ذ/عبد الفتاح بن اليماني الزويني: الإعجاز التشريعي والسياق التربوي للتشريع الجنائي في الإسلام.
.............................. .............................. ...............
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد :لا عجب أن تتشكل خيوط الإعجاز التشريعي ، والإعجاز الكوني ، فالله هو صاحب الخلق والأمر، ويصرح الدكتور عابد السفياني بأن من أبرز ملامح هذه المشاكله والاتساق ما يلي :
1- الكون خلقه الله وقدر فيه طاقاته ، فبقدر ما يتعامل الإنسان معها بقدر ما
يستخرج منها ، فالماء طاقة مقدرة في الأرضإذا استخرجها الإنسان فإنما استخرج
طاقة كامنة يسر الله لها استخراجها ولكنها ليست خلقاً جديداً مستأنفاً في الأرض
[ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِينَ، وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وبَارَكَ فِيهَا وقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ] [ فصلت : 9-10] .
وفي هذه الآية دلالة على أن الله جعل في هذه الأرض جميع ما تحتاجه
البشرية من الطاقات ، وكل جيل يستخرج منها ما يطيق حسب قدراته ونشاطه
ومبلغه من العلم ، وكذلك هذه الشريعة ، جاءت نصوص الوحي بها متضمنة معاني
لا حصر لها ، فقد جعلها الله شاملة لما يشاء أن يعلمه للبشر في جميع أجياله ، وكل
جيل يعلم منها ما يحتاج إليه في جميع شئونه ، فيستخرج منهاجاً يحكم حياته كلها ،
فيحفظ له هذا المنهج عقيدة صحيحة - فيسلم من التخلف العقيدي وهو الارتكاس
إلى الجاهلية البشرية - ويحفظ حياته الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية فتتحقق
حينئذ العبادة في هذه الأرض وهي المهمة التي خلق الله الإنسان من أجلها .
يأتي كل جيل ليرتبط بهذه الشريعة ، ويجد علماؤه فيها كل ما يحتاجه في تلك
الأمور - وليس شيئاً من ذلك قد أنزل إنزالاً جيداً مستأنفاً ، كلا ، وإنما هو متضمن
في هذه الشريعة ، تماماً كما هو الشأن في هذا الكون فيقف كل جيل ليجد ما يحتاجه
من الطاقات في هذا الكون مدخراً له ، ويجد المنهج الصحيح الذي يحكم له جزئيات
حياته مدخراً له في هذه الشريعة فيعلم أن له رباً خلق له كوناً يعيش فيه ليستخرج
طاقاته ، وإلهاً أنزل له شريعة ليستخرج منها ما يبصره بالمنهج الصحيح ، وهذه
أول ملامح تلك المشاكلة بين الإعجاز الكوني والإعجاز التشريعي .
2- إن هذا الكون لا تضاد فيه ولا تناقض بل هو صنعة محكمة مبدعة وهذا
هو الإعجاز الذي يقابله إعجاز تشريعي حيث أنزل الله شريعته لا تضاد فيها ولا
تناقض ولا اضطراب ، بل هي قول محكم .
وملامح هذه المشاكلة تظهر في مثل قوله تعالى عن بيان امتناع هذا الكون عن
الفساد والاضطراب : [ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ] [الأنبياء : 22] .
نعم لو كان في السماء والأرض آلهة إلا الله لاقتضى ذلك أن تتعد الإرادات
في تدبير هذا الكون ، فهذا يسير القمر إلى جهة ، وآخر يأمره بضدها ، وهذا يريد
الشمس جارية ، وذاك يريدها ساكنة ، وحينئذ يقع الفساد ، فلا يمكن أن تتعدد
الآلهة - وكل إله يستحق الألوهية-كلا لو كان كذلك لفسدت السموات والأرض .
وشريعة الله التي هي كلامه المعجز ووحيه إلى نبيه لا يمكن أن تتعارض
ولذلك قال تعالى : [ ولَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ]
[النساء : 82] .
نعم لوكان القرآن من عند غير الله لوجدنا فيه ذلك الاختلاف ، فلما لم نجد
قطعنا حينئذ أنه من عند الله ، مثل سلامة الكون من الفساد دلنا ذلك على أنه من
خلق الله ، وهذا وذاك هو سند الثبات في هذا الكون وفي هذه الشريعة إلى أن تقوم
الساعة فيقدر الله حينئذ ما يشاء ، والثبات هو من أهم معالم الإعجاز التشريعي
والإعجاز الكوني .
3 - من مظاهر الإعجاز في الكون أنك تجده متجدداً معطاء بفضل من الله ،
والإنسان يستثمر ذلك العطاء ، وكلما اتجه الإنسان إلى الاستثمار الصحيح وجد
خيراً كثيراً بإذن الله ، وفي هذا الكون طاقات كلية ثابتة يستخرج منها الإنسان -
عن طريق الاستثمار الصحيح -طاقات جزئية لا حصر لها ، ولذلك يختلف البشر
في إمكان - الحصول على ذلك ما بين مستكثر ومستقل ، وقد حمل الله الإنسان هذا
الجهد ليكابد الحياة ويعمل ويعمر الأرض فتتحقق العبادة بإقامة الخلافة فيها .
