أدلة ابن حزم على حفظ الله سبحانه للسنة

قال الإمام ابن حزم -رحمه الله تبارك وتعالى- في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) : لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووجدناه -عز وجل- يقول فيه واصفا لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله -عز وجل- إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- على قسمين؛

#أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن.
#الثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو المبين عن الله -عز وجل- مراده منا.

قال الله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا الثاني -يقصد السنة- كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن، ولا فرق، فقال تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} (المائدة: ٩٢) فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع؛ أولها عن آخرها، وهي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله} (النساء: ٥٩) فهذا أصل وهو القرآن، ثم قال تعالى: {وأطيعوا الرسول} فهذا ثان وهو الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال تعالى: {وأولي الأمر منكم} فهذا ثالث وهو الإجماع المنقول إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصح لنا بنص القرآن أن الأخبار -أي: الأحاديث- هي أحد الأصلين المرجوع إليهما عند التنازع، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} (النساء: ٥٩).
والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن وإلى الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا، وإلى كل من يخلق ويركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجنة والناس، كتوجهه إلى من كان على عهده -صلى الله عليه وسلم- وكل من أتى بعده -عليه السلام- وقبلنا ولا فرق؛ يعني: الأمة كلها من أول النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد الصحابة إلى يوم القيامة مخاطبة بهذه الأصول، عند التنازع رد الأمر إلى القرآن الكريم وإلى السنة المطهرة وإلى أولي الأمر، وقد علمنا علم ضرورة أنه لا سبيل لنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعني: كيف سنرد الأمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى؟ هذا معنى كلامه، لا بد أن يكون الأمر إلى سنته.
منقول