإذا صلى الصبح انفتل، وقرأ جزءًا، فيحدقون به، يسمعون ألفاظه، وكان ابن عامر مقدمًا فيهم، وعن يزيد بن أبي مالك عن أبيه، قال: كان أبو الدرداء يصلي، ثم يُقرئ، ويقرأ، حتى إذا أراد القيام، قال لأصحابه: هل من وليمة أو عقيقة نشهدها؟ فإن قالوا: نعم، وإلا قال: اللهم إني أشهدك أني صائم. الذهبي، سير أعلام النبلاء 2/346.
وقد كان للصحابة -رضوان الله عليهم- حلقات للعلم في المسجد النبوي، فقد ذكر مكحول عن رجل أنه قال: "كنا جلوسًا في حلقة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في مسجد المدينة نتذاكر فضائل القرآن، فذُكِر الحديثُ في أعجوبة (بسم الله الرحمن الرحيم). ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق 7/216.
وكان لأبي هريرة - رضي الله عنه - حلقة في المسجد النبوي يُعلِّم فيها حديث رسول الله، وكانت هذه الحلقة تعكس سعة حفظ أبي هريرة - رضي الله عنه -، كما كانت تجيش بعواطفه الصادقة تجاه النبي؛ فقد دخل رجل على معاوية - رضي الله عنه - فقال: "مررت بالمدينة، فإذا أبو هريرة جالس في المسجد، حوله حلقة يحدثهم، فقال: حدثني خليلي أبو القاسم، ثم استعبر، فبكى، ثم عاد، فقال: حدثني خليلي نبي الله أبو القاسم، ثم استعبر، فبكى، ثم قام" الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/611.
وكذلك كان لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - حلقة شهيرة في مسجد دمشق، وصفها لنا أبو إدريس الخولاني، فقال: "دخلت مسجد دمشق فإذا أنا بفتى براق الثنايا، طويل الصمت، وإذا الناس معه، فإذا اختلفوا في الشيء، أسندوه وصدروا عن رأيه، فسألت عنه، فقيل هذا معاذ بن جبل. الفسوي: المعرفة والتاريخ 2/185.
حكى الإمام ورش المصري عن تجربته في حلقة الإمام نافع في المسجد النبوي، فقال: "خرجتُ من مصر لأقرأ على نافع، فلما وصلتُ إلى المدينة صرتُ إلى مسجد نافع، فإذا هو لا تُطاق القراءة عليه من كثرتهم، وإنما يُقْرِئ ثلاثين، فجلستُ خلف الحلقة، وقُلتُ لإنسان: من أكبر الناس عند نافع؟ فقال لي: كبير الجعفريين، فقلتُ: فكيف به؟ قال: أنا أجيء معك إلى منزله، وجئنا إلى منزله، فخرج شيخٌ، فقُلتُ: أنا من مصر، جئتُ لأقرأ على نافع فلم أصل إليه، وأُخبرتُ أنك من أصدق الناس له، وأنا أريد أن تكون الوسيلة إليه، فقال: نعم وكرامة، وأخذ طيلسانه ومضى معنا إلى نافع، وكان لنافع كنيتان أبو رويم وأبو عبد الله فبأيهما نودي أجاب، فقال له الجعفري: هذا وسيلتي إليك جاء من مصر، ليس معه تجارة ولا جاء لحج، إنما جاء للقراءة خاصة، فقال: تُرى ما ألقى من أبناء المهاجرين والأنصار؟ فقال صديقه: تحتال له، فقال لي نافع: أيمكنك أن تبيت في المسجد، قلت: نعم، فبتُّ في المسجد، فلما أن كان الفجر، جاء نافع فقال: ما فعل الغريب؟ فقلت: ها أنا، رحمك الله، قال: أنت أولى بالقراءة، قال: وكنتُ مع ذلك حسن الصوت، مدادًا به، فاستفتحت فملأ صوتي مسجد رسول الله فقرأت ثلاثين آية، فأشار فسكَتُّ، فقام إليه شابٌّ من الحلقة، فقال: يا معلم -أعزك الله- نحن معك، وهذا رجل غريب، وإنما رحل للقراءة عليك، وقد جعلت له عشرًا، واقتصر على عُشرين، فقال: نعم وكرامة، فقرأتُ عُشرًا، فقام فتى آخر فقال كقول صاحبه، فقرأتُ عُشرًا وقعدتُ، حتى لم يبق له أحد ممن له قراءة، فقال لي: اقرأ، فأقرأني خمسين آية، فما زلتُ أقرأ عليه خمسين في خمسين حتى قرأتُ عليه ختمات قبل أن أخرج من المدينة" الذهبي: معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار 1/154، 155.
لذا فقد تعلقت بالمساجد قلوب العابدين وأفئدة العلماء المتقين، قال ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة.
وكان زياد مولى ابن عباس - أحد العباد الصالحين - يلازم مسجد المدينة فسمعوه يوماً يعاتب نفسه ويقول لها: أين تريدين أن تذهبي! إلى أحسن من هذا المسجد!! تريدين أن تبصري دار فلان ودار فلان.
وقال سعيد بن المسيب: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد.
وقال ربيعة بن يزيد:ما أذن المؤذن لصلاة الظهر منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد إلا أن أكون مريضاً أو مسافراً