والإنسان في كل ذلك ليس خالقاً ولا منشئاً حتى وإن اكتشف ، لأن أصل
الخلقة لله سواء في الكون أو الإنسان ، وجهد الإنسان إنما هو اكتشاف لما يسره الله
له حسب السنن الربانية .
وكذلك هذه الشريعة - التي هي وحي من الله - جعلها سبحانه متضمنة لكليات
تشريعية تحفها جزئيات تشريعية كذلك ، ثم كلف الأمة المتبعة لهذه الشريعة أن تجهد
جهدها في إقامة فرض الكفاية وهو التعلم ، وتهيئة طائفة منها لتقوم بمهمة التعليم
والاجتهاد وذلك كله فرض كفاية ، وعلى الأمة العمل لإقامته ، وهؤلاء المجتهدون
يستثمرون تلك الكليات التشريعية ، وقد علموا منها ومن تلك الجزئيات كيف يتم
الاستثمار وتتحقق مقاصد الشريعة ، وحينئذ يتحقق لكل جيل عن طريق -
المجتهدين- الحكم في مسائل لا يمكن حصرها البتة ، وهذا هو غاية الاستثمار
للكليات التشريعية [1] ، وهذا الاستثمار اكتشاف لحكم الله ، وليس إنشاء ولا
تشريعاً تماماً كما تبين لنا في الإعجاز الكوني ، ذلك أن الله وحده هو الخالق
والمشرع والآمر سبحانه لا إله إلا هو .
4 - من مظاهر الإعجاز الكوني أنك تجد شجرة واحدة - وهي آية من آيات
الله -تتفرع عن أصلها فروع كثيرة جداً ، وتجد أيضاً أنواعاً كثيرة من المخلوقات -
كالهواء والبذر والتربة .. - تجتمع لتخرج - بإذن الله - الزرع بجميع أجناسه ،
الذي يصلح لسد كثير من حاجات الإنسان .
وإنك لتجد هذه الملامح في الإعجاز التشريعي :
فمثلاً إذا تأملت في العموم اللفظي وجدته كأصل الشجرة الواحدة تقوم عليها
تلك الفروع الكثيرة ، فاللفظ العام يشتمل في دلالته على فروع كثيرة ، أصله لفظ
واحد وفروعه لا تنحصر .
وإذا نظرت في مثال آخر وهو العموم المعنوي وجدت جزئيات من الشريعة
قد اجتمعت من كل مكان على معنى واحد ، فأصبح هذا المعنى جنساً ينتج لنا أحكاماً
خاصة بمسائل كثيرة بل يصبح مثل العموم اللفظي ، فهناك لفظ عام تبنى عليه
فروع شتى ، وهنا جزئيات كثيرة يخرج منها أصل واحد يحكم به على جزئيات لا
تنحصر ، فهل رأيت مثل هذا الإعجاز ، شجرة واحدة في الأصل تنمو فروعها
وتتكاثر ، وجزئيات متناثرة-من تراب وماء وهواء وبذور- تجتمع لتخرج بإذن الله
شجرة ذات فروع كثيرة ، عمومات لفظية-هي عمدة الشريعة - يتفرع عن كل واحد
منها فروع لا تنحصر ، وجزئيات كثيرة يتفرع عنها فروع كثيرة جداً تشابهها في
الحكم -عن طريق القياس الشرعي- وهذه الجزئيات تجتمع مرة أخرى لتنتج العموم
المعنوي فيحكم به على فروع لا تنحصر . هكذا في دورة تشريعية معجزة لا أجد
لها شبيهاً إلا تلك الدورة الفلكية أو دورة الزروع والثمار المعجزة في الخلقة ، التي
تظنها قد تقف فينقطع عطاؤها ، فكلما طاف بك طائف من شك أبصرتها تنطلق في
دورة جديدة تبدد تلك الشكوك ، هذه دورة الإعجاز الكوني الذي يقول الله عنها
متحدياً البشر في جميع العصور : [ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَذِينَ مِن دُونِهِ
بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ] [لقمان : 11] .
وهذه هي دورة الإعجاز التشريعي الذي يقول الله عنها متحدياً كذلك : [ قُل
لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ
مَدَداً ] [الكهف : 109] .
أقول - والله أعلم بمراده - إن هذه الشريعة وهي كلام الله لا تنفد أبداً-مهما
قدر الله أن يخلق من الأجيال على هذه الأرض وسيجد فيها كل جيل ما يحتاجه
يستنبطه منها علماؤه -فلا تنفد أبداً ، بل ينفد البحر دون أن ينفد منها شيء .
__________
(1) نتحدث هنا عن الوضع السوي الذي خلق الله الإنسان له ، وإلا فإن هناك أجيالاً تنحرف عن مقصد الإعجازين الكوني والتشريعي فلا هي استثمرت طاقات الكون ، ولا هي اتبعت الشريعة ، وهذه الحالة السيئة مرت بأجيال كثيرة جداً من أجيال البشرية .