قال ابن الصلاح في مقدمته عند ذكره لمستدرك الحاكم : [وهو واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء به فالأولى أن نتوسط في أمره ، فنقول : ما حكم ما حكم في صحته ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه] .

قال الزركشي رحمه الله تعالى في نكته : [وروى أيضاً عن المظفر بن حمزة الجرجاني قال : سمعت أبا سعد الماليني يقول : طالعت المستدرك على الشيخين الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره فلم أر فيه حديثاً على شرطهما] .
وقد تعقب الذهبيُّ رحمه الله تعالى قول الماليني فقال : [هذا غلو وإسراف وإلا ففي المستدرك جملة وافرة على شرطهما وجملة كثيرة على شرط أحدهما وهو قدر النصف . وفيه نحو الربع مما صح مسنده أو حسن . وفيه بعض العلل . وباقيه مناكير وفي بعضها موضوعات قد أفردتها في جزء] .
ثم جاء خاتمة المحققين الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فذكر كلاماً نفيساً في هذه المسألة ، فقال رحمه الله في نكته على مقدمة ابن الصلاح :
[وهو كلام مجمل يحتاج إلى أيضاح وتبيين ، من الإيضاح أنه ليس جميعه كما قال ، فنقول :
(أ) ينقسم المستدرك أقساماً كل قسم منها يمكن تقسيمه :
1- الأول : أن يكون إسناد الحديث الذي يخرجه محتجاً برواته في الصحيحين أو أحدهما على صورة الاجتماع سالماً من العلل ، واحترزنا بقولنا على صورة الاجتماع عما احتجا برواته على صورة الانفراد ، كسفيان بن حسين عن الزهري ، فإنهما احتجا بكل منهما على الانفراد ، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين عن الزهري ، لأن سماعه من الزهري ضعيف لا يقال دون بقية مشايخه .
فإذا وجد حديث من روايته عن الزهري لا يقال على شرط الشيخين ، لأنهما احتجا بكل منهما ، بل لا يكون على شرطهما إلا إذا احتجا بكل منهما على صورة الاجتماع ، وكذا إذا كان الإسناد قد احتج كل منهما برجل منه ولم يحتج بآخر منه كالحديث الذي يروى عن طريق شعبة مثلاً عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ فإن مسلماً احتج بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه ولم يحتج بعكرمة ، واحتج البخاري بعكرمة دون سماك ، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما حتى يجتمع فيه صورة الاجتماع ، وقد صرح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره .
واحترزت بقولي أن يكون سالماً من العلل بما إذا احتجا بجميع رواته على صورة الاجتماع إلا أن فيهم من وصف بالتدليس أو اختلط في آخر عمره فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسين بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى ، وكذا لم يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم بعد الاختلاط إلا ما تحققا أنه من صحيح حديثهم قبل الاختلاط ، فإذا كان كذلك لم يجز الحكم للحديث الذي فيه مدلس قد عنعنه أو شيخ سمع ممن اختلط بعد اختلاطه ، بأنه على شرطهما وإن كانا قد أخرجا ذلك الإسناد بعينه ، إلا إذا صرح المدلس من جهة أخرى بالمساع وصح أن الراوي سمع من شيخه قبل اختلاطه ، فهاذ القسم يوصف بكونه على شرطهما أو على شرط أحدهما .
ولا يوجد في المستدرك حديث بهذه الشروط لم يخرجا له نظيراً أو أصلاً إلا القليل كما قدمناه ، نعم وفيه جملة مستكثرة بهذه الشروط ، لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما استدركها الحاكم واهماً في ذلك ظاناً أنهما لم يخرجاها .
(ب) القسم الثاني : أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته لا على سبيل الاحتجاج بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقروناً بغيره ، ويلتحق بذلك ما إذا أخرجا لرجل وتجنباً ما تفرد به أو ما خالف فيه ، كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ ما لم يتفرد به ، فلا يحسن أن يقال : إن باقي النسخة على شرط مسلم ، لأنه ما خرج بعضها إلا بعد أن تبين أن ذلك مما لم ينفرد به . فما كان بهذه المثابة لا يلتحق أفراده بشرطهما .
وقد عقد الحاكم في كتاب المدخل باباً مستقلاً ذكر فيه من أخرج له الشيخان في المتابعات وعدد ما أخرجا من ذلك ، ثم أنه مع هذا الاطلاع يخرج أحاديث هؤلاء في المستدرك زاعماً أنها على شرطهما ، ولا شك في نزول أحاديثهم عن درجة الصحيح بل ربما كان فيها الشاذ والضعيف لكن أكثرها لا ينزل عن درجة الحسن .
والحاكم وإن كان ممن لا يفرق بين الصحيح والحسن بل يجعل الجميع صحيحاً تبعاً لمشايخه كما قدمناه عن ابن خزيمة وابن حبان ، فإنما يناقش في دعواه أن أحاديث هؤلاء على شرط الشيخين أو أحدهما ، وهذا القسم هو عمدة الكتاب .
(ج) القسم الثالث : أن يكون الإسناد لم يخرجا له لا في الاحتجاج ولا في المتابعات ، وهذا قد أكثر منه الحاكم فيخرج أحاديث عن خلق ليسوا في الكتابين ويصححها ، لكن لا يدعي أنها على شرط واحد منهما وربما ادعى ذلك على سبيل الوهم ، وكثير منها يعلق القول بصحتها على سلامتها من بعض رواتها ، كالحديث الذي أخرجه من طريق الليث عن إسحاق بن بزرج عن الحسن بن علي في التزين للعيد ، قال في أثره :
((لولا جهالة إسحاق لحكمت بصحته وكثير منها لا يتعرض للكلام عليه أصلاً)) .
ومن هنا دخلت الآفة كثيراً فيما صححه وقل أن تجد في هذا القسم حديثاً يلتحق بدرجة الصحيح فضلاً عن أن يرتفع إلى درجة الشيخين ـ والله أعلم ـ .
ومن عجب ما وقع للحاكم أنه أخرج لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال بعد روايته :
هذا صحيح الإسناد ، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن ، مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء : عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه .
وقال في آخر هذا الكتاب : فهؤلاء الذي ذكرتهم قد ظهر عندي جرحهم ، لأن الجرح لا أستحله تقليداً . انتهى .
فكان هذا من عجائب ما وقع له من التساهل والغفلة ، ومن هنا يتبين صحة قول ابن الأخرم التي قدمناها – وهو أن الذي يفوتهما من الحديث الصحيح قليل ( يعني مما يبلغ شرطهما ) بالنسبة إلى ما خرجاه - وأن قول المؤلف أن يصفوا له منه صحيح كثير ـ غير جيد بل هو قليل بالنسبة إلى أحاديث الكتابين لأن المكرر يقرب من ستة الآف .
والذي يسلم من المستدرك على شرطهما أو شرط أحدهما مع الاعتبار الذي حررناه دون الألف فهو قليل بالنسبة إلى ما في الكتابين ـ والله أعلم ـ .
وقد بالغ ابن عبد البر ، فقال : ما معناه أن البخاري ومسلماً إذا اجتمعا على ترك إخراج أصل من الأصول فإنه لا يكون له طريق صحيحه وإن وجدت فهي معلولة .
وقال في موضع آخر : (( وهذا الأصل لم يخرج البخاري ومسلم شيئاً منه وحسبك بذلك ضعفاً )) ، هذا وإن كان لا يقبل منه فهو يعضد قول ابن الأخرم ـ والله أعلم] .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ...
أخوكم : أبو مصعب الميداني الحمصي ...